الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / التقويم الشامل: البكالوريا ومفارقات التقييم والتقويم

التقويم الشامل: البكالوريا ومفارقات التقييم والتقويم

بصري محمد  القنادسة الجزائر     

التقويم في الفلسفة:

نحاول في هذا المقال الدخول الى المفاصل الاولى للتقويم الشامل الذي بات ظاهرة تربوية منفلتة من التأطير الديداكتيكي جراء مراس  وواقع بيداغوجي مضطرب ينذر بفشل قريب للتنزيل الديداكتكي للفلسفة في الفضاء العمومي. خاصة وان الدوائر الاجتماعية والسياسية والثقافية بدأت تتذمر من النتائج المقلقة للفلسفة في الامتحانات  الشاملة. وتتوعدها بالثبور والإقصاء من ثقافتها وأنظمتها التربوية. إن الرأسمال الرمزي المتمثل في الحضور المتميز للفلسفة كإرث إنساني، اغريقي وتراثي تشترك فيه الشعوب هو بمثابة  مُعدل للمزاج البشري  في الواقع المعيش واستنارة  للإنسان العادي الذي تستهويه الاراء المفارقة والنقدية والشكية وفضاء للتنفيس و التطهير السيكولوجي من بقايا القهر السياسي والاجتماعي. ليس من قبيل السوداوية البيداغوجية لكن بات من الواضح ان التنكيل البروكوستي  بالمادة يتم بأيدي اهلها ومن بيتها الداخلي. مما يجعل التفكير في فك المأزوم وتحديد مواطن الاعوجاج و الداء ضرورة ديداكتيكية نبيلة، لان الفلسفة كمادة لم تنحني تاريخيا لمثل هكذا عواصف بل ازدادت ثباتا وتشبثا بقيمها النبيلة وعلى رأسها تصدير الوعي لكل الطبقات الاجتماعية .وتحريك الملكات العاقلة بما يتفق مع مطالب كل حقبة تاريخية. مما يجعلنا نتساءل بمشروعية وإصرار :

ماهي افاق الديسمولوجيا كمبحث تقويمي امام راهنية الحاجات التساؤلية للدرس الفلسفي؟ما السبيل لقيام اجرأة موضوعية في تقويم الكتابة المقالية الفلسفية ؟هل يمكن التحرر من ازمة عسكرة التقويم ؟

التقويم في مقاربة الكفاءات  عملية مفصلية وضرورة ديداكتيكية  قصوى  تنصب على التعلمات وفق براديغم سكولائي، بصورة برغماتية بحيث يقايس المعطى النظري بما يقابله من مطالب واقعية.حيث يتم إقحام المتمدرس في وضعيات  إشكالية هي بمثابة  استثمار في التعلمات  والمعارف النظرية حتى يتحقق فيها المطلب الاذاتي والفعلي. إضافة الى ابعاد ابستيمولوجية معرفية الغرض منها الاعداد العلمي للمتمدرس حتى يتم تمكينه من اقتحام عوالم ومستويات عليا في التعلم .مثلا الجامعة والمستويات الاكاديمية العليا نموذجا. كل الامتحانات القياسية والشاملة غرضها الاصيل كما تشير المدرسة الفرنسية هو تقليص فرص الصدفة والعشوائية والاعتباطية في الامتحانات واستبعاد المركزية الذاتية. حيث الهدف الاساسي في التقويم مشترك وموضوعي وعام. الخلاف الاثمولوجي بين التقويم والتقييم  ليس إلا  ووكوكة دلالية واسلوبية كما يقول جيل دولوز وهو يصف التعارضات المفاهيمية داخل لعبة انتاج المعنى بتحديدات لغوية  مفاهيمية. وإن كانت المصطلحات الديداكتيكية مجردة وصارمة تشبه حركة الرياضيات في تساوقها المنطقي .التقييم هو إضفاء احكام ذات طبيعة اكسيولوجية جمالية لا يمكن ان يُعتد به داخل الانساق الديداكتيكية الجديدة فهو سلبي وسطحي ضيق. بالمقابل التقويم يرقى الى القرارات العقلية لأنه يدخل في نظام بيداغوجي محكم الانساق حتى بات لكل مقاربة بيداغوجية نمطها الخاص من التقويم.وهنا يكمن الخلل والإرباك الصفي والبيداغوجي  في ذلك الخلط السقيم وغير الموضوعي بين تقويم ذو منحى هدفي بآخر يتحرك وفق ايقاع كفاءاتي . ربما يُعزى ذلك الى الضبابية السياسية التي تفتقر الى الدقة وبُعد النظر في انتقاء واختيار السيرورات التربوية والبيداغوجية في توجيه المناهج .لان الاعتباطية السياسية  والدمج المؤدلج والعقيم بين ماهو سياسي وماهو بيداغوجي والذي اورث القطاعات التعليمية حمى سوء الطالع البيداغوجي والتكلس الديداكتيكي هو ما يجعلها فريسة وصيدا بائسا لهذا التناقض الصادم. التقويم كما يعرفه خبير الديداكتيك المغربي  “محمد الدريج ”  التقويم التربوي هو الجمع المنظم للمعلومات قصد معرفة مدى حدوث لدى التلاميذ ، بعض التغييرات المقصودة والمتضمنة في الأهداف  ومراقبة مستواها لدى كل تلميذ وإصدار الحكم الملائم واتخاذ القرارات المناسبة”1.

البكالوريا ومزاجية التقويم :

عندما يعاد التصحيح في الفلسفة بين اللجان ويتم تدوير الاغلفة والاظرفة   بين الاساتذة المقومين  مرات ومرات هو ظاهرة صحية  تقنيا وفق  البروتوكول الضابط لعمليات التصحيح، أي نتاج استحقاقات تنظيمية مشروعة. هنا يجب التشديد على مفهوم التصحيح بدل التقويم والذي يبدو لي مصطلحا شعبويا فارغا وساذجا لا ينتمي الى حقول التربية  مقابل التقويم الديداكتيكي. “المصحح” عفوا “المُقوم” ليس بصدد إضفاء مشروعية على اداء المترشح التلميذ بإهدائه سُبُل النجاة للظفر بشهادة النجاح، بل الاجدى هو تقويم لمساره المدرسي والمهني وإعادة تأهيله بيداغوجيا وتصنيفه ضمن مخطط وحقل اجتماعي كبير.ورقة المترشح ليست رسما أجوفا أحدبا مُثقلا بمعارف ومفاهيم محددة ومؤطرة سلفا بنماذج يقينية لسلالم تقييمية فقط .يجب النظر اليها ككائن حي له افاق وانتظارات واحراجات.

 قد يبدو للبعض انه من مساوئ التقويم هذا الحجم الهائل  من عسكرة التقويم وإخراجه من اعرافه التربوية الى حالته الامنية والرقابية المشددة بتعبير فوكوي لان هناك علاقة تلازمية وأحيانا طردية  بين المؤسسات الاجتماعية “السجن .الثكنة .المدرسة”اذن هو نموذج للهيمنة والقمع المُتجذر في الانظمة الاجتماعية النظرية والمجردة حين نقارب اللامفكر فيه واللامنطوق في البنيات التربوية المؤسساتية.التقويم المُؤدلج يشبه الانظمة الشمولية التوليتارية في سطوته وشروطه الاجرائية وهو انعكاس لازمة ما قبل حداثية للمجتمعات العربية عموما والمغاربية خصوصا .لان هناك تشابه مطلق في تأزيم التقويم وعسكرته بين الاوطان المغاربية وكأنها تنهل من سقف  نظري شمولي واحد.في ذات الوقت  هو اشارة الى خلل استراتيجي  في منظومة تقويمية في كل المواد. مُجردها ومُشخصها الانسانية والتجريبية البيولوجية على حد سواء. الضغط على المترشح خاصة النفسي. الضغط المضاعف على المُقوم هو من يخلق ثقوبا سوداء في تقييم اداء المترشح. ما يدعى تقويم شامل واعتباطي وانطباعي هو الحاصل اليوم في المدرسة المغاربية خصوصا والعربية عموما لان الهوة تزداد يوما بعد يوم بين المناهج والواقع. وكأن الاجيال التربوية لا تمت بصلة الى ثقافة رجل الشارع.او المواطن. العوار والتكاليف الباهظة التي يدفعها السير غير المنظم للتربية وإمكانياتها النظرية هو ما يربك الايقاع المفترض للتطور الافقي للعملية التعليمة والتعليمية التي تبدأ عادة بإرساء التعلمات و انتهاء بتثبيتها بالتقويم باعتباره العمود الفقري والجوهري  لكل عملية تعليمية تنشد الخلاص البيداغوجي والرفعة الحضارية.

مشكلة عدم التمييز بين الشكل والمضمون في التقويم اضافة الى مطبات الفهم السيئ لنماذج التصحيح التقييمية  والنقاط التي تستغرق ماصدقاتها من المعارف والحجج..الخلل العظيم في اسقاط نظام التنقيط على المضامين في العلوم الانسانية هو خيانة تقويمية بامتياز نمارسها كأساتذة الفلسفة.انه امام السرقات الادبية والعلموية تضاف خيانة ديداكتيكية اخرى هي القفز اللاموضوعي فوق منتوج التلميذ. ذلك الكائن المسحوق المستلب الذي تم اختزال مجهوده وخبرته وكينونته في ورقة اجابة حدباء. الذاتية المتعمدة احيانا والمُمنهجة والتي تنصبها مراكز التصحيح وتتفنن في الاحاطة عليها والتضييق على أي مراس موضوعي منظم هو من يحيل التقويم الى نوع من العبث المنظم.

مأزق الامتحانات الرسمية انها تُحول الكائنات المدرسية الى نصوص. نصوص ثابتة ووثائق بائسة يتم موضعتها امام المصحح المقوم دون روح ودون حركة ليتم الاجهاز عليها ماديا بإضفاء مقاربة إشهادية وقرار نهائي سيكون مرحلة نافذة ونهائية ومفصلية  في الحياة المدرسية للمتعلم  غير المُنصف مدرسيا.  

النموذج الاشهادي للتقويم انجرت عنه نذوب بيداغوجية اهمها إحلال الطبقات الرديئة محل الكفاءات نحن نُسوق في مناهجنا للضعف المعرفي والكفاءاتي. حيث تضيع جحافل من الملكات والقدرات الانسانية بسبب عسكرة التقويم.مراكز التصحيح اشبه بالثكنات المغلقة.

التفويض الذي نقدمه للمقوم في صناعة مقاربة نهائية مترتبة عن مقدمات عسيرة، هو عمل مدرسي ومشروع سكولائي دقيق يجب ان يأخذ العناية الكاملة والمطلقة نظرا لحساسيته ودقته المتمثلة في صناعة آمال وتطلعت اجيال بكاملها.

اعادة النظر في مكونات التقويم واسسه و انظمته بات ضرورة جبرية للخروج من حالة السكونية الديداكتيكية.   

1- محمد الدريج : << الكفايات في التعليم >> المعرفة للجميع ط 2003 ، ص173

شاهد أيضاً

”جدلية العلمنة – العقل والدين” يورغن هابرماس – جوزف راتسنغر

ِ حمزة بومليك باحث في الفلسفة والعلوم الإنسانية يتناول الكتاب مفهوم العلمانية والمواطنة، في إطار العلاقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *