الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / سبينوزا والإسلام* الجزء 1

سبينوزا والإسلام* الجزء 1

الكاتب: يوسف جديدي

ترجمة: نور الدين البودلالي

نور الدين البودلالي

من بين الفلاسفة المحدثين الذين قليلا ما ارتبط اسمهم بالإسلام، يحتل سبينوزا مكانة خاصة، إن جاز القول: فهو لم يقل شيئا، أو القليل جدا، عن الإسلام. و هنا بالضبط يكون الأمر أكثر إثارة للدهشة، إذ تتميز المرات القليلة النادرة جذا بعداء غير مفهوم. فهذا اليهودي السفاردي ذو الأصول المرانية كانت له مع ذلك علاقات، معترف بها بشكل متزايد، بالفلسفة والتصوف اليهودي والإسلامي. من ناحية أخرى، كانت اسبانيا، التي ربطته بها علاقات شخصية قوية، موطن العديد من هؤلاء المتدينين الذين ما زالوا يحتفون بالأندلس ويستنكرون «المشرك» الذي استولى عليها. لكن سبينوزا كان له سببا آخر يجعله يحوِّل انتباهه نحو الإسلام. ذلك أن أرض الإسلام كانت، في الواقع، منطلق الأحداث المسيحية  messianiques التي نسقها ورتباها شبتاي تسفي Sabbataï Zevi  والذي كان هو «نبيها». الأحداث التي برز فيها عدد من السفرديون، نذكر منهم على الخصوص حاخام وهران الشهير يعقوب ساسبورتاس، وهي الأحداث التي انتهت، عكس كل التوقعات، بتحولات هائلة طرأت على الديانة الإسلامية. إلى كل هذا يجب إضافة جزئية، قياسُ أهميتها بجدية كبيرة مسألة ضرورية: فامتلاك هذا الفيلسوف لنسخة من القرآن أمر يدفعنا إلى افتراض مكانته، إلى جانب التوراة، في عدد من الصياغات اللاهوتية والفلسفية.

  1. 1- سبينوزا والفكر الإسلامي في العصور الوسطى

في الأدبيات الضخمة المخصصة لسبينوزا، قليلة هي الأعمال التي أثارت علاقات هذا الأخير بالإسلام. من المؤكد أن الموضوع العلاقة هذه صعب، أكثر من ذلك يمكن للمرء أن يفهم تحفظات –بل حتى سكوت- معظم المؤلفين الذين درسوا نشأة نظرية سبينوزا عنها، مما يجعلها صعبة التحديد على أساس المصادر. من هنا تأتي المشكلة الشائكة المرتبطة بشكل خاص بأصولها اليهودية والإسلامية. لكن يبقى للموضوع إغراءاته، بل ويمكنه أن يرصد بعض المفاجآت لكل باحث يرفع التحدي. على أية حال، فابتداء من أعمال مؤلفِين أمثال سلمون مونك، أو هاري أوستري وُولفسون اللذين ندين لهما، في هذه الحالة، بفلسفة سبينوزا)[i]( وفلسفة علم الكلام)[ii](، أصبحت هذه الفكرة معتمدة أكثر فأكثر لدرجة أن عمل فيلسوف أمستردام أصبح هو الآخر «نقاش صريح لكل مشاكل اليهودية والمسيحية وحتى العربية»، كما يؤكد ذلك رولاند كيلوا([iii]).

بالطبع، وكما أكد سالومون مونك، ما إن اهتز صرح الفلسفة المدرسية اليهودية-العربية، حتى كف سبينوزا عن أن يكون، بدقيق العبارة، «فيلسوفا يهوديا» وانتمى، منذ ذلك الحين، إلى الحضارة بمعناها العام([iv]). إلا أن مونك يؤكد في الوقت نفسه على العلاقة القوية بين سمات محددة من السبينوزية والمذاهب الفلسفية العربية([v])، وهذا لا يعني بالتأكيد أي «تقليلٍ» من قيمة مؤلّف كتاب الأخلاق. على أنه لابد من الإقرار، وكما سبق لسيلفان زاك أن أشار إليه، أنه كان هناك بالفعل ميل «لحرمان سبينوزا من المكانة المستحقة له في تاريخ الفلسفة الأوروبية. إذ تتم إحالته إلى الشرق الأدنى بل وإلى الشرق الأقصى كما فعل هيجل»([vi]). علاوة على ذلك فإن الصلات بين هذا النسق الفلسفي ولفكر الشرقي أقدم من هيجل نفسه؛ ثم إن بايل، مثلا، و بولانفيلير و مالبانش استنكروا، إذا جاز القول، «كونفوشيوسية» الفيلسوف الهولندي([vii]).

ومع ذلك، دعونا ننصف هيجل، الذي رأى في فلسفة سبينوزا تحديدا الصرح الأساسي لكل المشاريع الفلسفية، حتى وإن لم تكن في نظره سوى مجرد «بداية». إلا أن هذا يبدو له حاسما، مادام يعتقد أن نزعة ديكارتية، بإرجاعها كل شيء إلى الفكر، ستصبح تالية لهذه لفكرة التي ترى أن ليس هناك سوى جوهر واحد فقط هو وحدة الفكر والطبيعة كامتداد.

يشير هيجل أيضا إلى نقطة مرتبطة بالاستشراق يأخذ فيها سبينوزا موضعا: إنها مذهب اللاكونية. هذا المصطلح لا يعني بالنسبة لهيجل وحدة الله مع للعالم، كما يريده المذهب الحلولي [الواحدي] «المبتذل»، بل على العكس من ذلك اختفاء العالم في الله. وهكذا، ف «المتناهي، أي وجود العالم ليس شيئا حقيقيا، إذ لا شيء يظل قائما بذاته، إلا الذات الإلاهية لذاتها». إلا أن هذا «الوعي بالواحد»، هذه «الوحدة بين الروح و الإله الواحد»، نجده في كل نقائه وسموه لدى الكتاب المسلمين، من قبيل جلال الدين الرومي «الرائع». لذا فالتيار السبينوزي، مثله مثل التصوف الشرقي، نزعة حلولية، نسق من «الخشوع» Andacht، أي «الانسياق الخالص والمجرد، والعلو عن كل ما هو محدود ومنته».

كان الهدف، في المقام الأول، من هذا التقارب مع الشرق فهم إسلام العصور الوسطى وفلسفته([viii])، وأيضا إثارة الطابع ال«محافظ» الذي افتُرِض وجوده لدى السبينوزية، وهو ما كان ينسب بشكل عام لل«شرق»، و أيضا، بطبيعة الحال، للإسلام. فإدوارد فان هارتمان، مثلا، صرح أن  «توحيدية سبينوزا» انكشفت أولا في اسبانيا المسلمة([ix]). تماما كما أكد إيرنست رينان هو الآخر أنه، بمثل ما أن الإسلام مقاوم للتطور، «لم يكن سبينوزا يعش مستحدثات التطور العالمي: إذ العالم كما يتصوره، في إطار الفكر المحافظ، يبدو أنه يتبلور، بطريقة ما، باعتباره مادة ممتدة لا يقبل الفساد »([x]). إلا أنه بدا له أن العلاقة بين فكر سبينوزا والفلسفة العربية تنحصر فقط في مدرسة موسى بن ميمون([xi])، و«البحث عن وجود أي أثر للفكر الرشدي ضمن نسق مفكر أمستردام، هو أمر سوف يتجاوز، عند البحث في الأصول النسقية، الحد الذي يجب أن يتوقف عنده مجرد الفضول: سيكون بمثابة تتبع آثار الوادي في البراري»([xii]).

وعلى العكس من ذلك، يوضح هاري أوستري وولفسون، بمعنى ما، أن سبينوزا كانت لديه معرفة كافية بالمفكرين العرب، وعلى رأسهم ابن رشد، كما يبرزه مثال غيوم دي بلينبرج الذي يدعو سبينوزا إلى عدم التشاجر حول الكلمات، كما علمه ذلك الفيلسوف نفسه([xiii]). والحال، كما يقول وولفسون، أن هذا التعبير يحيل على تهافت الغزالي وإلى الخلاف بين ابن رشد وابن سينا بشأن المحتمل و الجائز([xiv]). فبحسب سالومون كاربي فقد كان سبينوزا محظوظا جدا حضور هذا الجدل لدى الرشدوي ليفي بن جيرسون، الذي عاشره كثيرا.

هنا يمكننا البحث، دون جسارة كبيرة، عن العلاقة القوية بين ابن رشد و سبينوزا، دون المساس بما أمكن لسبينوزا معرفته من ابن رشد بطريقة مباشرة، في تلك المدارس اليهودية حيث تتعاشر الممارسة الضيقة الأكثر انغلاقا بالجسارة الأكثر انفتاحا([xv]).

باختصار، وكما أوضح ستانيسلاس فون دونين بوركوفسكي، قبل قرن تقريبا، إذا كان باروخ الشاب قد انفتح على الفلاسفة المسلمين، فذلك لأنه وجد لديهم «الكثير مما يفتقر إليه إخوانه في الدين؛ فقد وجدهم أكثر وضوحا، وأكثر تميزا، وأكثر موضوعية، وما قرأه […] عند جيرسون، وهسداي كريسكاس وابن عزرا كان مخجلا وغامضا([xvi])». في وقت لاحق، سوف يصر الهولندي وليام مايير مرة أخرى على التقارب بين ميتافيزيقا سبينوزا ونظرته للعالم وبين فكر العالم العربي الاسلامي([xvii]).

قبل أكثر من ثلاثين سنة، قدم روجر أرنالديز ورقة عن «اسبينوزا والفكر العربي([xviii])». وحتى وإن كان ابن طفيل (أبو بكر) الغائب الأكبر عن الشبكة التي رسمها أرنالديز ، وهو (ابن طفيل) الذي قد يكون شكل أحد أكبر القضايا التي اهتم بها اسبينوزا، كما سيتبين لنا أدناه، فإن هذه الشبكة، وإن لم تبرز أية علاقة تقارب مباشرة، تكشف عن إمكانية دراية سبينوزا بأسماء مثل ابن سينا، و ابن رشد، و ابن باجة، والغزالي، والفارابي، و ابن عربي، و ابن حزم، حيث أبانت عن وجود نفس المنهج «الحرفي» المشابه للذي تبناه الحاخام يهودا البخار، على سبيل المثال، في مواجهة عقلانية موسى بن ميمون([xix]).

لكن هذا ما كان ليثير الاستغراب، خصوصا إذا عرفنا أن الفكر اليهودي في العصور الوسطى، ممثلا في أسماء ذائعة الصيت مثل سعيد بن يوسف أبو يعقوب الفيومي، مثلا، أو بن جبيرول، أو ابن ميمون قد أينعوا في رحم الإسلام([xx]). فبالتأكيد، لم يكن سبينوزا يجهل أن «موسى الثاني» كان هو ابن ميمون نفسه، المعروف بأبي عمران موسى بن ميمون بن عبيد الله القرطبي الإسرائيلي، والذي ازداد بقرطبة ومات بالقاهرة، وبرز في بلاط صلاح الدين؛ ولا أن كتابMoré Nebuchim الذي عالجه نصف كتاب «الرسالة اللاهوتية والسياسية([xxi])»، لم يكن في الواقع سوى النسخة العبرية لكتاب دليل الحائرين. ويذكر موسى بن ميمون في كتابه الأساسي، بشكل مباشر أو غير مباشر، وفرة من الشخصيات الفكرية والعلمية الإسلامية، نذكر منها ابن الصائغ بن باجة([xxii])، وجابر بن أفلح[xxiii]، وابن سينا([xxiv])، والفارابي([xxv]) والغزالي([xxvi]). وقد تطرق فيه إلى المواضيع الكلامية الكبرى، التي استفاد منها ليبنتز استفادة كبيرة، وأحيانا في مواجهة سبينوزا نفسه، والتي تأكد معرفته لها، على الأقل من خلال ابن ميمون([xxvii]). إلا أن هذا الأخير الذي نعتهم بال«ثرثرة»، كان هو نفسه موضوع انتقاد في الفصل الأول من كتاب الرسالة اللاهوتية السياسية.

كل هذا يؤكد الفرضية القديمة التي تقول «أن الفلسفات اليهودية والعربية هي التي ساعدت سبينوزا على بناء الأساس العقلاني لنسقه الفلسفي، والعثور على طريقه الخاص وأن يبتعد عن ديكارت([xxviii])». والحقيقة تقال، لقد «كان التصور العربي أقرب إليه من تصور ديكارت([xxix])»، رغم أن فلسفة هذا الأخير ظلت تشكل «قاعدة» فلسفته([xxx]). ثم بعد مرور أكثر من قرن على الفيلسوف الهولندي، جاء فيلسوف يهودي أوروبي آخر، و هو «تلميذ» متأخر لابن ميمون و مَحْمِيُّ موسى مينسيلسون، يسمى سالومون ميمون، يدعي هو الآخر انتسابه لفكر ليبنتز وسبينوزا، و ينتصر، مع كانط نفسه، للفلسفة العربية، هذا في الوقت الذي كان فيه فيلسوف كونيغسبرغ يعلن، وفقا لصيغة هيردر، أنه ابتعد منذ ذلك الحين عن «مسارات فلسفة ابن رشد».

من المؤكد أن سبينوزا كان يتوفر على نصوص عربية مترجمة إلى العبرية([xxxi]). لكن ليست المصادر اليهودية وحدها هي التي دانت له المواضيع الرئيسية للفكر العربي. فأتيلانو دومينغيز، على سبيل المثال، في بحثه حول المؤلفيْن المدرسِيَيْن: الإسباني سواريز والهولندي هيربور، وأثرهما في الأفكار الميتافيزيقية لسبينوزا([xxxii])، يشير إلى أن في كتاب نقاشات لسواريز، مثلا، يظهر ابن رشد وابن سينا أكثر من مائتين وخمسين مرة([xxxiii]).

وعلى أية حال، وكما أشار إلى ذلك روجيه أرنالديز بشدة في السابق،

فكون سبينوزا ينتمي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، فقد تلقى تربية يهودية: إنه يعرف العبرية ويعرف التوراة ومؤلفات الحاخامات كما يعرف فلاسفة يهود العصور الوسطى. إلا أنه لا يمكن، من ناحية، إنكار أن قضايا تأويل النصوص المقدسة و، على الخصوص، استخدامها اللاهوتي والقانوني، إن لم تكن لدى اليهود والمسلمين متطابقة تماما، فهي على الأقل جد متقاربة. […] ولا يمكن، من ناحية أخرى، إنكار تواجد بيئة ثقافية مشتركة، خاصة في اسبانيا، تجمع كل المفكرين الذين يشتغلون على ضوء رؤية مزدوجة تجمع بين الفلسفة اليونانية و الاسكندرانية، والوحي التوحيدي، سواء تعلق الأمر بالتوراة أو الإنجيل أو القرآن. […] ولهذا السبب فمن المحتمل أن يكون سبينوزا، إلى حد ما، قد تم تحسيسه، بفضل تكوينه الأولي، بهذه اللغة الفلسفية المشتركة، وبرؤيتها للقضايا، وطرقها في طرحها ومعالجتها. وقد كان من المستحيل عليه معرفة بن ميمون دون أن يعرف ضمنيا شيئا من الفكر الرشدي([xxxiv]).

ربما قد يكون فصل المقال لابن رشد هي الكتابة المباشرة الوحيدة حول هذه المسألة التي حسم فيها سبينوزا صراحة، ولكن بطريقة مختلفة تماما. غير أن الأطروحة التي بلورها ابن رشد في كتابه فصل المقال، قد «يبدو أنها مارست تأثيرا معينا على الرسالة اللاهوتية والسياسية لسبينوزا» كما يقول ليون غوتييه. ثمة بعض الفقرات في هذه الرسالة التي تبدو مماثلة لفقرات من فصل المقال في شأن التوافق مع الدين عند ابن رشد، لكن يصعب إثبات مصادرها([xxxv]). على أية حال، حتى لو كانت كتابة ابن رشد عرضة لنفس الانتقادات التي وجهها لها كل من سبينوزا وابن ميمون([xxxvi])، فهذا لا ينفي «التماثل، وأوجه التشابه، والصلات بين طروحات كل من ابن رشد و سبينوزا حول مسألة العلاقات بين الإيمان والفلسفة([xxxvii])».

والحق يقال، فإن العلاقة بين النقل والعقل قد شغلت جميع الفلاسفة المسلمين الآخرين([xxxviii]). فابن سينا، مثلا، تحدث هو الآخر، بعد الفارابي، حول هذه المسألة. بالمقابل، في إطار ندوة عقدت منذ بضع سنوات بأنقرة كُرست لآبن سينا، عمل الجامعي التركي أحمد أرسلان، وهو يرسم حدود مسألة العلاقات بين الفلسفة والدين لدى كل من الفيلسوف المسلم ومؤلِّف الرسالة اللاهوتية والسياسية، على إبراز الصلات القوية بين الفيلسوفين، والتي تسمح بجدية افتراض تأثير ابن سينا والفارابي على اسبينوزا، خصوصا على طريقة التعامل مع المسألة والأخذ بعين الاعتبار الحلول([xxxix]).

أقل ما يمكن قوله، إذن، هو أنه «حينما يتعامل اسبينوزا مع الدين وتأويل النصوص المقدسة، حتى و إن كان لا يفكر إلا في اليهودية، فإنه يتحرك في المياه المألوفة جدا لدى المفكرين المسلمين([xl])». الخطوط العريضة التي قدمها أرنالديز واضحة بما فيه الكفاية للتحفيز على القيام ببحوث ومقاربات جديدة، على غرار ما حاول هو نفسه القيام به، مثلا، مع ابن عربي من مورسيا وابن باجة. بوسعنا أيضا أن نشير، فيما يتعلق بهذه النقطة، إلى البحث القصير الذي أجراه صلاح المصباحي([xli]) والهامش الصغير لرافائيل رامون غيريرو حول «الفلاسفة الإسبان المسلمون وسبينوزا: ابن باجة وابن طفيل([xlii]

في هذا السياق يؤكد روجي غارودي على الصلات القوية بين مذهب اسبينوزا والالتزام «الدنيوي» -للتحدث باستعمال تعبير ماكس فيبير- الممتزج مع الانفصال الداخلي الذي يوصي به التصوف الإسلامي. وهكذا فإنه يرى أن العلاقة تجاوزت مجرد تشابه، إنها نوع من التقارب الغير المباشر، بين المفهوم الإسلامي للفعل وبين مفهوم اسبينوزا: التصرف وفق أحكام المطلق والانتقال من الأخلاق إلى الرسالة اللاهوتية والسياسية. ربما هذا هو ما استفاده اسبينوزا من التراث الإسلامي، خاصة من المدينة الفاضلة للفارابي([xliii])، عبر الأعمال العربية للفيلسوف اليهودي، ابن ميمون.

يستحضر خوان أنتونيو باتشيكو بانياغوا، في نفس الاتجاه، الصلات الوثيقة بين مواطنه في العصور الوسطى، الصوفي الشهير أبو القاسم بن العارف الألميري، وبين سبينوزا، مستندا على محاسن المجالس للأول والأخلاق للثاني([xliv]). زيادة على هذه الدراسة الموحية، يمكن إضافة دراسات مشابهة، من بينها تلك المتعلقة بالاعتقاد القوي بالقدر([xlv]) و، في نفس الوقت، الريبة في الحركات التبشيرية، وتلك المرتبطة بحركة الموحدين، بالنسبة لابن العارف([xlvi])، والحركة السباتائیة [نسبة إلى سبتاي تسفي]، بالنسبة لسبينوزا.

نُعتقد أن هناك أوجه تشابه كثيرة قائمة بين اسبينوزا والكتاب المسلمين. ليس بالتأكيد لإقامة علاقة تقارب بينهما بأي ثمن، ولكن أيضا لاتخاذ الطريق المعاكس. إذ يؤكد أرانالديز أنه إذا كانت مساهمته «تلقي بعض الضوء على اسبينوزا، فإن الأمر المؤكد هو أن فهم اسبينوزا يساعد على فهم كثير من المفكرين المسلمين بعمق([xlvii])». إن اهتمام الفيلسوف الهولندي بالإسلام –وإن كان خجولا بالتأكيد- يدعم هذا القول، وستُبرِز دراسة ببليوغرافية مدى سعته. يمكننا أن نكوِّن فكرة أولية بفضل مبادرات مثل تلك التي قام بها صلاح مصباحي، حتى لو كان البحث يخص فقط المنطقة الناطقة باللغة العربية، والتي لا تقتصر على المسلمين([xlviii]).

مصباحي هو واحد من هؤلاء الأكاديميين التونسيين الذين يظهرون اهتماما فريدا باسبينوزا؛ كما يمكن أن نذكر من بين هؤلاء الأكاديميين رباح الزاوي([xlix])، وعلي الشنوفي([l]) وفاطمة حداد الشماخ. هذه الأخيرة، صاحبة أطروحة الدكتورة حول الفلسفة السياسية لسبينوزا([li])، قدمت العديد من المساهمات حول هذا الفيلسوف([lii]) وحول أوجه التقارب بينه وبين المفكرين المسلمين في العصور الوسطى([liii])، وحتى في العصر الحديث. و قد تناولت، بحق، هذه النقطة الأخيرة بالدرس في تدخلها خلال ندوة «اسبينوزا اليوم»، الذي كان بموضوع «راهنية الرسالة اللاهوتية والسياسية لاسبينوزا. من أجل قراءة نقدية لنصوص ال”نهضويين” العرب المسلمين من أواخر القرن 19 إلى نهاية القرن العشرين». وكما نرى فإن اسبينوزا لايزال لديه مستقبلا ضمن الفكر الإسلامي.  

يمكننا في جميع الأحوال افتراض هذا الأمر، خصوصا إذا أضفنا للأسماء المذكورة اسم يوسف الصديق. فعلاقات هذا الفيلسوف والأنثروبولوجي التونسي باسبينوزا ترجع إلى رسالته لنيل شهادة الدراسات الجامعية للفلسفة، التي دافع عنها في تونس، في موضوع «محددات الرغبة والحب لدى كل من ابن سينا و اسبينوزا([liv])». وقد تركز اهتمامه فيما بعد على دراسات متعلقة بالقرآن([lv])، التي كانت موضوع أطروحته للدكتورة، وعلى غيرها من الأعمال التي أعطته شهرته([lvi]). إلا أن اهتمام يوسف الصديق باسبينوزا لم يتراجع أبدا، كما تكشف عن ذلك ورقته الأخيرة التي قدمها خلال اليوم الدراسي المخصص للدراسات القرآنية([lvii]) والذي كان عنوانه «نحو اسبينوزا للقيام بدراسات قرآنية»، وإن الاكتفاء به لوحده، في الواقع، لا يمكن أن يكون ذا دلالة.

2 – العلاقة بالإسلام: من أمستردام إلى الأندلس

بدءا لابد من الاعتراف أن الجمع بين اسبينوزا والإسلام –المصطلح الذي لم يستعمله الأول أبدا- في نفس السياق أمر غير عادي. لربما كان فيلسوفنا هو أول ساخط عن ذلك، إذا ثقنا بتأكيداته الخاصة حول هذه «الخرافة»، والتي تمخضت عنها أضخم «كنيسة» لم يكن لها مثيل من قبل –أقوى حالات الخيانة من قبل صاحب الرسالة اللاهوتية والسياسية. فإلى أي حد عرف الإسلام؟

أما الفيلسوف نفسه فقد التزم الصمت المطبق تجاه هذه النقطة. ومع ذلك ثمة كراهية محيِّرة تبرز من خلال مقاطع متناثرة بين الرسالة اللاهوتية والسياسية والتأملات و في مراسلاته، والتي يجب أن نضيف إليها الرسالة السياسية، والتي تضمنت بعض الملاحظات على الاستبداد التركي ثم إشارة غامضة عن هيمنة الموريون Maures على منطقة الأرغون. تمنينا أن يكون أكثر إسهابا حول هذه النقطة الأخيرة، علما أن لديه اهتماما كبيرا بإسبانيا([lviii]). هل كان اسبينوزا أكثر عداء للإسلام من معاصره باليز باسكال، الذي ترك فقرات([lix])، ضمن مؤلفه اعتذار للدين المسيحي، موضوعها مهاجمة الإسلام؟

يمكننا أن نشارك روجيه أرنالديز دهشته، من حيث أن «سبينوزا لا يعير الإسلام أي اهتمام، على خلاف باسكال([lx])». لكن لا يمكن أن نفترض لديه نفس سوء الفهم لحضارةٍ كان لإخوانه في الدين معها، في زمنه ذاك، علاقات قوية جدا. وما يثير الدهشة أكثر صمته في الوقت الذي كانت أمستردام في عصره تعرف تجمعا قويا لليهود السفاردميين([lxi])، الذين لا يتحدثون فقط «الإسبانية، والبرتغالية، والإيطالية، ويقرأون اللاتينية والإغريقية؛ و غالبا الفرنسية([lxii])». فالبعض منهم، وأغلبهم ذووا صيت واسع، كانوا يتحدثون العربية أيضا، على غرار يعقوب ساسبورتاس الشهير([lxiii]).

كل المؤشرات تسمح بتخيل باروخ الشاب وهو ينعم بأجواء عائلية و اجتماعية، كانت فيها اسبانيا المسلمة ماتزال قائمة، لليهود فيها وجود قريب، على حد تعبير رينان، ل«ما يشبه ذكرى القدس([lxiv])»، وحيث عرفت الطائفة اليهودية الإسبانية واحدة من أزهى فترات تاريخها الثقافي. والحقيقة أن «الثقافة العربية في اسبانيا المسلمة ميزت بينبوعها الذي لا ينبض، خلال القرون القادمة، الطائفة اليهودية الإسبانية([lxv])». ولم يبالغ غاي مارُوَاني في جعل اسبينوزا نفسه يلبس نفس «حداد اسبانيا ما قبل الملوك المسيحيين» التي بلوره إخوانه في الدين([lxvi]). وحتى إن لم يكن يبدو عليه الاهتمام، فلا يمكن لسبينوزا تجاهل قسوة ملوك اسبانيا على رعاياهم اليهود والمسلمين. والواقع أن اسبينوزا كان ينتمي إلى هذا الجيل الأول من اليهود الإيبيريين المولودين في هولندا، الذين ربوا في ظل يهودية معلنة والذين، دون أن يفقدوا تقليد حب آبائهم لإسبانيا ولغتها وتقاليدها، شاع بينهم أيضا «اشمئزاز[هم] للسلطة السياسية والتفتيشية الإيبيرية([lxvii])».

من جهة أخرى، وباعتبار امستردام مدينة للطباعة والنشر –وقد كان مناسح بن إسرائيل نفسه ابن الحرفة ويملك أول مطبعة عبرية-، كان من المألوف أن تشهد المدينة صدور مؤلفات بلغات أوروبية هي مؤلفة أصلا باللغة العربية، مثلما هو الحال بالنسبة ل الحجة والدليل في نصر الدين الذليل [المعروف ب Kuzari] للفيلسوف والشاعر اليهودي يهودا هليفي خلال القرن الثاني عشر إبان الدولة الإسبانية المسلمة([lxviii])، أو حي بن يقظان لابن طفيل. هناك ربما ما هو أفضل بالنسبة لهذا العمل الأخير. فأول ترجمة هولندية لها –وأيضا الأولى إلى لغة عامية أوروبية- صدرت –مجهولة- عام 1672، وقد نسبت في فترة ما إلى اسبينوزا نفسه. ويرجع السبب في ذلك إلى أن إعادة طبع هذه الترجمة عام 1710 حملت الأحرف الأولى الثلاثة S.D.B، واعتقد أن اسبينوزا قد عكسها لإخفاء هويته([lxix]). في وقت لاحق، سيتم العثور بمكتبة روزنتال بأمستردام على نسخة من أعمال الموجودة بعد وفاة هذا الأخير من بينها ترجمة لاتينية لحي بن يقظان

فرضية ترجمة هذا الكتاب من قبل اسبينوزا هي الآن مهجورة كليا تقريبا. هذه المهمة نسبت إلى صديقه الحميم جون بويميستر، بعدما كلفته الجمعية الفنية والفلسفية «بقلب يقض لا شيء يستحيل Nil Volentibus arduum» بإنجاز هذا المشروع وبتشجيع من فيلسوفنا([lxx]). لكن حين نقر بهذا، علينا أن نثبت أيضا أن هذه الترجمة قد تم إجراؤها انطلاقا من النسخة اللاتينية التي أنجزها إدوارد بوكوكي، الصادرة بأوكسفورد سنة 1671، وليس عن النسخة العربية الأصلية، كما تعتقد بذلك فاطمة حداد شماخ([lxxi])، متبعة في ذلك كوينغاد أويدج ميينسما، الذي اعتمد هو نفسه على أطروحة ألبير يعقوب كروننبورغ استنادا إلى الجمعية «بقلب يقض لا شيء يستحيل»([lxxii]). القول بخلاف ذلك سيعني أن اسبينوزا كان له أصدقاء عرب من بين أقرب أصدقائه –كما هو الحال بالنسبة للطبيب اليهودي المصري-، مما سيكون له بالتأكيد عواقب غير متوقعة على علاقته بالفكر العربي والإسلامي.

ربما لا يجب الآن إهمال هذا المسار، الغير المتيقن منه لحد الساعة، خصوصا إذا علمنا بالإقبال الكبير على اللغة العربية الذي كان عليه الحال في ذلك الوقت، كما يوضحه مثال الفلاسفة الطبيعيين الإنجليز([lxxiii]). لكن لا يمكن أن ننسى النسخة العبرية المجهول صاحبها لحي بن يقظان  التي اعتمد عليها، في تعليقه عنه([lxxiv])، الابن سيناوي اليهودي البروفنسالي الكبير المنتمي للقرن الرابع عشر: موسى ناربون([lxxv])، الذي لم تكن فلسفته سوى «استعراض وتصحيح لفلسفة موسى بن ميمون برمتها على ضوء أفكار ابن رشد([lxxvi])». «لذا فمن المحتمل، كما يفترض ذلك خوان دومينغو سانشيز إستوب، أن اسبينوزا إن لم يكن، بنموه في بيئة من أصول يهودية، يعرف، رواية حي بن يقظان فهو يعرف على الأقل التعليق عنها، وهذا قبل صدور ترجمتها اللاتينية لصاحبها بوكوك بمدة([lxxvii])».

ويشق سانشيز إستوب طريقا آخر ينتقل من رواية ابن طفيل إلى الرسالة اللاهوتية والفلسفية فإلى الأخلاق، حتى وإن لم يستطع الفيلسوف العربي أن يساير الفكرة التي توصل إليها اسبينوزا بصدد التماهي بين الله والطبيعة، بغض النظر عن قبوله أو عدم قبوله لفكرة خلود الله والطبيعة المشترك. من هنا جاء رفض ابن طفيل للمادة [الجسد]، الأمر الذي لم يقم به اسبينوزا إذ، «حتى في أكثر لحظات أخلاقه غموضا»، لم يترك لنفسه أية فرصة للانجذاب نحو أي شكل من أشكال التعالي، باعتبار أن خلاصه فطري، أي أنه بالتحديد دنيوي. من ناحية أخرى، أقر سبينوزا بكل يقين، تماما كما فعل سلفه المسلم، بإمكانية الخلاص استعانة بالعقل الطبيعي، مادامت «هناك طريق عقلية تقود إلى الخلاص، إلى التوحد مع الله وإلى الخلود». و الرسالة اللاهوتية والفلسفية وحي بن يقظان «متفقان كلية» حول هذا الخلاص، ولا يمكن للمعرفة أن تؤدي إليه إطلاقا إذا لم تدعمها «الطاعة والتقوى([lxxviii]

حي بن يقظان هو عمل حداثي رائع، شكل منذ القرن السابع عشر ثروة استثنائية، حيث كان محط جدل ديني وسياسي بإنجلترا أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر([lxxix]). فالكويكرون  quakers [يدعى بهذا الاسم المنتمون لجمعية الأصدقاء الدينية]، على الخصوص، قد وجدوا في حي بن يقظان، منذ ذلك الحين، وكما أشار إليه أرنست رينان من قبل، «كتابا تنويريا([lxxx])». في القرن الثامن عشر كان فيلسوف برلين اليهودي الكبير موسى مندلسون يوصي به كواحد من المؤلفات التي تضمن درجة عالية من التكوين الفلسفي([lxxxi]). لابد أن هذا الداعية للتنوير الألماني، وهو يقوم بهذا التوجيه، لم يكن يتبع فقط تقليدا يهوديا فحسب، لكن من المحتمل أيضا أنه كان يتبع حكم واحد من قاداته في الفكر الذي هو ليبنتز. والحق أنه بالنسبة لهذا الأخير،

كان لدى العرب فلاسفة، وكانت مشاعرهم تجاه الألوهية عالية تماثل تلك التي كانت جد راقية لدى الفلاسفة المسيحيين. يمكن معرفة هذا الأمر من خلال الكتاب المميز للفيلسوف العصامي الذي ترجمه السيد بوكوك عن العربية([lxxxii]).

نسجل الآن أن الفيلسوف العصامي لا يمجد، في جميع الأحوال، سوى الطريق –الأفلاطوني الجديد([lxxxiii])- للخضوع لله عن طريق النور الطبيعي، وهو ما واصل اسبينوزا التأكيد عليه([lxxxiv]). فما يعلِّمه حي بكل بساطة هو الايمان الطبيعي –الفطرة– الذي نجده مطلوبا في القرآن والذي بدونه لا يمكننا فهم الإسلام([lxxxv]). هذه «الربوبية الأكثر نقاءً»، التي يرمز بها أرنست رينان إلى الإسلام والتي يبدو أـن اسبينوزا يتجاهلها بشكل واضح، أدركها ليبنتز بكل وضوح([lxxxvi]). لابد من الاعتراف أن اسبينوزا، في هذه النقطة، قد كان أقل حداثة من معاصره الألماني.

3 – الحلقة السبتية

منذ مدة طويلة تم توقع مجيئ الماشيح [المسيح] إلى أرض الإسلام([lxxxvii]). و اجتاحت بالفعل في أرض الإسلام، بالضبط في سميرنا [إزمير حاليا] والقاهرة وحلب والقدس والقسطنطينية، وفي حياة اسبينوزا نفسه، موجة ماشيحية عارمة، بدأها من بلاد تركيا العظمى شخصين يهوديين: سبتاي تسيفي و هو «نبيها»، وناثان بنجامين ليفي، المدعو ناثان الغزاوي [نسبة إلى غزة]. كما برزت أيضا من أرض الإسلام أسماء تألقت كالجزائري الشهير يعقوب ساسبورتاس، الذي سيصبح من أشد معارضي الحركة([lxxxviii])، و الطرابلسي ذو الأصول الإسبانية، ‫أبراهام ميغيل كاردوزو‎ الذي سيصبح، إضافة إلى ناثان الغزاوي، من أعظم لاهوتي اليهودية المغاربيين([lxxxix]).

يمكننا أن نتصور حجم هذه الحركة، التي انتشرت كالنار في الهشيم من أسيا الصغرى إلى اليمن، وامتدت إلى إنجلترا وهولندا وأوروبا الشرقية. وبما أن حاخامات أمستردام تألب أغلبهم لنصرة الماشيح اليهودي، فإن هذه المدينة ستلعب دورا كبيرا في مستقبل السبتيين([xc]). وهكذا، ففي نهاية سنة 1665، سيقوم هنري أولدنبورغ، الصديق الألماني لسبينوزا ومراسله باللغة الإنجليزية، بزيارته، لأنه في إنجلترا، كما في غيرها من البقاع:

هناك الكثير من الكلام حول عودة الإسرائيليين المتناثرين لأكثر من ألفي سنة إلى بلادهم. قلة من الناس يعتقدون في ذلك، لكن أكثرهم يتمنونه. هل تسمحون لي بمعرفة ما ترونه وما تفكرون فيه بخصوص هذا الموضوع. بالنسبة لي لا يمكنني أن أثق في هذا، رغم أني توصلت بالخبر من مصادر موثوقة بها من قسطنطينية المدينة ذات الاهتمام الكبير بالموضوع. سأكون سعيدا بمعرفة ما يعلمه يهود أمستردام في الموضوع وكيف استقبلوا الخبر الذي سيحدث بالتأكيد اضطرابا كبيرا في العالم([xci]).

لسوء الحظ ضاع رد اسبينوزا([xcii])، ولا نعرف موقفه الحقيقي من هذه الأحداث. لكن يمكننا أن نحكم مسبقا أنه كان مهتما بالحدث، وبالمنطقة الإسلامية التي كانت مسرحا له. من المعروف أن المخزون «الكامل» الذي تركه هذا «الزاهد» -إن لم نقل هذا الفقير الزاهد faqīr ([xciii])- كشف عن وجود حاجيات قادمة بالفعل من «تركيا»، بما في ذلك بنطلون ومعطف([xciv]). إنه إرث غريب لرجل يرثي، في مقدمة الرسالة اللاهوتية والسياسية، أنه « قد يكون من المستحيل تقريبا معرفة ماهية الإنسان: مسيحي، أم تركي [مسلم]، أم يهودي أم مشرك، إلا ما إذا استثنينا كسوته وثيابه، أو إن كان يتردد على بيت العبادة أو إذا كان، في النهاية، ملتزما بهذا الرأي أو ذاك أو يثق ثقة عمياء بهذا الشخص أو ذاك. فيما عدا ذلك فهم جميعا سواسية في حياتهم».

لا نعرف أيضا ماذا كان رد فعل اسبينوزا حينما ارتد، في العام التالي، الماشيح الجديد، سبتاي تسيفي، عن اليهودية، بدلا من «رفع التاج عن رأس السلطان وافتتاح عصر الماشيح الجديد([xcv])»، وسمى نفسه محمد عزيز أفندي، مثيرا بذلك ذعر جميع اليهود المتناثرين في الشتات. سبعة عشر سنة بعد ذلك، اي ست سنوات بعد وفاة اسبينوزا، حدثت موجة ردة الكبيرة عن دين اليهودية، أدت إلى نشوء «مران marranes البلقان المسلمين([xcvi])»، والملقبون بالدونمة (Dönmeh)([xcvii]). وقد قاد الحاخام جوزيف فيلوسوف، صهر سبتاتي تسيفي، بنفسه تغيير ديانة مئات العائلات اليهودية([xcviii]). وكما فعل سبتاتي تسيفي نفسه، سيبقي هؤلاء المسلمون الجدد على علاقات سرية مع التصوف التركي الشعبي([xcix]).

الواقع أن اسبينوزا لم يفصح أبدا عن موقفه تجاه هذه النقطة. لكننا نعلم، بشكل عام، أنه لم يكن يعارض تحول اليهود إلى ديانات أخرى، مادام أن هذا يتم وفق اختيار حر و أنه يؤدي بشكل طبيعي أيضا – و اسبينوزا يصر على هذه النقطة- للحصول على امتيازات ومكانات اجتماعية([c]). وتأسيسا على هذا المبدأ، كان الميل إلى الاتفاق على أنه لا يعارض تحول اليهود إلى الإسلام، كما يوحي إلى ذلك مقطع من رده على يعقوب أوستن، والذي سنعود إليه فيما بعد، تحدث فيه عن إمكانية خلاص المسلمين عن طريق العدل و الاحسان([ci]). إلا أن هذا الافتراض، الذي مفاده أن لا سبب يدعونا إلى اعتبار رد فعله عن الماشيحية متأخرا، هو بنفس القدر من الخطورة فيما يتعلق بضده. الإقرار بالعكس سيكون مقبولا أكثر، لأنه، في الحقيقة، إذا كان اسبينوزا بعيدا عن تهنئة ألبير بورغ ل«عودته» للمسيحية، فإنه كان أقل استحسانا لتحول اليهود إلى الإسلام، إذ أن كنيسة أكبر هي خرافة خداعة أكثر. بالمقابل، إن عودة ظهور الدولة اليهودية، هو احتمال يراه مقبولا بشكل كبير، إذ «حتى إن لم تُضعف مبادئُ دينهم قلوبَهم، فإني، لعلمي بتغير الشؤون الإنسانية، أعتقد دون تحفظ أن اليهود سيعيدون تأسيس امبراطوريتهم في أقرب فرصة ممكنة وأن الله سيختارهم مرة أخرى(


المصدر

  • Djedi, Y. (2010). « Spinoza et l’islam : un état des lieux ». Philosophiques, 37(2), 275–298. doi:10.7202/045184ar

الهوامش

The Philosophy of Spinoza, Cambridge/London, Harvard University Press, 1934.   [i]

The Philosophy of the Kalam, Cambridge (Mass.)/London, Harvard University Press, 1976.-[ii]

[iii].  – Cf. son avertissement dans B. Spinoza, OEuvres complètes, Paris, Gallimard, 1954, p. 7

[iv] – S. Munk, Mélanges de philosophie juive et arabe, Paris, Vrin, 1955, p. 511. Cf. aussi H. A. Wolfson, The philosophy of the Kalam, op. cit., p. 739.

.[v]  S. Munk, op. cit, p. 333

[vi] —     « Spinoza et ses rapports avec Maïmonide et Moïse Mendelssohn », in Spinoza, science et religion, De la méthode géométrique à l’interprétation de l’Écriture sainte, Paris, Vrin, 1988, p. 7. Cf également M. Hulin, « Spinoza l’Oriental ? », in Cahiers Spinoza [éd. Réplique] (1983), n° 4, pp. 139-170 ; O. Lacombe, « Spinoza et les philosophies de l’Inde », in Revue de synthèse (1978), XCIX, 3e série, n° 89-91, pp. 143-147 ; J. D. Sanchez Estop, « Ibn Tufayl et= =Spinoza, une rencontre en exil », in F. Haddad-Chamakh et Baccar-Bournaz, L’écho de la prise de Grenade dans la culture européenne aux XVIe et XVIIe siècles, Tunis, Cérès Editions, 1994, p. 279

[vii] – Y. Djedi, Max Weber et l’islam, Lyon, ENS, 2006, pp. 222-223 ;Y.-T. Lai, « The Linkingof Spinoza to Chinese Thought by Bayle and Malebranche », in Geneviève Loyd (ed.), Spinoza. Critical Assessments, London/ New York, Routledge, 2001.

[viii]  – M. Hulin, loc. cit., p. 145.

[ix]   – Das religiöse Bewußtsein der Menschheit im Stufengang seiner Entwicklung, Berlin,Dücker, 1882, p. 543.

[x]  – Spinoza, Paris, Calmann-Lévy, 1877, p. 9. Comparer avec le Court traité, I, chap. IV.

[xi]  – OEuvres complètes, III, Paris, Calmann-Lévy, 1949, pp. 51, 145, 148-149, 151-152,158-160.

[xii]  – Ibid., p. 163.

[xiii]  – Lettre XX, in B. Spinoza, OEuvres complètes, pp. 1183-1201.

[xiv]  – The Philosophy of Spinoza, I, op. cit., p. 190 et n. 3.

[xv]  – Essais de critique et d’histoire de philosophie, Paris, Alcan, 1902, pp. 109-117.

[xvi]  – Cf. S. v. Dunin Borkowski, Spinoza, I : Der junge De Spinoza. Leben und Werdegang im Lichre der Weltphilosophie, Münster i. W., Aschendorff, 1933 (la première édition date de 1910), pp. 225-226

[xvii]  —     «Overeenkomst van Spinoza’s wereldbeschouwing met de Arabische wijsbegeerte », in Tijdschrift voor wijsbegeerte (1920), XIV et « De consensus metaphysicae Spinozanae cum philosophia Arabica sive Moslemitica », in Chronicon Spinozanum (1922), II, pp. 14-19

[xviii]  – Revue de synthèse (1978), XCIX, 3e série, n° 89-91, pp. 151-173.

[xix]  – Id., loc. cit., pp. 153-155.

[xx]  – Cf. pour une vue d’ensemble notamment M.-R. Hayoun, Les Lumières de Cordoue à Berlin. Une histoire intellectuelle du judaïsme, Paris, Lattès, 1996.

[xxi]  – Cf. sur les rapports de Spinoza avec Maïmonide notamment A. Chennoufi , « Spinoza et Maïmonide », in H. Haddad-Chamakh et A. Baccar-Bournaz, op. cit., pp. 259-265 ; J. I. Dienstag, « The Relations of Spinoza to the Philosophy of Maimonides : An annotated Bibliography », in Studia spinozana (1986), II, pp. 375-416 ; E. M. Curley, « Maïmonide, Spinoza et le Livre de Job », in Architectures de la raison. Mélanges offerts à Alexandre Matheron, Fontenayaux- Roses, ENS Editions, 1996, pp. 103-135

[xxii]  – Guide des égarés ( S. Munk, dir.), op. cit., II, pp. 81-82, 185-186 ; III, p. 222

[xxiii]  –  Ibid., II, p. 81

[xxiv]  – Ibid., II, p. 86

[xxv]  – .Ibid., I, p. 404 ; II, pp. 126-127, 139, 159-160 ; III, p. 139

[xxvi] – Ibid., I, p. 383

[xxvii]    – Cf. S. v. Dunin Borkowski , op. cit., pp. 228-229

[xxviii]  – F. Haddad-Chamakh, « Écho du récit du Philosophe autodidacte d’ibn Thofail dans la culture européenne du xviie siècle », in id. et Baccar-Bournaz, op. cit., pp. 270-271

[xxix]  – S. Dunin Borkowski, op. cit., p. 229

[xxx]  – J. D. Sanchez Estop, « Ibn Tufayl et Spinoza, une rencontre en exil », in F. Haddad-Chamakh et Baccar-Bournaz, op. cit., p. 279.

[xxxi]  -31. S. v. Dunin Borkowski, op. cit., p. 556, n. 42.

[xxxii]  – Domínguez, « Las fuentes de los Cogitata metaphysica. Analogias lexicas con Suárez y Heereboord », in P. Totaro (dir.), Spinoziana. Recerche di terminologia fi losofi ca e critica testuale, Roma, Leo S. Olschiki, 1997, pp. 63-89

[xxxiii]  -Domínguez, loc. cit., pp. 66-67. Il faut ajouter par ailleurs qu’en fait de legs scientifi que musulman, Spinoza possédait deux exemplaires du De sphera, où Jean de Hollywood avait condensé toute la science astronomique des Arabes (A. J. Servas van Rooijen, op. cit., p. 134). Le philosophe s’en était servi pour la composition de son Traité de l’Iris ou de l’arc en ciel, (cf. Jean Colerus in B. Spinoza, OEuvres complètes, op. cit., p. 1531). Cela montre au moins que l’intérêt de Spinoza pour la science arabe n’était pas moindre que celui de Leibniz, dont on connaît l’admiration pour celle-ci

[xxxiv]  –  Arnaldez, loc. cit., pp. 151-152

[xxxv]  – Ap H. Sérouya, La pensée arabe, Paris, P.U.F., 1962, p. 120

[xxxvi]  – Cf. F. Haddad-Chamakh, « Foi et philosophie chez Spinoza et les péripatéticiens arabes — Spinoza et Averroès », in Spinoza, sciences et religion, op. cit., pp. 165-166

[xxxvii]  – F. Haddad-Chamakh, loc. cit., pp. 157-164. Le problème a été traité encore plus récemment par Ahmed Alami avec sa contribution, « Spinoza et Averroès », lors du colloque Spinoza aujourd’hui, Cenisy-La-Salle, Centre Culturel International, du 20 au 30 juillet 2002

[xxxviii]  – Cf. p. ex. A. Badawi, Quelques figures et thèmes de la philosophie islamique, Paris, Maisonneuve et Larose, 1979, pp. 104-111

[xxxix] – Cf. le résumé allemand, « Das Problem der Beziehungen zwischen Philosophie und Religion bei Ibn Sina und Spinoza », de sa contribution en turc sur le même thème, in UluslararasiIbn Sina sempozyumu bildirilerri, Ankara, 1984, pp. 412-413

[xl]  – R. Arnaldez, loc. cit., pp. 154-155

[xli]   – «Spinoza et Ibn Bajja », in F. Haddad-Chamakh et A. Baccar-Bournaz, op. cit., pp. 301-307

[xlii]  – «Filósofos hispano-musulmanes y Spinoza : Avempace y Abentofail », in Domínguez (A.) (éd.), Spinoza y España, Castilla-La-Mancha, Ediciónes de la universitad de Castilla-La-Mancha, 1994, pp. 125-132

[xliii]  – Promesses de l’Islam, Paris, Seuil, 1981, p. 52

[xliv]  -« El Mahāsin al-maŷālis de ibn al-<arīf y la Etica de Spinoza », in La ciudad de Dios (1990), 203-3, pp. 671-687

[xlv]  – Cf. Y. Djedi, op. cit, pp. 148-149. On peut consulter encore pour Spinoza l’article très succinct de Madeleine Francès, « La morale de Spinoza et la doctrine calvinienne de la prédestination », in Revue d’histoire et de philosophie religieuses, juil/oct. 1933, pp. 401-408, et a contrario M. Beltrán, « El antipredestinacionismo de Spinoza », in Cuadernos del Seminario Spinoza (1992), II, pp. 1-18

[xlvi]  – Y. Djedi, op. cit., p. 162 et n. 52.

[xlvii]  – Loc. cit., p. 172.

[xlviii]  – «Bibliographie arabe sur Spinoza », in Archives de philosophie (1990), LIII-4, pp. 1-5 ; « Spinoza chez les Arabes du xxe siècle », in Revue tunisienne des études philosophiques (1993), n° 14-15, pp. 45-85

[xlix]  – «Le miracle chez Spinoza et Ibn Rochd : parenté et différence entre les deux approches », in Revue tunisienne des études philosophiques (1993), n° 14-15, pp. 35-44

[l]  – «Révélation et interprétation chez Spinoza et Ibn Rochd », in Revue tunisienne des études philosophiques (1993), n° 14-15, p. 21-34 ; « Spinoza et Maïmonide », in F. Haddad- Chamakh et A. Baccar-Bournaz (dir.), op. cit., pp. 259-265

[li]  – Philosophie systématique et système de philosophie politique chez Spinoza, Université de Paris X, 1977

[lii]  – «Liberté individuelle et paix civile d’après le Traité théologico-politique de Spinoza »,in Cornelis de Deugd (ed.), Spinoza’s political and theological thought, Amsterdam, North  Holland publishing Company, 1984, pp. 44-55 ; « L’imagination chez Spinoza », in P. Cristofolini (ed.), Studi sul Seicento e sull’imaginazione, Scuola normale superiore di Pisa, 1985, pp. 75-94

[liii]  – «Foi et philosophie chez Spinoza et les péripatéticiens arabes — Spinoza et Averroès », loc. cit

[liv]  – Comparer avec l’article de V. Peña García, « Baruch Espinoza, entre la necesidad y el deseo », in El-País du 11-12-1977

[lv]  – Le travail du coranique, Paris, E.H.E.S.S., 1995

[lvi]  – Notamment Le Coran, autre lecture, autre traduction, Paris, Éditions de l’Aube,2002 ; Nous n’avons jamais lu le Coran, Paris, Éditions de l’Aube, 2004

[lvii]  – «Le Coran : histoire d’un texte », Université de Lyon II, 15 janvier 2005 (actes non publiés) 

[lviii]  – Cf. l’introduction d’Atilano Domínguez dans Spinoza y España, op. cit., pp. 9-13 ; H. Méchoulan, « Spinoza et l’Espagne », Cuadernos salmantinos de filosofia (1984), XI, pp. 435-459

[lix]  – Pensées, Paris, Librairie générale française, 1962, §§ 394, 399-404, 407, 413, 482

[lx]  – R. Arnaldez, loc. cit, p. 158

[lxi]  – Cf. inter alia G. Nahon, « Amsterdam, métropole occidentale des Séfarades au xviie siècle », in Cahiers Spinoza, n° 3, éd. Réplique, 1980, p. 15-50

[lxii]  – D. Lindenberg, Figures d’Israël, Paris, Hachette, 1997, p. 49

[lxiii]  -Ce grand théologien venu d’Afrique du Nord accompagna Menasseh ben Israël dans sa mission auprès de Cromwell en faveur du retour des juifs en Angleterre. Après sa disgrâce à Tlemcen, le roi du Maroc, Moulay Ismail — probablement sur l’insistance de son conseiller Daniel Toledano qui était aussi le beau-père de Sasportas — le rappela d’Amsterdam pour lui confi er une mission spéciale auprès du souverain espagnol. Sasportas deviendra, bien après la mort de Spinoza, et à un âge vénérable, rabbin de la communauté juive portugaise d’Amsterdam. Son fi ls Itzhak, qui lui succédera à cette charge, avait pris part lui aussi à une ambassade marocaine, chargée par le même sultan de conclure des accords de paix et de commerce avec la Hollande

[lxiv]  – E. Renan, OEuvres complètes, Paris, Calmann-Lévy, 1852, III, p. 146

[lxv]  – Y. H. Yershalmi, Sefardica. Essais sur l’histoire des Juifs, des marranes et des nouveaux-chrétiens d’origine hispano-portugaise, Paris, Chandeigne, 1998, pp. 16-19

 [lxvi]  «Spinoza et Shabatai Zvi : rationalisme contre messianisme ? », in F. Gerson et A. Percival (ed.), Cultural Marginality in the Western Mediterranean, Toronto, New Aurora Edition, 1990, pp. 80-81

[lxvii]  – G. Maruani, ibid., p. 80

[lxviii] Cusary. Libro de grande sciencia y mucha doctrina… compuesto en la lengua Arabiga por Yeuda Ievita y trad. en la lengua santa y agora nuev. trad. del Ebrayco en Español y comentado por Jaacob Abendana. Il s’agissait là de la traduction espagnole à partir de la version hébraïque effectuée au xiie siècle par ibn Tibbon, et non pas de la traduction arabe, comme le laisse voir la notice bibliographique d’Atilano Domínguez (op. cit., p. 32, n. 157

[lxix]  – Cf. son introduction dans The Correspondence of Spinoza, A. Wolf (ed.), New York, Russel & Russel, 1966, op. cit., pp. 51-52. Cf. aussi J. D. Sanchez Estop, loc. cit., p. 280

[lxx]  – Cf. p. ex. L. I. Conrad, « Research Resources on ibn Tufayl and Hayy ibn Yaqzān », in id. (ed.), L. I. Conrad (ed.), The World of ibn Tufayl. Interdisciplinary Perspectives on Hayy ibn Yaqzān, Leiden/New York/Köln, E. J. Brill, 1996, pp. 275-276

[lxxi]  – Loc. cit., p. 271

[lxxii]  – Spinoza et son cercle : étude critique historique sur les hétérodoxes hollandais, Paris, Vrin, 1983, p. 487

[lxxiii]  – Cf. p. ex. G. A. Russel (ed.), The “Arabick” Interest of the Natural Philosophers in Seventeenth-Century England, Leiden/New York/Köln, Brill, 1994

[lxxiv]  – Cf M.-R. Hayoun, « Le commentaire de Moïse de Narbonne sur le Hayy bIn Yaqzān d’ibn Tufayl », in Archives d’histoire doctrinale et littéraire du Moyen Âge (1988), pp. 27-99 ; id. et A. De Libera, op. cit., Paris, P.U.F., 1991, pp. 60, 66-67

[lxxv]  – M.-R. Hayoun et A. De Libera, Averroès et l’averroïsme, Paris, P.U.F., 1991, pp. 54-67 ; M.-R. Hayoun, La philosophie médiévale juive, op. cit., pp. 104-105

[lxxvi]  – M.-R. Hayoun, Le judaïsme moderne, Paris, P.U.F., 1989, p. 9

[lxxvii]  – J. D. Sanchez Estop, loc. cit., p. 280

[lxxviii]  – Id., loc. cit., pp. 281-288

[lxxix]  – Cf. l’article d’Emily Kugler, « Islam in England : Debating Protestantism in the Ibn Tufayl Translations 1671-1708 », à paraître dans Studies in Eighteenth-Century Culture (2007). On peut consulter en attendant les mêmes développements dans sa dissertation, Representations of Race and Romance in Eighteenth-Century English Novels, University of California, San Diego, 2007, pp. 94-114

[lxxx]  – E. Renan, OEuvres complètes, op. cit., III, p. 91

[lxxxi]  – M.-R. Hayoun, Moïse Mendelssohn, op. cit., p. 45 ; id., La science du judaïsme, Paris, P.U.F., 1995, p. 9

[lxxxii]  – Lettre de 1697 à l’abbé Nicaise, citée ap. F. Haddad-Chamakh, loc. cit., p. 272

[lxxxiii]  – Cf. inter alia R. Kruk, « Neoplatonists and after : from Ibn Tufayl to Ibn an-Nafīs », in A. Vanderjagt et D. Pätzold (eds.), The Neoplatonic Tradition, Jewish, Christian and Islamic Themes, Köln, Dinter, 1991, pp. 75-85. Comparer avec L. Gauthier, Hayy ben Yaqdhân, roman philosophique d’Ibn Thofaïl, Beyrouth, Imprimerie catholique, 1936, pp. 116-120. Cf. pour Spinoza, notamment P. O. Kristeller, « Stoic and Neoplatonic Sources of Spinoza’s Ethics », in History of European Ideas, V-1, 1984, pp. 1-16

[lxxxiv]   Traité théologico-politique, XII

[lxxxv]  – Cf. p. ex. J. Bouman, Glaubenskrise und Glaubensgewißheit im Christentum und im Islam. Die Theologie al-Ghazalis und Augustins im Vergleich, Giessen/Baqel, Brunnen Verlag, 1990, pp. 69-70

[lxxxvi]  – Préface des Essais de théodicée, op. cit., p. 27

[lxxxvii]  – G. G. Scholem, Le messianisme juif, Paris, Calmann-Lévy, 1971, pp. 162-163

[lxxxviii]  – M.-R. Hayoun, Les Lumières de Cordoue à Berlin. Une histoire intellectuelle du judaïsme, op. cit., pp. 386-392

[lxxxix]  – G. G. Scholem, op. cit., p. 314

[xc]  – M.-R. Hayoun, Le judaïsme moderne, op. cit., p. 27

[xci]  – H. Oldenburg, op. cit., lettre XXXIII

[xcii]  – K. O. Comparer avec Meinsma, op. cit., pp. 326-327

[xciii]  – Cf. J. A. Pachego Paniagua, loc. cit., p. 682

[xciv]  – A. J. Servas van Rooijen , op. cit., pp. 111-114

[xcv]  – G. G. Scholem, op. cit., p. 222

[xcvi]  – G. G. Scholem, Les grands courants de la mystique juive, Paris, Payot, 1968, pp. 317-320 ; id., Le messianisme juif, op. cit., pp. 120, 182-183

[xcvii]  – Sur les Dunmeh, cf. notamment Danon, « Une secte judéo-musulmane en Turquie », in Actes du XIe Congrès international des orientalistes (1897), 3e section, pp. 57-67

[xcviii]  – G. G. Scholem, Le messianisme juif, op. cit., p. 228

[xcix]  – G. G. Scholem, Le messianisme juif, op. cit., pp. 229-230

[c]  – Traité théologico-politique, chap. III

[ci]  – G. Maruani, loc. cit., p. 87

نور الدين البودلالي

شاهد أيضاً

نحو قيم مركبة من اجل المستقبل الانساني للفيلسوف الفرنسي إدغار موران

بقلم الباحث: عبد الكامل نينة عبد الكامل نينة مرت القيمة بمراحل تطور عبر مختلف العصور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *