الرئيسية / ترجمة / فلسفة التربية: بصدد الكفايات*

فلسفة التربية: بصدد الكفايات*

ترجمة: نور الدين البودلالي

نور الدين البودلالي

Pascal Sévérac

نبدأ بتثبيت تاريخين:

2005: أصبحت الكفايات، بعد 15 سنة من التحضير، عنصرا أساسيا في النظام التربوي الفرنسي، غداة صدور «قانون التوجيه و البرمجة من أجل مستقبل المدرسة»، الذي يحدد ال«القاعدة الأساسية المشتركة للمعرفة والكفايات»، استنادا على تقرير ثيلوت Thélot لسنة 2004.

2007: نشرت المديرية العامة للتربية والثقافة (هيئة المفوضية الأوروبية) وثيقة تحت اسم الكفايات الأساسية في التربية والتكوين مدى الحياة. الإطار المرجعي الأوروبي. لا نتحدث هنا عن «معارف وكفايات»، ولكن عن الكفايات لوحدها، في إطار الاستمرارية في استراتيجية لشبونة.

ما هي الكفاية؟ ما سبب ظهورها، ونجاحها، في النصوص الرسمية، ولاسيما تلك التي تطمح إلى توحيد الانتظارات الاوروبية في مجال التربية؟

يمكن الأخذ بمختلف التعاريف، علما أنها تلتقي جميعها. لنحتفظ باثنين منها، الأول من اقتراح واحد ذي صلة قوية بالتدريس بالكفايات وهو فيليب بيرينود، والثاني من اقتراح معارضة له تدعى أنجيليك ديل ري: يقول ف. بيرينود أن الكفاية هي «القدرة على الفعل بنجاعة في نوع محدد من الوضعيات، وهي قدرة تستند على معارف، دون أن تختزل إليها(1)»؛ هي أيضا، حسب أ. ديل ري، «العملية التي بواسطتها نعبئ بفعالية مجموعة من المصادر المعرفية والوجدانية والحركية في وضعية حياتية(2)».

لقد أصبح التدريس بالكفايات، اليوم، قوة دافعة في التدريس بصفة عامة، وتدريس الفلسفة بصفة خاصة. هذا النجاح، أو بالأحرى هذا الاكتساح، صاحبته في نفس الوقت موجة نقد حادة.

أهم هذه الانتقادات تهم التداخل بين الخطاب حول الكفايات ومنطق التكيف مع العالم الاجتماعي: الثورة الكوبربيكية التي حدثت في مجال المعرفة من خلال تحويل التلميذ من دائر حول المعرفة، إلى وضعه بمركز النظام المدرسي، أدت في نهاية المطاف -وهنا التناقض- إلى جعل هذا الطفل في خدمة استراتيجية تنافسية جديدة. منطق الكفايات يقودنا، في النهاية، إلى جعل التلميذ فردا مرنا، متكيفا بل وطيعا: فمشروع جعل التلميذ حرا يستند إلى جعله متحكما فيه بسهولة –بجعله عن طواعية يقبل بكل حرية ما نريد تقييده به-. وبالفعل، فحتى لو أن الاقتصاد الليبرالي نفسه لم يكن سببا في ولادة خطاب التدريس بالكفايات (إذ يتغذى من البيداغوجيا التجريبية لديوي، أو بالأحرى من شكل مبتور من هذه التجريبية)، لا يمكننا الاندهاش من إدراج اقتصاد التربية، ومن خلال الممارسات الإدارية الجديدة، التي ترى في ال«الرأسمال الإنساني» أو ال«اقتصاد المعرفي» أكبر مصادر القدرة على التنافسية. وبهذا سيكون منطق الكفايات في قلب تحويل مسار و، إن لم نقل، عكس روح ما يسمى بالمدرسة «الفعالة»، المدرسة التي تهتم بنشاط التلميذ.

هذه آثار نجاحات الكفايات اليوم في مجال البيداغوجيا: ملاءمة منطق الاقتصاد الحالي، الذي يعتبر بناء الفرد الذي ترعاه (التلميذ الكفء، بل البارع)، و الممارسة التربوية التي تشارك فيها نعمة مزدوجة: إذ أن ممارسةً (هدفها متضمن فيها) قد تحولت إلى عملية  انتاجية (صنعة poiesis في خدمة أهداف خارجية)، بل وقادرة على تقييمها إيجابيا.

ومع ذلك، يمكن التساؤل حول ما إذا كان الاستثمار في خطاب كفايات القوى الإدارية التي تستهدف التدبير البشري هو مصير كل البحوث والتطبيقات المتعلقة بالكفايات المدرسية. ألا يمكننا التفكير، في خضم العمل التربوي، في مقاومة ممكنة للمنطق الاقتصادي التي ستوثّر قواه، أو تسمم كما تشاء، على العديد من الأنشطة اليوم، المدرسية منها أو غيرها؟ هل تكوين فرد كفءٍ هو بالضرورة تكوين فرد قادر على المنافسة؟ نعلم أنبيداغوجية فريني نفسها استطاعت الخوض في ميدان الكفايات، حيث رأى أن هناك إمكانية لتكثيف إبداع التلاميذ…

ثمة، من دون شك، في خطاب الكفايات منظور أخلاقي، أو مرتبط بعلم الأخلاق: والواقع أن هذا المنظور يكشف عن رغبة، في مجال البيداغوجيا، للتعامل بدقة مع ما يكتسبه التلميذ من تعلمه، مما يفهمه ويمكنه فعله من معارفه. إن محاربة النقل العمودي للمعرفة، وتعزيز النقل الأفقي الذي يجد التلميذ فيه مكانا نشيطا له، يشركه في المساهمة في التعلم، بل، كما يقول البعض، ل «بناء» معرفته، هو الغرض الحقيقي من التدريس بالكفايات. الغرض الفعلي من هذا النوع من التعلم هو تبني وجهة نظر التلميذ، لتشجيعه على الانخراط [الاندماج] كلية. إن الترويج لبراديجم الكفاية، ليس على حساب براديجم المعرفة بل بالتعاون معه، يعني العودة، بالنسبة للمدرس كما بالنسبة للتلميذ، إلى مسألة المعنى من التعليم.

لهذا السبب لن نمزج، مثلا، بين التدريس بالكفايات وبيداغوجية الأهداف. صحيح أن بيداغوجيا الكفايات وبيداغوجيا الأهداف يتقاسمان التموقع إزاء تعلم التلميذ، من خلال اهتمامهما بالقدرات التي يمكنهما تعبئتها في وضعية معينة. لكن إذا كان لبيداغوجيا المشروع وبيداغوجيا الأهداف ارتباط مشترك -ممثلا في مجال البيداغوجيات المسماة بالنشيطة- فلا يجب الخلط بينهما – وربما أن بعض الانتقادات التي كانت بيداغوجيا الكفايات موضوعا لها قد همت حقيقة أكثر بيداغوجيا الأهداف-. فبيداغوجيا الأهداف تستند على براديجم سلوكي قائم على الشرطية: إذ تساوي بين الكفاية والأداء، أي شيء مادي يرى، و يقاس كميا؛ ميزتها الأساسية هوس التقييم، والعمل بالمراحل والتجميع. بيداغوجيا الأهداف، والتي تأسست انطلاقا من سلوكية قابلة للملاحظة والقياس، ستعمل على تجزيئ الكفايات المتعين إنماؤها وستُفقد النشاط الشمولي معناه –الانحرافات التي تهرب منها بيداغوجيا الكفايات، المتميزة بمرونتها الكبيرة، واندماجها الكبير، وانشغالها بعدم تفتيت المعرفة والدراية العملية بطريقة مسيئة، مستحضرة دوما تنفيذ مهمة معقدة غير مجزأة، وبالإجمال مراعية لتقديم معنى للأنشطة الاجتماعية.    

ومع ذلك لا يمكن السكوت عن أننا، عند الممارسة، وعند التطبيق الفعلي لمنطق الكفايات، نصطدم بمشاكل عدة خاصة ببيداغوجيا الأهداف، والتي أثرناها.

على كل حال، إن ما يشغل التدريس بالكفايات هو محاولة فهم سبب عدم استيعاب التلميذ، وعدم اللجوء إلى خطاب مجسّد وإنما تصور المعرفة ضمن وضعية محددة: فقد تأكدت لديه رغبة في الشفافية، والأصالة والممارسة الحية للنشاط الفلسفي.

في نهاية الأمر أليست أخلاق الشفافية هذه، ومراقبة آثار الفعل التربوي على الطفل، هي بالضبط التي تجعل من الممكن استثمار الأيديولوجية الإدارية في منطق الكفايات؟ أليس هناك ملاءمة بين ما هو مثالي في التحصيل الدراسي (معرفة سبب ارتكاب الطفل للخطأ، وتلمس «ما عنده في رأسه») وما هو مثالي بالنسبة للمراقبة الاجتماعية (القدرة على توجيه أفكار ورغبات الفرد)؟

ثم، من وجهة نظر بيداغوجية خالصة، ألا يمكننا أن نرى أن الفرد، من وجهة نظر فلسفية، ينبني أيضا انطلاقا من المواجهة، والصراع والمقاومة؟ ألا يحلم منطق الكفايات بفرد مكتمل، سعيد، متحقق في اكتساب قدراته، في حين أن ما يفتقر إليه الفرد الكفء هو، على وجه التحديد، النقص؟ يتعلق الأمر إذن بوجوب عدم نسيان عمل الممارسة السلبية عند الفعل في أي ممارسة تعليمية، التي تمنح للفرد فترة استراحة، ونوع من التغيير وبالتالي انتزاعه من وهم الانفرادية المستقلة والمكتفية بذاتها.

وعليه، من الضروري أن نفسح المجال واسعا، في إطار الفعل التربوي، للحدث، لل«قفزة»، للانتقال إلى الجودة -لهذه الخطوة من جانب التلميذ التي نتجت عنه، بالرغم منه، ودون أن يتحكم فيها. بمعنى آخر، لا يمكن التحكم في عملية تغيير التلميذ عبر مصفوفة المهارات التي ترغب في قياس جميع المراحل (بالإتقان وال«تحكم»): هذا يعني الاستجابة لطلب يرتبط بالملاحظة والقياس الذي يميل إلى تحجيم العقل وهو يخضع لعملية نمو، بتطويع دينامية التعلم مكانيا، وباختصار بتجزيئ (وبالتالي تهشيم) وحدة الفعل. وضد الرغبة في الشفافية في بيداغوجية الكفايات، سيكون من الضروري آنذاك الحفاظ على بعض الغموض في العمل التربوي: هذا ما يدعو إلى التخلي عن البعد «المفيد» للمعرفة، بحيث يصبح التلميذ حساسا لمسألة «الحقيقة» أو «الجمال» لذاته -مما سيشكل بعدا حاسما في العمل التربوي بشكل عام، والذي يميل التدريس بالكفايات إلى طمسه.

من وجهة نظر بيداغوجية، ستصبح مسألة الكفايات كالتالي: ما نكتسبه من تحديد الصعوبات، والحرص على الفعالية، وعقلنة الوسائل البيداغوجية، ألا نفقده في الغايات التربوية، إي في التحرر الحقيقي للتلميذ والمعلم؟

لا شك أن ظهور براديجم الكفاية في عالم التربية تأتى من أزمة براديجم نقل المعارف العمودي. فبفضل الكفايات، يتم طرح السؤال حول حشد الخبرات المعرفية ليس فقط في الحياة المهنية، ولكن بصفة عامة في الحياة الوجدانية، القلقة إزاء العالم كما هو. فهل من الواجب الاكتفاء بالتعامل مع الكفايات فقط من منظور نفعي وبراغماتي؟ هل من الضروري فهم استعمالها فقط بحسب مدى فائدتها؟ السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمدى إمكانية توافق منطق الكفايات مع تكوين فرد ما منخرط بشكل نقدي في العالم، على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، داخل مدرسة بمقدورها أن تصبح بحق فضاءً للإبداع والوقائع الفكرية. ومع التدريس بالكفاءات، أو ربما دونه، علينا إذن أن نُفكِّر النقلَ [المعرفي]، خلال عملية التربية، من شكل قديم من الخضوع (موسوم بالواجب أن يكون والتوجه العالمي) إلى شكل جديد من التذَوﹾتُن subjectivation -أي التكوين «النقدي لفرد نشيط»، وفق تعبير فرانسوا نوردمان.


 -*المصدر: https://www.cairn.info/revue-rue-descartes-2012-1-page-2.htm

1

– P. Perrenoud ، بناء المهارات في المدرسة. الممارسات والرهانات التربوية ، باريس ، الناشر ESF ، 1997 ، ص 7.   

2 – انظر  Angélique del Rey ، في مدرسة الكفاءات. من التعليم إلى إنتاج الطالب ذو الأداء العالي،La Découverte، 2010. انظر أيضا الندوة التي عقدت باليونسكو يوم الجمعة 19 نوفمبر 2010 ، في إطار اليوم العالمي للفلسفة ، وبعد الاجتماع العاشر حول الممارسات الفلسفية الجديدة: “فلسفة التدريس – تدريس الفلسفة: من نقل المعرفة إلى تكوين المهارات “، التي نظمتها الكلية الدولية للفلسفة (CIPh-CIRTEP) ، IUFM من أكاديمية كريتيل (جامعة باريس كريتيل) ) و مختبر الفلسفة. هذا العدد من Rue Descartes هو صدى لهذا المؤتمر.

شاهد أيضاً

ظاهرةُ الأسئلةِ الزائفة

سامي عبد العال سامي عبد العال        لا تسقط الأسئلةُ من السماءِ ولا تنبتُ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *