الرئيسية / منتخبات / تغطية / عويل الآلام في مأساة هاملت

عويل الآلام في مأساة هاملت

بقلم نور الدين الولاد

      “رباه!  ما أنا إلا راقصك الماجن، ما الذي بوسع المرء    أن يفعل إلا الفرح؟ انظري، يا أفيليا، كيف ينضح وجه أمي  بالبشر  و الفرح،  ولم يمر على موت أبي ساعتان”  هاملت

 ” يا لهيبا جفف دماغي، و يا دموعا سبع مرات مريرة”  أ وفيليا.

تعد فحاوى فن “شكسبير فلسفة حقيقية، فهو سخر مخيلته بمجاديفها إلى البحث في جل الأسئلة التي يطرحها المرء  و التي تعد من صميم الوجود، فكل ما يمكن أن يفكر فيه المرء  في طويته ـــ حب مأساة ،ملهاة  أو غيرهم ــ نجده معلنا أو مضمرا في أدب شكسبير ببسالته، فالرجل في الواقع لم يترك شيئا إلا ونجده تحايل عليه وقدمه في صورة وجنس من أدبه أو بالأحرى في سونيتة من سونيتاته، وهو الأمر الذي يتضح أحيانا من عناوين كتبه ؛ على اعتبار أن أدب شكسبير غلاب ولا يمكننا أن نحيط بكليته.

في مسرحية “هاملت” قدم شكسبير روائع المكيدات  وأرهبها؛ غدر ،خيانة، اغتيال، قتل، موت وانتحار لا ندري هل بشكل إرادي أم بأمر قهري؛ وهل توجد يا ترى نكبات أقوى من هذه الويلات؟ وهل توجد بلاهة أكثر من هذا التيه؟ أي التيه الذي عبر عنه هاملت بالعبارة الباذخة “أكون أو لا أكون؟”.   بل إن “هاملت”، كما سنرى في تفاصيل المسرحية، سيحار عليه الأمر بين الاستجابة إلى مطالب “الطيف” المسكين وبين الرغبة في العيش في كنف السلم و الوئام. إلا أن هذا التناقض من صميم الوجود؛ كلنا متناقضون، كلنا أجلاف نتنت روائحهم، هكذا صرح هاملت عندما تلقى نبأ الطيف العظيم. فما تفاصيل المسرحية؟ وما هي الأبعاد الفلسفية التي يمكن أن نستشفها من رائعة شكسبير هاته؟

أصوات تصيح ألما؛

لم تُخلق بلاهة هاملت المتراوحة بين العبث و إلزامية الفعل من محض تفكير فقط، بل إن طيشه وويلات هذه المسرحية المأساوية كانت ناتجة عن أحداث أصلها حدث كان هو السبب في قلب عجلة الوئام والسلم اللذان كانا يسودان هنيهات  قبل وقوع الفاجعة، فاجعة ظهور الطيف؛ لذلك كان أهم حدث في هذا المشهد هو ظهور وخفوت “الطيف”، الشبيه ب الملك؛ هذا ما أكده “برنردو”[1]، حيث قال لهوراشيو : ” دقق النظر  فيه يا هوراشيو، ألا يشبه الملك” [2]، إلا أن هذا هو السر؛ أن يظهر ويخفت ولا يريد الكلام لأحد ــــ بما في ذلك هوراشيو ــــ  ستجعل الحاجة ماسة  إلى إخبار  الأمير “هاملت” عن فحوى هذا  الحدث، والذي حصل لثاني مرة.

للأسف لن يكون من نصيب أمنية “برنردو” أن تتحق؛ إذ يتمنى أن يكون بزوغ هذه الروح على هذه الشاكلة فألاً طيبا [3]، هيهات ألا يجر هذا الطيف للأزمات الوجودية و إلى الوبال، بالمقابل تنبؤ “هوراشيو” كان صائبا، إذ يقول مخاطبا “مرسلس” في هذه الخفارة، أصل الخيبات : “لنعلم ـــ في الصباح ــ هاملت الشاب بما رأيناه هذه الليلة، قسما بحياتي، أن هذه الروح التي تصمت لنا ستنطق له” [4]. وفعلا إنها سوف تنطق معلنة “بوليموس” رهيبة ومأساة فعلية على سائر ردهات القلعة.

في زمن لا يزال هاملت ببالغ الأسى يكابد فراق أبيه، الملك الراحل، يخاطبه عمه، الذي احتل مكانة أبيه في الحكم و نكح أمه، قائلا: “مالي أرى السحب مخيمة عليك؟ “[5]، أما أجوبة “هاملت” كانت دائما محتاطة من هذا الرجل،  وكأنه يعلم أنه عم يخفي دسائس عليه، إلا أنه يُلمس في أجوبة هاملت دائما ذكاء وحيرة ومأساة وفي الوقت ذاته ملهاة…، أو كما سيقول “بولونيوس”، إن في كلام هاملت جنون لكنه جنون بأسلوب.

و الحال أن هاملت على طول هذه الأحداث المأساوية لا يمكن حصره في صورة واحدة، فهو زئبقي الأحاسيس كما الأقوال، تارة ينطق بروية وتبصر، وتارة أخرى يبدو أنه عبثي، بل إنه أحيانا يظهر كما لو أنه عدمي ولا يبالي بأي شيء، بما في ذلك ذاته.

  يطمأن الملك الأمير “هاملت ” طمأنة مالق تروم الهدنة والدفع بهاملت إلى تناسي الماضي، “اعتبرني أبا لك وإني لأصرح على الملأ بأنك خلفي على العرش؛ و لأحنون عليك بحب نبيل، لا يقل عما يكنه الأب لإبنه العزيز”[6] هكذا كان ينوح الملك في حضرة الملكة. لكننا نستشعر هاملت يرفض هذه الأحاسيس و كأنه يعلم أن هناك شيء ما ليس على طبيعته؛ فلننصت إلى هاملت وهو يتحدث، محاولين إبراز مسوغات حقده المسعور حول عمه، و كذا أمه وإن كان ليس بنفس الحدة التي يكنها لعمه. يجيب هاملت الملك على نحو شبيه بمونولوج: ” آه ليث هذا الجسد الصلب يذوب

    وينحل قطرات من ندى،

ما أشد ما تبدو لي عادات الدنيا هذه

مضنية، عتيقة، فاهية، لا نفع منها

ألا تبا لها ! تبا تبا لها ! إنها الحديقة لم تعشب؛

شاخت وبرزت، لا يملؤها إلا

كل مخشوشن نتنت رائحته …

أيها الضعف اسمك المرأة !

شهر مضى؛ ولم يُعتق بعد ذلك الحذاء

الذي مشت به وراء جثمان أبي …

تزوجت عمي، أخا أبي: وان لم يشبه أبي

إلا بما أشبه أنا هرقل شهر واحد ،

لم يكف فيه ملمح عينها المعذبتين، وتزوجت.” [7]

إن هاملت في هذه الهنيهة يلوم غرائز أمه ويحقد حقدا شديدا على عمه الملك وهو يداعب أمه في غيابه؛ كيف يشعر هاملت بإحساس من هذا الضرب وهو لا زال لم يكلم الطيف بعد؟

يتصرف هاملت وكأن هناك طيف يوجهه، إلا أنه توجيه لا يتخذ أي منحى؛ فهاملت تائه بين ضرورة الانتقام وإلزامية العيش في كنف السلم ، فنلمسه أحيانا يتغني بالطيف ويناجيه وأحيانا أخرى يلومه كما يلوم نفسه، بل يلوم الوجود برمته. كما أن تيهه لن يُعمق إلا بخبر صديقه “هوراشيو”: سيدي أظن أني رأيته ــ  الملك المتوفى وأب هاملت ــــ الليلة الماضية، في ليلتين متعاقبين، وأثناء الحراسة، عند منتصف الليل الرحيب الدجى[8]“، ومن طبائع الأمر أن تذهب نفس هاملت إلى رؤية الحدث كما وصفوه له “هوراشيو” و  “برندو” و “مرسلس”.

“وألماه أيها الطيف المسكين !”[9] يردد هاملت هذه العبارة مبشرا بهنات، إلا أن “الطيف لا يريد المسكنة بأكثر ما هو تواق لثأر لعله يشفي غليل المكائد التي ألحقت به. يقول مخاطبا هاملت: ” لا تشفق علي، ولكن أعرني أذنا جادة مصغية لما سأبوح به..، وملزم أنت بالانتقام، حالما تسمع”[10]، فأن يُقال لهاملت، وهو بين القبول والرفض لكل أورام الوجود، مثل هكذا عبارات من طيف هو أبوه يعد أمرا مأساويا، يقول الطيف مخاطبا هاملت: “إذا كنت يوما تحب أباك العزيز، فانتقم لمقتله الخسيس اللئيم…، فقد شيعوا أنني كنت نائما في حديقتي فلدغتني أفعى: هكذا إذن خدعوا البلد كله  بالتلفيق عن موتي…، ولكن اعلم أيها الفتى أن الأفعى التي لدغت الحياة عن أبيك تلبس الآن تاجا”[11]، بل إن هاملت تنبأ بذلك و أن جريان مراسيم الزواج بشهر بعد موت أباه لا يمكن أن يكون متماشيا وسواء الطبيعة.

تدعوا الطبيعة على لسان الطيف: “إذا كانت الطبيعة سوية فيك فانتفض”، وهذا عينه ما سيفعل شخص مثل هاملت فحولةً، إلا أنه وقبل شروعه في حراك الثأر وحيله أصبحت علامات الصدمة ظاهرة عليه. يقول هاملت: ” يا جحافل السماء ! أيتها الأرض ! ما ذا بعد ؟

وهل أضيف الجحيم ؟ ألا تبا ! تماسك أيها القلب،

و أنت يا عضلاتي، لا تشيخي في طفرة عين،

واحمليني، و إن تتيبسي ! لا أنساك ؟

أجل أيها الطيف المسكين، ما دام للذكرى مكان

في هذه الكرة المشوشة، فلا أنساك[12]

هكذا تلقى هاملت صقعة قوية وراح هو الآخر مكشرا عن أنيابه ونفسه عطشاء  للانتقام من شخوص نتنت روائحهم، و الآن تبين لهاملت أن هذه الشخوص هي ذئاب تعرف جيدا كيف تخفي الدسيسة والغدر لتروم مصالحها و غرائزها ، ولهذا نجد “هاملت” أصبح حاقدا اتجاه محيطه بأسره؛ فيقول مثلا: ما من نذل قاطن في هذا البلد كله إلا وهو وغد حقير،[13] بل إن معشوقته “أوفيليا”[14] هي الأخرى لم تسلم من  لطمات هاملت وهو في سكارى فاجعة الخبر، خبر الطيف. يقول هاملت مخاطبا “أوفيليا” قبل أن يُكتب لها الجنون: “أ عفيفة أنت ؟ أجميلة انت ؟ أعني إن كنت جميلة وعفيفة أيضا وجب على عفافك الوصول إلى جمالك محرما، بالضبط للجمال القدرة على تحويل العفاف إلى فجور… كنت أحبك يوما ـــ تجيبه أوفيليا: يقينا يا سيدي ـــ ويجيب هو الآخر: كان عليك ألا تصدقينني، فالفضيلة لا تطعم جذعنا القديم إلا ويظل فينا شيء من مقامه، ما أحببتك قط”[15] إنها مأساة جعلت “أوفيليا” طريحة تدعو لهاملت، والذي أصبح بكلامه من منظورها يستحق الشفقة، قائلة: “أعينيه أيتها السموات الخيرة “[16].

فمن منا يستطيع أن يحكم أن ما ينطق به هاملت جنون أو العكس، إنه لمن الصعب تماما أن نحكم جزافا بمثل هذه الثنائيات، تعقل جنون، في مأساة من هذا الطراز. لا يبدو هاملت مجنونا ولا هو عاقل.  الحال أن هذا من طبائع الأمور ومن صميم الوجود؛ تأتي لحظات يُتخيل لنا أننا نتصرف بوازع عقلاني، وقد تأتي هنيهة أخرى يظهر لنا  أننا بعيدون عن التبصر كل البعد.

فالقتل، وان يكن عديم اللسان، لابد أن ينطق يوما بلسان خارق العجب،[17] بمثل هذه عبارات كان يردد هاملت قبل أن يقيم مسرحية أمام الملك والملكة “غرترود” يذكرهما بنفس الجريمة التي اقترفوها، بالضبط كما روى له الطيف قد حدثت، لعل ملامح أحدهما ــ عمه الملك و أمه الملكة ــــ ستبوح بما اقترفاه من ذنب عظيم، وعيا من “هاملت” أن الطيف يمكن أن يكون شيطانا أراد له انتكاسات في حياته. ومنه أصل سوداويته، وهو الأمر الذي جعل هاملت يبحث عن أدلة ملموسة تكشف عن حقيقة ضمير الملك. “أأكون أم لا أكون”[18] هي أشهر عبارة لدى شكسبير قيلت على لسان الأمير “هاملت” معبرة عن حراك وجداني وهو على مقاليع الدهر اللئيم وسهامه. فهل يفعل هاملت ويستجيب لنيران الثأر أم أنه لا يفعل؟ إن هاملت لا يدري ما يفعل، كونه يعي أننا كلنا أوغاد [19]؛ أي كلننا نتمتع ببصيص من الشر، كلنا نعشق المكيدات للآخرين ونسعى جاهدين إلى أن ندرأ ها عنا، ومن ثمة فإن حسن الطوية غير وارد.

يقول ممثل دور الملك في المسرحية، والتي أراد لها هاملت أن تمثل كما شاء أمام الملكة أمه وزوجها : “فإن تكن أفكارنا طوعا لنا، فغايتها ليست لنا”.[20] فالأمر شبيه تماما بما قاله جون جاك روسو فيما بعد[21]، حيث يقول: ” تنتظم الأفكار في رأسي بعد صعوبة بالغة ….” وهنا تجدر الإشارة أن مسرح شكسبير يظل كونيا، فهو يعري عن مشاكل لازلت قائمة إلى اليوم.

يعترف الملك بجرمه قبل أن تقام الملحمة، والتي ستبدأ بقتل “بولينيوس” وهو متخفي على حدة سيف هاملت ظنا من هذا الأخير أن المراد قتله هو الملك هاملت، على نحو منولوج قائلا: ” آه ما أنتن إثمي ! بلغت رائحته حتى السماء، وعليه حطت أولى اللعنات و أقدمها”[22]، فلأول وهلة نشهد اعترافا من الملك باقترافه لذنب عظيم، فهل هذا الذنب ناجم عن قتل أخيه أم أن هاملت أصيب بجنون فحمل ما قاله له الطيف المسكين على محمل الجد؟

إن هناك جريمة نكراء فعلية جسدها الملك بشراكته مع الملكة؛ فكل ما اقترف القتل من أجله في واقع الأمر: هو التاج و الملكة؛ لذلك يعد المشهد الرابع من الفصل الثالث[23]  أعظم مشهد في هذه المسرحية؛ ففيه تظهر مشادة حقيقية بين هاملت و أمه، فيه مقتل “بولونيوس” المهذار، وفيه الرسائل العظمى؛ فلم يكن صراخ الملكة و عصبيتها اتجاه كلام هاملت إلا دليلا على واقع الحادث، حدث اغتيال الطيف المسكين، بل إن صراخ الملكة جراء عنفوان هاملت العميق أدى ببولونيوس إلى الصراخ هو الآخر خوفا عن الملكة، إلا أن هاملت لم يتردد في أن يجعل سيفه شاهرا من غمده ضاربا في الاتجاه الذي به حركة من وراء السيتار، و قد كانت هذه الضربة أدت إلى موت بولونيوس ، “يا للفعلة الدموية الهوجاء”، هكذا قالت الملكة، وفي حضرة هاته الأخيرة سيؤكد هاملت أنها فعلة دموية تكاد لا توازي بسوئها قتل ملك و الزواج من أخيه[24] صراخ الملكة كان مصحوبا بمثل هذه الويلات، و هاملت يقول في وقت صيحات الملكة موجها خطابه لبولونيوس، طريح الأرض ويموت: ” وأنت يا مأفوفا شقيا أقحم نفسه طيشا الوداع. حسبتك سيدك”[25].  ابتداء من هذه المرحلة ستبدأ الملاحم ببسالتها بين “الملك” ؛ “الملكة” و “ليرتيس”[26] من جهة، و”هاملت” من جهة أخرى[27]،تبدأـ ملحمة كلامية بين الملكة غرترود و هاملت منها نذكر:

يقول هاملت لأمه غرترود:  “أي امرئ له عينان دون إحساس، أو إحساس دون بصر،….، يأتي رعونة مثل هاته؟ يا للعار أين حياؤك؟ يا جهنم المتمردة.”[28] تجيبه غرتروود قائلة: “كفاك كفاك، ألفاظك هاته كالخناجر تنفذ في أذني”[29]  إن هاملت شطر قلب الملكة إلى شطرين، إلا أن هاملت يرفض مثل هذه الأفعال الشنعاء وهو في الوقت ذاته يؤمن كثيرا بالقدر ومدى فاعليته، وهنا مرة أخرى حيرة هاملت المتناقضة، حيث يقول مخاطبا الملكة وهو يشير إلى جثة بولينيوس قتيلا:  “أما بشـأن هذا النبيل فإني نادم غير أن السماء شاءت عقابه بي وعقابي به”[30].

بعدما أخبرت الملكة الملك بشأن هاملت، ما قاله وما فعله ببولينيوس ، كان الملك قد نادى  روزانكرانتيس  وغلدنسترن، فأخبر هؤلاء أنه لابد من التستر على هذه الجريمة و إخبار الناس أن بولينيوس مات مسموما، غرض الملك هو ضمان السيادة ولا يبالي بشأن هاملت كشخص.

بعد مقتل أبا أوفيليا تلجأ أوفيليا إلى الملكة تندب حظها العاثر وتتكلم بصوت العويل، وبعد ذلك يظهر “لرتيس” هو الآخر يتهجم على ردهة قلعة الملك وهو يروم الانتقام، إلا أن الملك سوف يقنع “لرتيس”[31] بجرعات من كلامه المالق موجها أحاسيسه إلى الحقد عن “هاملت” للاتفاق معه على الانتقام، وكذلك الشأن سيفلح الملك في تنحية أحاسيس “ليرتس” لينتقم هو الآخر من هاملت.

في هذا المشهد الذي أقنع فيه ا”لملك” “ليريدس” بمساحيقه المحتالة، حيث كل الأسئلة التي وجهها ليردتس إلى الملك لقيت أجوبة شبه شافية، تدخلت الملكة لتخبرهما أن “أوفيليا” ماتت بسبب ميل  وانكسار غصن صفصافة حيث أوفيليا كانت تريد أن تعلق أكاليل غريبة، لقد ماتت غرقا في الماء بعد انكسار الغصن[32] . فما أغزر ما فيه أوفيليا من ماء، وما بال هذه الويلات تتوالى الواحدة تلو الأخرى.

لقد انتهى موت أوفيليا بصراع مشحون بين الأمير “هاملت” و صديقه السابق “لرتيس”، وفي ذاكرة هذا الأخير موت أباه بولينوس وجنون أخته فموتها.[33] إن هذا الصراع و إن كان سيؤدي إلى مبارزة حقيقية بين لرتيس و “هاملت” فإنه سيتوج بــــ مكائد أخرى: منها ما هو مقصود وما هو غير ذلك؛ كيف ذلك ؟

إن الملك الطماع جسد النذالة الملكية بمعناها الحرفي؛ لم يكفيه قتل أخيه[34] ونكاح زوجته، بل تطاولت سجيته إلى قتل هذا الأمير “هاملت” الطائش وابن أخيه الطيف ، لذلك نجده وضع السم في كأس النبيذ لـــ “هاملت” ليكون من نصيبه في أول ضربة سيحققها هاملت على حساب “لرتيس”، فعلا سيحقق “هاملت الضربة الأولى لفائدته ليتدخل الملك واعدا بكأس الخمر لهاملت، إلا أن “الملكة” بدون سابق إنذار تأخذ الكأس فتشربه إلى آخره، ولا علم لها بالمكائد التي روج له الملك اللئيم، فتنهى حياتها الهوينى على يد من شاءت لأجله الصمت والتستر على جريمة شنعاء مفادها قتل الزوج و الزواج من أخيه.

إن هاملت عالم بكل ما حاصل من مكيدات للطيف، لكنه رغم ذلك نلمس في كلامه تريثا مجهول الأسباب في العديد من هنيهات المسرحية، يقول خاطبا لبيبه هوراشيو: “أما تظن أن الأمر قد تحم علي؟ هذا الذي قتل ملكي، ومومس أمي، وانتصب حائلا بين العرش ويبين آمالي، وألقى بصنارته يطلب حياتي نفسها وبأي مكر وخديعة ! أفلا يتفق ونقاء الضمير أن أودي به بذراعي هذه ؟ أو لا أكون لعينا إن أنا سمحت لهذه السوسة الناخرة بتحقيق شر جديد” [35]، فما يشفع لــ “هاملت إزاء طيشه ،والذي لا يمكن مقارنته ب فساد الملك وجرمه، هو تأرجحه الجميل بين الفعل أو اللافعل، فانتقامه واجب من زاوية الطبيعة السوية، كما كان يقول هو، إلا أنه كان يحمل أيضا هم السلم.

تنتهي المسرحية بالمبارزة التي خاضها كل من “هاملت” و “لرتيس” ، وسرعان ما سيلقي “الملك” اللؤلؤة” المسمومة في كأس الخمر المقصود منحه لهاملت، [36] ستتشربه “الملكة ” دون علمها، هكذا يقاتل هاملت الملك، و يا للمشهد الرهيب هذا؛ جميل أن يموت الملك على يد “هاملت” وهو يشرب بقية كأس النبيذ المسمم[37] رغما عنه وعلى يد الأمير “هاملت” ليشفى الغليل و يحقق الارتواء قليلا، لكن الفعل المأساوي هو أن يُلقى طريح الأرض “هاملت” و “لرتيس” و “الملكة”، كان يخفي القدر لكلهم المنية التي أنشبت أظافرها عنهم بطلب من القدر العظيم: كم هو مؤسف أن يفترقا صديقان  وهما ــــ ليرتس و هاملت ــــ في عزة فحولتهما، فكلاهما يعترف بدين الآخر. ولعل أخر عبارة “ليرتس” كانت: ” بادلني الصفح و المغفرة، يا نبيل القلب يا هاملت . لا كان دمي على رأسك، ولا دم أبي، ولا كان على رأسي دمك”[38] لقد غفرته له السماء، هكذا أجابه هاملت ومات هو الآخر. إن “هاملت” قد مات  والألم يجوب عروقه”. 

هناك صدى فلسفي  لمثل هكذا عويل؛

يمكن أن نجد تآوييل فلسفية عديدة ثاوية في مثل أحداث من مثل هكذا طراز، تختلف من قارئ لآخر، إلا أننا نشهد في تلقامة “الثأر” دلالة عميقة. صحيح أنه بالأولى أن نفهم الخطيئة التي أفضت إلى الثأر ونتأملها، والتي هي الخيانة أي قتل رجل لأخيه و الزواج من زوجته، هي فعلة يتنكر لها كل متبصر له القليل من الروية. والحال أننا جلنا خائنا جلنا نعتبر الوفاء و الطاعة من شيم الكلاب جلنا يتحسس الآخر ونيغب فيما يرغب[39].

إننا نرى بأن مكيال فهم كل الاقتتالات الواردة في هذه المسرحية إذا ما استوعبنا  الدلالات العميقة لمفهوم “الرغبة” و لمفهوم “الثأر”: فالرغبة حركت الملك، ففي الوقت الذي كان فيه “الطيف” يتمتع بـــ “الموضوع”الملكي وموضوع الجنس المتمثل في الزوجة، كان أخ الملك يطمح هو الآخر في ما لأخيه. فما الذي  قد يولده هذا الحرمان من منظور الفيلسوف الفرنسي”روني جيرار”[40]؟

الرغبة هي أصل الصراع ما دام الإنسان مجبول على “المحاكاة”؛ فكل رغبة إن لم يحقق لها الارتواء ولم تشبع تراكمت وأدت إلى حقد من طرف “المنافس” على “الراغب”، وهو الذي يتمتع بموضوع الرغبة، في الوقت الذي يمتنع هذا الموضوع على المنافس من أن يتحقق. وهذا هو أصل الثأر؛ وهو عينه ما حصل في هذه المسرحية؛ فرغبة الملك في “موضوع الرغبة” جعله يقتل “المنافس”، أي الطيف، ليتمتع بما يتمتع به الآخر.

فلنقل أن الرغبة هي موجهة جل صراعاتنا و أنها أصل الثأر، الإرهاب، كما الانتحار…، مما يستدعي ضرورة التنازل على رغباتنا ونتانتنا من أجل أن نحيا في حدود، فرسم هذه الأخيرة واحترامها وحده الكفيل بالعيش في سلم ووئام.  فالسيد سيد على رغباته و العبد عبدا لها.

ثبت الشخصيات:

كلوديوس: Claudius: ملك الدنمارك، محتال، متورط في  قتل أخيه والزواج من زوجته، حيله و طمعه لم يجر طيلة المسرحية إلا إلى ويال.

هاملت:Hamlet : ابن الملك السابق و ابن أخ الملك الحالي، أهم شخصية في المسرحية، كان دو تفكير شارد، متقلب، حائر بين ضرورة الانتقام والعيش في كنف السلم، وهوسه هذا هو الذي سيمنح أحداث المسرحية مأساة، بل إن سيكولوجية هاملت تعري عن واقع إنساني كوني؛ فكلنا متناقضون نتخبط بين الرغبة في الفعل و ضرورة الخضوع للموانع المفروضة إما بفعل سلطة المجتمع أو الضمير الجمعي. وهذا التناقض المعترف به هو ما عبر عنه شكسبير على لسان “هاملت” قائلا: “أكون أو لا أكون”.

بولونيوس Poloius: رئيس الوزراء و قريب من الملك والملكة، لنقل إن شغله  على طول المسرحية هو أن يلعب دور الوساطة بين الملك و الملكة من جهة، و التجسس على شخصية هاملت من جهة أخرى، سيموت على سيف هاملت، ضنا من هذا الأخير أن المراد قتله هو الملك وسيد بولونيوس.

غرترود   Gertrude: ملكة الدانمارك  و أم هاملت و زوجة الطيف سابقا و الملك الجديد في أحداث القصة.

أوفيليا Ophilia: معشوقة هاملت، لم نلحظ أي مشهد تعترف فيه بحبها صراحة لهاملت، باستثناء المشهد الذي يطلب منها أبوها بولونيوس أن تقوم بما خطط له هو، على اعتبار أن الملكة و الملكة سيشاهدان هذه التمثيلية في خفاء من هاملت، ليشاهدوا اعتراف هاملت بحبه لأوفيليا.  وكل ذلك كان لسبب تفسير جنون هاملت. والحال أن هاملت ليس مجنونا بقدر ما هو كان مصدوما جراء خبر  الفاجعة الذي تلقاه من الطيف.

هوراشيو  Horatio: صديق هاملت و مرافقه على طول المسرحية إلى حدود وفاته.

لرتيس Laertes: ابن بوليميوس و أخ أوفيليا، سيعرف أثناء الثلث الأخير من المسرحية بشكل فاعل للانتقام لموت أبيه، سيخوض معركة مع هاملت في المقبرة، وسيخوض كذلك في مبارزة مع هاملت تتموقع في نهاية المسرحية.

رينالدو  Reynaldo : هو خادم بوليميوس.

فولماند،  كورنيليوس، روزانكرانتيز، غلدنسترن، أوسرك، نبل: من رجال البلاط.

فرانسيسكوFrancisco: جندي.

مرسلس Marcellus: ضابط

الطيف:  ملك الدانمراك  و أصل  القصة التراجيدية.


[1]  هو وهوراشيو في حراسة الخفارة.

[2]  شكسبير، هاملت، ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا، الصفحة 29.

[3]  الصفحة 32.

[4]  الصفحة 34.

[5]  الصفحة: 38.

[6]  الصفحة: 40.

[7]  الصفحة 41، 42.

[8]  الصفحة 44.

[9]  الصفحة 59.

[10]  الصفحة 59.

[11]  الصفحة:60

[12]  الصفحة 63.

[13]  الصفحة 65.

[14]  نذكر أن أوفيليا هي معشوقة هاملت و إبنة بولينيوس، لا يمكن أن نقول أنه لا يحبها  ولا هو يحبها، ففي هذه المسرحية نشهده مرة يسخر من حبها ومرة أخرى نلحظ كما لو انه تائه في حبها، ففي المشهد  الموالي للقاء الطيف نشعر من كلامه  وكأنه لا يحبها ولا يحب أي امرأة في هذا العالم؛ وقد يكون ذلك ناتج عن صدمته إثر لقاء الطيف أو صدمته في حقيقة أمه. إلا أنه في مشهد المقبرة وإثر دفن أوفيليا، على اعتبار أن هذا اللقاء في المقبرة بينه وبين الجنازة لم يكن إلا صدفة، أظهر عن حب لا مثيل له، وكما كان يقول: ” لقد أحببت أوفيليا. أربعون ألف أخ بمجموع حبهم لن يساووا مقدار حبي أنا”. أنظر الصفحة 192.

[15]  الصفحة :108.

[16]  الصفحة 109.

[17]  الصفحة: 101.

[18]  الصفحة 106

[19]  الصفحة 119.

[20]  الصفحة 123.

[21]  جون جاك روسو يأتي في مرحلة تاريخية تالية لشكسبير.

[22]  الصفحة 133.

[23] من الصفحة 36 إلى 46 من هذه المسرحية، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا.

[24]  الصفحة 137.

[25] نفس الصفحة.

[26]  لرتيس سيأتي معلنا الحرب بحثا عن أبيه بولينيوس ، وسيزداد رغبة في الثأر عندما ستجنن أخته أوفيليا، بل و ستموت، هنا سنشهد صراعا بين ليريدس و هاملت على قبر “أوفيليا”.

[27]  تجدر الإشارة إلى كون “الملكة” غرترود، وإذا كانت متفقة مع “الملك” على قتل زوجها، فإنه لا يوجد دليل عبارة مكتوبة صراحة أو ضمنا توحي بكون الملكة متفقة مع الملك على قتل هاملت بدليل أنها شربت الكأس الذي به السم والذي كان ينويه الملك مهيأ لهاملت، لكن وجه الصراع بين الأم غرترود و بين هاملت يكمن في الاختلاف عن تمثيل المسرحية.

[28] الصفحة 140.

[29]  نفس الصفحة.

[30]  الصفحة 144.

[31]  نذكر بأن ليرتيس هو أخ أوفيليا و ابن بولينيوس .

[32] الصفحة 179.

[33]  أنظر الصفحة 192و 193و 194.

[34]  أي الطيف، أو بالأحرى الذي تحول إلى طيف.

[35]  الصفحة 197.

[36]  أنظر الصفحة 207.

[37]  أنظر الصفحة 210.

[38]  الصفحة 210.

[39]  هنا يمكننا أن نرجع إلى الفيلسوف الفرنسي العميقروني جيرار  لندرك  أن الرغبة هي أصل الصراع و الحروب، بما في ذلك المستوى الاقتصادي، كل صراع وكل حقد أصله الرغبة؛ ففي الوقت الذي يتمتع به  الراغب بموضوع للرغبة يراكم حقد مسعور بالنسبة إلى منافس، هذا الأخير بكثرة تراكم الأحقاد لديه فإنه يفجر ذلك على عدة مستويات قد تكون قتلا أو إرهابا … وهي ما تعطينا في مسرحية هاملت قتلا و اغتيالا وموتا. وما كان كل هذا الوبال سوى صراعا و اقتتالا من أجل موضوع الرغبة، أي الملكة و المُلك.

[40]  روني جيرار هو فيلسوف فرنسي له كتب عديدة منها نذكر: “العنف و المقدس: la violence et le sacré” وفيه كان قد فصل في الرغبة كثيرا.

نور الدين الولاد

شاهد أيضاً

لماذا أكره بلدي؟!

إبراهيم صباحي أعيش بعيدا عن الأرض التي ولدت فيها، ودائما ما يواجهني آخرون بأسئلة من …

تعليق واحد

  1. دمت مسألق في كتاباتك كعادتك متمنياتي لك بالمزيد من التقدم تحياتي 😉

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *