الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / البعد البيداغوجي لمؤسسة التفتح الفني والأدبي

البعد البيداغوجي لمؤسسة التفتح الفني والأدبي


محمد تيسُكمين

محمد تيسُكمين

نحو بناء منهجية بديلة لتدريس الفنون والآداب

    سأتقاسم معكم في هذه الورقة مجموعة من الأسئلة التربوية، أتمنى أن أكون موفقا في صياغتها ونقلها إليكم حتى نستطيع التأمل فيها بشكل عميق وهادئ في أفق ايجاد الحلول لها.

   أدرك جيدا أن الامر يتعلق بمغامرة على الصعيد البيداغوجي، قد تستهدف مراجعة الكثير من المسلمات. لكن في المقابل فرصة كبيرة لتجريب بدائل تربوية جديدة بأكبر قدر من الحرية ، وفي نفس الوقت بعمق تربوي مسؤول. أقصد هنا تفعيل مؤسسة التفتح الفني والأدبي كفضاء خاص للإبداع في المجال الادبي والفني يساهم في تعزيز الاشعاع الثقافي وتنشيط الحياة المدرسية والرقي بها لترسيخ القيم والمبادئ الجمالية والفنية وإبراز وصقل المواهب من جهة، ومن جهة ثانية، وهذا هو الأهم، كورش بيداغوجي كبير يسمح بإنتاج بدائل تربوية جديدة على مستوى طرق التدريس و وضع المناهج الدراسية وتعميمها مستقبلا على المنظومة التربوية ككل، خاصة فيما يتعلق بتدريس الآداب والفنون وتدريس اللغات، التربية على القيم و واختيار المشروع الشخصي الخ… وهذا هو المقصود بالبعد التربوي لمؤسسة التفتح الفني والأدبي كعنوان لهذه الورقة.

   بين الفينة والاخرى تصدر بعض المواقف المعادية للآداب والشعب الأدبية من طرف هذا المسؤول أو ذاك ،  بدعوى غياب الجدوى أو غيرها ، تصوروا مقدار الاستفزاز الذي نشعر به ، ومقدار ردود الفعل التي نصدرها ضد هذه التصريحات…لكن هل نحن متملكين لمعنى الأدب ، مستدمجين للقيم الجمالية والفنية؟ هل أضفى الأدب معنى جديدا على حياتنا؟ هل مكننا من فهم الوضع البشري فينا وفي العالم من حولنا؟ هل أعاننا على العيش في العالم بشكل أفضل بما هي ماهية ووظيفة الأدب الرئيسية؟

      أعتبر أن المدخل البيداغوجي والديداكتيكي أساسي للجواب على هذه المعضلة، وإلا فما معنى إضافة مؤسسات تعليمية جديدة لتدريس الآداب والفنون إلى المؤسسات التعليمية القائمة والتي اعتبر تدريس الآداب بها غير موفق .

  يرتبط تدريس الآداب ارتباطا وثيقا بفهم معين للغة، ومن الأهمية ان تفصل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي 2030-2015 التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في الهندسة اللغوية بالمنظومة التربوية المغربية ، وتحديدا في الفصل التام بين اللغة المُدرسة ولغة التدريس في مختلف أطوار التعليم العمومي كما يلي:

اللغة العربية : إلزامية كلغة مدرسة ولغة تدريس في جميع مستويات التعليم المدرسي.

اللغة الامازيغية إلزامية كلغة مدرسة في الابتدائي في أفق تعميمها .

اللغة الفرنسية : إلزامية كلغة مدرسة منذ الثانية ابتدائي وكلغة تدريس بعض المجزوءات بداية من الاعدادي.

اللغة الانجليزية إلزامية كلغة مدرسة منذ الاولى اعدادي وكلغة تدريس بعض المجزوءات بالثانوي التأهيلي.

لغة أجنبية ثالثة على سبيل الاختيار بداية من التأهيلي.

 وهكذا فالدرس الأدبي المنجز بالمدرسة المغربية بمختلف أطوارها قد ارتبط باللغة كلغة مدرسة وليس كلغة تدريس، ولذلك فالنصوص الأدبية لا تحضر إلا كمعينات ديداكتيكية لدراسة النحو والبلاغة والعروض من جهة، ومن جهة ثانية كمادة خام لتجريب نجاعة مناهج التحليل النقدية المختلفة. والنتيجة أن تلميذ الشعب الأدبية في أحسن الأحوال لا يكون إلا ملما بهذه القواعد الشكلية في أحسن الأحوال، بينما تختفي الآداب بين هذه القواعد وبين تفاصيل مناهج التحليل البنيوي والتفكيكي والاجتماعي والتاريخي وغيرها ، وتحل خطاطات غريماص وجاكبسون محل المعاني العميقة للوجود الانساني ورؤى العالم والقيم الجمالية لنصوص المتنبي والجاحظ وكافكا وهيمنجواي وسارتر وبوزفور وغيرهم

    المشكل إذن أن اللغة تكف عن أن تكون مهارة تلقائية وفعلا إبداعيا محايثا للمعنى وللقيم الجمالية ورؤية العالم، يستدمجه القارئ ويفتتن به ويحول حياته إلى الأفضل. عوض ذلك تختزل اللغة إلى  مجرد قواعد شكلية تتحول إلى عبء جديد. وتختزل الآداب إلى أدوات ومفاهيم ومقولات نقدية هي في حقيقتها تقع بعيدا عن النصوص الأدبية، تجعل القارئ منشغلا بما يقوله النقاد ويسعى باستمرار لقياس مدى ملاءمة الخطاطات التحليلية مع النصوص أكثر من انشغاله بالنصوص نفسها .

     إذا كان الامر كذلك فإنه من الضروري اعادة نظر جذرية في ديداكتيك تدريس الآداب في أفق صياغة منهجية واضحة تروم الاتصال المباشر بالنصوص كغاية، وتتخذ المناهج والنظريات النقدية واللغة كوسائل فقط لتحقيق هذه الغاية. وإذا كان طموحنا كبيرا في تعميم هذه المنهجية في كل أطوار المنظومة التربوية، فإننا نسعى في المرحلة الاولى إلى تجريبها داخل مؤسسات التفتح الفني والأدبي ، وبالموازاة مع ذلك يتم الاشتغال بيداغوجيا على هذه المنهجية الجديدة تعديلا وتقويما في تفاعل جدلي بين الفكر التربوي والممارسة الميدانية.

  وسأقوم ببسط العناصر الأولية لهذه المنهجية على شكل أفكار وانطباعات أولية في انتظار التطوير والتقعيد. ولكن قبل ذلك يجب استحضار ثلاث اعتراضات وجيهة سأحاول صياغتها كالأتي:

  1. يعتور هذه المنهجية عيب أساس يتمثل في انطلاقها من فهم تقليدي أرسطي متجاوز لعلاقة الأدب بالواقع، باعتبارها علاقة محاكاة. لأن القول بتدريس الآداب من أجل إغناء الحياة وشحنها بالمعنى والجمال والجلال، هو افتراض لوجود علاقة بين الأدب والواقع والحال أن نظرية المحاكاة متجاوزة في تاريخ الآداب والفنون، بحيث أصبح الأدب والفن كيانا مستقلا كليا عن الطبيعة والواقع، إنه كيان مغلق مكتف بذاته. إن الأمر يتعلق بالفن من أجل الفن يستمد معيار الحكم الجمالي من ذاته وليس من المطابقة مع الواقع.
  2. هل يستقيم مواجهة النصوص الادبية بأذهان فارغة دون خلفيات نظرية ونقدية؟ وماذا سيكون مصير هذه الترسانة العظيمة من الدراسات النقدية ومناهج التحليل والتي أثبتت فعاليتها في الاشتغال على النصوص ؟ ألا يعتبر هذا سيرا في الاتجاه المعاكس لعملية عقلنة وتنظيم  ومنهجة تدريس الآداب؟ والدعوة إلى فتح المجال أمام المعرفة العامية والانطباعية لاقتحام مجال معرفي حساس بُدل في ضبطه تراكم علمي ومنهجي كبير؟
  3. إن القول باستبعاد خطاطات التحليل المختلفة والمناهج النقدية المتنوعة والاتصال مباشرة بالنصوص واستكناه معانيها والافتتان بها والاستمتاع بلذتها، ليس في حقيقته تبشيرا ببديل منهجي جديد ، بل هو مجرد انتصار لإحدى هذه المناهج على الأخرى وهي نظرية التلقي وهي نظرية قائمة جربت حظها في التحليل والاشتغال كما هو الحال بالنسبة للنظريات النقدية الاخرى ، فما الجديد إذن؟

    هذه هي مختلف الاعتراضات الوجيهة وذات الطابع البيداغوجي التي يمكن ان تعيق بناء هذه المنهجية البديلة التي أسعى إلى تبيان خصائصها الرئيسة استحضارا للانتقادات المعبر عنها في الاعتراضات السابقة:

1  – علاقة الأدب بالواقع

  يتأسس هذا الاعتراض على أطروحة مفادها أن الأدب ليس مرتبطا بعلاقة ذات دلالة مع الواقع ، مما يعني أنه لا يتضمن أحكاما أو قيما كيفما كانت عن العالم ، فهو لا يسعى لا إلى تغيير العالم ولا إلى تجميله أو إغنائه .غير أن هذه الأطروحة لا تختزل كل الجواب عن اشكالية علاقة الأدب بالواقع بل فقط إحدى امكانات الجواب المحكومة بشروط تاريخية محددة في إطار التفاعل مع الأطروحة المركزية لهذا الاشكال وهي نظرية المحاكاة الأرسطية التي تؤكد وجود علاقة وطيدة بين الشعر والعالم سواء من جهة الشاعر الذي ينبغي معرفة حقائق العالم حتى يستطيع محاكاته فنيا، أو من جهة القراء أو السامعين الذين تتحقق لديهم لذة ومنفعة قابلة للتطبيق على سائر حياته. سنجد هذه العلاقة حاضرة أيضا في القرون الوسطى المسيحية الأولى عندما كانت الفنون تؤدي وظيفة تبليغ وتمجيد وشرح وتفسير التعاليم الدينية حتى أصبحت الفنون مرتبطة بالكنيسة بشكل كامل. ولم يتم نقد هذا التصور الاتصالي للعلاقة بين الفن والعالم إلا في العصور الحديثة التي سعت إلى تخليص الفن من سيطرة المنفعة والارتباط بالعالم، ليتحول إلى كيان مستقل غايته إبداع الجمال كغاية في ذاته لا يفضي إلى شيء آخر يتجاوزه. غير أن هذه الأطروحة كما يرى تودوروف في كتابه “الأدب في خطر” لا تستطيع الانفكاك كليا من فكرة المحاكاة الأصلية انما فقط حولتها من محاكاة الشعر للطبيعة الى محاكاة الشاعر أو الفنان،مبدع الأشكال الفنية ، لله مبدع العالم. وهنا نجد تماثلا بين إبداع كل منهما من حيث خصائص الاكتمال والاكتفاء الذاتي. كما أن المؤسس الفعلي للاستيطيقا والذي كان منطلقا لهذه الأطروحة، ايمانويل كانط ، بقدر تأكيده على استقلال الفن وتنزيهه عن الأغراض النفعية فهو يربطه من جانب آخر ربطا وثيقا بالجانب الأخلاقي بحكم انضباط الحكم الجمالي والحكم الأخلاقي لمبادئ قبلية أو للنظام الداخلي العام للإنسان، وبحكم أن الجمال هو الشيء الوحيد القادر على نقل النظام الاخلاقي من المستوى العقلي المجرد الى المستوى الحسي التمثلي . كما أن ارتهان الجمال والأخلاق إلى مفهومي الذاتية والكونية يجعل الفن والأخلاق متصلين ، بحيث يفضي الحكم الجمالي ذي الطابع الذاتي والكوني معا إلى الواجب الاخلاقي.

    كما نجد أن أبرز متعصبي أطروحة “الفن من أجل الفن” يستمرون في ربط الفن بالحياة، فهذا فلوبير يصرح أن :” الفن هو الحقيقة ذاتها “، وكذلك يؤكد وسكار وايلد أن : ” الحياة تحاكي الفن أكثر مما يحاكي الفن الحياة”.

   أما بالنسبة للحركتين الطليعية والشكلانية خلال القرن العشرين التي دفعت  بأطروحة استقلال الفن الى أقصى مداها، فخلفيتها السياسية الرافضة لتدخل الأنظمة الكليانية ومختلف الايديولوجيات في الاختيارات الفنية والإبداعية للفنانين هو مايبررهذا الموقف ، وهذه حجة  تحسب على استقلالية الفن عن الحياة ولا تحسب له.

         يتضح إذن مما تقدم أن أطروحة “الفن من أجل الفن” لم تكن تأسيسا للفن ككيان مستقل فاقد لكل الصلات الممكنة بالواقع والحياة، وهو ما لم يستطع الدفاع عنه حتى أكثر ممثلي هذا التوجه تطرفا. عكس ذلك لم تكن هذه الأطروحة في عمقها إلا دفاعا عن الأدب والفن وبحثا له عن مساحة أكبر للاشتغال ضد مختلف أشكال الهيمنة والرقابة المفروضة من خارجه وضد توجيهه ليعكس مرآويا وبشكل فج ومباشر صراعات ظرفية ضيقة الأفق. والدفاع عن استقلالية الأدب والفن هو أمر ضروري بما يضمن هويته الحرة المبدعة والخلاقة، غير أن المبالغة في ادعاء استقلاليته عن الحياة برمتها ، هو هروب من الواقع واستقالة الفنان من الفن نفسه بما هو أفقا للكائن البشري يسعى من خلاله الى تجاوز محدوديته في اتجاه الكمال، وربط أناه الضيقة بالعالم.

     وهكذا فالفنان يبدع عالما بديلا مختلفا، غايته بث الجمال، اعتمادا على أكبر قدر من الحرية في صياغة هذا العالم وفق رؤيته الجمالية، غير أنه ليس عالما منغلقا أكسيوميا مكتفيا بذاته ، منفصم العرى عن الحياة الواقعية، إنه يلتقط شيئا من الواقع المحيط به ويتعامل به بالأدوات المتاحة في عالمه محملا بموروثه الحضاري ، لكنه لا ينقل لنا الواقع الغفل، إنما يجري عليه تعديلات لا محدودة، بحيث يبدو وكأنه خلقا جديدا بتفاصيل جديدة يحرص على صياغتها بأبهى صورة ممكنة ، عالم مشحون بالجمال والخير والعدل، وعندما يعرضه على المتلقي يصبح قابلا للفهم، لأنه يحمل دلالة إنسانية عامة ومشتركة، بل يصبح موضوعا للتبني لدى المتلقي الذي ينبهر أمام روعته.

      ويتضح من هذا إذن أن العلاقة بين الأدب والواقع تتجاوز محاكاة الأول للثاني باعتبارها علاقة أحادية تهم تبعية الصورة للأصل، إلى علاقة جدلية يجري فيها الفنان تعديلا وتصويبا وتقويما للواقع الخام ويتجاوزه إلى واقع فني أكثر اكتمالا وجمالا، يتحول بدوره إلى مصدر للنهل والاغتراف من قبل المتلقي تتشكل منه قيمه الجمالية ورؤيته للعالم ، يتم تصريفها على شكل سلوكات تتحول إلى واقع جديد وهكذا.

 2  – تدريس الآداب أو تدريس المناهج النقدية

   لا يمكن إنكار التراكم البيداغوجي الكبير المحقق على مستوى مقاربة النصوص الأدبية ولا النتائج المحصلة منه. كما لا يمكن كذلك إغفال هذا التراكم على صعيد النقد الأدبي ، تراكم أفضى إلى بروز تخصصات ودراسات نقدية سعت باستمرار إلى تقعيد وعقلنة الدرس الأدبي، وقد تميزت بالغنى والتنوع على مستوى الآليات والمفاهيم ، تجاوزت مستوى الاشتغال على هامش النصوص الأدبية إلى مستوى إنتاج نصوص موازية، دراسات تحاول القبض على أسرار الإبداع وكشف منطقه واخضاعه لقوانين تحكم إنتاجه وتلقيه، وترسم حدود العملية الإبداعية وتضع معايير تقويمها الخ

 إن المنهجية التي نود وضع اللبنات الاولى لبنائها  لا تسير في الاتجاه المعاكس لهذا التراكم النقدي قصد إلغائه، بل يتعلق الأمر بتمييز أو فصل منهجي بين الدراسات النقدية التي يجب أن تستهدف باحثين ونقاد ودارسي الأدب في إطار تخصصات جامعية، وبين النصوص الأدبية والفنية التي تستهدف عموم التلاميذ ،كقراء لا كمتخصصين، بغرض الاتصال مباشرة بالنصوص والنهل من معينها وتذوقها دون وساطات شكلية  تتحول إلى عوائق ابيستيمولوجية وسيكولوجية تحول دون  التلقي الملائم لهذه النصوص وتتحول هذه المناهج نفسها إلى موضوع للدرس الأدبي

    بعبارة أخرى يجب التمييز في هذا الطور التعليمي غير التخصصي بين النصوص الأدبية كغاية، من حق جميع التلاميذ تلقيها دون تمييز بين الادبي والعلمي، وبين المناهج والدراسات النقدية التي لا يتم اعتمادها إلا كوسائل لبلوغ هذه الغاية، وللمدرس أن يختار منها ما يلائمه لبلوغ هذه الغاية.

3   التلقي ونظرية التلقي

        سبق و أن اشرت إلى أن المطلوب هو صياغة منهجية جديدة للتدريس تجعل القارئ يتصل مباشرة بالنصوص الأدبية دون وساطات، أو على الأقل تواري هذه الوساطات ما أمكن إلى مواقع ثانوية تجعلها مجرد وسائل تخدم غاية الاتصال والتلقي ، وهذا ما يجعل هذه المنهجية تتقاطع بشكل كبير مع نظرية التلقي ، التي تتيح أكثر من غيرها هذه الامكانية ، لكن رغم ذلك فهي قاصرة عن أداء هذا الدور بالشكل المطلوب، وسأقوم هنا بإبراز حدودها ، وأطرح بعض المقترحات قصد تقويمها حتى تتناسب مع ما أطرحه هنا ، وإذ أفعل ذلك فإنني في الوقت نفسه أتبنى هذه النظرية في التدريس بعد إدخال هذه التعديلات دون أن أدعى أنني وضعت نظرية جديدة أو خرجت عن البارديغم العام لنظرية التلقي

          تعاني نظرية التلقي من عيب أساسي يمكن وصفه “بالعيب الخلقي” وهو المرتبط بميلادها كرد فعل على نظريات أخرى كالبنيوية ، التي تنفي كليا دور القارئ في مقابل تضخم حضور النص كبنية مغلقة، وكرد فعل من نظرية التلقي احتفت بالقارئ بشكل مبالغ فيه وأغدقت عليه خصائص أكبر من خصائصه الفعلية وقتلت النص وكاتب النص حتى يكون رد فعلها مساويا في القوة ومعاكسا في الاتجاه لفعل البنيوية. وقد تبنت نظرية التلقى في تأسيس تصورها مجموعة من المفاهيم أهمها مفهوم التعالي، التعالي الكلي للذات القارئة المؤولة والصانعة لعالمها من حولها. وهو مفهوم كما هو معلوم مغرق في الذاتية يعتمد كخلفية فكرية الفلسفة المثالية الألمانية ، الفينومينولوجيا تحديدا وإن كان استعمال هذا المفهوم هنا قد تم بشكل انتقائي ، لأن إعادة الاعتبار للذات في التأويل وانتاج المعنى يقتضي الاقرار بأن الكاتب أيضا ذات أخرى تمتلك نفس الخصائص وهي تحديدا من قامت بإنتاج المعنى الأول في النص. المفهوم الثاني هو أفق الانتظار، فانسجاما مع تضخم دور القارئ في انتاج المعنى يصبح هذا المفهوم مقياسا يستخدمه المتلقى في الحكم على النصوص الأدبية إنه الفضاء الذي يتكون من خلاله البحث عن المعنى ، وهكذا تكون المهمة الأولى لجمالية التلقي هي إعادة تكوين أفق انتظار الجمهور الأول لاستكشاف سيرورة التلقي ومعرفة كيفية تحاور القراء مع النصوص أما كسر افق الانتظار فيمثل الهوة بين ما يأمله القارئ وما لا يجود به النص. وهكذا يكون انضباط الأدب لأفق انتظار القارئ انتصارا لحرية المتلقي في التأويل ومركزيته في إنتاج المعني . على العكس من ذلك فإن تخييب أفق الانتظار لا يعني الطلاق بين الكاتب والقارئ كما يعتقدون ، بل يعني أن القارئ اعترف صراحة للكاتب بالقدرة على الإدهاش ، ولكي يكون الفن فنا يجب أن يخيب أفق الانتظار ويتميز بالإعجاز و السحر، وإلا فهو لا يفعل إلا أن يحصل حاصلا يوجد سلفا في دهن القارئ وبالتالي لا جديد تحت شمس الفن. وبالتالي فالانسجام مع أفق الانتظار في نظرية التلقي يجب مراجعته وتعويضه بتخييب أفق الانتظار في انسجام تام مع طبيعة الأمور ومنطقها الداخلي: سواء منطق الذات المنتجة للنص التي يفترض فيها القدرة على التأثير، أو منطق النص الإبداعي الذي يفترض فيه الإبهار كمنتوج يتميز بالفرادة واستحالة إعادة الانتاج، أو منطق المتلقي كذات فاعلة حرة على مستوى القراءة وانتاج المعنى في تفاعل جدلي بينها وبين الاثر وليس كذات مطلقة السلطة في تجاوزه وقتله.

    تتيح الملاحظات السابقة على نظرية التلقي، كما تقدم نفسها في الأدبيات النقدية المعاصرة، إمكانية صياغة نظرية ملائمة لتحليل وقراءة النصوص الأدبية والفنية بما يسمح بتمكين التلاميذ من هذه النصوص وتيسير عملية تلقيها والنهل من معينها تهذيبا لأذواقهم الفنية والجمالية وتفاعلا مع رؤاها حول الذات وحول العالم واكتشافا وانتاجا لمعنى يشحنون به حياتهم تأهيلا لهم لعملية إبداع ذاتية تأتي تلقائية مرنة متحررة من قواعد واجرءات شكلية.

خاتمة

    حاولت فيما تقدم أن أبسط الملامح العامة لمنهجية أردتها أن تكون بديلة لتدريس الآداب والفنون في مؤسسة التفتح الفني والأدبي في أفق استكمال قواعدها نظريا ومن خلال الممارسة، ثم تعميمها في كل أطوار التعليم بالمدرسة المغربية ، تقوم على توفير أسباب اللقاء المباشر بين التلميذ والنصوص الأدبية والفنية ، وذلك بعد عزل هذه النصوص عن حواشي خارجية تشكل عبئا عليها وتجعل معانيها تختفي بين خطاطات نقدية ونظريات تحليل وقواعد لغوية صارمة.

محمد تيسُكمين :
سيناريست، تربوي، وناقد أدبي

محمد تسكمين
https://www.facebook.com/tissog

شاهد أيضاً

ثانوية السعديين التأهيلية بالعيون الشرقية تخلد اليوم العالمي للفلسفة

تقرير: خالد العوني – محمد الغرباوي صور: محمد درفوف     احتفاء باليوم العالمي للفلسفة الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *