الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / الحب الخالد الذي صنع “ألف ليلة وليلة الغربية؟

الحب الخالد الذي صنع “ألف ليلة وليلة الغربية؟

قراءة في السيرة الروائي العالمي أونريه دي بلزاك


هايل علي المذابي

بقلم: هايل علي المذابي

======

لقد أحبها قبل ان يقابلها وجعلها حبه لها أن تحبه، وظلا يتراسلا بخط اليد لثمانية عشر عاماً وبعدها تقابلا، وأراد أن يأخذها في نزهة وقال لها: في كل محطةٍ سنتوقف فيها سأحكي لك حكاية لم أحكها لأحد أو سأهديك قصة لم أنشرها. ثم تزوجا وظلا معاً لستة أشهر ولكنه مات بعدها!!

تلك هي قصة حب «بلزاك» الروائي العالمي الفرنسي التي جعلته يسعى بكل ما يمكن لبشر ان يؤتى من طاقة طيلة ثمانية عشر عاماً ليصنع القيمة التي يمكن للعالم ان يشير إليه ويعرفه من خلالها، لكن السؤال الذي سنجد اجابته في ثنايا هذه القراءة هو قبل أي شيء: من هي تلك المرأة التي أحبها بلزاك وجعله حبها يكافح استعدادا للقائها ثمانية عشر عاماً حقق فيها ذاته وأثبت فيها وجوده، ولماذا اختار بلزاك طريق الأدب بالذات ليحقق من خلاله تلك الامجاد ويمنحه مكانة اجتماعية مرموقة تؤهله لنيل واستحقاق حب تلك المرأة؟!.

 لقد خلد التاريخ أمجاد بلزك من خلال ما تم جمعه من اعمال أدبية صدرت طيلة مسيرته الأدبية وتجسدت فيما سمي بـ «الكوميديا الإنسانية” أو” ألف ليلة وليلة الغربية» كما كان يروق لبلزاك أن يسميها، وهي تمثل مُجمل نتاجه الغزير من القصص والروايات كما صارت بمثابة بانوراما للمجتمع الفرنسي في فترة الترميم«1815ـ1830» وملكية يوليو«1830ـ1848» وتعتبر حتى الآن أي «الكوميديا الإنسانية» أشد مشروعات الأدب الأوروبي جرأةً وطموحاً على الأقل في فكرتها، هذا العمل الضخم الذي يتضمن ما يزيد على مائة رواية وقصة ودراسة تصور جميع مظاهر الحياة الفرنسية بين عامي«1789ـ1848».

أما هدفها فهو أكبر من هذا بكثير أنها محاولة لإعادة تشكيل وجه وروح أمة بأسرها في أشد فترات تاريخها تعقيداً، وإن بدا أن هذا الهدف يتسم بسمة طيبة إلا أن بلزاك قدم إليه معالجة روائية وقد كانت النتيجة مذهلة حقاً، ولقد يثير كثيراً في العيوب الجمالية في روايات بلزاك وقد نجده أحياناً جلفاً خشناً ثرثاراً، ولكننا لا نملك إلا أن نذهل من عبقريته الشاهقة ويمكننا القول إن خشونته بالذات إنما هي خشونة عملاق أقرب إلى أن يكون قوة من قوى الطبيعة أعرض وأكثر بدائية من أن تكون رقيقة، إنها ضخمة فحسب.

ولد أونريه دي بلزاك Honorede Blidzac يوم 20مايو1799م في مدينة تور الفرنسية. من أب هو” برنار بليسيا” الذي غير اسمه بمحض إرادته إلى بلزاك، وكان كاتب ضبط عدلي، على قدر من التنوير، وأمه ” آن شارلوت سالبييه” وهي امرأة فظة جافة عُرفت ببرود علاقتها مع أبنائها، ولهذه العائلة المتوسطة الحال، ولدت بعده ب سنة1800م شقيقته لور التي أصبحت أيضاً أديبة رفيعة مثل أخيها، بيد أنها لم تُصب قدراً كبيراً من الشهرة شأن أخيها.

•       في عام 1813م اضطر بلزاك لقطع دراسته بثانوية «فاندوم» مؤقتاً نتيجة مصاعب عقلية، بيد أنه استكملها بعد أن رجع لطوره 1816م وقد ظهرت تباشير ملكته الأدبية مبكراً حيث بدأ في سن العشرين يكتب مع أصدقائه متقمصاً بأسماء مستعارة، كان من أبرزها تراجيديا لم يتمكن من نشرها هي «كرومويل»1820م وأخرى لم يستكمل مخطوطتها بعنوان «ستيني» و«كاهن الأدرين» وعلى هذا النحو المتسارع تتالت أعماله بقوة وسرعة عجيبتين رغم حداثة سنه فجاءت «الحبيبة الأخيرة» و«آنيت والمجرم» 1824م ثم «شفرة المستقيمين» وأعمال أخرى كثيرة، وهو ما فتح أمامه أفق علاقة غير متكافئة مع بعض السيدات المتأدبات هن يُزين مجالسهن به، أما هو فيعتبرهن حبيبات ويكتب في سبيلهن الغزل، مثلما كانت بداية علاقته بالسيدة «بيرني» التي دفعته إلى المزيد من الكتابة، مع التركيز على القصص خاصة لأنها تصادف هوى في نفسها، وكانت القصص والروايات في موقع أدنى من الشعر وحتى النقد، إلا عند السيدات، ولغزارة إنتاجه أصبح أدباء عصره يتوسمون فيه أحد أمرين: إما أنه رجل مجنون فعلاً يركب رأسه الشيطان، وإما أن روحاً أدبية عبقرية تتقمصه وتسمح له بهذه الغزارة في الإنتاج، وقد أثبتت الأيام أن الأمور كانت تؤكدها الاحتمال الأخير بامتياز.

أما الخصائص التي تذهل المرء في بلزاك تتمثل قبل كل شيء في حيوية لا تصدق وطبع فياض وطاقة على العمل لا حد لها وشهية ضخمة للحياة ونوع من الرحابة التي نجدها عند «رابيليه».

رجلٌ بهذه الخصائص يبدو أنه خلق للمهام ذات الأبعاد الضخمة ولقد كان من المؤكد أن يصبح بلزاك رجل أعمال مثالياً لو لم يكن يملك صفة أخرى كانت سبب فشله في الشئون العملية بقدر ما كانت سبب نجاحه في الفن وتتمثل هذه الصفة في خياله، لأنه مهما بلغت حدة وواقعية نظرته فقد كان خياله من القوة بحيث يضخم كل شيء يراه ويفكر فيه حتى يصل بها إلى حافة الهاوية، وقد كان هذا الخيال يسكره ويحذره بحيث ما كان في وسع بلزاك أن يصبح رجلاً عملياً واعياً من رجال الأعمال، ولهذا فإن جميع محاولاته في هذا الاتجاه كان مكتوباً عليها الفشل، فضلاً عن سبب آخر وهو أنه لم يكن يحسب أصله شيئاً مذكوراً من الناحيتين المالية والاجتماعية وبالتالي فإن الطريق الوحيد الذي كان مفتوحاً أمام ارادته التي لا تقهر هو طريق الأدب.. وحينما اتجه نحوه فقد فعل ذلك بكل حيويته وقوة احتماله وطموحه، لقد كان يريد ألا يكون شيئاً أقل من نابليون الأدب «إن ما لم تحققه حتى النهاية بسيفك سوف أحققه أنا بقلمي» هذا هو الشعار الذي كتبه أسفل تمثال نصفي لنابليون كان يحتفظ به في غرفته.

•       حتى الميل الطبيعي الواضح عند بلزاك للتسلق الاجتماعي لم يكن يرجع كثيراً إلى مطامح الجنتلمان البورجوازي «ولو أن هذه الميول كانت واضحة عنده» بقدر ما كان يرجع إلى عقدة القوة التي كان من الطبيعي أن تبحث لها عن مصارف أخرى إلى جانب الأدب، ونظراً لعلمه أن المال كان هو المنبع والرمز الوحيد للقوة في المجتمع الحديث فقد أراد أن يحقق ثراءً سريعاً عريضاً.

وقد بدأ شيطان المال يدفعه وهو بعد في العشرينات إلى تنفيذ عدة مشروعات في مجال النشر وفي مجالات أخرى لم ينجح واحدٌ منها وكانت نتيجة فشله ديوناً ضخمة أثقلت كاهله ولم يكن له من أمل للوفاء بها إلا عن طريق ما يتكسبه من الأدب، وبذلك كان الضغط الخارجي لمتاعبه المالية يزيد من الحرارة الداخلية لخياله ولقوة رؤياه مما جعله يعمل دون راحة وبسرعة، بحيث لم يكن يستطيع أن يحسن ويصقل رواياته التي كانت تتضاعف بسرعة، ونظراً لأنه كان مضطراً دائماً لمواجهة التزامات مالية ضخمة فقد كان عليه أن يدرس لا مشكلة المال فحسب بل أيضاً ذلك المجتمع الذي يقوم على المال وعلى أشد أنواع الصراع الاقتصادي ضراوة ولهذا السبب تعمق بلزاك أكثر من أي كاتب من معاصريه في دراسة العالم الذي قام في أعقاب الخراب الذي نجم عن الثورة الفرنسية، عالم البرجوازية المنتصرة الذي قوم بالمال كل شيء بما في ذلك عقله وروحه، في هذا العالم، عالم «الأنانية المتحجرة» نشأت نماذج جديدة تماماً وعلاقات جديدة وقضايا جديدة وقوانين اجتماعية جديدة، ولقد كان عمل بلزاك هو أول ملحمة عظمية حاولت أن تبين وتغير هذه الأشكال المتغيرة العجيبة.

ولقد درس الأمة الفرنسية بجميع فئاتها ووظائفها وطبقاتها لكي يمسك بالنبض المتدافع لعصره كله ويسجله بكل أسبابه ونتائجه في كوميدياه الإنسانية لسجله لا كمجرد واصف بل كخبير، وكفنان خالق ومجدد للخلق.. لقد كان هدفه أن يعطينا موسوعة للحياة والعادات في صورة شخصيات حية وصراعاتها.

ونظراً لوعيه بالتغيرات الاجتماعية الجديدة التي كانت جذرية وسريعة فقد كان تواقاً لاكتشاف القوانين الداخلية لتلك العملية، وفي نفس الوقت تناول الانسانية الحديثة بطريقة تكاد تشبه الطريقة التي يتناول بها أحد العلماء مملكة الحيوان.. وقد أكد في مقدمة كوميدياه الانسانية على أنه قد وجدت دائماً ولسوف توجد أنواع اختراعية مختلفة بقدر ما يوجد من أنواع حيوانية متعددة والنقطة المهمة على أية حال ـ هي أنه تبع تلك المناهج في كتاباته في أثناء عنفوان الرومانتيكية باختراعاتها الخيالية الصرفة «كتابات يوجين اسويه واسكندر ديماس وفيكتور هوجو، وغيرهم» ولاشك أن هذا النوع من التجديد قد مهد الطريق لرؤية واقعية للعالم وللحياة ولمنهج أكثر واقعية في الأدب أيضاً.

•       مع حلول 1826م أصبح بلزاك ناشراً وصاحب مطابع بيد أن هذه الصفة التي ينعم بها أي مؤلف مكثر يطمح للانتشار، لم تدم طويلاً إذ اضطرته رغم ذلك فلم يلجم قلمه بل ظلت كتبه ودراساته تصدر تباعاً فينشر 1829م «الثوار الملكيون» وعمله «فيزيولوجيا الزواج» وشارك في كتابة مسلسلات نشرتها الصحف السياسية، ثم «مواجد في العراء» 1830م وهي نفس السنة التي نشر فيها «منزل القط المداهن» و«اكسير الخلود» في حين لم تأت السنة التالية إلا لتزيد ظاهرة التدفق الخلاق لأدب بلزاك إذ ظهرت فيها أيضاً أعمال كثيرة منها«إهاب الحزن» و«العمل الخالد المجهول» ثم «روايات وقصص».

ومع مطلع 1832م ظهرت المجموعة الأولى من سلسلة «قصص فكاهة» وأتبعها بالجزء الثاني 1833م ثم برائعته «أوجيني جراندي» التي بلغ بها أوج شهرته وهذا ما سمح له بنشر أعمال أخرى وقد تحسنت أحواله المادية بالتالي، وهنا تعلق عاطفياً بالسيدة هانسكا، فنشر «تاريخ الثلاث عشرة» والبحث عن المطلق» ثم «الأب جوريو» و«ميلموث المتصالح» 1835م، وفي هذه الأثناء رأس تحرير مجلة «وقائع باريس» فعاودته المصاعب المالية والضوائق والديون، وزادت الأمور سوءاً بعد موت ممولته السيدة «دي برني» وقد اضطرته هذه الأوضاع مجتمعة إلى أن ينشر روايته المميزة «العانس» مسلسلة في «الابريس» ابتداءً من 23/10/1836م بدلاً من إصدارها في كتاب كما جرت عادته أو لنقل هوسه في النشر.

أما سنة1837م فقد شهدت ظهور عملين من أميز أعمال بلزاك هما «أوهام ضائعة» و«جمبارا» وأتبعهما بأعمال أخرى لا تقل أهمية مثل «المستخدمون» و«أبهة وبؤس البغايا» 1838م، ثم «بياكتريس» و«خوري القرية» و«أسرار الأميرة دي كادنيان» وكلها سنة1839م، وحين عاد 1840م للنشر رأس تحرير، «المجلة الباريسية» وعاود سياسته الإدارية الرعناء، وانهالت عليه من جديد الضوائق المالية والديون واضطر للإقامة في باسي بعيداً عن باريس وهمومها المالية، وهو ماسمح له بالتفرغ لآخر عام1840م فنشر «الأمير البوهيمي» مسلسلة في الصحافة.

وعملاً بمبدأه من أن كل سنة لابد لها من روايات ومجموعة كتب حتى في أحلك الظروف نشر «المعلمة الموهومة» 1841م، ثم «مذكرات الزوجتين الشابتين» 1842م و«قضية غامضة» «1843م و«بداية في الحياة» 1844م ثم لمعت في ذهنه فكرة أشهر أعماله «الكوميديا الانسانية» كما نشر في ذات السنة دراسات تاريخية من أبرزها «حول التاريخ المعاصر» ودراسة أخرى عن حياة «كاترين دي مديشي» المنتمية إلى عائلة مديشي الشهيرة في عصر النهضة الإيطالية.

درس بلزاك القانون في باريس من «1816ـ1819م» ولكنه لم يوفق في العمل في مجال دراسته فقرر بعد ذلك أن يصبح كاتباً.. لم يعرف الأدب الفرنسي أدباء بوزنه «المعنوي والجسدي» وبموهبته ممن تمكنوا من تسليط الضوء بدقة وبراعة على بعض زوايا الحياة.. وبالتأكيد لم يكن أحد يضارعه في إظهار الصورة كاملة على الطبيعة، دون زخرفة أو رتوش.. ويعتبر أول من حاول أن يرسم على صفحات كتبه حياة الناس بما تحويه من جيد ورديء وما بينهما، وما فيها من ضعف وقوة وسعادة ونضال ونبل ووضاعة كل ذلك جمعه في خلطة واحدة لا يقدر عليها سوى بلزاك نفسه.

ورواياته نابضة بالحياة وواقعية كما لو تم تصويرها سينمائياً فظهرت التفاصيل بكل دقة ووضوح وتحصيل حاصل أن بلزاك كاد يمتلك قدرة فريدة على النفاذ إلى عقول وقلوب الناس وسبر أغوارها، وأن يبين الكيفية التي يمكن لحادثة ما أن تجر معها حادثة أخرى ثم أخرى وهكذا دواليك لقد امتلك عدسة عقلية صافية مكنته بفعل وفضل عبقريته وفهمه الغزير من اختراق سطح الأشياء والوصول إلى باطنها.

الفيلم السينمائي يُرينا شارعاً يضج بالناس المتدافعين والذهبين هنا وهناك ليس أكثر. لكن بلزاك استطاع أن يرينا إلى أين هم ذاهبون وما سيحدث لهم بعد الوصول إلى ذلك المكان وما الذي يفكرون فيه أثناء سيرهم، وما السر من كون عيونهم ذات بريق أو شفاههم ذابلة أو حلوقهم ناشفة، كما تميز بقدرته على إظهار الناس كجزء من العالم بأسره لا ككائنات فريدة صغيرة مجزأه وبائسة ولذلك قيل بأنه كان يتمتع بحس شمولي وهذا يفسر الوضوح في كتبه بالرغم من التفاصيل المذهلة التي تحويها تلك الكتب.

إنه لمن السهل أن نلاحظ في أعمال بلزاك عدم التناسب بين طاقته الخلاقة وموهبته الفنية وعندما يوجد ثمة توازن ـ قل أو كثر ـ بين هذين العاملين كما ورد في «الأب جوريو» و«أوجيني جرانديه وابن العم بون» فإنه يبدع روائع خالدة وعلى كل حال فإنه لم يكن قولاً بغير أساس ذلك الذي قال به أحد المعجبين به المدعو باردي دور فللي حينما وأعلن أنه أعظم من شكسبير ومع ذلك، فإن بلزاك عظيم حقاً ولكن في بعض اللحظات فقط.

أما في باقي الأوقات فإنه واحد من أشد الكتاب تفاوتاً في المستوى، ويرجع السبب في عدم ثبات مستواه ـ على وجه التحديد ـ إلى أن عبقريته إنما هي عبقرية خالقة أكثر بكثير مما هي عبقرية فنية، وهذا هو السبب أنه كثيراً ما يعم على بعض الفقرات الرائعة مناقشات لانهاية لها واستطرادات شارحة وفقرات جانبية في التربية وتعميمات شبه علمية متسرعة مما يخل بتماسك الرواية ويجعلها فوق ذلك تصبح في بعض الأحيان كله كقداس يوم الأحد.

ورواياته الاجتماعية مثل «قسيس القرية» و«طبيب الأرياف» وروايته التي نشرت بعد وفاته «الفلاحون» مملؤة بالتعليقات على مختلف المشاكل الاجتماعية، وهي تعليقات مقحمة «خاصة في الروايتين الأخيرتين أكثر مما هي ممتزجة بالسياق الروائي.. كما أن اسلوبه ولغته أيضاً يهبطان في بعض الأحيان إلى مستوى الصحف اليومية ويصبحان في غاية الإهمال، ومع ذلك فإنه حتى حينما يفشل في الاستحواذ على القارئ بأسلوبه فإنه يؤثر فيه بحيويته ورحابته واتساع مدى اهتماماته وقدرته التحليلية الهائلة وعمق حدسه وإلهامه.

ولقد كان بلزاك ـ مثل دستويفسكي ـ مغرماً بالحبكة المعقدة والأحداث المتزاحمة والمصائب المتراكمة وكذلك بالانتقالات المفاجئة من النقيض إلى أقصى النقيض، وكان يتمتع ببصيرة نافذة في الطبيعة البشرية ولكن بصيرته كانت قاصرة عن أن تجعل منه متفائلاً فهو لم يكن حسن الظن بحاضر البشرية ولا بمستقبلها وإذ لم يكن يرى على مسرح الحياة إلى صراع الشهوات والإرادات البشرية الأنانية من ناحية ورقصاً محموماً مجنوناً حول العجل الذهبي من الناحية الأخرى فقد استسلم للتشاؤم الذي يخالطه مذاق حاد.

ولكنه في الوقت الذي كان ينادي فيه بأن العالم هو «محيط من الوحل إذا ما وضع الإنسان فيه قدماً يغوص حتماً حتى عنقه» فإنه كان شديد الرغبة في أن يختطف من الحياة كل ما يستطيع اختطافه، لكي يشبع به شهيته وفوق كل شيء شهيته للشهرة والقوة.

ولقد كشف بلزاك في هذا الميدان ـ أكثر مما كشف في فنه ـ عن مزيج أعظم من القوة والضعف، لأنه إلى جانب ذلك الكفاح البطولي الذي شنه على ظروفه الشخصية فلقد كشف أيضاً عن كثير من ملامح «محدث النعمة» الراضي عن نفسه، فقبيل وفاته بأشهر قليلة تزوج من الكونتيسة البولندية إيفلين هانسكا» التي كان على علاقة مراسلة معها لمدة ثمانية عشر عاماً سابقة وبتلك المناسبة كتب إلى الدكتور/ناكار هذه السطور البليغة«1850م»:

“إنها الخاتمة سعيدة هذا الزواج الذي أنكره واستهجنه كل القوم الحاسدين في العالم! أنا الآن زوج ابنة الأخت الصغرى لما ريا لكزينسكا وزوج أخت الكونت رزفسكي رئيس ديوان صاحب الجلالة امبراطور روسيا كلها وابن أخت الكونتيسة روز الي رزفسكا الوصيفة الأولى لصاحبة الجلالة الامبراطورة..».

ومهما يكن من أمر فإن بلزاك بجميع أخطائه سيبقى دائماً الخالق العظيم للكوميديا الإنسانية التي اختتمت مرحلة الرومانتيكية بينما فتحت الأبواب لوسائل ومناهج خلاقة جديدة وإذا كان والترسكوت هو أول من جعل الرواية شائعة بين أوسع جماهير القراء، فإن بلزاك هو الذي جعل منها أكثر القوالب الأدبية أهمية في الحضارة الحديثة وهي المكانة التي احتلتها الرواية منذ ذلك التاريخ.


هايل علي المذابي

Strings1983@gmail.com

شاهد أيضاً

لماذا أكره بلدي؟!

إبراهيم صباحي أعيش بعيدا عن الأرض التي ولدت فيها، ودائما ما يواجهني آخرون بأسئلة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *