الرئيسية / منشورات / مجلات / المُعَارِض

المُعَارِض

هايل علي المذابي 

– المعارض في العبرية تعني الشرير وهي أطلقت على الشيطان لماذا ؟ لأنه عارض كلام الله وسمي المعارض ، من بعده جاء برومثيوس الذي عصى زيوس كبير الآلهة عندما سرق جذوة النار من الشمس وحملها إلى البشر والنار هذه هي رمز للمعرفة فعاقبه زيوس الطاغية بأن ربطه إلى صخرة في رأس جبل ثم سلط عليه نسراً جارحاً ينهش كبده أثناء النهار ويتركه أثناء الليل ليعود ينمو كبده من جديد وهكذا عقاباً أبدياً ويضرب لنا برومثيوس في معاركهِ ضد الآلهة المناوئين في سماء الأولب أروع وأسمى النماذج في حب الوطن والوطنية حيث كان يهبط إلى أرضه بعد أن يتلقى الضربات ليتزود منها نسيماً وماءً وشعاعاً ثم يعود فيتغلب على خصومه الآلهة المناوئين ..

– بعد هذا ظهر جيل جديد ومذهب أيضا هو المذهب البرومثي الشيطاني المناضل والثائر والمعارض مثله على سبيل المثال شاعر الحداثة الأكبر بودلير الذي له قصيدة يقول فيها معبراً عن المعارضة ومستخدماً الشيطان فيها كرمز لذلك يقول : المجد لك يا شيطان يا معبود في أعالي السماء ..وجاء من بعده الشاعر أمل دنقل الذي كفروه بسببها في قصيدة كلمات سبارتاكوس الأخيرة إذ قال : المجد للشيطان معبود الرياح من قال لا في وجه من قالوا نعم من علم الإنسان تمزيق العدم ….والحقيقة أنها مجرد رموز وليس كفراً رموزاً لكلمتين هما “نعم” و”لا” فقط لا أكثر ..- وبالنسبة لبودلير فهو صاحب النظرية الجمالية ” أن النموذج الكامل للجمال الرجولي هو الشيطان ”  وهو في هذا مثل سابقه ميلتون، وبودلير يقول هذا لأنه عرف معنى الشقاء ومعنى التعاسة ومعنى الشر وعاش كل ذلك ولكنه من ثم حوله إلى درر من الماس والياقوت، ولعل أهم ما نستطيع أن نكشفه كنتيجة حتمية لقوله هذا هو حاله الذي يشبه حال الشيطان الذي طرد من الجنة ومن رحمة الله، فكانت سبباً في شقاء إبليس أولاً ومن ثم كانت بمثابة المنحة التي وهبت له لإثبات ذاته وتحقيق وجوده، فكان هذا الصبر يؤكد مقولة بودلير ومن قبله ميلتون عن أن النموذج الكامل للجمال الرجولي هو الشيطان” أي أن الصبر والسعي لإثبات الذات وتحقيق الوجود رغم كل العوائق والظلم والشقاء والتعاسة التي قد يعيشها الإنسان هي من صفات الرجال الحقيقيين،      غير ذلك أن الثورة هي من صفات المظلومين ويقوم بها الرجال الحقيقيين للتحرر من الظلم وهذه الصفة أقرنت بالشيطان أي الثورة وبغض النظر عن مصداقيته من عدمها لكن هو نموذج  فقط يجسد أن الإنسان عليه أن يغضب ويصرخ ويثور ويقول لا خصوصاً لأولئك الذين ينصبون أنفسهم آلهةً على الناس وكأنهم هم من خلقوا الخلق ولهم الحق في التحكم بأمور حياتهم وكل شؤونهم باطلاً كما أنهم يتصرفون لكأنما امر الحياة والموت بأيديهم وكذلك أمر الصفح والعفو ومنح صكوك الغفران للآخرين فالشيطان أعلن الثورة والتمرد  على الله خالق الخلق بمجرد أنه أحس وشعر بإهانته له وبظلم كاذب مؤكداً أنه يكفي الإنسان ليعلن الثورة والرفض والتمرد فقط أن يؤمن بقضيته وبأنه صاحب قضية، يؤكد هذا ويحلله الفيلسوف الفرنسي البير كامو في كتابه ” الإنسان المتمرد” ويختزله الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد في قوله : “لا تُسقني ماء الحياة بذلةٍ/ بل فاسقني بالعز كأس الحنظلِماء الحياة بذلةٍ كجهنمٍ/ وجهنمٌ بالعز أطيبُ منزلِ “-  وعليه فكيف بالإنسان لا يغضب ويثور على مثيله الإنسان الذي جعل من نفسه إلهاً، ونعود إلى المقارنة فتماماً مثلما تسبب زوج أم بودلير

– ضابط البحرية –  في إخراجه من جنته ” حنان أمه وعوالم الذكرى الجميلة لوالده”، رغم ذلك فقد استطاع بودلير أن يستثمر كل تلك المعانة والكراهية والشقاء إلى عوالم من الجمال بمعنى أنه حول كل خسائره التي عاشها إلى أرباح، أدركها من جاء بعده وتتلمذوا على يديه، وبودلير هو صاحب مصطلح ” الدانديزم ” فقد كان داندي حتى النخاع ومعنى الداندي يعرفه بودلير بأنه يجب على الإنسان أن يعيش الحياة كما قدرها الله له أن يعيشها بصفات الإنسان أي يحب ويكره ويرفض لأن هذه هي صفات الإنسان والفنان أيضاً بدون هذه المشاعر لا يستطيع بلا لا يكون فناناً، ولذلك قلما تجد من رجال الدين فنانيين حقيقيين،  أما غير ذلك فمن صفات الإله وحده، وهذا هو الداندي الذي يتحول بعد تحقق هذا الشرط إلى الفنان بجميع صفاته، وليس الداندي الذي عرفه بعض علماء النفس الأغبياء والسيئين بأنه مرض وشذوذ نفسي، فالفنان الداندي تمر روحه بحالات فوق طبيعية تتكشف له الحقائق والمعنى الإجمالي للحياة في أبسط الأشياء وأتفهها، بمعنى أنه ينطوي ضمن جملة ما يعنيه على نوع من أنواع التأمل كتأمل كهنة الزن في البوذية واليوجا وغير ذلك، ويؤكذ هذا التأمل للداندي وحقيقته بودلير في يومياته،  وبالعودة للحديث عن بودلير وسيرة والدته وحياته، نذكر أن أمه كانت يتيمة تبنى أمر تربيتها وتعليمها أحد الأصدقاء المقربين لوالدها ثم حدث أن كان هناك رجل مسن يتردد دائماً على منزل عرابها – متبنيها – وكان دائماً يرشقها بنظرات اعجاب ومودة وهي الأخرى شعرت بذلك حياله ثم انتهى الأمر  بزواجهما، كان الرجل في السبعين من عمره وكانت هي في الثلاثينات، وبعد عام واحد أنجبا الطفل بودلير وتربى لست سنوات على يد والده وفي حضنه فكان يأخذه دائماً إلى الحدائق والحفلات الموسيقية وتعلم منه أشياء كثيرة لكن والده الطيب توفي، ولمدة عام واحد فقط ومن ثم تزوجت الأم بضابط في البحرية، يقول بودلير حين يتذكر هذا :” من تنجب طفلاً مثلي لا ينبغي لها أن تتزوج مرة أخرى ” ، ولعل أول المآسي التي حصلت على يد الضابط هي إرساله لبودلير في رحلة على متن سفينة نحو الشرق، استمرت لتسعة أشهر، ولكنها كانت كفيلة بتعزيز الكراهية لهذا الضابط في قلب بودلير حيث كانت نوعاً من الغيرة ولم تكن محبة فبقدر ما كان يعرف حب بودلير لوالدته بقدر ما أراد التفريق بينهما وإبعاد بودلير عنها وعن حنانها، وعلى متن السفينة حدث موقف كان سبباً في كتابة بودلير لأول قصيدة له ” القطرس “، ثم بعد عودته قرر أن يعيش في باريس التي أحبها، بعد أن تعود على هذا الفراق الأليم الذي كان يكتمه دائماً عدا مرارة فقدانه لوالده، وهناك تعرف على لوشيت ” الحولاء” كما كان يروقه أن يدعوها، وبرغم أنها كانت دميمة الأخلاق والشكل إلا أنه كان متمسكاً بها بسبب قناعته أن الجمال الحقيقي هو في القبح والشر، وبرغم ابتزازها الدائم له إلا أنه ظل متمسكاً بها ربما لأنه لم يجد غيرها ولم يكن في حياته حينها متاحاً سواها، وخصوصاً بعد أن ظل أمداً ينتظر سقوط وصاية زوج والدته ضابط البحرية عنه واستحقاقهِ لأمواله التي ورثها عن أبيه، ثم وبعد هذا الشقاء والإسراف في الشراب والإدمان والمخدرات وهذا كله كان أيضاً تعبيراً وتجسيداً لمبدأ الثورة والرفض فكان إدمانه للمسكرات ثورة وتمرد على شقاءه وبؤسه وحزنه، ثم وبعد أن استنفد كل المال في ذلك، كان يضطر  إلى أن يطلب من والدته أن ترسل له النقود من أجل إيجار سكنه كما يصف تلك الأيام والليالي التي كان يقضيها بدون طعام فتضطره إلى إلتزام نزله لأيام كثيرة، وهو يوثق ذلك في يومياته والرسائل التي تركها  قبل وفاته، ولأن المرارة والحزن كانا يلازمان روح بودلير فلم يكن من سبيل لتخفيف ما يعانيه سوى المال وإنفاقه بعبثية محاولاً التخفيف عن روحه ما يسكنها من آلالام وباد ميموري، ولأن زوج والدته أيضاً تسبب في تقاعسه عن الانخراط في الحياة الاجتماعية وعالم العمل بسبب ضغطه الدائم على حريته، وغير ذلك والأهم منه روح الفنان التي تسكن بودلير فجعلته غريب الأطوار والسلوكيات رافضاً بسببها التكيف مع المجتمع وأعماله وعاداته وتقاليده، وكل ما ينشغل به، وذلك مالم يدركه أو يفهمه أحد،  ولبودلير ديوان شعري واحد ” أزاهير الشر” يؤكد فيه مبدأ الثورة والرفض وأن الجمال الحقيقي للرجل هو في قوله لا وللزعيم ناصر قول يؤكد هذا :” ومن بين الظلام الكثيف ينبثق الأمل “، والورد يستحيل بدون الشوك، وهكذا  أسس بودلير مدرسة الحداثة الكبرى، كما له “يوميات”  لم تنشر إلا بعد عشرين عام من وفاته لم يسعفه الوقت لينقحها، بعد أن أصيب بالزهري الذي نقلته إليه المومس اليهودية الحولاء ” لوشيت “…وقد عرف عن بودلير سخريته وكراهيته لأولئك الأكاديميين المتعلمين من أقرانه من الأدباء كفيكتور هوغو، وفولتير وغيرهم وكان يصفهم بالحقيرين ورغم أنه كان بلا شهادة جامعية أو ما يماثل ما حصلوا عليه هم إلا أنه كان مدرسة لوحده ونداً قوياً لهم تمذهب على يديه الكثيرين ممن جاءوا من بعده، وربما لم يفهم أحد ذلك إلا في نهاية أيامه وبعد وفاته …

شاهد أيضاً

“تواصل” بطعم الإباحية !!!

بقلم: هناء السعيد – مصر هناء السعيد لم تعد هناك خصوصية، المساحة الشخصية نكتة مبكية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *