الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / في النقد والإصلاح الديني(2)

في النقد والإصلاح الديني(2)

حسن العلوي

نشير في بداية هذه الحلقة من سلسلة النقد، إلى أن الحاجة إلى الإصلاح الديني تخص الأديان التي نشأت “اوراسيا” أي بين ارويا واسيا الصغرى، ولا يمتد إلى الأديان الشرقية القديمة، مثل الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية والزرادشتية (…)لأن غالبية هذه التجارب الدينية تقع تعاليمها على خط الحياة ولا تعارضها، فهي تحتفل بالحياة حياة الإنسان ومحيطه إلى درجة التقديس، فرق كبير بين تعليمة الطاوية التي تقول “أفضل الحكام هو الحاكم الذي لا تشعر الرعية بوجوده”[1] والتي تقول “عندما لا نمجد السابقين نمنع التنافس” وبين التعاليم التي تقدس قيم الخضوع والطاقة وتمجد الماضي والسلف وعقائد الاصطفاء، كما نجد في ديانات اوراسيا.

هذه الإشارة من الواجب التنبيه إليها لأنه آن الأوان استحضار الفكر الشرقي الأسيوي، وعدم الارتهان للفكر الغربي التي كرس نفسه لقرون مركزا للفكر والثقافة والحضارة، ولأن الفكر الشرقي سيكون له دور في المستقبل القريب من تاريخ البشرية، فهو يملك المقومات التي تؤهله لتجاوز ثغرات الفكر والثقافة الغربية السائدة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو لماذا كانت الأديان السائدة في المنطقة التي تنتمي إليها مجتمعاتنا العربية-الإسلامية في الحاجة إلى النقد والإصلاح وهي تحديدا اليهودية والمسيحية والإسلامية.

بالعودة إلى الظروف التاريخية لنشأة الديانات الثلاث، وكذلك علاقة الترابط الثابتة- المؤكدة بينها نجد أن نشأتها حبلى بالايدولوجيا، فاليهودية التي هي أسبق تاريخيا نشأت في أجواء التشرد والسبي الذي تعرض له اليهود مرات عديدة نتيجة لعدم دقة حسابات اليهود كطرف ضعيف في منطقة كانت محل صراع عنيف بين القوى الكبرى القديمة، ففي تلك الأجواء ووقائعها نشأ الفكر اليهودي ومتنه المقدس، وكثيرا من عناوين هذا المتن والفكر شاهدة ودالة على ذلك مثل سفر الخروج وسفر الأنبياء (…) بل إن النص الذي يحتل موقع المؤسس للتجربة هو الألواح الموسوية التي ظهرت أثناء رحلة الهروب من مصر، وتحديدا في جبل سيناء.

ظروفالمأساة التي حكمت التجربة بصمت تعاليم اليهودية وأضفت علبيها طابعها ومنطقها، امتد إلى العقائد اليهودية وهو ما يتجلى في أنها جعلت الله إلها خاصا باليهود، كما جعلت لهذا الإله اليهودي شعبا خاصا وهو الشعب اليهودي، وهو بهذا الاعتبار شعب مختار ومصطفى من بين كل شعوب الأرض، عقيدة الشعب المختار التي هي وليدة مأساة السبي والاستعباد، هي الاديولوجية التي لم يستطع الفكر اليهودي التخلص منها، وإخضاعها إلى إعادة النظر إلي اليوم.

لقد لعبت هذه العقيدة العامل الأساسي الذي جعل ويجعل علاقة اليهود بغيرهم علاقة متوترة باستمرار، وجعلت اليهود يعيشون دائما وضعا استثنائيا حولتهم إلى موضوع للنقد، وعقائدهم مجالا للنقد والمراجعة من الكثير من النفاد والمفكرين، نذكر منهم على سبيل المثال اثنان وهما الفيلسوف اليهودي باروخ اسبينوزا ونيتشه.

  فنيتشه يقول عن اليهود، مشيرا إلى دور المأساة في صياغة عقائدهم الدينية :“هذا الشعب الكهنوتي الذي لم يجد في نهاية المطاف ما يشفي غليله من أعدائه والمسيطرين عليه سوى قلب جذري لكل القيم، أي ممارسة انتقام مروحن جدا”[2].

أما سبينوزا فنقده اتسم بالجذرية والشمولية، فقد بدأ بالنقد التاريخي للنص المقدس، مبينا أن الدين يعبر عن التجارب الحية الجماعية التي كان ينشأ فيها، معبرا عن مشاعرها في الانتظار، أو خيبة الأمل أو الشعور بالاضطهاد(…) هذه المشاعر هي التي تتحول بعد ذلك إلى نصوص.

 عند مرحلة “النص” التي يتشكل منها الدين في النهاية، من خلال مثال نص الإنجيل، هنا أبرز سبينوزا أن الإنجيل جمع في البداية “في مجموعات صغيرة، ثم في مجموعات كبيرة” هي التي تكونت منها الأناجيل في القرن الثاني “التي كانت تعد بالعشرات، ثم اختارت منها الكنيسة أربعة منها وقنّنتها في القرن الرابع”.

  في نقد اسبينوزا التاريخي لأسفار التوراة خلص إلى أن موسى ليس هو من كتب الأسفار الخمسة، كما ورد في سفر “التثنية”، بل كتبها إنسان آخر بعد موسى بمدة طويلة[3]. ولم يقتصر نقد الرجل على “النص” في اليهودية والمسيحية، بل شمل أيضا رجل الدين، فهو كما يقول سبينوزا، حول الدعوة إلى الدين طريقا ل:”التكسب منه، والتعيش عليه”[4].

 ولم يختلف وضع المسيحية، إذ هي صيحة إصلاحية من داخل اليهودية، ولم يكد يمر زمن طويل حتى تحولت الدعوة الإصلاحية للمسيحية إلى أيديولوجيا للإمبراطورية الرومانية، بعد التأسيس الجديد لها على يد بولس.[5]

  وبخصوص الإسلام، فأفضل ما يمكن الانطلاق منه هو النصوص التاريخية، قبل تقرير أي شيء يتصل بظروف نشأته. فقد أورد ابن إسحاق قي كاتب السيرة، أنه بعدما فشا الإسلام في قريش، قرر أسيادها مساومة الرسول، مقترحين على عمه أبي طالب عرضا يقوم على :”أن يأخذ منهم ويأخذوا منه”. فكان جوابه:” كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم”.والكلمة المعنية هنا هي:لا اله إلا الله.

ولكي يتضح تلّبُس النشأة بالايديولوجا من الأفضل السؤال: ما علاقة “تملكون العرب، وتدين لكم العجم” بالدين؟ أليس الدين كما رتبه النص التاريخي في سياق المفاوضات، مجرد أداة لأغراض سياسية واجتماعية؟.فكلمة “لا إله إلا الله” دين، قوامه اعتراف الإنسان الفرد بالله، لكن ربط الاعتراف بالإله ب: ملك العرب وإخضاع الآخر غير العربي، هو خروج من مجال الدين إلى مجال الأيديولوجيا، أو هو خروج بالدين من مجاله الطبيعي وهو العلاقة بين الفرد وخالقه، إلى ميدان التوظيف لخدمة أجندة دنيوية تتمثل حسب النص في السلطة والهيمنة.

أين يتجلى دور النقد هنا وبالتالي الحاجة إلى الإصلاح؟ إن دور النقد ومهمته تتجلى في الاشتغال على مشرع الفصل، فصل “لا إله إلا الله” ب :”تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم” لماذا؟ الأسباب كثيرة نقف عند أهمها. وهي أن آليات ممارسة السلطة في قترة التأسيس، والوسائل التي اعتمدت في إخضاع الآخر بعد الانتصار، تم تديينها هي الأخرى بعد ذلك  رغم أنها آليات ووسائل زمنية مناسبة لزمنها فقط.

فالسلطة لم تعد تنال من باب الحق الإلهي لفئة من الناس، كما يدل عليه سياق الربط في النص التاريخي، وهو ما تم تأكيده بعد زمن التأسيس برواية: “الأئمة من قريش”. فبلوغ السلطة باعتبارها مشاركة في تدبير الحياة والشأن العام، أصبح حقا محميا بالقانون لجميع الناس، كما أن أي عمل يسعى إلى إخضاع الإنسان الآخر بالقوة، مهما كانت مبرراته دينية كانت أو غير دينية، أصبح غير مقبول في الحياة الحديثة والمعاصرة.

الإشكال الذي يجعل مهمة النقد صعبة، هو ذلك الارتباط المتزامن في النشأة بين الدين والايدولوجيا، وازداد تعقيدا بتديين  آليات السلطة المرافقة، سواء في العلاقات الداخلية والخارجية. وبتديينها تحولت إلى ثوابت ثبات الدين نفسه، نتج عن التمسك بها فرض الجمود على الحياة، وإعاقتها عن التطور، فضلا عن تكريس علاقات الاستغلال بين الناس.

إن النقد والإصلاح أفضل للدين من توظيفه في ألاعيب السلطة. إذ أفُقه تخليص الدين وعندما يصبح الدين خالصا صافيا، تبرز قيمته الجمالية وأنه طريق للسمو الروحي والأخلاقي.

حسن العلوي



[1] – فراس السواح، موسوعة الأديان، ج4، ص259.

[2]  جينيالوجيا الأخلاق،27.

[3]  رسالة في اللاهوت والسياسة،22

[4]  نفسه،14.

[5]  نفسه،72.

شاهد أيضاً

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *