الرئيسية / منتخبات / عامة / الخطابة الأرسطية: دراسة في صناعة القول الحجاجي واستراتيجياته

الخطابة الأرسطية: دراسة في صناعة القول الحجاجي واستراتيجياته

هشام المنجلي  Hicham EL manjli

Hicham.menjli@gmail.com

    الملخص

تناولنا في هذه الورقة البحثية موضوع الخطابة، وكانمسعانا من وراء هذا العمل هو التحقق من فرضية مفادها،أن الخطابة كأسلوب في الحجاج لم ير النور، ولم يتأسس كفن قائم الذات إلا مع أرسطو، فألزمتنا الروح العلمية الرجوع  لخطابة أرسطو من أجل الوقوف على ما تزخر به من مقومات وركائز حجاجية واستراتيجيات إقناعية هائلة ومتنوعة، هذا الزخم الكبير من الإمكانيات والميكانيزمات الحجاجية التي أرساها أرسطو في مؤلفه” الخطابة”، جعله منظرا للخطابة ومؤسسا للدرس الحجاجي، فقد وضع لها أسس مناهضة تماما لما كان عليه الحال مع السفسطائيين وغيرهم، فأحدث بذلك منعطفا في مجال تداول الخطاب وممارسته، هذا المنعطف أحل مفهوم الإقناع محل مفهوم التأثير، أي الإقناع الذي يتطلب ترسانة من الحجج والدلائل التي تحترم القيم السائدة في المجتمع، بل تزيد من ترسيخ تلك القيم، فهو إقناع حجاجي، على عكس التأثير الذي هو قول متملق وغير أخلاقي، مبدأه الغاية تبرر الوسيلة، وبهذا الانعطاف يكون أرسطو قد عمل على تقنين القول الخطابي، بدءا من الحجج، والأسلوب، ثم ترتيب أجزاء القول، وقد شكلت أفكاره هاته إطارا مرجعيا وخلفية نظرية لكل خطابة مقبلة. وفي ما يلي تفصيل للقول في هذه العناصر و إثبات له.

المصطلحات الأساسية:

الخطابة، الإقناع، الحجاج، القيم، العواطف والانفعالات…..

تقديم :

لقد ارتبطت الخطابة منذ القدم بالإقناع، لذلك انتبه أرسطو للدور الهام الذي تقوم به  داخل المجتمع اليوناني، فقد كانت تعد وسيلة الإتصال والتحاجج الجماهيري ضمن المحاكم والمجالس الاستشارية والاحتفالية. لهذا عني اليونان وفي مقدمتهم أرسطو بالخطابة، التي غدت معه حقلا معرفيا قائم الذات،مثلها مثل باقي الحقول المعرفية الأخرى كالجدل والبرهان وغيرها، فخصص لهذا المبحث كتابا بعنوان “الخطابة” La Rhétorique وهو كتاب في صناعة القول الخطابي من وجه، ودراسة لذلك القول من وجه أخر. والمواضع التي تناولها الكتاب هي ثلاثة: مواضع القول ومواضع القائل ومواضع المقول إليهم. تلك المواضع هي ما سنحاول في هذه الورقة البحثية تحليلها وبسطها، وفق العناصر التالية:

  1. مفهوم الخطابة: إشكالات التعريف والتحديد.
  2. دواعي نشأة الخطابة اليونانية.
  3. لماذا الخطابة؟ وما الحاجة إليها؟
  4. الخطابة وأنواعها،.
  5. استراتيجيات وقواعد الإقناع (الحجاج) في الخطابة
  1. مفهوم الخطابة: إشكالات التعريف والتحديد

في البداية وجب أن نقف عند الالتباس المصطلحي الناتج عن ترجمة لفظة Rhétorique والتي تعني “خطابة” أو “بلاغة” حتى نحدد المفهوم تحديدا دقيقا، لأن الحقل المعنوي لكلمة Rhétorique لا يطابق في الأعم الحقل الذي تدل عليه كلمة “بلاغة” في التقليد العربي ،وقد كان لبعض الكتاب العرب وجهة نظر في هاته المسألة على غرار عمر أوكان ومحمد العمري ومحمد الوالي وحمادي صمود وغيرهم. فمصطلح “الريطوريق” Rhétorique يطرح مشكلا في الترجمة،هل نترجمه بالبلاغة؟ أم بالخطابة؟ أم نزاوج بينهما كما فعلت بعض المعاجم، كمعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات مثلا؟[[1]].

هذه الازدواجية نشأت من الدلالة الثنائية لمصطلحRhétorique  فهي من جهة فن القول والتعبير الأنيق، ومن جهة أخرى الكلام الهادف إلى الإقناع، ولذا ترجم بعض العرب هذا المصطلح ب”الخطابة” بالنظر للجانب الإقناعي مثل: ابن رشد، و “بالبلاغة” حينما يتعلق بالقسم الأول (الصياغة والأسلوب). كما أن الذين ترجموا Rhétorique ليس من أهل الاختصاص، إضافة إلى أن هذه الترجمة لم تكن لهدف بلاغي، بل بغرض تتمة الأورغانون. وهناك مبرر أخر هو التداخل البلاغي الخطابي عند اليونان،إذ يصعب التفريق بينهما، بكونهما متطابقان ومتلازمان[[2]].

ويذهب حمادي صمود إلى القول بأن الذين ترجموا مؤلفات أرسطو استوعبوا الفرق القائم، ففضلوا الإبقاء على المصطلح في لغته الأصلية “ريطوريقا”، ثم لما تناول الفلاسفة الكتاب بالترجمة والشرح سموه “خطابة” [[3]].

وقصد التخلص من هذه المعضلة (معضلة الترجمة) وتجاوز الالتباس الحاصل، ينبغي الإلمام بحدود المصطلح، وذلك بالنظر إليه في ضوء سياقه و أصوله ، ثم تتبع مسيرته التاريخية حتى يتحقق الفهم السليم، لهذا فضلنا العودة لأرسطو من خلال مؤلفه “الخطابة” لمعرفة دلالة ومعنى “الريطوريقا” La Rhétorique، إذ يعرفها بقوله : ” فالريطورية ( الخطابة ) قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة “[4[4]].وقد وقف ابن رشد بصفته شارحا لأرسطو عند حدود كل كلمة في هذا التعريف فقال: ويعني ب”القوة ” الصناعة التي تفعل في المتقابلين، وليس يتبع غايتها فعلها ضرورة، ويعني ب “تتكلف” أن تبذل مجهودها في استقصاء فعل الإقناع الممكن، ويعني ب “الممكن” الإقناع الممكن في ذلك الشيء الذي فيه القول، وذلك يكون بغاية ما يمكن فيه، ويعني بقوله: ”  في كل واحد من الأشياء المفردة” أي في كل واحد من الأشخاص الموجودة في مقولة من المقولات العشر[[5]].

وإذا كان الإقناع هو الهدف الرئيس الذي تنشده الخطابة، فإنه أيضا مطلبا لأجناس أخرى اهتمت به، خاصة السفسطة والجدل، لذا عمد أرسطو في مقدمة كتابه الخطابة إلى التمييز بينها وبين السفسطة و الجدل. فالإقناع الذي تصبو إليه السفسطة يستمد قوته التأثيرية من الإدعاءات والتوهمات التي يتباهون بها السفسطائيون، أضف إلى التصنع في الكلام وزخرفته، فهؤلاء إنما يزخرفون القول في صفحة الأمر وظاهره، وأنهم مالوا بزيادة إلى أن ينطقوا بالعدل فقط، لهذا الغرض أقصى أرسطو السفسطة من دائرة الخطابة، على الرغم من اشتراكهما في نفس الهدف،إلا أنهما يختلفان في الوسائل التي بها يكون الإقناع[[6]].

أما الجدل، فعلاقته بالخطابة كعلاقة الكل بالجزء، أي أنه أعم من الخطابة، ومنه تستمد – أحيانا – حججها، لذا فهو لا يتعارض معها، بل ينتسبان معا إلى حقل الرأي والاحتمال والممكن، وهذا ما وضحه ابن رشد بقوله:” إن صناعة الخطابة تناسب صناعة الجدل، وذلك أن كلتيهما تؤمان غاية واحدة وهي مخاطبة الغير، إذا كانت هاتان الصناعتان ليس يستعملهما الإنسان بينه وبين نفسه، كالحال في صناعة البرهان بل إنما يستعملها مع الغير، وتشتركان بنحو من الأنحاء في موضوع واحد، إذ كانت إحداهما تتعاطى النظر في جميع الأشياء” [[7]] .  

وفي نفس المنحى نجد روبول يعرف الخطابة بقوله: ” ليست الخطابة سوى إحدى تطبيقات الجدل(…) من حيث أنها تستعمله باعتباره وسيلة فكرية في الإقناع، ولكنه وسيلة لا تغنيها البتة عن الوسائل التاثيرية الأخرى” [[8]].هذا الاتفاق الجزئي بينهما لا يرفع اختلافهما، بل يظل الاختلاف قائما، كون الجدل يضيق الرأي ويقلق من الاختلاف، ومن تم يضعف حلقة التأويل والاحتمال. بينما تسعى الخطابة كما يرى أرسطو “إلى فتح مجال الاحتمال والممكن”[[9]]، وبالتالي إيقاظ حلقة النقاش، وتمديد المسافة بين الرؤى ووجهات النظر. وتمثل هذه الخاصية الخطابية جوهر الاختلاف بين الجدل والخطابة في الإقناع والتأثير في المتلقي، لذلك يقول أرسطو: ” فقد استبان، إذا، أن الريطورية ليست جنسا لشيء واحد منفرد، لكنها بمنزلة الديالقطيقية، وأنها جد نافعة، وأنه ليس عملها أن تقنع، لكن أن تعرف المقنعات في كل أمر من الأمور” [[10]]. فالخطابة في هذا النص لا تفرض الإقناع بالقوة كما في الجدل، وإنما تنشد دائما البحث عن الحجج والبراهين، إما بصنعها أو الكشف عنها داخل السياق الخطابي واستثمارها. وعلى هذا الأساس قام أرسطو تمييزه للخطابة عن السفسطة والجدل.

  1. دعاوي نشأة الخطابة اليونانية:

إذا كان أفلاطون استبعد الخطابة من ميدان العلم والمعرفة، وأعلن عداءه ومعارضته لها، بدعوى أنها تقوم على الرأي أو الظن (doxa) و لا تخدم الحقيقة، فإن تلميذه أرسطو نادى بضرورة العناية بها، نظرا لأهميتها في المجتمع وجدواها، باعتبارها وسيلة حجاجية توظف للدفاع عن الحقوق المسلوبة،  فاكتشف وجود منطق خفي- منطق حياتي- إلى جانب المنطق الصوري،يتميز بطابع جدلي، مرتبط بمعيشة الناس وأحوالهم في الأماكن الشعبية مثل المحاكم و الأولمبياد وباقي التجمعات الجماهيرية الخطابية ، حيث يقوم المتهم بالدفاع عن نفسه بواسطة توجيه خطابه إلى القاضي أو الحاكم عن طريق الحجج التي يصوغها بغية إقناعه والتأثير على حكمه.

كل تلك المنابر شكلت أرضية خصبة لميلاد هذا المنطق الخطابي المتميز بسلطة الإقناع والتأثير على أراء الناس ومواقفهم بواسطة الكلمة (اللغة). ولا شك أن ظروفا خاصة بالمجتمع اليوناني وجهت أرسطو هذه الوجهة، و دعته إلى صياغة نظرية في القول الخطابي، “وهي ظروف تتفق الأبحاث والدراسات على طابعها السياسي والمؤسساتي، وتتجلى في الديمقراطية والحرية والتصدي للجور والدفاع عن الحق، فكانت السلطة الكبرى في تلك الحقبة للقول المقنع القوي بحججه وقدرته على التأثير والاستمالة”[[11]].

إن وجود الخطابة مشروط بوجود الحرية، والحرية لا تسود في مجتمع إلا بسيادة الديمقراطية كنظام حكم سياسي واجتماعي، خول للفرد حقه في التعبير عن أفكاره ومواقفه وآرائه بكل حرية، والدفاع عنها. ففي هذه الفترة، فترة نشوء ما سمي بالدولة المدينة Polis-Cite  (أثينا كمثال) وما بعدها،اكتسحت الخطابة الفضاء العمومي اليوناني، الذي غلبت عليه المجادلات الفلسفية والسياسية، إذ غدت سلطة الحكم في يد صاحب الخطاب الأقوى . وقد كان لظهور مجموعة من السفسطائيين لتميزهم بالقدرة على الخطابة المؤثرة والإلقاء المحكم، الدور الكبير في تطور الخطابة اليونانية مما جعلها مهنة يسعى إليها من يريد البلوغ إلى المراتب العليا من طبقات المجتمع(*). لكن مع أفلاطون وأرسطو اتخذت طريقا أخرا، مغايرا تمام المغايرة عن الخطابة السفسطائية، التي تأسست من جديد على يد المعلم الأول، الذي أعاد النظر في مفهوم الخطابة كما كان قائما في عصره، فتأمل من موقعه الفلسفي والمنطقي ممارسة القول الخطابي، فصاغ نظرية جديدة (نظرية الحجاج)  في القول الخطابي، أحدث من خلالها منعطفا في صناعة القول العمومي، وبهذا الانعطاف يكون أرسطو المؤسس الأول للخطابة وأبوها الحقيقي (بلغة شاييم بيرلمان)، الذي أرسى معالمها الحجاجية في مؤلفه “الخطابة” الذي يعد بحق الإطار المرجعي لكل خطابة مقبلة، غربية كانت أو عربية .

  1. لماذا الخطابة ؟ وما الحاجة إليها ؟

حينما نكون في دائرة اليقينيات والمسلمات ، قلما نحتاج للقول الاقناعي، بالقدر الذي نحتاج إليه في مجال الظن و المحتمل والمسائل الخلافية، ومن تم فالإقناع برأي ما أو إظهار تهافته، مطلب ملح وضروري للناس جميعا، “لأنهم إلى حد ما، يحاولون نقد قول أو تأييده والدفاع عن أنفسهم أو الشكوى من الآخرين”[[12]]. وصناعة الخطابة بهذا المعنى، غايتها إنتاج قول يفيد الإقناع في مجال المحتمل والمسائل الخلافية القابلة للنقاش، بمعنى أنها علاقة بين طرفين تتأسس على اللغة والخطاب، يحاول كل طرف فيها أن يؤثر على الطرف المقابل له، يوجه به فعله أو يثبت لديه اعتقادا أو يمليه عنه أو يصنعه له صنعا. فالقول الخطابي إذن، وكما ورد على لسان صاحب البيان والتبيان” يكون للخصومة والمنازعة ومناضلة الخصوم والاحتجاج على أرباب النحل ومقارعة الإبطال ومحاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء ومفاضلة الإخوان”[[13]].

يتضح إذن، أن صناعة الخطابة بهذا المعنى، قول جار بين الناس في معاملاتهم، وخطب تلقى أمام الجمهور في السياسة و الأخلاق وحياة المدينة، ومرافعات في رحاب المؤسسات، و الغاية القصوى منها هي الإقناع، وهذا الأخير يتم بوسائل كثيرة- سنذكرها في الفصول القادمة – فكما قال ابن رشد في تلخيصه: “الخطابة الأرسطية قوة تتكلف الإقناع الممكن، والعمل على جعل الإقناع غرض الخطابة الأساسي” [[14]].

ففي حديث أرسطو عن منافع الخطابة، أقر بأن القول الخطابي، بما فيه من خصوصية، ضروري ولا غنى عنه في الاجتماع البشري، مخالفا بذلك أفلاطون الذي أراد بمشروعه الخطابي أن يلحق الخطابة بالفلسفة، ضروري لتحصين ممارسة القول العمومي. وفي هذا الإطار ذكر ما به يمكن أن يكون الإقناع في الخطابة، وحدد فضاء التأثير ومعدنه، وعرض نظريته في الحجج الخطابية (هذه الأمور سنفصل القول فيها لاحقا).

لقد أشرنا في السابق، إلى أن أرسطو في نقده للخطابة السفسطائية، كان يبتغي تخليق القول الخطابي داخل المدينة، بالتصدي لبعض الممارسات، (أشار إليها في الفصل الأول من الخطابة) وتحصين القيم السائدة في المجتمع، وهي قيم اجتماعية بالأساس، ” فمن الخطأ إفساد ذمة القاضي وإثارة مشاعر الغضب أو الغيرة أو الرحمة فيه…”[[15]]. هذا القول وجهه أرسطو للخطابة التي تسعى إلى التأثير لا الإقناع، معتبرا هذا الجنس، خطير على القيم المجتمعية والأخلاقية. وبمشروعه هذا حول مركز الثقل في صناعة الخطابة، من التأثير إلى الإقناع.

ففي المقالة الأولى من كتاب “الخطابة” ذكر أرسطو منافع هذه الصناعة، وعين الجهة التي يقع فيها القول الخطابي، فيقول: “إن الخطابة مفيدة لأن الصادق والعادل أفضل طبعا من مضاديهما حتى أن قرارات القضاة إذا جاءت على غير ما ينبغي، فإن الإخفاق مرجعه إلى الخطباء أنفسهم ويجب أن يلاموا تبعا لذلك، فإنه في التعامل مع نوع من الناس لم نجد من السهل إقناعهم بما لدينا من معرفة، حتى لو كانت أدق معرفة علمية، لأن القول العلمي يتعلق بالتعليم، لكن في حالة هؤلاء الناس يستحيل التعليم، وتصديقاتنا وحججنا يجب أن تستند إلى مبادئ مقبولة بوجه عام، كما قلنا في كتاب “الطوبيقا” ونحن نتكلم عن طريقة مخاطبة الجماهير…”[[16]]. يفهم من قول أرسطو أن للخطابة نفع كبير في مجال القضاء، وهو نفع يتمثل في الاضطلاع بمسؤولية مراعاة العدل، كما يتجلى نفعها أيضا في صناعة القول الضامن للقيم الثلاث الواجب مراعاتها في شؤون  الاجتماع والسياسة، وهذه القيم هي العدلJuste  والخير والنافع L’utile et le Bien والجميل Le Beau، هي قيم مركزية في نظريته الخطابية. يقول في مقاطع أخرى من الخطابة: ” لكل نوع من الأنواع الثلاثة غاية خاصة مختلفة، ولما كانت أنواع الخطابة فهناك ثلاث أنواع من الغايات، فغاية الخطيب المشاور هو النافع أو الضار، لأن من يحض يوصي بمسلك بوصفه الأحسن، ومن ينهي ينصح بتجنب مسلك لأنه الأسوأ، وكل الاعتبارات الأخرى مثل العدل والظلم والشرف والخسة مندرجة كلواحق في هذا، وغاية الخطيب في المنازعات القضائية هو العادل أو الظالم وفي هذه الحالة أيضا تندرج سائر الاعتبارات كلواحق وغاية من يمدح أو يذم هو الشريف أو الخسيس وترد سائر الاعتبارات إلى هذين” [[17]] . هكذا يتضح إذن أن مهمة الخطابة لا تنحصر في الاقناع فحسب، بل تعدت ذلك إلى ما به يتحقق الإقناع، أي البحث في السبل والوسائل التي تمكن من تحقيق الغرض، بشرط ألا تتعارض مع القيم السائدة داخل المجتمع.

وتهدف الخطابة الأرسطية من جهة أخرى إلى إنتاج قول عمومي يخدم القيم التي ينبغي أن يقوم عليها الاجتماع البشري، وهي قيم الخير والعدل والجمال، وجعل أرسطو في خطابته كل جنس من الأجناس الخطابية الثلاثة (سنقف عليها  بالتحليل في الصفحات القادمة ) التي كان اليونان ينتجونها يخدم قيمة من تلك القيم. فالخطابة الاستشارية مثلا مؤتمنة في نظريته على الإقناع بما يحقق الخير أو النفع للمجتمع أو للأفراد في حياتهم الخاصة.والخطابة القضائية مؤتمنة على الإقناع بما يحقق العدل ويرفع الجور.أما الخطابة الاحتفالية ففيها يتم تثبيت وترسيخ قيمة الجميل في ضمائر الناس داخل المدينة [[18]]. كما تعمل الخطابة على ترسيخ الديمقراطية والحرية والتسامح ونبذ العنف المادي، ونبذ العقائد المتحجرة والإيديولوجيات الخانقة، وكل ما له صلة بالحقائق المطلقة التي لا مجال فيها للتردد والشك، والإمكان والاحتمال.

  1. الخطابة و أنواعها عند أرسطو

يقسم أرسطو الخطابة إلى ثلاثة أقسام فيقول :” فمن الاضطرار إذا يكون الكلام الريطوري ثلاثة أجناس : مشوري ، ومشاجري ، وتثبيتي “[[19]] . وهذه الثلاثة هي التي اصطلح عليها بعض الباحثين بالاستشارية، والقضائية، والاحتفالية(*). وموضوع الاستشارية تقديم المشورة في أمر عام أو خاص، هذا الجنس ينصح أو يحذر، و الذين يقررون  في المصلحة الشخصية أو يعارضون المنفعة العامة فإنهم في الحقيقة يستعملون أحد الشيئين  السابقين ( النصح أو التحذير ). وأما القضائية فموضوعها العدل والظلم، أي مؤتمنة على الإقناع بما يحقق العدل ويرفع الجور،  بينما الاحتفالية فموضوعها المدح والذم . وكل واحد من هذه الأقسام مرتبط بمجال زمني محدد، فالاستشاري يكون حول المستقبل، لأن المتحدث سواء ناصحا أو محذرا لا يعالج إلا الأمور المستقبلية، وأما  جنس القضائي فيستهدف أمور في الماضي سواء دفاعا أو اتهاما ،عكس الجنس الإحتفالي  فيكون في الحاضر لأنه يهتم بالأمور الآنية سواء مادحا أو هاجيا ؛ ومن غير المألوف أن يعودوا خطابيي المحافل  إلى الماضي وأن يتكهنوا بالمستقبل[[20]].

   و لكل جنس  غاية معينة ، فمادام هناك ثلاثة أجناس من الخطابة، فإن هناك ثلاثة غايات تقابلها. يتناول الجنس الاستشاري ما هو مفيد و ما هو ضار؛ لأن الخطيب فيها ينصح بما هو مفضل و يحذر بمن ما هو أسوأ، وغاية الخطيب في المنازعات القضائية هو العدل أو الجور، أما الخطابة الاحتفالية فهي تضطلع عند عند الإغريق بعمليتي المدح والذم[[21]]، وبتعبير أخر فهي تحقق عندهم ما كان يحققه شعر المدح والهجاء في ثقافتنا العربية.  

  • استراتيجيات وقواعد الإقناع(الحجاج) في الخطابة الأرسطية:

يعد أرسطو أبو الخطابة و أهم محطة في الدرس الحجاجي الغربي، الذي استفاد منه الكثير من المعاصرين، وفي مقدمتهم شاييم بيرلمان، الذي سعى إلى تأسيس نظرية حجاجية انطلاقا مما أرساه أرسطو في كتابه “الخطابة”، إذ أن أغلب ما أورده أرسطو،أعاده بيرلمان ضمن كتابه(**)، بدءا من تعريف الخطابة، حتى بناء الخطبة، ولهذا عدت نظرية بيرلمان الحجاجية إعادة بعث وإحياء لما أرساه أرسطو، على الرغم من بعض الإضافات التي أضافها، من قبيل توسيع دائرة المتلقي لتشمل المخاطب الكوني، متجاوزا أرسطو الذي حصر المخاطب في ذلك المستمع القريب والمتواجد في ساحة الخطاب. وإذا كان الإقناع أو الحجاج  في خطابة أرسطو هو بيت القصيد، أو بالأحرى هو الغرض المقصود، فإن هذا الإقناع، كي يتحقق و يفي بمطلوبه، يحتاج إلى وسائل وآليات، بل إلى استراتيجيات وقواعد ينهجها، ويسلك وفقها. فما هي إذن هذه الوسائل والإستراتيجيات ؟

يقتضي الجواب عن هذا السؤال، تفكيكه إلى عناصر ثلاثة، وهي عناصر نعتبرها مراحل أساسية في إنتاج القول الخطابي المقنع عند أرسطو:

  1. وسائل الإقناع أو الحجج.Eurésis   
  2. الأسلوب أو البناء اللغوي. Lexis
  3. ترتيب أجزاء القول Taxis

1 – وسائل الإقناع أو الحجج:

يقول أرسطو في بداية المقالة الأولى من كتاب “الخطابة”: مهمة الخطابة ليست الإقناع، بقدر ما هي البحث في كل حالة عن الوسائل الموجودة للإقناع، والأمر نفسه ينطبق على سائر الفنون،فمثلا ليست مهمة الطب إعادة الصحة إلى المريض، وإنما بلوغ هذه الغاية قدر المستطاع [[22]]. يفهم من قول أرسطو هذا، أن الخطابة صناعة تبحث في الحجج التي بها يتحقق الإقناع، وهذه الحجج عديدة، منها ما هو غير صناعي ما هو  صناعي، فالأولى (الحجج  غير الصناعية) لا يبذل فيها الخطيب أي جهد، بل يجدها جاهزة ومعطاة في الوثائق المحفوظة و النصوص القانونية والاتفاقيات والاعترافات التي نحصل عليها بالتعذيب والشهود. أما الثانية ( الحجج الصناعية) يصنعها الخطيب ويبدعها بنفسه، وتكون ثمرة جهده، وتتوقف في صياغتها وتوظيفها في وقتها المناسب على ذكاءه و فطنته، يقول في هذا الشأن: “فأما التصديقات فمنها بصناعة ومنها بغير صناعة، وقد أعني بالتي بغير صناعة تلك اللاتي تكون ليست بحيلة منا، لكن بأمور متقدمة، كمثل الشهود والكتب والصكاك وما أشبه ذلك، وأما اللاتي بالصناعة فما أمكن إعداده وتثبيته على ما ينبغي بالحيلة وبأنفسنا [[23]].فالمتلقي للحجج الأولى لا يتعب نفسه في البحث عنها،لأنها مألوفة ومستعملة في ومحيطه، بينما في الحجج الثانية يكون المتلقي جاهلا بها، وهو ما يدفعه لاكتشافها، “فمنها ما ينبغي أن يستعمل استعمالا، ومنها ما ينبغي أن يستخرج استخراجا”[[24]].

نستخلص إذن أن الحجج الصناعية عند أرسطو ثلاثة أنواع:

  • ما يتعلق بسمعة الخطيب وأخلاقه، أو ما يعرف بـ ( éthos): ويعني ذلك أن أخلاق الخطيب، تعد من وسائل الإقناع، لأن شخصيته تبعث في نفس السامع الثقة والاطمئنان فيما يقول، “فليس صحيحا كما يزعم بعض الكتاب في مقالاتهم عن الخطابة، أن الطيبة الشخصية التي يكشف عنها المتكلم لا تسهم بشيء في قدرته على الإقناع، بل على العكس ينبغي أن يعد خلقه أقوى عناصر الإقناع لديه”[[25]]. وهذا يعني أن أخلاق المتكلم Caractère   تكسب المقول(موضوع القول) مصداقية وعنصر الثقة الذي له دور كبير في تحقق الإقناع.
  • ما يتعلق بالأحوال النفسية للسامعين، أو ما أطلق عليه (Pathos): أي أن أحوال السامع وظروف تلقيه للخطاب ومقامه، تؤثر إيجابا على نجاح الخطبة، لأن الانفعالات التي يثيرها الخطيب في السامع تساعده على تهيئته لتقبل ما سيقوله، كما أن استعداد المخاطب المتمثل في الأحوال التي تعتريه من فرح وحزن وغضب تترك أثرها على الخطيب، ولهذا تحظى باهتمام بالغ من قبل المتكلم.
  • §                     ما يتعلق بكلام المتكلم، وما تحمله اللغة داخلها من حجج منطقية ( logos): أي ما يبنيه الخطاب نفسه من وجوه الاستدلال المتحقق بالقياس والاستقراء، وما يضمنه من التصديقات تيسر له السبيل إلى المنظومة الفكرية والأخلاقية والجمالية التي يعقد عليها المخاطب، فيذهب بتماسكها ويخلخل اطمئنان صاحبها لها وثقته بها.

تلك الحجج بأنواعها الثلاثة ، يقسمها أرسطو إلى قسمين كبيرين : حجج منطقية موضوعية، وأخرى خلقية ذاتية.

1 – الحجج المنطقية الموضوعية (Logos):

نستهل هذا الباب بقول ابن رشد: “إن الأقاويل التي يكون بها الإثبات والإبطال كما أنها في صناعة الجدل صنفان، أحدهما: الاستقراء أو ما يظن به أنه استقراء، والصنف الثاني: القياس أو ما يظن به أنه قياس، كذلك الأقاويل المثبتة في هذه الصناعة والمبطلة صنفان: أحدهما شبيه بالاستقراء وهو المثال، والآخر شبيه بالقياس وهو المضمر”[[26]]. فإذا كان الإثبات  في المجال العلمي والمنطقي يقوم على الاستقراء والقياس، فإن ما يقابله في مجال الخطابة يقوم على القياس المضمر والمثال (الشاهد).فماذا يعني كل من القياس المضمر والمثال في مجال الخطابة عند أرسطو ؟

  1. القياس الخطابي (أو القياس المضمر):

سمي هذا القياس بالمضمر  Enthymème تمييزا له عن القياس المنطقي (الجدلي)، فهو مضمر لأن بعض مقدماته تحذف وتضمر، ويقوم على الرأي والاحتمال،  لذا فهو قياس  جمهوري ناقص، يقول ابن رشد: ” وأما الضمير فإنه ترتب مقدماته الترتيب الذي هو معتاد عند الجمهور أن يقبل”[[27]] على خلاف القياس الجدلي في اعتماده على الاستنتاج الصارم لا الاحتمال أو الرأي، ومن ثم تكون نتائج القياس الجدلي إلزامية، بخلاق القياس الخطابي غير الضروري. إذن مجال هذا النوع من القياس هو المتحمل والممكن، لذا فهو يقبل الطعن والشك في نتائجه ومقدماته، ويقدم لنا أرسطو مثالا على ذلك ” ليس هناك إنسان حر، لأنه إما عبد للمال أو عبد لأطماعه” [[28]].

وبما أن للقياس المضمر أهميته في تحقيق الإقناع، وأنه يتوفر على  تقنيات إقناعية كثيرة، عمد أرسطو على العناية بها، وهي جملة من الأشكال والنماذج، نذكر منها مايلي:

  • التضاد: أي بواسطة تقنية التضاد بين الأشياء يتم الاقناع، مثل: إذا كانت الكراهية هي سبب تمزق الشعوب وتشتتها، فبالحب يمكن توحيدها ولملمتها.
  • علاقة الاقل بالاكثر: ما لا يثبت في الأغلب لا يثبت في الأقل.
  • المحاجة بالزمن
  • تعريف الكلمات
  • الموازنة بين نتيجة أمرين متعارضين
  • الموازنة بين النتيجة والمقدمات

وهكذا فالقياس المضمر ركن أساسي في فن الخطابة، ذلك لأن الخطيب يجد فيه الوسيلة المناسبة لتحقيق الاقناع. لهذا فضله أرسطو عن حجة الشاهد أو المثال التي لا يلجأ إليها الخطيب إلا بعد عجز القياس المضمر أو إذا احتاج إلى دعم.

  1. الاستقراء الخطابي (المثال أو الشاهد)

عادة ما يلجأ الخطيب إلى استحضار المثال في خطبته لتعضيد ودعم القضية التي يدافع عنها، لهذا يمثل الشاهد أو المثال النوع الثاني من الحجج التي عدها أرسطو عمدة الحجاج، ويسميه استقراء خطابي في مقابل الاستقراء الجدلي،وهو قائم على المشابهة بين حالتين، ويتميز بكونه استدلالا خطابيا يوظفه المتكلم قصد الإقناع من خلال تغيير سيكولوجية المتلقي أو التأثير على معتقده وفعله.  وينقسم المثال إلى قسمين: مثال تاريخي ، ومثال مختَرَع (خيالي).” البرهان نوعان، فأحد نوعي البرهان أن يذكر المتكلم أمورا كانت، والثاني أن يكون هو يضع ذلك ويختلقه اختلاقا “.[[29]]

  • المثال التاريخي:

ذكر أرسطو ضمن هذا السياق بعض الأمثلة  استقاها من الذاكرة التاريخية للشعوب، مثل الأحزان والأفراح والسلم والحروب، فقد استحضر حدث تاريخي يتمثل في غزو الملك داريوس لمصر واحتلاله لها. مثل هكذا أمثلة تكون أكثر تصديقا وقبولا عند الناس، فما على الخطيب سوى أن يحسن توظيف هاته الشواهد التاريخية.

  • المثال المخترع (الخيالي)

يقوم هذا النوع من الأمثلة على تخيل قصص أو أشياء أخرى مماثلة لموضوع الخطاب، “إذ في هذا النوع تتجلى فاعلية الإنسان وإبداعه”[[30]]. والمثال المتخيل ينقسم عند أرسطو إلى شقين،منه ما هو تشبيهي وما هو خرافي،  فالمثال التشبيهي  يقنع برأي ما من خلال مقابلته بنظير له يشبهه، كقول سقراط ” لا يصح الإقتراع في اختيار القضاة، لأننا نكون كمن يختارون المبارزين في الصراع اقتراعا، وكمن يختارون الربان الذي يقود السفينة اقتراعا” [[31]]. أما المثال الخرافي ورد  كثيرا على لسان الحيوانات، وهو ذو قيمة إيحائية كبيرة في الحياة اليونانية(*)، وقد ساق أرسطو في خطابته مجموعة من الأمثلة من هذا النوع الخرافي، كقصة إيزورب(**) و قصة استبعاد الفرس التي حكاها الشاعر اليوناني اسطيسخورس لأهل صقلية (***). من هنا نستشف أن المحاجة بالقصص الخرافية ذات إثارة كبيرة على السامع، وتعتبر سلاح الخطيب في إنجاح خطبته، يقول ابن رشد في تلخيص الخطابة: ” ومنفعة الكلام المخترع أنه أسهل من المثال الموجود، لأن وجود أمور قد كانت شبيهة بالأمر الذي فيه القول يعسر في كثير من المواضع، وأما الكلام المخترع فيسهل، وذلك إنما يكون متى كان المرء له قوة على أخذ  الشبيه والمشاكل ولوازم الأشياء والأمور الكائنة”[[32]]. وهنا يتوضح الفرق بين المثال الخرافي والتاريخي.

هذه هي خلاصة الحجج المنطقية التي أوردها أرسطو في خطابته، والتي يعدها أهم الحجج وأفضلها مقارنة بالحجج الخلقية الذاتية التي احتلت الرتبة الثانية عند أرسطو. فما هي إذن هذه الحجج؟ وكيف تقوم بدورها الإقناعي؟

2- الحجج الخلقية الذاتية (Éthos et Pathos)

إن هذه الحجج تتعلق بالجوانب السيكولوجية والذاتية للمتكلم والمتلقي معا، وهي التي تستأثر بالمقالة الثانية من “الخطابة”، وفيها يناقش أرسطو الأسس النفسية للخطابة من زاويتين اثنين، الأولى تتعلق بالإيتوس Éthos أو بخلق الخطيب وشخصيته، والثانية تستهدف  الباتوس Pathos أو طبائع المخاطبين وانفعالاتهم.

2-1 الحجج التي تتعلق بالإيتوس  Éthos

إذا كان الخطيب يقنع بحجج قولية، فهو نفسه بالنسبة لأرسطو يمثل حجة بأخلاقه وفضائله وطبيعة شخصيته، وهذه الصفات في الحقيقة لا يعني بها أرسطو ما نعرفه بها في الواقع، بل هي ملامح تظهر لحظة إلقاء الخطاب، وهذا المظهر الآني أداة مهمة من أدوات الإقناع. وقد حصر أرسطو بعض هاته المظاهر المؤثرة في المخاطب، والتي منها يحصل الخطيب على الثقة والتأييد، في كونه سديدا وفاضلا وبارا، يقول: ” ولابد للخطيب ان يتحلى بثلاث خصال كي يحدث الإقناع، لأنه بصرف النظر عن البراهين، فإن الأمور التي تؤدي إلى الاعتقاد ثلاثة. وهذه الخصال هي: السداد والفضيلة والبر،لأن الخطباء إنما يخطئون بينما يقولون وفي النصيحة التي يسدونها إذا فقدوا هذه الخصال الثلاث كلها أو واحدة منها، فإنهم إذا فقدوا اللب [أي سداد الاختيار] كانت ظنونهم فاسدة وآراءهم غير سديدة، وإذا كانت آراؤهم صحيحة، فإن شرارتهم تحملهم على ألا يقولوا ما يعتقدون، أو إذا كانوا ذوي لب وخير، فإنه قد يعوزهم البر( حب الخير)، ومن هنا فقد يحدث ألا يسدوا خير النصائح، رغم أنهم يعرفونها. وهذه الخصال هي كل الخصال الضرورية، حتى إن الخطيب الذي يبدو أنه يملك هذه الخصال الثلاث سيقنع سامعيه لا محالة” [[33]]. ولا ينبغي  ـ حسب أرسطو ـ أن يختل وجه من هذه الوجوه أو كلها ، لأنها إنما تؤدي المطلوب وهي مجتمعة ، ذلك أن الخطيب إذا لم يكن فطنا ، تعرضت أفكاره للخطأ ، وقد تتوفر فيه الفطنة والفضيلة لكنه لا يألف السامعين ، فيمنعه ذلك من إخلاص النصح لهم بما يعود عليهم بالنفع، وربما كان فطنا ، لكن لا يتوافر فيه الوجهان الآخران ، فيحتال على الناس ويغالطهم.تلكم إذن هي الأمور المتعلقة بالإستوس، ولعلمكم فإن الإيتوس يلعب اليوم الأدوار الخطيرة في السياسة والتعليم والعلاقات العائلية، فكم من مدرس جاهل يحظى باعتراف الطلاب لمجرد الرضا العاطفي لا المردودية العلمية أو البيداغوجية، وكم من سياسي ناجح جدا لا بتحركاته النضالية أو المشاريع المنجزة، بل ناجح بسبب الرضا الذي يناله من الجمهور، بحكم قدراته تهريجية [[34]].

2-2 الحجج التي تتعلق بالباتوس Pathos

إن الأمر هنا يتعلق بواجهة حجاجية أخرى تتغذى على القيم الانفعالية أو الباتوسية للمتلقي، التي تتغير وتتحول بحسب الظروف والأحوال، لأنها تتأثر بالمثيرات والتحفيزات التي يقدمها الخطيب، وقد كشف أرسطو عن هذه العواطف والانفعالات فأعطى لكل حالة منها أسما وأحصى عددها فاعتبرها ثلاثة عشر حالة انفعالية وهي: الغضب والسكون والحب والكراهية والخوف و الأمن والوقاحة والخجل والإحسان والشفقة والنقمة والحسد والاغتباط، وكل حالة انفعالية لها نقيض، أو يمكن أم يكون لها نقيض، فالغضب مثلا يتعارض مع السكون والحب يتعارض مع الكراهية والخوف يتعارض والأمن… وقس على ذاك. يقول أرسطو:” ينبغي أن تميز في كل حالة بين ثلاثة مظاهر: ففي ما يتعلق بالغضب مثلا في أية حالة يوجد الغاضبون، وضد من هم متعودون على أن يغضبوا وبصدد أي شيء أو موضوع يغضبون، إذ أننا إذا اعتبرنا واحدا فقط من هذه المظاهر وليس باعتبارها كلها فلا يكون واردا الإيحاء بالغضب، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما تبقى من النوازع” [[35]].

وهكذا فإن الحجاج الجيد، بل الإقناع الجيد، يقتضي المعرفة بسيكولوجية الذات التي نتوجه إليها بالخطاب، أي معرفة ما يغير أحوالها، ويحرك انفعالاتها، مثلا أن نجعل الإنسان الحسود متأثرا من كون الآخرين يستمتعون بالخيرات التي يحس أنه محروم منها بكيفية غير عادلة، إذ يستطيع الخطيب أن يجعل هذا الحسود مبصرا للظلم الذي يتجسد في هذه الحالة. ويقدم أرسطو مثالا أخر عن كيفية تحريك انفعالات المتلقي للخطاب من قبل الخطيب، وهو مثال يتعلق بالخوف، إذ يقول:” وحينما يكون من الأفضل أن يحس المستمعون بالخوف من أحد فمن الأفيد أن يعمل الخطيب على تهيئتهم للخوف، وإشعارهم بأنهم في وضع ينذر بخطر ما، إذ إن هناك من هم أقوى منهم وعانوا الأذى، وأن يبين أن الأخرين في ظروف مماثلة لظروفهم قد عانوا أو يعانون، وأن هذا الأذى كان من فعل أناس لم يكن منتظرا أن يصدر منهم ذلك، وفي ظروف لم يخامر الضحايا احتمال حدوث ذلك”[[36]]. هكذا يلجأ الخطيب إلى إثارة هذا الخوف أو الحسد في نفس السامع قصد التأثير فيه، “ودعم حججه بتخويفه بعقوبة أو عذاب”[[37]]. ومنه نقول أن الجانب العاطفي ذو أهمية قصوى في الإقناع والتأثير.

وعلى ضوء ما سبق، نستخلص أن للإقناع طريقين: طريق منطقي موضوعي عبارة عن حجج نصية، وطريق ذاتي تجسده العواطف والانفعالات. 

2- الأسلوب أو البناء اللغوي(*) Lexis

بعدما تحدثنا عن الحجج وأشكالها، ننتقل الآن إلى مرحلة أخرى من استراتيجيات الإقناع، تتعلق بكيفية تبليغ هاته الحجج إلى المخاطب عبر قوالب وصيغ وأساليب مختلفة، “هذه المرحلة سماها أرسطو ” lexis  ” وتعرف في اللاتينية بـ : ” Elocutio” ولقد استعمل ابن رشد كلمة ” فصاحة ”   مقابلا لها، أما بدوي فاستعمل كلمة ” أسلوب “[[38]]. وتعود أهمية الأسلوب في نظر أرسطو إلى أن “عامة الناس يتأثرون بمشاعرهم أكثر مما يتأثرون بعقولهم ، فهم في حاجة إلى وسائل الأسلوب أكثر من حاجتهم إلى الحجة”[[39]]، ولهذا لا يحصل الإقناع بمجرد الظفر بالحجة فحسب، بل لابد من مراعاة الأسلوب الملائم لكل مقام، إذ ” لكل نوع خطابي أسلوبا يليق به، فالأسلوب في الكتابة غيره في المناقشات ، والأسلوب في الجماعات غيره في المحاكم، لذلك “لا يكفي أن يعرف المرء ما ينبغي أن يقال، بل يجب أن يقوله كما ينبغي” [[40]]. فالأسلوب إذن في نظر أرسطو يدعم الحجج التي هي الأساس، ويساهم في لفت انتباه المخاطب وجذبه، (هنا تتميز الخطابة عن باقي الفنون العلمية ) ويعد قوة حجاجية فاعلة لا تقل أهمية عن القياسات المضمرة والشواهد (الأمثلة) والحجج الإيتوسية والباتوسية.

وعلى هذا الأساس اعتنى أرسطو بالأسلوب، وحدد مواصفاته في الصحة والوضوح والدقة. فصحة الأسلوب يقصد بها السلامة اللغوية وقواعد اللغة أو بتعبير أرسطو قوانين التركيب التي قال عنها أنها تضفي على الأسلوب رونقا وجمالا[[41]] . وتستلزم صحة الأسلوب أو سلامته عنده،مجموعة من الشروط  كاحترام أدوات الربط، واستعمال الألفاظ الخاصة لا العامة، وتجنب الألفاظ ذات المعاني المشتركة، وتمييز الجنس(تمييز المذكر عن المؤنث)، ومراعاة العدد حسب كثرته أو قلته، والنظر إلى الإحالات المضمرة، ثم تخصيص الإسم بما يناسبه من أفعال أو صفات[[42]]. في حين الوضوح بصفته السمة الثانية للأسلوب، يعني به أن تكون اللغة واضحة ومناسبة للمقام الذي توجه إليه بحسب الأحوال والظروف، كما يقصد بالوضوح استعمال الألفاظ المألوفة على ألسنة الناس، لأنها أقرب إلى الإفهام  وأداء وظيفة الإبلاغ ، وإن كانت تؤدي أحيانا إلى الابتذال. ولما كان الكلام الغامض أسلوب يلجأ إليه السفسطائيون لتضليل سامعيهم. فيحسن أن يتميز الأسلوب عن اللغة الدارجة بألفاظ وصفات ترفع من شأنه، بشرط أن يراعي القصد، والمعنى المنشود. أما الدقة فهي أهم خصائص الأسلوب، كونها تلزم الخطيب أو المتكلم تجنب الحشو واللغو والإكثار من الكلام الخارج عن السياق، فالدقة مطلوبة خصوصا إذا كان الخطاب موجها إلى القاضي يقول أرسطو[[43]].

ولم يغفل أرسطو أسلوب أخر له أهميته في الإثارة والتشويق والجذب، هو المجاز بكل ضروبه من استعارات وأمثال والتشبيهات والألغاز.

كانت هذه هي مجمل الشروط التي وضعها أرسطو  للخطابة في شقها الأسلوبي، إذ كل تلك الصور الأسلوبية تؤثر على فكر ووجدان السامع، فتغرقه في الموضوع، وبالتالي فهي عامل استمالة ضروري لنجاح الخطاب والمساعدة على الإقناع كهدف استراتيجي، إلى جانب التقنيات الحجاجية الأخرى السالفة الذكر، واللاحق ذكرها.

3- ترتيب أجزاء القول Taxis

بعد الظفر بالحجج والتفكير في مكونات الخطاب، انتقل أرسطو إلى الحديث عن الأسلوب ودوره في تهيئة المخاطب  وإعداده لتقبل الخطاب، ها هو الآن وصل إلى مرحلة أخرى أساسية في الحجاج والإقناع، وتتعلق بكيفية انتظام مواد الخطابة (الحجج) من خلال ترتيب أجزاء القول الذي يعد الركن الثالث من أركان الخطابة، إذ “يراعي المرء في قوله ثلاثة أشياء، أولها: وسائل الإقناع وثانيها الأسلوب أو اللغة التي يستعملها، وثالثها ترتيب أجزاء القول”[[44]]، لا بد من التفكير في ترتيب تلك الحجج ، ووضع كل واحدة في المكان المناسب لها ، فيزيدها ذلك قوة وتأثيرا في ذهن المخاطَب.

والمقصود بترتيب أجزاء القول، تنظيم مواد الخطابة وترتيب  دلائلها وحججها، بتوظيف كل حجة في المقام المناسب لها، فهو يمثل خطة حجاجية يتقيد بها المتكلم في بناء صرحه الإقناعي، ولذلك فغياب هذا العنصر في الخطاب يخلق الارتباك ويشتت الحجاج، لذا فوجوده ضرورة حتمية. ومن ثمة فأجزاء القول (الكلام) عند أرسطو أربعة، وهي: الاستهلال، والعرض، والبرهنة، ثم الخاتمة، وهي نفسها العناصر أو المراحل المتعارف عليها عندنا في الكتابات المقالية والإنشائية والتي نطلق عليها الخطوات المنهجية. ويركز أرسطو بشكل كبير على عنصرين رئيسين هما : العرض والبرهنة ، باعتبارهما عنصرين ثابتين في جميع أنواع الخطب ، حيث يقول ” الكلام يتضمن جزأين، إذ لا بد من ذكر الموضوع الذي نبحث فيه، ثم بعد ذلك نقوم بالبرهنة . ولهذا فمن المستحيل بعد ذكر الموضوع، أن نتجنب البرهنة، أو نقوم بالبرهنة قبل ذكر الموضوع، ذلك أنه حين نبرهن إنما نبرهن على شيء ، ولا نذكر الشيء إلا  من أجل البرهنة عليه. وأولى هذه العمليات هي العرض، والثانية الدليل” [[45]].

 ويضيف قائلا: ” أما الاستهلال والمناقشة بالتساجل والتكرار بإيجاز لما قيل ، فإنها لا توجد في خطب المحافل ، إلا إذا كان ثمة مناظرة . فكثيرا ما يقع في هذه الخطب اتهام ودفاع ، لكن لا يمكن أن نسمي هذا بعدُ محفلا خطابيا. أما الخاتمة فلا تدخل في كل نوع من أنواع الخطب القضائية، فهي مثلا بغير فائدة، إذا كان العرض قصير، أو كانت تفاصيل القضية سهلة الحفظ، ففي هذه الحالة يحدث أن يحذفه المرء تجنبا للإطناب. وهكذا ليس ثم من ضرورة إلا للقضية والدليل ، فهذا هو الملائم حقا للكلام . وقصارانا السماح بـ : الاستهلال ، والعرض ، والدليل ، والخاتمة “[[46]]. يتضح جليا أن الجزأين الجوهرين في الخطابة هما: العرض والبرهنة، أما الاستهلال والخاتمة فهما أشياء إضافية.

وفيما يلي سنعمل على تفصيل هذه العناصر بنوع من الإيجاز، كي ينجلي دورها باعتبارها مقوما من المقومات الحجاجية.

  1. الإستهلال (أو التمهيد)

 فهو بدء الكلام، يوجد في الخطابة كما يوجد في القصيدة (مطلع) و الموسيقى(الافتتاح) وباقي الفنون الأخرى، وينبغي أن يتجه إلى تحقيق غايتين، أولاهما استمالة السامع ليتهيأ لتقبل ما يلقى إليه، والثانية الإفصاح عما يريد الخطيب أن يخوض فيه. وعلى العموم فإن الاستهلال بمختلف أشكاله ينبغي أن يكون متصلا بالموضوع لكي يخدمه ويمهد له، لأنه بوابة الحجاج.

  • العرض

يعرف في الأدب بالسرد والقص،أي السرد المفصل لمجمل ما تم اختصاره في الاستهلال، وقص الأحداث المدرجة في القضية، ولا يشترط في العرض أن يكون ملما بجميع التفاصيل والجزئيات بل ” ينبغي أن يكون واضحا و مختصرا ، خاليا من الاستطراد والتشخيص، يكتفي بالإعداد لمرحلة البرهنة.

  • البرهنة (الدليل أو الحجاج)

يأتي بعد العرض، ويعتبره أرسطو النواة المركزية لكل خطاب[[47]]، وفيه يثبت الخطيب قدرته الحجاجية من خلال عرض الأذلة (بشقيها المنطقي والخطابي) المقنعة التي تدل على صحة رأيه وصواب منطقه، خاصة إذا كان أمام متلقي عنيد، ويلجأ الخطيب في هذه العملية الحجاجية إلى تقديم الحجج القوية وتأخير بعضها على أساس درجة قوتها وضعفه[[48]]

  • الخاتمة (الخلاصة)

وهي الإعلان عن النهاية،التي تبعث الراحة في نفس المتلقي، يقول أرسطو: ” الكل يسرون إذا رأوا النهاية”[[49]]، ويرتكز اهتمام الخطيب في صياغتها حول شيئين، الأول إثارة عواطف المستمعين بما يجعلهم يثقون فيه وفي القضية التي يتبناها، والثاني تلخيص ما سبق من الأدلة والحجج . فنحن إذن أمام “مستويين، مستوى الأشياء، أي مستوى الإعادة والتلخيص، ومستوى العواطف”[[50]].

خلاصة:

كحصيلة لما سبق، نقول إن مسعانا من هذه المساهمة البحثية، كان هو الرجوع  لخطابة أرسطو من أجل الوقوف على ما تزخر به من مقومات وركائز حجاجية واستراتيجيات إقناعية هائلة ومتنوعة، هذا الزخم الكبير من الإمكانيات والميكانيزمات الحجاجية التي أرساها أرسطو في مؤلفه” الخطابة”، جعله منظرا للخطابة ومؤسسا للدرس الحجاجي، فقد وضع لها أسس مناهضة تماما لما كان عليه الحال مع السفسطائيين وغيرهم، فأحدث بذلك منعطفا في مجال تداول الخطاب وممارسته، هذا المنعطف أحل مفهوم الإقناع محل مفهوم التأثير، أي الإقناع الذي يتطلب ترسانة من الحجج والدلائل التي تحترم القيم السائدة في المجتمع، بل تزيد من ترسيخ تلك القيم، فهو إقناع حجاجي، على عكس التأثير الذي هو قول متملق وغير أخلاقي، مبدأه الغاية تبرر الوسيلة، وبهذا الانعطاف يكون أرسطو قد عمل على تقنين القول الخطابي، بدءا من الحجج، والأسلوب، ثم ترتيب أجزاء القول، وقد شكلت أفكاره هاته إطارا مرجعيا وخلفية نظرية لكل خطابة مقبلة، وعلى رأسها خطابة بيرلمان وديكرو .

المصادر والمراجع المعتمدة

  1. أرسطو: الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي، وكالة مطبوعات الكويت، دار القلم، بيروت،لبنان، دط،1979
  2. La rhéthorique d’Aristote K traduite en français par NORBERT BONAFOUS ,paris ,A.DURAND , LIBRAIRIE 1856, page 29 et 31
  3. ابن رشد:  تلخيص الخطابة، تحقيق عبد الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، دار القلم، بيروت، لبنان.
  4. حمادي صمود: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، مقالة بعنوان،”في الخلفية النظرية للمصطلح”، مجموعة بحوث نشرت بمجلة كلية الآداب منوبة بتونس.
  5. هشام الريفي، الحجاج عند أرسطو ، مقال منشور ضمن مؤلف “أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم.
  6. عمر أوكان، اللغة والخطاب، أفريقيا الشرق، المغرب، ط 2001.
  7. محمد العمري، دائرة الحوار ومزالق العنف،كشف أسباب الإعنات والمغالطة- مساهمة في تخليق الخطاب.
  8. محمد العمري، في بلاغة الحجاج الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، إفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 2002
  9. محمد الوالي، في خطابة أرسطو الباتوسية.

[1]  عمر أوكان، اللغة والخطاب، أفريقيا الشرق، المغرب، ط 2001، ص100.

[2]  محمد العمري، دائرة الحوار ومزالق العنف، كشف أسباب الإعنات والمغالطة- مساهمة في تخليق الخطاب،ص 36

[3]  حمادي صمود: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم،مقالة بعنوان،”في الخلفية النظرية للمصطلح”، مجموعة بحوث نشرت بمجلة كلية الآداب منوبة بتونس، ص 11 .

[4]  أرسطو: الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي ، ص، 9.

[5]  ابن رشد:  تلخيص الخطابة، تحقيق ع الرحمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، دار القلم، بيروت، لبنان،  ص، 15.

[6]  أرسطو: الخطابة، مرجع سابق، ص،7 ، 8 .

[7]  ابن رشد:  تلخيص الخطابة، مرجع سابق، ص 3.

[8]  هشام الريفي ، الحجاج عند أرسطو ، مقال منشور ضمن مؤلف “أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم “، ص 96.

[9]  أرسطو: الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي ، ص، 7- 8 .

[10]  المرجع نفسه، ص، 8.

[11]  حمادي صمود: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، ص 23.

(*) لقد كانت الخطابة باعتبارها السبيل لممارسة  الحكم، بضاعة باهضة الثمن، بل إن بروتاغوراس قد وضع لبرنامجه التكويني في الخطابة مقابلا إجماليا يعادل أجرة عشرة ألاف عامل، أي عشرة ألاف دراخما.( نقلا عن محمد الوالي، في خطابة أرسطو البطالوسية، مجلة علامات)

[12]  أرسطو: الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي، ص،23 .

[13]  حمادي صمود: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، ص 23.

[14]  المرجع نفسه، ص 254.

[15]  أرسطو: الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي، ص 24.

[16]  المرجع نفسه، ص 27.

[17]  المرجع نفسه، ص 37 – 38 .

[18]  حمادي صمود، مرجع سابق، ص 268 .

 [19] أرسطو، الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي، ص 17.

 (*)في الترجمة الفرنسية، نجد Norbert Bonafous يترجم تلك الأجناس الثلاثة ب:Genre Délibératif , Genre Judiciaire et Genre Epidictique  ، ( أنظر La rhétorique d’Aristote K traduite en français par NORBERT BONAFOUS ,paris ,A.DURAND , LIBRAIRIE 1856, page 29 et 31

[20]  Ibid, p 29

[21]  Ibid, p 31

(**) الإشارة إلى كتابه المعنون ب L’ empire Rhétorique   و الذي ترجم إلى العربية ب “إمبراطورية الخطابة “.

[22]  أرسطو: الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق وتعليق عبد الرحمن بدوي، ص 8.

[23]  أرسطو، المرجع نفسه، ص 9.

[24]  المرجع نفسه، ص 9.

[25] أرسطو، مرجع سابق، ص 10. و حمادي صمود، مرجع سابق، ص 146.

[26]  ابن رشد، تلخيص الخطابة، ص 18.

[27]  المرجع نفسه، ص 6.

[28]  نقلا عن محمد العمري، في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 76.

[29]  أرسطو، الخطابة، ص 138.

[30]  المرجع نفسه، ص 141.

[31]  المرجع نفسه، ص 139.

(*) فهو ذو قيمة إيحائية كبيرة  ليس فقط في الحياة اليونانية، بل حتى عند الأمم والشعوب الأخرى، مثل الأمة العربية التي تستعمل كثيرا الغول والعنقاء وغيرها من الحيوانات الخرافية.

(**) وردت هذه القصة على لسان أرسطو في كتاب “الخطابة”  ترجمة بدوي، ص،140 -141.(لاطلاع على المزيد)

(***) استحضر أرسطو هذا المثال في الصفحة 139، الخطابة، ترجمة بدوي.

[32] ابن رشد، تلخيص الخطابة، ص 214.

[33]  محمد الوالي، في خطابة أرسطو الباتوسية، ص 47.

[34]  محمد الوالي، نفس المرجع، ص 47.

[35]  محمد الوالي، نفس المرجع، ص 48.

[36]  محمد الوالي، مرجع سابق،ص 49.

[37]  أرسطو، الخطابة، مرجع سابق، ص 99.

(*)  تجدر الإشارة إلى أن أغلب الدارسين والباحثين الذين اشتغلوا على الخطابة الأرسطية درجوا على تقديم ترتيب أجزاء القول على الأسلوب ، على اعتبار أن الخطيب يرتب هذه الأجزاء قبل أن يباشر القول الخطبي، لكن أرسطو جعل الترتيب في المرتبة الثالثة بعد الأسلوب، لهذا قمنا باحترام نفس الترتيب الأرسطي، فوضعنا  وسائل الإقناع أو الحججEurésis   في المرتبة الأولى، وتلينا ذلك بالأسلوب أو الصيغة  Lexis، وانتهينا بترتيب أجزاء القول Taxis.

[38]  محمد العمري ، في بلاغة الحجاج الإقناعي ، ص 130.

[39]  أرسطو، الخطابة ، الترجمة العربية القديمة، تحقيق بدوي ، ص: 181.

[40]  المرجع نفسه، 181.

[41]  أرسطو، الخطابة، ص 198-199-200.

[42]  المرجع نفسه، ص 198- 199.

[43]  تناول أرسطو شرط الدقة في الصفحات 203-203 و227-228  من كتابه “الخطابة” ترجمة وتحقيق ع الرحمان بدوي.

[44]  المرجع نفسه، ص 181.

[45]  أرسطو، الخطابة، الترجمة العربية القديمة، تحقيق بدوي،  ص  13.

[46]  المرجع نفسه، ص 14.

[47]  المرجع نفسه، ص 244-245.

[48]  محمد العمري ، في بلاغة الحجاج الإقناعي، ص 130.

[49]  أرسطو، الخطابة، ص 207.

[50]  محمد العمري، مرجع سابق، ص 130.

شاهد أيضاً

داني روبار ديفور: هذا الوضع الإنساني الجديد – اضطرابات الفرد / الذات

ترجمة رمضان بن رمضان “الليبرالية الجديدة باعتبارها خطة لتدمير بنى الجمعيات التضامنية ” بيار بورديو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *