الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / أزمة الهوية في الرواية النسائية الأمازيغية

أزمة الهوية في الرواية النسائية الأمازيغية

من خلال روايتي اكنترن د افاغرن لفاضمة فرس و اناضان ن واضان ل أم العيد العدناني

محمد تيسُكمين

محمد تسكمين

     لا يحيل مفهوم الهوية هنا إلى أية جماعة قومية أو لغوية أو اثنية أو عرقية أو غيرها، وفي المجمل لا علاقة له بأية خصائص مشتركة بين أفراد جماعة بشرية تضفي عليهم إحساسا جماعيا بالانتماء، لنتحدث عن هوية جماعية في تفرد واختلاف، تشابه، تعاون، تعارض، تجاوز،تجاور لهوية جماعية أخرى . وهو الفهم الذي يسيج أفق انتظار المتلقي اعتبارا لتجاور الهوية و الأمازيغية في نفس العنوان 

بل على العكس من ذلك وضدا  عليه، أقصد بالهوية تميز الذات الفردية وتطابقها مع ذاتها وتفردها ووعيها بهذا التفرد والمغايرة في مقابل ما ليس هويتها من كل الأغيار – العالم.

     وبهذا الفهم تكف عبارة ” أزمة الهوية” عن أن تكون عيبا أو نقصا وجب تجاوزه ، أو خطأ يجب تصحيحه بإثبات هوية ما ومن ثمة الركون إلى الثبات، إلى معطى جوهري في الوجود الإنساني،  بل تتحول إلى أساس للتأمل والتفكير والفعل في الذات والعالم معا ، مما يجعل منه وقود الابداع وجوهره.

    إنه المنطلق نفسه الذي أتاح للروائيتين فاضمة فرس وأم العيد العدناني مساحة أكبر من اللايقين حولتاه إلى عوالم  إبداعية تشتغل على الإمكانات اللامتناهية بين الواقع والحلم والهذيان، وبين الحياة والموت ، وبين الماضي والحاضر والمستقبل.  إمكانات تتيح لذوات مأزومة وواعية بأزمتها القدرة على المراوحة بين هذه العوالم بحثا عن كمالها المنشود، والذي لم يكن في الروايتين معا إلا بحثا عن تحقق كمال معرفي وليس كمالا انطولوجيا أو أكسيولوجيا ثم الإقرار منذ البداية عن استحالتهما ومن ثمة القبول طوعيا بالمصير والقدر المحتوم والتكيف معه. لكن يبقى الأهم هو تأمله وكشف أسراره

   اناضان ن واضان ل أم العيد العدناني

     بأسلوب روائي فريد ، عمدت الروائية على سرد الأحداث من موقع الأموات، بشكل مختلف عن أسلوب دانتي والمعري المنشغلان  بوصف حالة الأموات وعوالم ما بعد الموت. أما أم العيد فقد اختارت موقعها لتأمل الحياة والموت معا، موقع فريد يتيح لها أقصى درجات الموضوعية في الوصف وهو ما يمكن تسميته في العلوم الإنسانية بموقع الملاحظ خارج العالم، المتموقع كليا خارج الظاهرة موضوع الوصف.

    وصف مكنه تدفق اللغة وسلاستها من بناء عوالمه السردية المكتفية بالذات ودواخلها ومحيطها القريب .ورغم أن الرواية لا تضج بأحداث و فضاءات تمكن من تحرير ملكة السرد ، إلا أن الروائية بانغماسها داخليا، كاختيار واع مكنها من تشكيل منجز سردي غير تقليدي. بأفق حداثي واضح في الاشتغال، وظفت رصيدا معرفيا ينم عن سعة اطلاع شمل مجالات الفلسفة والأدب، الأسطورة والعلوم الإنسانية .

  وقوفها على تلاشي الحدود الضدية بين عوالم الحياة والموت ، العقل واللاعقل، المعنى و اللامعنى  ، الذات والآخر و اليوتوبيا والديستوبيا… يرسم لعملها أفقا لا يقل جمالية عن المنجز السردي المعاصر ، بل تعتقد أحيانا أنها تترجم مباشرة من نصوص عالمية معروفة لولا تصريحها بمرجعيات تراثية من نصوص شعرية لعلي شوهاد وعمر واهروش، تستحضرها لاستجلاء صورة أو معنى لا يستقيم في المجال التداولي الأمازيغي إلا بها .

    سقوطها المفاجئ في نهاية الأحداث في معضلات الابتذال اليومي-اقحام تيفناغ وتدريس الامازيغة- وهي تحلق عاليا في عوالم اليوتوبيا مجسدة اياها في حكي جميل باهر،رغم أنه لايشغل الا حيزا صغيرا من صفحة أتمنى حدفه في طبعة لاحقة، يشكل نشازا في الرواية وخدشا لمفهوم الهوية أعلاه.

رواية اكنترن د افاغرن لفاضمة فرس

  حكي مطروز شيق يكشف أحوال شخصية معطوبة، تحالفت ضدها الأقدار لترسلها إلى عوالم قصية من الجحيم. جحيم خلقتها الذميمة يتفاعل مع واقع حقير معاد لا يمكن مواجهته إلا بحس لا أخلاقي عال! وقدرات كبيرة من أجل إعادة تأهيله بشرع يد قصيرة لكنها مسنودة بمختلف القيم البدائية لحب البقاء.

   الرواية محاكمة قاسية لزيف الادعاء،  وامعان  في إسقاط الأقنعة واحدا واحدا على مدى الفصول الأحد عشرة المشكلة لها، لتبقى الوجوه عارية دون مساحيق.

  أعطاب الشخصية الرئسية وهي نفسها السارة جعلت عوالم السرد مكثفة متداخلة بين الواقع والحلم والهذيان. ولكنها تجتمع متظافرة لنسج محكي جميل وبدرجة عالية من التشويق و بمرجعية فكرية غنية شملت الآداب العالمية من رواية وسينما وموسيقى في تكامل متين مع الثراث الأمازيغي الأصيل لتصنع هذا المنجز الروائي الجميل للروائية فاضمة فرس بعنوان اكنترن د افغرن  والذي لم أتمكن من استجلاء دلالته في علاقته بالأحداث.  واذا لم يكن فهمي قاصرا فإنه يبقى هذا العنوان هو نقطة ضعف الرواية

محمد تسكمين

شاهد أيضاً

رسالة حب الى بنت عمر

عبد الحفيظ ايت ناصر عبد الحفيظ ايت ناصر […] بهذا المعنى اصبح انا جدك المليء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *