الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / سيمون فايل الشيوعية الصوفية

سيمون فايل الشيوعية الصوفية

عزالدين بوركة(كاتب وباحث مغربي)  

العقل الكبير:

“إنها أكبر عقول عصرها”، هكذا وصف الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو A. Camus المفكرة والفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل Simone Weil، والتي تعتبر عند البعض “العقل الأكثر إشراقا في عصرها”. وُلدت فايل بباريس في الثالث من فبراير 1909، ولم تعمر طويلا، إذ توفيت عن عمر ناهز الـ 34 سنة. ورغم ذلك لم يمنعها عمرها القصير من أن تنتج مؤلفات ما زالت تعتبر من محددات القرن الفائت الفكرية؛ مؤلفات تجاوزت العشرين كتابا.

على خلاف الكثيرين من مُجَيّلِيهَا لم يُترجم لهذه المفكرة سوى كتاب واحد[1] إلى العربية، من بين كل الكتب التي ألفتها، بالإضافة لترجمة بعض من مقالاتها. هكذا تكون صاحبة “العقل المشرق” مغمورة في عالمنا العربي. وإن اعتبر صاحب “الطاعون” أنه من الصعب تصور أية مكانة لأوروبا في المستقبل ما لم تأخذ بعين الحسبان المتطلباتِ التي حدَّدَتْها سيمون فايل في مؤلفاتها الفكرية. وبالتالي تكون صاحبةَ فضلٍ كبير على التفكير الغربي، خاصة عند منعطف القرن 20، وبدايات الثورة الفكرية الكبرى التي جاء بها كبار الفلاسفة من أمثال سارتر وميرلوبونتي وهايدغر وكامو وغيرهم.

بدأت فايل الاهتمام بالفلسفة في سنّ مبكر، ما جعلها تلتحق بمدرسة المعلمين العليا سنة 1928، وهي لم تبلغ بعد سنها 19، لتنال دبلوم الدراسات العليا سنتين فيما بعد، عن موضوع بحث: “العلم والإدراك لدى ديكارت”. سنة بعد ذلك ستحوز شهادة التبريز في الفلسفة، وذلك عام 1931.

سيمون فايل

تعرفت فايل على فلسفة كارل ماركس مبكرا، في المرحلة الثانوية بالتحديد، وتأثرت كثيرا بـمؤلفه الشهير “الرأسمال”؛ الأمر الذي سيحدد توجهها النضالي وانخراطها الملتزم تجاه القضايا العمالية، وميلها الصريح إلى الشيوعية. بعد حصولها على شهادة التبريز وعملها كمدرسة فلسفة، تعرفت على مناضلي النقابات المتمردين، الذين كان البعض منهم منخرطاً في مجلة “الثورة” la Révolution الفرنسية، ما مكنها من نشر مجموعة من مقالاتها الفكرية، وإبراز مواقفها النقابية والنضالية، والتي ستتطور فيما بعد بشكل بارز على أرض الواقع، بعد انخراطها المباشر في معاناة العمال ونضالاتهم ومساندة مطالبهم. التزمت سيمون فايل بالنضال العُمالي، والذي استولى نَفَسُه على مجمل كتاباتها الفكرية، وذلك غاية تحقيق العدالة الاجتماعية، عبر مدافعة متجذرة عن المضطهدين والعمال.

تنوعت اهتمامات فايل الفلسفية، إذ تناولت مواضيع شتى من فلسفة العلم والمعرفة، والفلسفة السياسية، وفلسفة الدين، ومناقشة النظريات الرياضية من النسبية والكمية، وبالخصوص رفقة أخيها أندري فايل (1906-1998) عالم الرياضيات. كل هذه الاهتمامات جعلت معارفها تأخذ بعدا موسوعيا، مكنها من أن تخوض غمار التفلسف منذ ريعان شبابها، ومكنها أيضا، أن تحوز مكانة رفيعة في صفوة فلاسفة القرن الماضي

.الالتزام والتفكير في التحرر:

إن اعتناق سيمون فايل للفكر الماركسي قادها إلى الإيمان بالقضايا العمالية والانخراط في الدفاع المتجذر عن التحرر العمالي، الأمر الذي سيدفعها بعد أربع سنوات من التدريس في أقسام الفلسفة، أن تترك عملها كمدرسة وتشتغل في معامل ومصانع رفقة من تدافع عنهم. إيمانا منها بأن واجبها المعرفي والنضالي يفرض عليها الالتزام الواقعي، وتتعرف عن كثب على المشاكل العمالية وسبل تحررهم من الاضطهاد الرأسمالي.

بنفس متشائم صرحت الفيلسوفة: “نعيش في فترة بدون مستقبل”، في مؤلفها “تأملات في أسباب الحرية والاضطهاد الاجتماعي”، والذي نُشر سنة 1955، اثنتا عشر سنة بعد وفاتها، ضمن مجلد: “القمع والحرية”. تحدد فايل في هذا الكتاب تأملات متعددة لأوجه الثورة، هذه الأخيرة التي تكاد “تكون بلا محتوى”، نظرا لتطورها الذي يتغير كل يوم، في ظل المجتمع الذي باتت تهيمن عليه الآلة. بالتالي تسعى فايل إلى إعادة تأهيل دور الفرد individu، الذي ترى فيه العامل facteur الوحيد الذي يضاد التحكم الكلي للمجتمع، إذ “من الواجب البحث عن أسباب التطور الاجتماعي في الجهود اليومية للإنسان باعتباره فردا”. فلابد إذن، من التحرر من الحالة التي يولد عليها المرء باعتباره “عبدا” في ظل النظام الرأسمالي القائم.

لم تنجح سيمون فايل في إعطاء ألوان أكثر تفاؤلاً لبقية تأملاتها، على الرغم من رغبتها في البحث عن طريق للحرية. إذ لا تكشف عن أي طريقة للوصول إلى هذه الحرية، التي تظل مجرد حلم. فأقل المجتمعات، “المجتمع الذي غالباً ما يُجبر فيه الإنسان العادي على التفكير بالتصرف en agissant”، فللوصول إليه سيكون من الضروري وضع حد لأعمال المصانع، التي تستغل العمال والنشاط البشري. لا يمكننا أن نأمل في الحد من قوة الاضطهاد لأن مختلف الجهود التي تصب في هذا الاتجاه تعارض بعضها البعض. بينما تستأنف سيمون فايل في الجزء الأخير من هذا الكتاب فكر فرانسيس بيكون الرائي بأن “الإنسان يأمر الطبيعة بطاعته”، لذلك تدعو الفيلسوفة الإنسان/الفرد لتجديد “الميثاق الأصلي للروح مع الكون”.

الإله والحب والجمال:

يمكن وصف سيمون فايل بكونها “شيوعية الانتماء ومتصوفة الهوى”، أو على الأقل هكذا يراها البعض، إذ رفضت أن يتم تعميدها، بعد تحولها من اليهودية إلى المسيحية. فقد قادها هواها الصوفي إلى الاهتمام بالديانات الشرقية والبحث فيها، واعتناق بعض رؤاها الفكرية والإنسانية، مثل البوذية والهندوسية والسنسكريتية… فتذهب للقول بأن “حقيقة الرب في غيابه”، فالرب بالنسبة لسيمون فايل قد خلق العالم وانسحب منه، لهذا السبب توجد الحروب والشرور، ولكن العالم يستمر بدون تدخل الإلهي فيه، بينما المشركون بالرب -بالنسبة لها- هم أولئك الذي يعبدون السلطة والمال…

في هذا السياق تتساءل فايل لماذا خلق الإله العالم؟ وتجيب: “من أجل الحب”، إذ “لم يخلق الإله أي شيء سوى الحب نفسه ووسائل الحب. لكن هذا الحب هو المسافة، الانسحاب retrait، نزع الملكية dépossession”. إنه على العكس من العنف الذي لا يعني سوى “الاستيلاء على السلطة، كفعل نجس. وسوى التملك posséder، كفعل نجس. أما الحب فهو الإبقاء على المسافة، أن نعشق المسافة بين أنفسنا ومن نحب”. المسافة هنا دليل عن الغياب، فلا يتحقق الحب إلا عبر الغياب، لهذا فالإله طيب لأنه غياب، ولأنه في مسافة عن العالم الذي خلقَ.

العالَم بالنسبة لفايل، ليس هو الإله، بل إنه منفصل عنه، لكنه يحافظ على أثره فيه؛ الأثر الذي يتمثل في الجمال. وهذا الأخير هو ما يمكن أن نستنتجه من خلال التأمل، إذ تقول إن “الجميل هو ما يرغب فيه المرء دون الرغبة في تناوله، مثل الفاكهة التي ينظر إليها المرء دون الوصول إليها. إذ إن “الجماليات تؤدي إلى التصوف”، كما تقول.

المتصوفة الشيوعية:

“أعطاني الإله الكينونة، لأردها إليه”، تبدو فايل في هذه المقولة، غائصة في الحالة الروحانية والشطح الصوفي، إنها ترى نفسها مدينة للإله بكينونتها والتي تريد أن تردها إليه. هذا الدين الوجودي هو ما سيدفعها إلى الانخراط وسط من تصفهم بخلائق الإله، هؤلاء الأفراد العمال، الذين هم في أمس الحاجة للتحرر. ليس تحررا من الآثام أو الذنوب أو المعاصي، بل من الاضطهاد الذي تمارسه عليهم المؤسسات الصناعية، وما يعيشونه من ويلات وعذاب في المعامل والمصانع. ستجد سيمون فايل نفسها، وسط العمال، وقد تخلت عن وظيفتها الرسمية في التدريس، لتتقرب منهم، وتنقل إليهم أفكار التحرر والحرية، ولا سبيل لهم للتحرر –كما ترى الفيلسوفة- إلا عبر الشيوعية وما تحمله من ثورة ضد أنظمة القهر والقمع والتعسف والعنف. ما يجعلها أولى المثقفين الذين مارسوا تفكيرهم داخل المصانع. إذ لم يقتصر مسارها على الشق التنظيري والتأملي، بل سعت لممارسة رؤيتها على أرض الواقع. وهذا ما قد كان حائلا أمام عدم نشرها لأي مؤلف قيد حياتها، واقتصارها على تلك المقالات التي نشرتها في المجلات والجرائد، وما تركته من مسودات عرفت طريق النشر -بعد موتها- بتدخل من أصدقائها، أمثال ألبير كامو.

لعب التصوف دور بارزا في تجديد رؤية فايل ولغتها، فطغت اللغة الشاعرية على معظم كتاباتها وما سودته من دفاتر ورسائل، فنجدها وقد كتبت إلى الشاعر الفرنسي جو بوسكي (Joë Bousquet (1897-1950 (نموذجا): “البيضة هي هذا العالم المرئيّ، والفَرْخُ هو المحبّة، المحبّة التي هي الإله ذاته، والتي تسكن في عمق كل إنسان كبذرة في البدء غيرِ مرئية”. لقد سعت عبر هذه الرؤية الصوفية إلى أن تبحث عن الإله في الإنسان، الذي ما هو إلا تمثله في هذا العالم وبديل عنه، في العالم الذي يغيب عنه الإله بمسافة. وفي الغياب رأت الحب، فحب الإله يتجلى في غيابه، أي في تلك المسافة التي يجعلها بينه وبين العالم.

تحقيق التجذر:

شكلت المرحلة الأخيرة من حياة فايل، بالخصوص، مرحلة فارقة ومهمة رغم قصرها، إذ مع ولوجها عوالم المصانع والعمال، واختبار آلامهم ومعاناتهم، وإصابتها بمرض السل جراء ما تعرضت إليه من جراثيم وغازات داخل تلك الأماكن القاسية، وما عاشته من فترات حرب خاضتها في اسبانيا وانخراطها ضمن صفوف فرنسا الحرة، كونت بالتالي تأملا عميقا تجاه الحياة، قادها إلى اعتناق التصوف، والتدين، بعدما تحولت من الديانة اليهودية إلى المسيحية، لكن بكيفيتها الخاصة، ولم ترغب أن تنتمي إلى أية طائفة أو مذهب. لقد تعرفت على الإله رؤيتها الخاصة، من خلال مفهومي “المسافة والغياب”، والتأمل والتفكر. ما سيلقي بظلاله على كتابتها أيضا، فهذا الجانب الروحي جعل كتاباتها مصطبغة بالمرمرية والعذوبة، إلا أن كتاباتها لم تخل من الطابع اليقني، إذ ظلت محافظة على يقينيتها فيما جاءت تدعو إليه، في هذا الصدد يقول ريمون أرون، “كانت على ما يبدو غير مدركة للشك، وإن كانت آرائها يمكن أن تتغير، إلا أنها كانت لا تزال جازمة”.

في كتابها التجذر، تعلن سيمون فايل بيقين كبير، -وعبر نقد ماركسي لأوضاع العالم في ظلّ الصراع الإيديولوجي، بعد الحرب العالمية الأولى، وعبر أسلوب محكم-، عن واجبات تجاه الكائن البشري، إذ تذكر فيه أربعة عشر من الواجبات (أو ما سمتها بحاجات النفس)، إذا ما توافرت في حياة الكائن الإنساني، فإنه كما ترى فايل، سيمارس دوره في الحياة وعلاقاته مع غيره بشكل أكثر إيجابية، سواء تعلق الأمر بوجود قوانين أو في غيابها. وهذه الواجبات كما تقترحها هذه الفيلسوفة: النظام والحرية والطاعة والمسؤولية والمساواة والتراتبية والشرف والعقاب وحرية الرأي والأمان والمجازفة، والملكية الخاصة والملكية العامة والحقيقة. فهذه الواجبات قابلة التحقق والتحديد، بالنسبة لها، في وعي كل إنسان/فرد. ومن خلال هذه الواجبات يصير الفرد فعالا في الحياة الاجتماعية، ويتحقق بالتالي “التجذر”، أي تجذر الإنسان في العالم.

إنها إذ فيلسوفة التجذر والروحانية، إن أسعفنا هذا التعبير، من حيث اختيارها الانخراط المباشر في القضايا الإنسانية والعمالية، كما ميلها إلى الصوفية كخيار روحاني. وكانت متحمسة بشكل كبير لوضع أسس المساواة بين البشر جميعا، حماسها هذا الذي قادها إلى الإيمان بالقضايا النضالية والالتزام بالوقوف إلى جانب المضطهدين.



[1] سيمون فايل، التجذّر: تمهيد لإعلان الواجبات تجاه الكائن الإنساني، ترجمة محمد علي عبد الجليل، دار معابر للنشر، 2010.

شاهد أيضاً

شذرات فلسفية مداخلة وتعقيب ج4

علي محمد اليوسف /الموصل شذرة اولى:دي سوسير واللغة (رغم أن وجود الاشياء يسبق فكرتنا عنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *