الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / في نقد الحكم الأخلاقي – أصل الأخلاق والحكم الأخلاقي- المقالة 1

في نقد الحكم الأخلاقي – أصل الأخلاق والحكم الأخلاقي- المقالة 1

بقلم: ادريس شرود

“الجهل وحده هو من يدفع إلى الحكم الأخلاقي المطلق” جيل دولوز

“ما أطلبه من الفيلسوف معلوم: أن يتموضع ما وراء ’’خير’’ و’’شر’’ أن يكون فوق وهم الحكم الأخلاقي”  فريديريك نيتشه   

تقديم

    لا يمكن لروح نبيلة ولا لعقل حر تحمّل ثقل الاحكام الأخلاقية وممثليها الذين يتكاثرون بسرعة فائقة ويشكلون “أبطالا على الخشبة”. إن همّهم الوحيد هو المثابرة في إخراج تصور أخلاقي عن العالم وتثبيته في نفوس عامة الناس، عن طريق التأكيد على أسبقية القيم على الوجود وسموها عن الموجودات المادية، وبالتالي بناء نظام أخلاقي هو في جوهره “نظام حكم”. هنا تظهر ضخامة العنصر الأخلاقي؛ فحتي في مجال الإدراك الحسي لا توجد تجارب أخرى معيشة غير التجارب الاخلاقية(1). يشير فريديريك نيتشه إلى أن معظم الفلاسفة شيّدوا صروحهم تحت إغراء الأخلاق، فقد كانوا يتظاهرون بالإهتمام باليقين ب”الحقيقة”، بينما اهتمامهم الحقيقي كان منصبا على صروح أخلاقية شامخة. ويبدو الآن، أن هذا الإغراء يمارس تأثيره على حياة الأفراد وعلاقاتهم بأنفسهم وبالآخرين، وعلى تصورات الناس حول الطبيعة والكون. إذ نلاحظ عودة قوية إلى التصورات الدينية والأخلاقية القديمة للعالم في ظل ما سمي ب”مجتمعات ما بعد العلمانية” وسيادة الدولة الليبرالية ونظامها الرأسمالي، مع إحساس بالإرتياح تجاه استئناف الأخلاق لدورها التاريخي في تربية الإنسانية المعاصرة.

1- ردود حول التحديات الأخلاقية والوجودية في المجتمعات المعاصرة

    فرضت التحولات السياسية والإجتماعية والعلمية والتقنية والطبية طرح أسئلة جديدة حول ماهية الإنسان وبنيته الجسدية وطبيعته البشرية ومشروعية التدخل في تغيير بنائه الجسمي والروحي. هكذا أصبح الحديث عن “ما بعد الإنسان” مع ما يطرحه من مشاكل عملية وأخلاقية وجمالية تستحضر أبعاد التدخل الصناعي والتقني في القدر الطبيعي للكائن البشري. رافق هذه التحولات نزوعا نحو التشكيك في مقولة “النظام الطبيعي” و”العناية الإلهية”، وردود فعل همّت الأساس الأخلاقي والقيمي لوجود الإنسان في العالم، خاصة من الأطراف التي لم تشارك في الثورات العلمية والبيولوجية والبيوتقنية الحديثة. هكذا تعالت الدعوات إلى الإرتداد ل”النفس العميقة” وإحياء “الهويات الخاصة والنوعية” وتنظيم هجرة إلى تلك “الإنسانية” التي تضمن وجودا مطمئنا دينيا وأخلاقيا. في هذا السياق يؤكد فتحي المسكيني أن “الشعوب لا تصبح واعية بهويتها أو بذاتها أو بوجودها التاريخي عندما تتبنى معرفة بالطبيعة أو تبني علما فيزيائيا أو فلسفة، بل إنها تصبح قادرة على الوعي بنفسها عندما ترسم لوحة عامة للخير والشر ولجملة القيم الأخلاقية، فانطلاقا من هذا الرسم يبدأ التاريخ الروحي أو حتى التاريخ السياسي، أو تاريخ التاريخ(2).

يكفي إذن إعادة تنشيط الثنائية التي رُسمت بها هذه اللوحة كي نستعيد أصالتنا، وبالتالي الإمساك مرة ثانية بموروثنا وبقواعدنا الدينية والأخلاقية، خاصة مع الدور الذي لعبته “فلسفة ما بعد الحداثة” في فتح الباب أما عودة الدين إلى ساحة النقاش والتداول. ويمكن هنا الإسترشاد بأفكار فلاسفة كبار كفريديريك شلايرماخر ويورغن هابرماس وجوزف راتسينغر(البابا بندكتس 16) وهانس غدامير وشارل تايلر وبول ريكور وميشيل أنفراي(3)، حول دور الدين في ظل الدولة الرأسمالية الليبرالية ومجتمعات ما بعد العلمانية أو ما بعد الميتافيزيقا، وحول قيمة التعاون بين العقل والإيمان، ونجاعة المقاربة اللاهوتية والفهم الديني للواقع وللحقيقة، مع تلك الإمكانية التي يمنحها الدين لمراقبة عقل أنتج القنبلة الذرية والكارثة الإيكولوجية والهندسة الوراثية والتغيير الجيني المضاد لمشيئة الطبيعة أو الله.

كما يمكن الإستئناس بالعودة الحميدة للفلسفة التحليلية الأنجلوساكسونية للميتافيزيقا والأنطولوجيا، في ظل قصور المعقولية العلمية في بناء نموذج تفسيري للواقع(4)، وللفلسفة الفرنسية التي راحت مع فلاسفتها المعاصرين إلى التأكيد على “الفضائل الكبرى” والقيم الأخلاقية والثقافية والروحية اليهودية والمسيحية كما عند أندري كومت سبونفيل(5)، في ظل إحساس قوي بهشاشة الغرب وتراجع قوته وبداية أفول الحضارة اليهودية المسيحية كما عند ميشيل أنفراي(6).

تمنح أفكار ومواقف هؤلاء الفلاسفة مشروعية القول في الأخلاق والكلام عن فلسفة الدّين في مجتمعات تقليدية (يسميها الأستاذ نور الدين أفاية مجتمعات دينية أو متدينة) لها علاقة قوية مع الموروث الديني، أي مع تلك “الأبعاد الروحية والوجدانية والإجتماعية والقيم المتعالية”(7). وهنا وجب الإشارة إلى الهرولة الأخيرة للأساتذة الجامعيين إلى خلق مسالك تهم فلسفة الدّين، وتحرير نصوص في أمور الدّين والتديّن والإصلاح والتجديد الدينيين، رغم إنجازهم لأطروحات بعيدة عن الشأن الديني، وفتح نوافد مواقع إلكترونية لاحتضان حملة القلم المنشغلين بقضايا “النفس” و”الروح” و”الخلاص”، ووضع مداخل لفلسفة الأخلاق وتمهيد وتحضير لعمل الفلسفة على الدين(8).

تطلبت هذه المستجدات، إعادة طرح المشكلة الأخلاقية من الأساس، أي التفكير في القيم وقيمة الوجود المعاصر. فمن جهة القيم، من اللازم الإعتراف بالضغوط المتنوعة التي أصبحت تمارس على الجسد (على ميولاته وأهوائه وعواطفه وأعصابه) من أجل ترويضه وتدجينه واستعماله كموضوع لممارسة السلطة أو ك”وقود” للآلة الرأسمالية. أما من جهة العصر الذي نحيا – حيث هيمنة مظاهر التدهور(شبنغلر) والشيخوخة (توينبي) والنهاية(فوكوياما) والإنحطاط(أنفراي) والغرق(أمين معلوف) والإضمحلال(فتحي المسكيني) – من المستعجل مساءلة صلاحية “الثروة الأخلاقية” واللمسات الميتافيزيقية والفضائل الكلاسيكية لحضارات مُنهكة تريد إنجاز أفولها الخاص، ولعصر متسارع وقلق، غارق في الفوضى، فاقد للبوصلة ؟.

2- في بيان أصل أخلاقية العادات والتقاليد

    لم يتردد فريديريك نيتشه في ربط الأخلاقية بالعادات والتمسك بها، والحالة أن العادات هي الطريقة المعتادة في الفعل وإصدار الأحكام(9). لذلك دعا نيتشه وبإلزام، إلى إعادة التفكير في الحيّز الزمني الكبير الذي هيمنت فيه “أخلاقيات العادات” والذي يأتي قبل “تاريخ العالم”، حقبة حقيقية وحاسمة، ذات أهمية تاريخية بالغة، رسّخت طبع الإنسانية، حقبة كانت فيها المعاناة فيها فضيلة، والقسوة فضيلة، والرياء فضيلة، والإنتقام فضيلة، وجحود العقل فضيلة، بينما كانت الرفاهية خطرا، والحث على الشفقة شيئا مخجلا، والعمل شيئا مخجلا، والجنون شيئا ربانيا، والتغيير شيئا لاأخلاقيا، ويحمل في طياته مخاطر كثيرة !(10). تمثل هذه العادات والتقاليد، تجارب الناس السابقين وموقفهم مما يعتبرونه نافعا وضارا، كما أن الإنسان الأخلاقي أكثر هو الذي يضحي كثيرا من أجل العادات(11). لكن الشعور بالعادات (بالأخلاقية) لا يمت بصلة إلى تلك التجارب، بل بقدم العادات، وقدسيتها، وكونها لا تقبل الجدل كما يؤكد نيتشه. إن الأمر الخطير في هذا الشعور هو وقوفه في وجه رغبة الناس في القيام بتجارب جديدة وتصحيح العادات، وهو ما يعني أن الاخلاقية تعارض قيام عادات جديدة تكون أفضل من سابقتها: إنها تُبلّد الناس(12).

إن الإحترام الواجب للعادات والتقاليد؛ أي للأخلاقية، دفع الناس -حتى في عز عصر النقد- إلى عدم مخالفة الآخرين، والإلتزام بالقواعد، وتحقير الذات، كل هذا نجده، باعتباره أخلاقا اجتماعية(13). أخلاقا تتطلب كثيرا من التنكر والتشبّه، وصرامة في التقليد تتحول مع مرور الزمن إلى أحاسيس تتطلب التشبّع والتعلم والتمرّس فقط، مع الحرص على عدم التساؤل عن أصل هاته الأحاسيس الأخلاقية، والتمسك بالثقة فيها؛ أي طاعة الأجداد والجدات والآباء الأولين، كما يقول نيتشه(14). أكيد أن وراء هذه الاحاسيس أحكام وتقديرات نقلت إلينا على شكل أحاسيس (الميل لهذا العمل والنفور من ذلك)، وكذا غرائز حولتها الأحكام الأخلاقية إلى إحساس مهين بالجبن، تحت وطأة اللوم الذي أثقلتها به العادات(15). يصبح الأمر أكثر تعقيدا ومثيرا للقرف حين تدخل هذه الأحاسيس والغرائز في علاقة مع غرائز أخرى تعلمت من قبل معنى الخير والشر، وبالتالي تشبّعت بقيم وأخلاق ثابتة، بحيث تفقد على إثرها الأمور الطبيعية براءتها الاصلية والأحاسيس البشرية عفويتها وحيويتها، وينشر “المثال الأعلى الزهدي” خيوطه المنسوجة من الإضطغان والإحساس بالخطإ إلى أبعد نقطة ممكنة.

 تتخذ التقاليد والعادات والأحكام الأخلاقية هيئة قواعد وقوانين، سُنن وشرائع ، يصير معها الشيء غير المعقول مقدسا أشدّ ما يكون التقديس، ومدعاة للرضى والتبجيل من طرف العامة والخاصة أيضا. هكذا يأتي الخضوع لقانون الأخلاق نتيجة لغريزة العبودية أو الغرور، أو الأنانية أو الإستسلام، أوالتعصب أو الطيش(16)، ونتيجة للعمل الجبار الذي قام بها “الأسلاف العظام” والمتمثل في تحديد مفهومي الحقيقة والباطل، وابتكار “جملة مصادر أنفسنا العميقة”، والتشريع لخير الإنسانية وشرّها أولا وأخيرا.

من الضروري الإنفتاح على نتائج الأبحاث التي همّت الشروط والأوساط التي ولّدت هذه التقاليد والعادات والأحكام الأخلاقية، والتي سمحت بحل “النص الهيروغليفي” للأخلاق، حيث ثم اكتشاف علامات الإنحدار والإنحطاط المتمثلة في فقدان الثقل الجسدي، ومناقضة الغرائز؛ أي نكران الذات. كما تم الكشف عن المعاناة المتواصلة التي لازالت تعاني منها البشرية، والتي تتمثل في مضاعفات العلاج الساذج الذي تخيّله الكهنة والقساوسة واللاهوتيين، والذي كان من نتائجه، اكتساب النفس البشرية “عمقها وخبثها” بتعبير نيتشه.

3- كيف نحُول دون أن يصير العالم مفرطا في أخلاقيته؟

    تنبّه يورغن هابرماس مع حدث 11 شتنبر2001م إلى ضرورة مساءلة الإيمان والمعرفة كبقية أسلافه (هيغل، كانط، شيلينغ، فيخته، …)، وبالتالي فتح الباب أمام عودة الدّين والقضايا الأخلاقية إلى النقاشات الفلسفية المعاصرة. شكلت هذه العودة فرصة لترتيب العلاقة مجددا مع العالم؛ فبعد أن كان الحدث الأنطولوجي الأكبر للحداثة هو اكتشاف مقولة “الموضوع” فإن العالم/الموضوع قد أوشك اليوم على الإضمحلال، ما جعل علاقتنا بالعالم تكف فجأة عن أن تكون مشكلا لاهوتيا، وتنقلب إلى مسألة بيئية(17). إن هذا الإنقلاب يطرح تحديات كبيرة على “المحدثين بلا حداثة”، هؤلاء الذين يريدون المشاركة في التنوير في زمن أفول السرديات الكبرى، وفشل التنوير في تحقيق آمال عصر الحداثة. لكن سؤال كانط حول التنوير يمكن أن يساعد -مرة أخرى- على الإنخراط في النقاش الحالي حول مستقبل الإنسانية، يقول المسكيني:”يعتبر كانط أن أي “تأجيل للتنوير” هو بمثابة “اعتداء على الحقوق المقدسة للإنسانية”، ولذلك هو لا يعرف التنوير كما يفعل معاصروه، مثل مندلسون، بكمية المعرفة التي توفرها العلوم، ولا هو يؤسسه على مثلهم على محبة النوع البشري، بل التنوير عنده هو القدرة على استعمال أفهامنا إزاء مشكل محدد ألا وهو “مسائل الدّين” بموجب حق طبيعي لا مجال للتفاوض حوله(18). فالجرأة على استعمال العقل بحرية في مسائل الدّين هو الوسيلة الآمنة لتشكيل أفق ما بعد الملة، وتحقيق  “التنوير الذاتي” و”الهجرة إلى الإنسانية”، وعلى ذلك نحن مطالبون إلى حدّ فظيع بتحويل التنوير إلى مشروع روحي أساسي لأنفسنا الحالية بلا رجعة(19). وهذا يعني المراهنة على “الوضع الروحي الذي بحوزتنا”، وعلى نمط فهمنا لأنفسنا ونوع ذاكرتنا، والذي يعتبرهما الأستاذ المسكيني بنيتين تتحكمان في كل تصوراتنا للمستقبل(20).

 يدعو فتحي المسكيني إلى ضرورة العودة إلى النفس العميقة والإنتماء إليها بشكل مناسب، وتنشيط ما بحوزتها من نوابت الملة، من أجل ترتيب معنى العالم بعد أن انسحب منه الإله التوحيدي، تاركا الإنسان “الحديث” إلى مصيره المجهول. لكن المسكيني يقرر على أن الإنسان الحديث لا يملك عن نفسه غير جملة من الواجبات الأخلاقية، رغم التمرد الذي طال قصة الإله المسيحي أي “موت الإله” (ليس طبعا الإله الديني حسب الأستاذ المسكيني). ففي كل هذه المرات، كان الإله التوحيدي ينجح في النجاة من العصور الحديثة ويحولها إلى قصة جديدة، معلمنة، أخلاقية تاريخية، عن نفسه. نعني أنه ينجح في التحول إلى جماعة روحية(21).

إن الدعوة إلى العودة إلى النفس العميقة و المراهنة على الوضع الروحي، هو إعلان صريح عن غربة النفس عن ذاتها، كما أن الدعوة إلى الإستغناء حتى على التنوير هو غربة أخرى عن الآخر الحضاري، في هذا السياق يقول فتحي:” المسلمون ليسوا في حاجة إلى التنوير، هم في حاجة إلى ما يعتقدون أنه يناسب فهمهم لأنفسهم”(22). هم في حاجة فقط إلى نوع الإعتقاد الذي يناسب الملة والذي يتمثل في “القيم الدينية” و”الواجب الأخلاقي” الذي يفهمه كل أعضاء الملة دون تمييز والذي تم توزيعه “ديموقراطيا” منذ ذاك العصر المسمى ب”العصر الذهبي” ولمساته الميتافيزيقية الرائعة، والتي توفر الأجوبة المناسبة لكل الأسئلة الوجودية، دون مطالبة بتفعيل الإرادة والجهد أو حرق الأعصاب(23). ولعل الحل الطريف الذي يقترحه الأستاذ المسكيني للإقامة المشروعة في الفضاء المتوحش للسلطة الحيوية للإمبراطورية هو الإحتياج إلى “الضيافة” و”آداب الضيافة”(24)، والدعوة إلى العودة للعائلة التوحيدية وللأفق الإبراهيمي، وهنا يمكن الإستئناس بالشجاعة الرهيبة لجاك دريدا وللإمكانية التي توفرها فلسفته ونصوصه، هذا الفيلسوف “اليهودي” الذي يعتبر العنصر الإبراهيمي أو التوحيدي أهم من العنصر اليهودي-المسيحي.

خاتمة

    يهمنا نحن أبناء حوض البحر الأبيض المتوسط إعادة طرح الاسئلة التي تتعلق بما نؤمن به حول أنفسنا، مع حرية أن نختار من نكون. لكن يجب أن نمتلك الشجاعة اللازمة لنقول “من نحن؟”، دون تملّق لهوية معينة ولسردية سائدة، وهنا لابد من الإعتزاز بانتمائنا الجغرافي والبشري(25)؛ أي إلى منطقة شمال إفريقيا وإلى أقدم سلالة بشرية عّمرت الأرض، الشيء الذي يفترض إعادة التفكير بقوة في هذا الإنتماء، وليس العودة إلى تلك النفس العميقة ونصوصها التأسيسية. تنبّه الأستاذ فتحي المسكيني إلى هذا الأمر في كتابه ’’الدين والإمبراطورية’’ بقوله:”بدلا من مواصلة التعويل على النصوص التأسيسية، التي سقطت اليوم في غربة تأويلية غير مسبوقة، يجدر بنا أن نولي وجوهنا صوب الفهم اليومي لأنفسنا كما تنقال في جملة أنماط الوجود اليومي للإنسان الاخير(26)، بل من الأجدر الإرتباط بالوسط؛ فكل الإختناقات والإلتقاءات والعلاقات تكون في الوسط، وتجديد الإنطلاقة يتم دائما في الوسط، إننا “ننسى ما يكون في الوسط”. نحن نحيا اليوم عصرا مليئا بالإختناقات، ناتجا عن إخلال دولة الحداثة والتنوير بالتزاماتها، وفتحها العالم على واقعة “تدمير الذات”، مع إرساء دولة-أمة، تفكر باعتبارها روح العالم المعاصر وبنيته، انتهت بالدخول في أحلام إمبراطورية شرسة(27).

فكيف يمكن مواجهة انعكاسات هذه الإختناقات؟ هل بالعودة إلى النفس القديمة، أم بإعادة الإعتبار لمختلف الإلتقاءات والعلاقات التي بنتها الذات مع ذاتها ومع الأرض التي نشأت فوقها ومع الأفراد والجماعات والشعوب التي احتكّت بها؟

الهوامش:

1- فريديدريك نيتشه: العلم المرح، ترجمة وتقديم حسان بورقية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 1993، نبذة 114:”ضخامة العنصر الأخلاقي”، ص127.

يقول نيتشه:”لا أحد حتى الآن استطاع إذن أن يتفحص قيمة أشهر أنواع الطب، المُسمى الأخلاق: الشيء الذي يستلزم أولا أن نقرر جعل هاته القيمة-موضع سؤال. وإذن هذا هو بالضبط مشروعنا-“، العلم المرح، نبذة 345:”الأخلاق باعتبارها مشكلة”، ص208.

2- فتحي المسكيني: “الذات والهوية: نحو أخلاقية جديدة”، حوار أجراه فتحي المسكيني، الجزء الثاني،

3- يؤكد ميشيل أنفراي على أن الحضارات الغير المُجهضة  تتأسس على نصوص دينية مقدّسة،

Michel Onfray : il est trop tard pour sauver notre civilisation-

https://www.youtube.com/watch?v=NgRNRf6-3nw

– يأسف ميشيل أنفراي لعدم وجود رجال يمكن أن يموتوا من أجل المسيحية والقيم المسيحية، ويدعو إلى التفكير بعبارات روحية ودينية، ويشيد بالعمل النقدي لصمويل هتينغتون وسؤاله حول صراع الحضارت، حيث التفكير في عالم تتنازعه كتلة يهودية/مسيحية وكتلة شرقية/إسلامية.

Michel Onfray répond aux questions importantes – 20 Nouvembre 2018-

4- عبد الله السيد ولد أباه: أطروحة فيلسوف الحداثة يورغن هابرماس،

5- يقول سبونفيل: “إن الأخلاق هي هذه الضرورة الكونية، أو لنقل على كل حال، أنها الضرورة القابلة لأن تكون كونية، المُهدات إليك شخصيا”، أندري كومت سبونفيل: في الأخلاق، ترجمة حسن أوزال، موقع مؤمنون بلا حدود، 20 ديسمبر 2017.

6-                                                                   -Michel Onfray : Decadence-Conférence à l’ILERI

7- محمد نور الدين أفاية: سؤال الدين وسطوة السياسة،

8- هانس صاند كولر: مدخل إلى فلسفة الدين، ترجمة فتحي المسكيني، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 18 يناير 2017.

9- فريديريك نيتشه: فريديريك نيتشه: الفجر، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 2013، ص17.

10- فريديريك نيتشه: الفجر، نبذة 18:”أخلاق المعاناة الطوعية”، ص25.

11- فريديريك نيتشه: الفجر، نبدة 9:”فكرة أخلاقياة العادات”، ص18.

12- فريديريك نيتشه: الفجر، نبذة 19:”الأخلاق والتبليد”، ص26.

13- فريديريك نيتشه: الفجر، نبذة 26:”الحيوانات والأخلاق”، ص29.

14- يقول نيتشه:”أن يثق المرء في أحاسيسه معناه أن يطيع جده، وجدته وآباءهم الاولين أكثر مما يطيع الآلهة التي فينا، أي عقلنا وتجربتنا”، فريديريك نيتشه: الفجر، نبذة 35:”الأحاسيس وارتباطها بالأحكام”، ص35.

15- فريديريك نيتشه: الفجر، نبذة 38:”الغرائز التي حولتها الأحكام الأخلاقية”، ص36.

16- فريديريك نيتشه: الفجر، نبذة 97:”التصرف الأخلاقي لا يعني أن المرء أخلاقي !”، ص75.

17- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الرباط-المغرب، 2018، ص118.

18- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الاخير”، ص224.

19- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، ص222.

20- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير ص236.

21- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، ص13.

22- فتحي المسكيني، الحرية والتعايش (الجزء الثالث)، حاوره نادر الحمامي، 17 مارس 2018،

23- يقول فتحي:”الدّين مهم جدا لأنه يملك ثراء دلاليا كبيرا حول التجربة الإنسانية بكل آلامها ووجودها وعذابها… إلخ”، فتحي المسكيني… فاتحا وراعيا الكينونة،

– يزيد فتحي:”… . أما الدّين، فلا يستطيع أن يكون وجوديا لأن له الأجوبة، فالوجودية تكون عندما يكبر القلق حول الموت ولا وجود لأجوبة. والحال أن الدّين يوفر الأجوبة، ولذلك، فوجوديته سيّئة أو مخاتلة، ولكنها رغم ذلك مفيدة جدا. لذلك، فهذا التعويل الكبير على الدّين من شعوب وجماعات تعد مئات الملايين ليس خطأ أخلاقيا أو هو ليس قلة حيلة”، فتحي المسكيني: في الهجرة إلى الإنسانية (الجزء الأول)، حاوره نادر الحمامي، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 24 فبراير 2018.

– يتوافق موقف الأستاذ عبد الله السيد السيد ولد أباه مع موقف فتحي المسكيني في سياق كلامه عن كانط، يقول”الدّين يصدر عن موقف أساسي، هو موقف تجربة الإرادة، أي أن هذه الإرادة التي هي أساس الأخلاقيات تحتاج إلى قوة دافعة؛ القوة الدافعة إلى الخير لا تأتي إلا من الدّين… . الدّين منبع القيم الجماعية”، منارت حلقة المفكر الموريتاني د.عبد الله السيد ولد أباه،

24- إن رهان الأستاذ فتحي المسكيني على “الضيافة الكونية” يصطدم بظاهرة إعادة تسييج الحدود وبناء الجدران ومراقبة حركات الراغبين في “الإستضافة” ونزع ذاتيتهم في حالة تجاوز الحدود. ولهذا يتساءل فتحي عن المكان الذي يمكن أن تتفرّد فيه، ويجيب: هو المكان الذي توجد فيه وتنتمي إليه حتى بالأشياء السيّئة (الخايبة) التي توجد فيه…، فهو مكانك، لا تتركه يؤكد المسكيني. لكن نصيحة فتحي لا تسري على “الأقارب”، فبإمكانهم طلب الضيافة خارج حدود الوطن بدون حرج… ᴉ  ،

فتحي المسكيني: من هو الفرد في الإسلام؟

25- حوار مع الدكتور الفيلسوف المفكر فتحي المسكيني: منارات حلقة المفكر التونسي فتحي المسكيني”،

يقول فتحي:”الشرقي لم يبدأ في طرح الأسئلة المناسبة حول المكان”، فتحي المسكيني: الكوجيطو المجروح، أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة، ص203.

26- فتحي المسكيني: الفلسفة والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب/بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2005، ص216.

يقترح المسكيني القيام بالتأويل الذي هو”فن القوس المشدودة التي تعلّم المرء كيف يذهب إلى أبعد من نفسه ويتغلب على حدود نفسه، هو فن “التغلب على النفس”، تلك النفس التي ورثها وراثة ولم يشارك في صنعها إلى حدّ الآن، وانقلبت إلى حجر عثرة أمام الطريق إلى هدف أبعد فأبعد”، فتحي المسكيني: الكوجيطو المجروح، أسئلة الهوية في الفلسفة المعاصرة، دار الأمان، الرباط-المغرب، الطبعة الأولى، 2013، ص90.

27- فتحي المسكيني: الدين والإمبراطورية، في تنوير الإنسان الأخير، مقدمة الطبعة الثانية، ص12

شاهد أيضاً

نحو آفاق التجديد..!

بقلم  يونس عاشور أُجدد في ذاتي آمالاً كي لا تهوي في وحلِ الإحباط المعدوم.. أقوّم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *