الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / حوار مع نانسي فرايزر حول مفهوم الهيمنة

حوار مع نانسي فرايزر حول مفهوم الهيمنة

ترجمة: جميلة سعدون

تقدمت المفكرة والفيلسوفة والمناضلة النسوية نانسي فرايزر بحوار, نظمته ’’ villa Gillet’’ , دار الثقافة بمدينة كرونوبل الفرنسية, في اطار مهرجان ’’ Mode d emploie ’’ هذا نص الحوار :

س: ركزت مداخلتك داخل المهرجان على مفهومي ’’الهيمنة والتحرر’’هل بامكانك شرح هذين الاصطلاحين , كيف تم اختيار مصطلح ’’الهيمنة’’ عوض ’’اللامساواة’’ و ’’التحرر’’عوض ’’الحماية’’

ج :’’الهيمنة’’ نقطة انطلاق مفاهيمي تحدد بسؤال التحرر من ماذا ؟
فهي كل اشكال التبعية الناتجة عن البنيات المتداخلة والقائمة في المجتمع و هذا موضوع الاختلاف بينها وبين ’’اللامساواة’’
هنالك 03 اشكال بنيوية للهيمنة : الاولى منغرسة في الاقتصاد السياسي والثانية في ترتيب النظام والثالثة في الدستور السياسي الذي يسمح بالوصول للفضاء السياسي و كل ما ينظم الحريات السياسية و ليس الدستور المكتوب
أما الحديث عن التحرر فينطوي على طموح نقذي كبير يمنح تصور لمختلف اشكال الهيمنة وتقاطعاتها كاشكال نموذجية متفاعلة 
يحيلنا هذا إلى عدم التفكير في التحرر كنموذج للحياة الجيدة بل كنتاج للانتصار على الهيمنة وكمضمون مفتوح على مختلف اشكال الهيمنة التي 
ستنكشف مستقبلا . 
نستحضرهنا أمثلة الغيرية الجنسية والمعيارية التي تمت تعريتها بفضل نضالات…LGTB. ونستحضر أيضا ظهور اشكال جديدة للهيمنة , خلال 50 سنة المقبلة. كما نستحضر دور النضالات الاجتماعية المختلفة وتجدد التجارب في تعليم الاجيال القادمة و تفكيك معاني الاشكال الجديدة للهيمنة التي تختلف في سوءها عن اللامساواة

س : كيف يغذي التزامك بالقضايا النسائية المستوى الفكري لقضايا العدالة الاجتماعية؟

ج: يتم هذا بطرق مختلفة فالتبعية تتخذ أشكالا مختلفة داخل اشكال الهيمنة المشار اليها اعلاه ويشكل الفصل البنيوي بين العمل المأجور والغير ماجور كأعمال الرعاية الضرورية اجتماعيا, تقسيم للنوع يطال قدرة النساء والرجال على المشاركة في الحياة الاجتماعية ,كما يطال قيمنا وترسيمات تحليلنا , فالمؤنث هو الناعم, الأدنى, الجنسي و الغير عقلاني
داخل هذا النسق تتم مأسسة تراتبية القيم بمختلف الاشكال : في إطار القانون والطب والحياة اليومية والثقافة …. ولا نقصد هنا الاقتصاد السياسي بل نظام بنية المجتمع 
بالنسبة لي التفكير في الهيمنة تفكير عام منبثق من تفكير في النوع غير محصور عند هذا الحد

س: تؤكدين دائما بوجود ’’ نسويات ’’ وليست واحدة كيف تفسرين موقفك الداعي لخطورة تطابق بعض النظريات النسوية مع الايديولوجية الليبرالية الجديدة 

ج : حاولت تشخيص نوع من’’الخطورة ’’ رغم تعقيد المسألة. باختصار ومن وجهة نظر تاريخية وعند ولادة الموجة الثانية خلال 60 القرن العشرين كنا نعتقد أن الدولة الاجتماعية الديمقراطية و الحماية الاجتماعية هما الضامن لاحتواء قوى السوق 
في هذا السياق عملت الحركة النسائية كباقي الحركات الاجتماعية على توجيه نقذ لاذع ومبدع لاشكال الهيمنة , المستمدة من المؤسسات الديمقراطية فصادفت نهاية هذه الدينامية بداية نقد يميني مدافع عن النزعة الفردية ومركز على تعارض الحرية مع البيروقراطية.
قد تختلف هذه الدينامية من بلد الى اخر فنجدها بشكل قوي داخل الولايات المتحدة والبلدان الناطقة بالانجليزية حيث الارتكاز على الخيال الاجتماعي وعلى الاستحقاق والنجاح الفردي فكان لهذا تأثير كبير على الحركة النسائية التي ركز جزء منها على تكسير السقف الزجاجي والوصول للمناصب العليا وركز طيف اخر على رومانسية القروض الصغرى و حلولها الممتدة والمرتبطة بالسوق .
مادام السوق يمنح فرصة الترقي فلا ضير من منحه الشرعية
إن العودة لتحليل كل من بولتونسكي وايف شيابيلو يحيلنا على أن الروح الجديدة للرأسمالية لا تتغذى فقط من انتقاد ماي 68 بل من النقدي النسوي أيضا

س: هل يمكن التفكير في العدالة الاجتماعية دون التفكير في هيمنة النوع والعرق والهيمنة الطبقية ؟ وهل يوجد في نظركم اشكال اخرى للهيمنة تستحق الاهتمام؟

ج: انني على اقتناع كامل ان التفكير في الهيمنة يتطلب التفكير في محاور ذات اهمية وراهنية ,لايمكن التفكير في نقد جدي دون التعاطي معها
كما لا يمكن الفصل بين هذه الاشكال من الهيمنة كاشكال تتقاطع وتتفاعل وتكون بعضها البعض .
ولا يمكن التعاطي مع هذه الاشكالات دون التعاطي مع المسالة الجنسانية والمعيارية الجنسية ودون نقد تشكل الفضاء السياسي والاختلاف الحاصل بين مستويات تأثير الرأسمالية من جهة وتأثير الدولة من جهة اخرى و التفكير في اشكال الهيمنة المنبثقة عن هذه الاوضاع .
اننا في حاجة لمجال سياسي قادر على حل مشاكل الدين العالمي كما برز في تجربة اليونان و كيفية التعاطي مع الديمقراطية 

س: تناولت في مقلاتك الاخيرة ان التفكير في العدالة يتطلب اطارا جديدا ذا بعد عالمي مع التركيز على محدودية الاطار الوطني. هل يمكن الربط بين هذه الاطروحة وبعض الحركات الاحتجاجية العابرة للحدود مثل حركة الشعوب الاصلية او حركة وول ستريت؟ من جهة اخرى الا يمكن التفكير في المد اليميني وانتشاره الكبير وتوسع احزاب اليمين المتطرف داخل اوربا وما تنشره من افكار عنصرية تركز على البعد الوطني , ألا يشكل هذا المد شهادة عدم الاقتناع بالبعد العالمي كحل لصياغة المطالب؟ 

ج: مقتنعة تماما ان حل بعض القضايا المستعجلة يكمن في النشاط السياسي وهياكل ديمقراطية جديدة تتجاوز الدولة ,فقضايا من قبيل الاحتباس الحراري والمشاكل الايكولوجيا لا يمكن حلها على مستوى محلي ولو كان المحلي الولايات المتحدة الامريكية بجبروتها
هذه الشروط تجعل اهتمامي يتوجه لأشكال التنظيم والاحتجاج الساعية لتجاوز تفتيت الفضاء السياسي الناجم عن الحدود الوطنية
اما حركات الشعوب الاصلية ووول ستريت فإنها تنحوا نحو الفوضوية التي لا يبدو اعتمادها ممكنا في غياب التفكير البرنامجي وهذا أمر أخر 
في جانب أخر يشكل تقدم احزاب اليمين ردة فعل معارضة أمام تجربة واحدة للنموذج الديمقراطي ,. فالشعوب لم تعرف تاريخيا سوى شكل الحماية الاجتماعية المرتبط بالدولة وهذا ما يفسر التشبث به والسعي للعودة اليه رغم رجعية هذا الموقف, فالنضالات الجديدة يمكنها ان تشكل تنظيما ديمقراطيا عالميا يأخذ على عاتقه ضبط الاسواق والحماية الاجتماعية …

س: من بين المؤاخذات الموجهة للفلاسفة , انفصالهم عن الواقع والاهتمام بالتجريد والابتعاد عن ما هو عملي نظرا للدقة والمنهجية المعتمدة في تحليلك ومحاولاتك المستمرة لربطهم بالقضايا الانية , أيمكن تفسير كيفية مساهمة مبدأ العدالة أو ما تسمينه ’’ تكافؤ المشاركة ’’ في تحفيز النقاشات الحالية؟

ج: انا لم اختلق هذا , قمت فقط بصياغة الافكار المتداولة خلال النضالات والمطالب الاجتماعية , فالنظرية النقدية تشتغل على عدة واجهات وتعكس طبيعة المشاكل الاجتماعية وأشكال النزاع و الانشطة ,كما يسعى جزء من هذا العمل تحديد مختلف الطموحات التحررية والمساهمة في هذه التحولات
في هذا السياق أحاول وضع إطار مفاهيمي لمعجم المطالب التي ترفعها هذه الحركات ووضع خطاب مفيد دون السقوط في الغوغاء , كما أحاول الحفاظ على مسافة النقد .
إن تناولي للعلاقة الخطيرة أقصد به الحفاظ على موقع النقد وتقييم الانشطة النسوية كمناضلة نسائية 
لقد تم بلورة هذه الافكار فلسفيا لكنها أفكار مشتغل عليها وموجودة في المطالب المرفوعة كتبخيس كلام النساء داخل الفضاءات الاجتماعية و عدم الانصات لمداخلاتهن 
هنالك غياب تام لتكافؤ الفرص في تقاسم الحديث رغم الحضور والمساواة الشكليين

س: هل تعتقدين أن تكافؤ الفرص واعتماد النسبة على الطريقة الفرنسية هي طريقة غير فعالة ؟

ج: ان الاهمية الممنوحة لهذه النسبة والوقوف على الاعداد والتناسب مؤشرات ضرورية , فعدم تجاوز 20 بالمائة من المشاركة النسائية داخل المؤسسات مؤشر ينذر بوجود خلل ما .
تكمن فائدة هذا في إيقاظ وعي الناس وتحسيسهم بوجود الخلل .
لكنه فهم سطحي ومع ذلك فلست ضد هذا النوع من المشاركة, ولدي العديد من التساؤلات حول تأثيره على أشكال الهيمنة المتقاطعة
إنها أسئلة حقيقية أسألها بنفسي وعلى يقين بوجود أبحاث تجريبية في الموضوع , وأسائل هنا مدى انسجام هذه التمثيلية مع حقوق الاقليات الملونة والمهاجرين المسلمين ؟

س : أخر سؤال , عرفت سنة 2012 ,الانتخابات الرئاسية بكل من فرنسا والولايات المتحدة الامريكية . بحكم معرفتك بالسياسة الفرنسية , ماهو الاختلاف الرئيسي بخصوص العدالة الاجتماعية بين هذين البلدين ؟

ج: لست على دراية بالسياسة الفرنسية لكن أكثر ما يذهلني ليس الاختلاف , بل التشابه, ناضلنا في كلتا البلدين ورفض العديد من الناس داخل اليسار خلال الحملات الانتخابية ساركوزي كما رفضوا بالولايات المتحدة الامريكية سياسة رومني النيوليبرالية وهي انتصارات مهمة لكن هنالك شعور عميق بالخيبة. .
ليس لدينا انطباع في هذين البلدين ,أو العالم اجمع . ربما تكون امريكا اللاثينية استثناءا , ان الحكومات المنتخبة بدائل حقيقية عن الليبرالية الجديدة ,إنها ليبرالية ناعمة تقبل المعايير والقيود المفروضة من قبل الاسواق المالية فالخطوط الحمراء لا يجرؤ أحد على تجاوزها , كما يحرص الجميع على الانحناء لقوة التمويل.
هنالك تجربة في خيبة الامل أعقبت حماسة الحملة الانتخابية متشابهة للغاية وهذا مؤشر عن المشاكل الهيكلية العميقة ككيفية تنظيم الفضاء السياسي . لهذا السبب يبدو البعد السياسي للهيمنة مسألة ضرورية اليوم

ترجمة : سعدون جميلة

مصدر الحوار:

شاهد أيضاً

المثقف يكسر تابوها

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد.. ( مصر) هل كسرت أحد التابوهات ، فلا تزعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *