الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الزمان في مدركات العقل

الزمان في مدركات العقل


علي محمد اليوسف

   “أن اللاوعي يتجاوز الزمن”، فرويد

 اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة الانسان النفسية السلبية الساكنة لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمان العشوائي الذي يكتنفها, لعدم أدراك حالة اللاشعورأو اللاوعي للزمن من حيث الزمان وسيلة أدراك عقلي وليس موضوعا للادراك بل يدركه العقل حدسا أستدلاليا في معرفة غيره من اشياء الطبيعة والموجودات ,… والانسان لا يعي الزمن أدراكا حسّيا شعوريا موضوعيا لا في اليقظة ولا في المنام… بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة, وليس هناك من أدراك شعوري لا يداخله الزمن, ولا قيمة حقيقية للزمان في حالة اللاوعي او اللاشعور.. ولا فاعلية للزمان يعتّد الأخذ بها في حالة النائم الحالم المغيّب عنه وعيه الحسّي المادي الادراكي لذاته والوجود فيكون الزمان في الاحلام عشوائيا غير منظّم بخلاف الزمان في حالة الشعور واليقظة فهو يقوم على تنظيم الاشياء المدركة في ملازمته الوعي الحسي والعقلي للاشياء…, ويبقى الانسان النائم اللاواعي الحالم محتفظا بالعقل في أدراكه صور الاشياء في الاحلام عشوائيا من غير أنتظام لكنه لا يتبادل الادراك مع الزمان الذي لا وجود له في عالم الاحلام كأدراك حدسي منظّم يقوم بترتيب تداعيات صور الاشياء, كما في حالة الحدس بالزمان شعوريا في الواقع الطبيعي للانسان كوسيلة أدراك, لذا فالزمان المنظّم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية عند الانسان من غير وعي به وأرادته وتكون الذات النائمة الحالمة متحررة من سطوة الزمان عليها نهائيا, لأنه لا وجود للزمان المحسوس كموضوع في أدراك العقل بل هو وسيلة العقل في أدراكه ألاشياء في حالة الشعوروالوعي الانطولوجي بها وليس في واقعها الحلمي الصوري التجريدي المبعثر, والزمان يمتلك حضورا وهيمنة على الانسان في وعيه, ولا سيطرة من الانسان على الزمن لا في وعيه ولا في غير وعيه في اللاشعور…..

وعدم حاجة عقل الانسان للزمان في حالة اللاوعي بسبب أن الزمن في حضوره بالاحلام وغياب الوعي يكون حضورا غير منتظم وعشوائي كما ذكرنا سابقا….والزمان في حالة اللاشعور هو حالة من التداعي الصوري المتداخلة في عشوائية في مرور صور الاشياء مكانيا في ذهن الحالم التي لا ينتظمها أدراك الزمن لها…, ومكانية الاشياء تكون هي الاخرى بالاحلام وغياب الوعي مشوّشة في تعدد وتوالي صور الاشياء وتداخلها مكانيا على شكل قطوعات صورية لا وصاية ولا حضور للزمن عليها في الذهن اللاشعوري الاسترجاعي من الذاكرة في تنظيمها, بل يكون في تداخل زمني عشوائي لا يستدل على تنظيمه صور تداعيات الاشياء والامكنة في أحلام النائم كما هوالحال على خلافه في المدرك الزماني شعوريا في اليقظة….,الزمان المنتظم في حالة الشعور الطبيعية عند الانسان في اليقظة هو وسيلة أدراك العقل الاشياء منتظمة بفضل تنظيم الادراك الزماني لها قبل توصيلها كمدركات حسّية أو غير حسية للعقل ومن بعده الدماغ فالذهن تحديدا…وفي حالة غياب الشعور اثناء النوم لا تتوفر للعقل قدرة أدراك الاشياء في طبيعتها المنتظمة في غياب زمن أدراكها تنظيميا.

أن حدس أو أدراك الانسان لموجودات الاشياء مكانيا تصبح لاغية وحالة من غياب الادراك العقلي لها في تغييب الزمان أدراكه الاشياء في مكانها بأنتظام قبل نقلها الى الدماغ أو العقل والوعي الذهني بها………لذا يكون الزمان في حالة الوعي والشعور الطبيعي هو نظام مدركات الاشياء زمنيا الذي تفتقده هذه المدركات في حالة حضورها في اللاوعي المجرد من الزمن الادراكي النظامي لها في الاحلام.

أن الاختلاف هنا بين أدراك الزمان للاشياء, وأدراك العقل للاشياء مكانيا أن جاز لنا التفريق بينهما هو أن الزمان في أدراكه وجود الاشياء يلغي ملازمة مدركه الزماني للشيء مع مدركه المكاني له كما يرغب ذلك الادراك العقلي للانسان, بمعنى أن الادراك العقلي للاشياء يتم مكانيا مجردا من زمن الادراك بخلاف الزمان الذي يدرك الاشياء مكانيا في زمنها وليس في وجودها في حيّز مكاني محدود يشير لها… أن الزمان الذي يدرك الاشياء بمعزل عن العقل أنما يدركها زمانيا فقط والعقل يدركها مكانيا فقط بوسيلة توصيل الزمن لها,…. لذا نجد أن الزمان يدرك الثابث والمتحرك مكانيا من الاشياء بآلية واحدة في لحظة واحدة هي خاصية أدراك الزمان للاشياء بعيدا عن فهم الادراك العقلي المكاني لها الذي يمنحه الزمان للعقل في أدراكه وجود الاشياء مكانيا مجردا من الزمان الادراكي لها,…. والعقل على خلاف الزمان لا يدرك من الاشياء زمانيتها بل يدرك وجودها مكانا أو موضوعا مدركا بالذهن في حالة تجريد العقل فهم الاشياء من وجودها المادي المكاني لمعالجتها وفهمها وتفسيرها بمقولاته….وفي هذه النقطة بالذات يكون للزمان أولوية أدراكية على العقل في أمتلاكه القدرة على منح العقل أدراك الاشياء مكانيا بوسيلة الزمن غير المدركة عقليا كموضوع بل كوسيلة أدراكية للاشياء,… والزمان الادراكي يعلو على العقل الادراكي ويسبقه في الاولوية, وبغير الزمان لا يمكن للعقل أن يعمل لا في أدراكه المحسوسات ولا في أمكانية معالجتها ويتوقف أدراكه للاشياء كليّا…ولنا توضيح أكثر لاحق لهذه المسألة..

العقل لا يستطيع أدراك الاشياء في وجودها المادي مكانيا بغياب أولوية أدراك الزمان لها قبل الحواس والجهاز العصبي والعقل, والمدرك مكانا هو ما يمّثل كل وعي العقل بالشيء المدرك, ومدرك العقل لا يسحب معه زمانية ذلك المدرك بل يفهمه العقل كوجود موضوعي مكاني مجردا من زمانيته…  

..وأدراك العقل يهمه معرفة الاشياء في وجودها كمواضيع للادراك ألمتعيّن انطولوجيا وليس في زمانيتها المغيبّة التي هي وسيلة العقل لادراك الاشياء في متخيل مكاني فقط مجردا من حدس العقل حضور الزمن أو لا حضوره كملازم ضروري في جعل الزمان المدرك للعقل هو مدرك مكاني فقط كما يرغبه ويريده العقل… فمعالجة المدركات بالعقل لا تحتاج زمانية أدراكها بل يحتاجها كموضوعات موضوعية موجودة مكانا كمتعيّن مادي , في حين يعجزالعقل عن جعله أدراك الزمان موضوعا للادراك بل الزمن هو وسيلة العقل في أدراكه وجود الاشياء في مكانيتها فقط…العقل لا يحتاج الزمان بعد توصيله أدراك الاشياء بالذهن ومحاولته معرفتها وأخضاعها لسلطة العقل النقدي لها وتفسيرها وفهمها… وفي هذه العملية لا يحتاج (الذهن) حضور الزمان كمدرك تعريفي للاشياء , والعقل لا يحتاج الزمن في تفكيره المجرد لكنه قطعا يحتاج مدركات متعينة مكانيا في الذهن تجري معالجتها كمواضيع للادراك منقولة له عبر الحواس في وعي الزمان لها وتنظيم أدراكها قبل وعي العقل بها…….وفي هذا تكون أسبقية الوعي الزماني للاشياء على مدركات العقل لها أنطولوجيا.

لماذا يحتاج العقل الزمان في أدراكه الاشياء مكانا؟ ألا يمتلك العقل آلية غير أعتماده الزمان في أدراكه الموجودات والاشياء مكانيا في وجودها الخارجي فقط بلا زمن يداخلها؟

الجواب على هذا التساؤل فيما نراه هو طالما لايكون أدراك الاشياء مكانا الا بواسطة وسيلة الزمان, لذا لا يكون بمقدور العقل الاستدلال في وعيه الاشياء وأدراكه لها كموضوعات بمعزل عن أدراكها الزماني , أذ لا يوجد أدراك عقلي للاشياء مكانا قبل أدراك العقل لها زمانا…. وهذا يتم في عملية التخارج الخارجية التي تربط الزمان والعقل في عملية الادراك للاشياء في وجودها الانطولوجي المستقل …

أما داخل الذهن فالعملية تختلف بعد أدراك العقل للاشياء وأستلامها عن طريق الحواس والجهاز العصبي والادراك الزمني لها, فالاشياء تصبح داخل الذهن مواضيع أدراكية لا يحتاج فيها العقل الزمان في معالجته لها وأنما يحتاج صور الاشياء بالفكر واللغة فقط المجردين عن قالبي الزمان والمكان معا …

اشكالية تداخل العقل والزمان في عملية الادراك

ماذكرناه قبل أسطر يضعنا في أشكالية جوهرية هامة جدا, هو كيف يكون الزمان وسيلة أدراك تنظيمية للاشياء والموجودات قبل توصيلها للعقل, في وقت أن الزمان وسيلة أدراك عقلي لا يعرف العقل الادراكي كنهها ولا ماهيتها هذا من جهة , ومن جهة أخرى الزمان فعالية ووسيلة أدراك ألاشياء وتوصيلها للعقل في وقت هو أي الزمان معطى قبلي أدراكي للعقل لا يعي ذاته وربما لا يعي ما يقوم به في عملية الادراك العقلي للاشياء؟ وربما يكون دور الزمان في أدراك الاشياء أفتراضا مغلوطا, وهذا غير صحيح ولن يكون لأستحالة أدراك العقل الاشياء بالحواس كموجودات مكانية فقط من غير ملازمة ذلك الادراك الحسّي زمن أدراكها….

وهذا يجعلنا نذهب ونلوذ الى ترجيح مفهوم كانط للزمان أنه معطى قبلي في الذهن سابق على أي وجود أو أدراك عقلي من دونه….. ومن هنا يكون الادراك الزماني للاشياء سابقا على أدراك الحواس والعقل للاشياء على الاقل في تراتيبية الادراك بدءا من الحواس وانتهاءا بالدماغ والذهن عبر منظومة الجهاز العصبي المعقدة, والزمان لا يعي الاشياء في أدراكها ألا بتوجيه مسّبق من العقل في الوصاية عليه وتوجيهه كوسيلة في الادراك لكنه يبقى الزمان لا يشكل موضوعا للادراك من قبل العقل أي لا يفهم العقل ماهية الزمان أكثر من الحدس الاستدلالي به في معرفة الاشياء…

ويبقى الادراك الحسي للاشياء زمانيا سابقا أدراك العقل لها تجريديا مكانا, وهذا تحليل تراتيبي فكري فلسفي منطقي مجرد لا يلزم العلم الأخذ به لما تحتويه عملية الادراك من تعقيد يشترك به وجود الشيء والاحساس به وكذلك تداخل كل من الزمان والعقل عبر الجهاز العصبي المستقبل والموصل للادراكات الى المخ.

ويبقى التساؤل المحيّر قائما ومشروعا كيف تكون علاقة تواصل الادراك الزماني للاشياء في ملازمته العقل الادراكي وأيهما أقرب للتصديق لاوعي الزمان في الادراك أم وعي العقل في الادراك وأرتباط الوعي الزماني بوصاية العقل عليه ؟؟ وكيف يرتبط أدراك الزمان مع أدراك الحواس والعقل للاشياء في عملية واحدة؟؟ وأيهما له الأسبقية والاولية بذلك؟؟ وهل ممكنا للزمان أدراك الاشياء بمعزل عن وصاية العقل عليه وتوجيهه؟؟ لا نجد المسألة سهلة تنتهي بأجوبة فلسفية منطقية غير مهتدية بما يقوله العلم بهذا المجال الاشكالي الذي لا يمتلك هو الآخر جوابا شافيا.

وتبقى مهمة البت في علاقة الارتباط الادراكي للاشياء مابين العقل والزمان ووفق أية آلية تتم لا تستطيع الفلسفة ولا المنطق الاجابة الشافية عنه….كما وليس من مهامهما القيام بذلك وأنما تبقى الاجابة على عاتق ومسؤولية العلم الطبي التخصصي في علم فسلجة الدماغ والجهاز العصبي, فالفلسفة في النهاية هي تجريد فكري منطقي لا تخضع منطلقاته ومباحثه الفلسفية الى نوع من التجريب المختبري أو التحليلي العلمي.

قد يكون من السهل علينا معرفة أكتشاف العلم كيف ترى عين الانسان والآلية الفسلجية المعقدة التي تجري بين الضوء والعين والدماغ والجهاز العصبي ومثلها مع بقية الحواس كالسمع والتذوق وغيرهما , لكن نجد من الصعوبة العلمية الأجابة كيف تتم عملية التفكير الوظائفي في الدماغ علميا قبل عجز الفلسفة الاجابة عن ذلك على حد معرفتي!؟ لا أعتقد العلم توصّل الى معرفة ألآلية التي يتم بها تفكير العقل ذاتيا بمواضيعه الادراكية داخل المخ وكيف يقوم بتخليق وتفسير وفهم مواضيعه المدركة قبل أعادتها الى العالم الخارجي مجددا….وسأطرح وجهة نظري في مقاربة توضيحية لهذا اللألتباس الشائك.

العقل والزمان في الادراك الشعوري واللاشعور

الزمان يحتاجه العقل في أدراكه الوجود والطبيعة والاشياء المادية الموجودة بالمحيط الخارجي, ولا يحتاجه في حالة تخليق الذهن للاشياء في الدماغ, الدماغ يفكر في صور الاشياء في رمزية اللغة وتعبير الفكر عن الوعي الذهني بهما… ولا يحتاج العقل الزمن النظامي في اللاوعي أثناء النوم والاحلام حيث ترتبط تداعيات صور الاشياء بنوع من عشوائية وتداخل المكان والزمان في قطوعات عشوائية مبهمة يقوم عليها اللاشعورفي غياب الادراك العقلي المنّظم لها, ولا يحتاج العقل الزمان أيضا في حالة أتمام العقل وصول مدركاته للاشياء الى الذهن في صورها المكانية وليس في ملازمة الزمان تفكيرالذهن لها,… العقل لا يقوم بالتفكير الذهني بالاشياء كموضوعات بالزمان تجريديا, أي الزمان ليس وسيلة من وسائل تفكير العقل بل هو وسيلة لأيصال مدركات الاشياء للعقل فقط… والعقل يقوم بمعالجة مدركاته في تعينّها كمواضيع والزمان ليس موضوعا ولا من ضمنها, علاقة الادراك الزماني للاشياء بالعقل التخليقي لها هو في توصيل الزمان مدركات العالم الخارجي له فقط كما هي وظيفة الحواس…. العقل ذاته لا يدرك تداعيات صور الاشياء الذهنية في حلم الانسان أثناء نومه في غياب تنظيم الزمان لاشعور الانسان من جهة وأختلاطات الصور الذهنية مكانيا من غير تنظيم زماني لها من جهة أخرى…..وسيلة العقل في التفكير بالاشياء في الذهن هو الفكرالمجرد واللغة الصورية فقط وليس الزمان كوسيلة أدراك من ضمنها….تفكير العقل الذهني لا يحتاج الزمن الادراكي للاشياء بل يحتاجها موضوعات مكانية يجري تجريدها في الذهن عند معالجة العقل لها بمقولاته المعرفية والتفسيرية.

ومدركات تداعيات صورالاشياء أثناء نوم الحالم في غياب الوعي أنما يدركها عقل الانسان الباطني اللاشعوري في عشوائية تلغي تحقيب الزمان أو توقيتاته المعتادة في تنظيم عالم الاشياء الخارجي في مرجعية الزمان للعقل, كما وتلغي عشوائية تداعيات صور اللاشعور أثناء النوم, وعدم تنظيم صورالمكان المتداخلة زمانيا – مكانيا في أستلام عقل النائم لها من ذاكرة الحالم فقط في أثناء لاوعيه,.

مجمل وعديد من صور الاشياء يتحرر فيها اللاشعور من وصاية أدراك الزمان والمكان لها في أشكال من تداعيات الموضوعات التي يستلمها اللاشعورعند النائم في أنسيابية ودون ترابط بينها أغلب الاحيان بأختلاف أن فهم العقل للاشياء وأدراكها في وجودها المادي الخارجي يكون شعوريا منظّما لأن مدركات الزمان لها يكون منتظما, وهو غيره نجده في تراجع دور العقل الواعي الذي يكون مقيّدا وبلا وصاية مؤثرة أثناء مرور تداعيات صور الاشياء في اللاشعور الذهني عند النائم التي لا وصاية للعقل عليها في أدراكها منتظمة غير مشّوشة وعشوائية وأن كان عقل الحالم حاضرا أثناء تداعيات صور الافكار والاشياء بشكل أدراكي غير منتظم بسبب غياب الزمن الادراكي المنظم.

الانسان لا يدرك الزمان وجودا ماديا ولا مدركا حدسيا كموضوع في الذهن, في حيويته وأهميته في حالة وعيه الحدسي به في أستدلال العقل لأدراكه موجودات الطبيعة في وجوداتها المستقلة, ولا يدرك العقل الزمان في اللاشعور أثناء النوم, كذلك الزمان لا يدركه اللاوعي في ثباته وسكونه أثناء النوم….,فالعقل شغّال من غير تنظيم أدراكي للاشياء في غياب الادراك الزماني اللاواعي أثناء النوم بسبب أن العقل لا يدرك نظام وتنظيم مدركاته من دون أن يقوم الزمان بهذه المهمة قبله أو بعده لا فرق بذلك فتنظيم الادراك بين العقل والزمان مشتركة وليس مهما معرفة الاسبقية الادراكية لأي منهما على الآخر…., كما أن العقل شغّال أيضا غير مفارق ذهن الانسان في حالتي الوعي واللاوعي, أي أن الزمان المنظّم لا يدرك حالة اللاوعي عند الانسان أثناء النوم في الاحلام, ولا يتدّخل بها كما هي الحال في تداخله مع وعي الانسان وأدراكه موجودات الطبيعة من الاشياء في اليقظة,.

وحالة الوجود اللاوعي أو اللاشعور عند الانسان لا يدركها العقل ولا الزمان في نفس آلية أدراكهما المنظّم تجليّات وعي الانسان في أدراكه أشياء الطبيعة والوجود الواقعي باليقظة الذي تتظافر به مجتمعة معطيات الحواس, والجهاز العصبي الناقل, وتعبيرات اللغة والفكر والدماغ في أدراك الاشياء وأعطاء تفسيرات لها…وكل هذه الفعاليات البيولوجية المعقّدة المعجزة تكون معطّلة في غياب فاعلية الزمان أدراكه الاشياء في وجودها المادي المستقل في الطبيعة وعالم الاشياء…..العقل كما هي الحواس أيضا تحتاج الزمن الادراكي لنقل فعالياتها الادراكية الى ذهن الانسان…ولا أدراك للاشياء في غياب زمن أدراكها, والحواس لا تدرك الاشياء من غير أدراك زماني ملازم لها متطابق معها في الادراك….

الزمان في حال كونه معطى أدراكيا قبليا ثابتا في الذهن كوسيلة أدراك العقل للاشياء كما يذهب له كانط, أو كونه ديناميكية شغّالة يعتمدها العقل ترتبط بالحواس والمعطيات الادراكية المنقولة الى العقل أو الذهن فهو في كلتا الحالتين يكون الزمان حدسا في ملازمته الضرورية الوعي في تجليّاته الفكرية وليس موضوعا للادراك, ولا يدرك النائم الحالم الزمان في حالة اللاوعي عنده… كما أن ألزمان لا يدرك ذاته بأختلاف حالتي وعي الانسان أو اللاوعي الحلمي في محاولته أدراك ذاتيته المغيبّة وسط تداعيات مخيّلة الذاكرة التي يستلمها اللاشعور في عشوائية من التداعيات وانتقالات خارج الزمان والمكان المدركان في حالة وجود الانسان ضمن الطبيعة…أي أن النائم يخرق قوانين الطبيعة في أحلامه من دون وعيه وأرادته. وخرق قوانين الطبيعة لا يتم الا في تغييب الزمن وهذا متحقق في غياب الوعي عند الحالم….

وفعلا تبقى مقولة فرويد أن اللاوعي لا يحتاج الزمن أو هو متحرر منه صحيحة  فالانسان لا يتحرر من سطوة الزمان عليه الا في حالة اللاوعي أو اللاشعور أثناء النوم والاحلام التي تتداخل فيها صور الاشياء بالذهن من غير زمن ينتظمّها,  ويكون فيها اللاشعور في أوج فعاليته المتحررة في غياب وصاية الزمان التنظيمية لهذه الصور المتقافزة بالذهن في عشوائية نجدها في الاحلام مثلما لا نجدها في وصاية الزمان على الشعور والوعي في اليقظة وقيامه تنظيم المدركات الحسية والعقلية.

الزمان لا يشتغل الا مع وعي الانسان المتبادل معه حدسا أو أدراكا أستدلاليا في معرفة الاشياء والوعي بها…. بفارق أن الزمان يدرك الانسان كوجود في الطبيعة حاله حال جميع أدراكات الاشياء المحيطة به كمواضيع أدراكية له, لكن الانسان لا يقوى على أدراك الزمان كموضوع له سوى من خلال حدس تجليّاته الاستدلالية في أدراكه ألاشياء المنقولة للعقل عبر معطيات المدركات الحسية المادية للاشياء… كما لايستطيع الانسان أدراك الزمان في حالة اللاوعي أيضا كما هو الحال عند الانسان الحالم في تداخل المكان والقطوعات الزمنية غير المنّظمة المرافقة عنده من دون حضور الزمان المنظّم في تحقيقه وعي الانسان بذاته وفي محيطه في غياب لاشعور النائم وتداعيات صور الاشياء عشوائيا بالذهن الحالم.

أن اللاوعي في مفهوم علم النفس هو وعي مغيّب الحضور على مستوى تغييب الادراك العقلي له زمانيا, واللاوعي مرادف اللاشعور, لذا يكون اللاوعي أو اللاشعور الحلمي أثناء النوم وجود مفارق للواقع الزمني والمكاني, يلغي الحدود التي يضعها الشعور الافتراضي في تحقيب الزمن تاريخيا الى ماضي وحاضر ومستقبل وفي توقيتاته الزمنية في التقويم الزمني المعتاد المتواضع عليه في تقسيم اليوم والساعة والليل والنهار والفصول وغير ذلك أيضا.

 في اللاشعور أو اللاوعي عند النائم لا يدرك الانسان ذاته ولا يدرك المحيط من حوله لأنه حالة ثبات في أنعدام الزمن المنظّم الواجب في ملازمته صور تداعيات الاشياء مكانا عند الشخص الحالم, ولا يمكنه أدراك متغيّرات صورية متداعية لا ينتظمها الزمان المنظّم للاشياء الصورية الحلمية وفي ترتيبه قطوعات المكان , بخلاف آلية الزمان الادراكية في وعيه الاشياء والطبيعة كما هي في حالة اليقظة, عن طريق نقل الزمان الذي يعتبره كانط أدراكا مقولبا ثابتا في العقل وسابق على وجود الاشياء, ونقله معطيات المحسوسات للذهن التجريدي, فاللاشعور في ثباته لا يدرك الزمان منتظما توقيتا أو تحقيبا تاريخيا, ولا يدرك المكان وجودا منتظما لأنه محكوم بزمن غائب ومتغير ومكان خارق لقوانين الطبيعة في تداخله مع تداعيات صور الاشياء بذهن النائم الحالم , عليه يكون تداخل التحقيب الزمني غير وارد ولا حاصل مع أدراك اللاشعور لصور الاشياء بأشكال مختلفة عنها أثناء النوم بالمقارنة في حضور أدراك الاشياء المادي الواقعي في حضور وتأطيرأدراك الاشياء بانتظام زمني وأنتظام مكاني معا,.. هنا نؤكد لما سبق أوضحناه أن المكان في غياب أدراك الزمان له غير موجود الا في وجوده المستقل في الطبيعة كمتعين مادي ولا وجود ادراكي له بالذهن قبل أدراك الزمان له وتنظيم الوعي به…. العقل عاجز عن أدراك الاشياء قبل أدراك الزمان لها…, ووجود الشيء مكانا في الطبيعة لا يمنح العقل أدراكه له من غير أدراك زمني له يزامنه في تسهيل مهمة العقل أدراكه.   واللاشعور يدرك وجود الاشياء وأجترار الذاكرة الصور القصّية البعيدة والقريبة في عشوائية ذهنية مكانية حالمة لا يداخلها الزمني في حلم غياب الشعورأثناء النوم…أدراك الاشياء مكانيا في اليقظة وحضور الشعور أنما هو (زمن) حدسي قبلي يأتي بعد وجود الاشياء في العالم الخارجي المحسوس, وبعد أدراك العقل لها وأستقرارها في الذهن يعطي الذهن صحة مدركاته الاشياء في تنظيم ألوعي المعرفي بها في تداخل الادراك بين الزمان والعقل.

والانسان في وعيه الادراكي الشعوري الواقعي لذاته, وفي أدراكه وجود الاشياء من حوله في الطبيعة, أنما يتم له ذلك من خلال تحقيبه الزمن أدراكيا في وجود الاشياء وفي التوقيتات الزمنية بدءا من الساعة واجزائها وتعاقب الليل والنهار وليس أنتهاءا بتعاقب الفصول الاربعة. وبذلك تكتسب الاشياء أنتظام وجودها الزماني – المكاني في الطبيعة وليس في اللاشعورالذي يكون فيه حضور الزمن غير منتظم وغائب تقريبا.

أن أي تجزيء توقيتي للزمن أو تحقيب تاريخي له أنما هو عمل أفتراضي لا واقعي لزمن واحد يعيشه الانسان في وعيه الشعوري وأدراكه وجود الاشياء والتاريخ, ويتعذّر على الانسان تجزئة الزمان أو التقسيم أو التحقيب التاريخي في زمان مدرك كموضوع وأنما كقطائع أفتراضية واقعية, كما يعيشه الانسان فقط كوسيلة في تنظيم مدركاته الاشياء في الطبيعة وليس في أدراك الزمن (بذاته) أو معرفة الانسان ماهيته فالزمن ليس موضوعا للادراك ولكنه وسيلة العقل في الادراك كما أشرنا له أكثر من مرة…. ألزمن لايدركه الانسان ولا يحس به وأنما يحدسه عقليا فقط في أدراكاته ونتائجه الاستدلالية وفي ملازمته الشعور فقط وليس اللاشعور…الزمن في تنظيم الانسان له على مدار الساعة وانتهاءا بالتحقيب التاريخي له ماض وحاضر ومستقبل, أنما هي عملية يقوم بها الانسان في تنظيم مدركاته للاشياء والوجود انطولوجيا وليس تنظيم الزمن في علاقته بالمكان في الطبيعة.

والزمن واحد في تداعيات صور الموضوعات غير المنتظمة في أستقبال ذهن الانسان وذاكرته في أنتظام أدراك الاشياء عقليا…فالزمن ثابت ولا يتغير لافي ثبات الاشياء مكانيا ولا في تغيراتها زمانيا بالنسبة لادراك الانسان للاشياء وليس أدراك الزمان لها ,… فالزمن لايعي ذاته ولا يعي دوره في تحقيق مهمة العقل أدراك الاشياء…والزمن يدرك حركة الاشياء في سيرورتها ولا يدرك الاشياء في ثباتها المكاني الافتراضي كما ذهب له كانط , فثبات الاشياء المكاني في أدراك الزمان لها هو في واقعه الحقيقي أدراك الاشياء زمانيا فقط ليس بالنسبة لأدراك العقل وليس لأدراك الزمن, بمعنى الزمن وسيلة أدراك الموضوعات والاشياء في زمانية هي خاصيته في أحتوائه الاشياء كمدركات مكانية ينقلها للعقل , وبالحقيقة المثبّتة صحتها علميا أنما يكون الزمن بهذه الحالة في أدراكه مكانية الاشياء في مهمة تسهيل أدراك العقل لها هي مدركات ألزمان لذاته فقط ويكون وجود الشيء مكانا أنما هو مدرك زماني…أمام هذه الحقيقة العلمية ذهب برجسون الى تخطئته العلم بمنطق الفلسفة الخاطيء.(تراجع مقالتنا بعنوان كانط والمعطى القبلي للزمان والمكان).

الزمان يدرك ذاتيته المرتبطة بالعقل ولا يدرك الاشياء في وجودها المكاني المستقل الا بأستثناء أفتراضي أن يكون الزمان مدركا عقليا يسيّره العقل كيفما يشاء ويريد.. وأنه ليس هناك زمن لا تكون فاعليته من غير عقل أنساني يسيّره….وهذا خلاف المنطق الفلسفي والعلمي فالزمان وجود قبلي في ملازمته حدس العقل الانساني له, والزمن يعمل في الطبيعة كواحد من قوانين الطبيعة المستقلة التي لا قدرة للانسان في السيطرة عليه سواء أدركه الانسان أو لم يدركه, فالزمن قرين وجود الطبيعة قبل أن يكون قرين وجود الانسان في تكوين معارفه وتشكيل وعيه….

وبالعودة مجددا الى مقولة فرويد, نجد غياب الزمن في اللاوعي أو في اللاشعور لايتم الا في فقدان الانسان شعوره المادي الواقعي بالحياة كوجود انطولوجي, كذات وموضوع معا, بمعنى أن حلم النائم هو موت مؤجل في الحياة يعيشه الانسان في لا شعوره به أثناء النوم بفارق بقاء ألعقل والنظام البايولوجي يعمل في الجسم أثناء اليقظة وأثناء النوم ولا يتوقف العقل عن حضوره الواعي والتفكيري الا بعد ممات الانسان.

وفي غياب الزمن التوقيتي أو التحقيبي أثناء النوم كما يجري في الاحلام تتوفر أمكانية أن يجد الانسان نفسه كائنا خارقا لقوانين الطبيعة,ويستطيع بكل يسر وسهولة وبغير أرادة مسبقة منه القيام بالخوارق في كسر قوانين الطبيعة في الزمان والمكان الذي نعيشه, والتي يستحيل على الانسان في عالمه الواقعي القيام بأبسطها في وجوده الطبيعي الشعوري, والسبب في هذا هو غياب الزمن في تنظيم تداعيات اللاشعور في صور الاشياء المتقافزة عشوائيا في الاحلام .. .. .أن خرق قوانين الطبيعة في الاحلام عند الانسان ممكنة الفعل والتصديق بها من قبل الفرد الواحد صاحب التجربة الحلمية, ولا يشابه هذا خرق قوانين الطبيعة التي يحتازها الانبياء وينسبوها لأشخاص يمتلكون بعضا من المعجزات كما في الاساطير الدينية على الارض, ويتم خرق قوانين الطبيعة عند غالبية الاشخاص زمانيا – مكانيا أثناء الاحلام, وبلا حدود واقعية فارقة تعودوها واستمدوها من وجودهم الارضي الواقعي الذي ينتظمه الشعور والادراك الواقعي الحسي العقلي وتنظيم الزمان لمدركات الاشياء… كما يتحقق للانسان أثناء النوم أن يعيش الزمن في بعد واحد فقط تتداخل فيه الامكنة غير المترابطة ولا المنتظمة زمانيا فأدراك الاشياء منتظمة لا يتم من غير ملازمة الزمان أدراكها والوعي بها , ولا يوجد هناك أكثر من بعد زمني واحد عشوائي تتداخل فيه صور الأمكنة الماضية بالحاضر والمستقبل المتخّيل في الاحلام… وأن تقسيم الزمن وتحقيبه هو من أبتداع ملكة الانسان العقلية والخيالية على السواء في تنظيم أدراكاتنا وأساليب حياتنا المتواضع عليها عبر العصورفي خضوع الانسان لتحقيب وتوقيتات الزمن التي أبتدعها وأوجدها ملائمة لتنظيم حياته في حدس الزمان وليس في أدراكه, ولم يكن الانسان في يوم ما مسيطرا على الزمن في تحقيق رغائبه وأمانيه, بل العكس هو الصحيح تماما فلا يقدر الانسان الفكاك من سطوة الزمن عليه وأستعباده له منذ الولادة وحتى الممات , فالانسان في تحقيبه الزمن تاريخيا وتنظيم مواقيت التقويم الزمني له يدرك ماذا يفعل مكانا وليس زمانا , بينما تكون سيطرة الزمان على الانسان عملية لا تعي ذاتها ولا تعي مايفعله الانسان بها ولا تدرك أن الانسان عبد لزمانه وليس سيدا عليه .

علي محمد اليوسف /الموصل

شاهد أيضاً

الأخلاق والحياة: مهمة الإنسان الاخير – المقالة الثانية

بقلم: ادريس شرود “ليس الدّين مجرّد تقنية من تقنيات الآخرة، بل يمكن أن يكون أحد أنبل أشكال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *