عصر وسيط جميل[1]

محمد بولويك

تأتي هذه المساهمة لتسليط الضوء على إشكالية التحقيب التي استأثرت اهتمام العديد من المؤرخين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، فإذا كان التحقيب هو إعادة بناء أحداث التاريخ وقولبتها زمنيا وفق مدلول معين، تتحكم فيه عوامل إيديولوجية وسياسية وقومية، كما تفرضه التطورات الفكرية والمنهجية التي تعرفها الابيستيمولوجية التاريخية، فإن هذه العملية تبقى بعيدة عن الحياد والموضوعية اللازمتين. ولصياغة تحقيب ما يستلزم تضافر ثلاثة عناصر رئيسية كما يقر الباحث محمد حبيدة: أولا الفرضية؛ أي أن التحقيب ليس أمرا نهائيا ومن ثم يبقى قابلا للمراجعة على ضوء موضوعات الدراسة، ثانيا النسبية وهذا ما يفسر تعدد المقولات والمناهج والإشكاليات، ثالثا التغير بحكم تطور البحث التاريخي[2]. وعليه فقد وقع اختيارنا على حقبة العصر الوسيط الأوربي كحقبة نعتت بأقدح النعوت حتى صارت كناية على التخلف الفكري والتحجر العقلي، حيث تشير الإسطوغرافيا الوسيطية إلى أن الدراسات الأولى لمفكري النهضة وفلاسفة الأنوار التي اهتمت بهذه الفترة هي التي نعتت العصر الوسيط “بعصر الظلمات”، كفترة ساد فيها الجهل والانكماش الاقتصادي وسيطرة الكنيسة والحروب والمجاعات والأوبئة، ويمكن تفسير ذلك:

 أولا: بقصور البحث التاريخي، إذ “أن المهتمين الأوائل بالعصر الوسيط لم يقيموا أحكامهم على أساس استقصاء معمق للوثائق، مما جعل أبحاثهم سطحية، تغلب عليها أحكام القيمة أكثر مما تستند إلى الموضوعية[3].

وثانيا: بالتوجه الإيديولوجي لفلاسفة النهضة والأنوار، حيث “حاولوا إظهار عصور ما قبل الثورة الفرنسية كعصور انحطاط وربطوا التقدم بصعود البورجوازية بأسلوبها الرأسمالي وفكرها العقلاني[4].

 لكن مع تطور البحث التاريخي في سياق محاولة إيجاد منفذ لعلمية التاريخ ضمن العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر، برزت كتابات اهتمت بإعادة كتابة التاريخ الوسيطي الأوربي، حيث اختلفت هذه الكتابات أولا في تسمية هذه الحقبة، فتارة تُسمى “الغرب الوسيطي”، وتارة يُطلق عليها “الغرب المسيحي”، كما تنوعت الآراء ثانيا في التحديد الزمني لبداية ونهاية هذه الحقبة، بحيث “لم يحصل شبه اتفاق حول بداية ونهاية الوسيط، وبالتالي نهاية القديم وبداية الحديث، إلا في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي[5]، إذ اعتبرت الإسطوغرافيا الأوربية مؤشر بروز القبائل البربرية الجرمانية على الساحة الأوربية وسقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن 5م بداية للعصر الوسيط، أما فيما يخص نهايته “فإن العصر الوسيط يكون قد انتهى بنهاية السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر[6].

ومع تأسيس مجلة الحوليات في بداية القرن العشرين بفرنسا من قبل المؤرخان لوسيان فيفر ومارك بلوك، تغيرت أساليب البحث والمناهج التاريخية معيدة طرح إشكالية التحقيب وفق تصور جديد لمفهوم الزمن التاريخي، وفي هذا السياق جاءت أطروحة مؤرخ الذهنيات جاك لوغوف عن حقبة العصر الوسيط، لنقد الصورة السلبية التي ألصقها فلاسفة الأنوار بهذه الحقبة، الذين استندوا إلى تحقيب ديني _ إيديولوجية المراتب الثلاث؛ محاربون، متعبدون، كادحون_ كمرجعية لطرح التحيقب الثلاثي الكلاسيكي السائد لحد الأن، حيث “وظفوه وحوروا اتجاهه ومعناه، فجعلوا من العصر القديم الذي كان عند المسيحيين عهد ظلام وغواية، عهد تقدم وازدهار وحرية، ومن الوسيط الذي كان عند المسيحيين فترة إنقاذ وتحرر، عصر انحطاط وتقهقر وأسر وظلام، أما العصر الحديث الذي يبدو للمسيحيين عهد جهالة وكفر، فإنه يمثل في نظر فلاسفة الأنوار نقطة تحول في تاريخ البشر، واستئناف مسيرة التقدم والتحرير”[7]، فواضح أن مدلول هذا التحقيب كان يحمل بصمات عصر الأنوار، عصر الفلسفة والعقل، وقرن حيازة البرجوازية على السلطة وحاجتها إلى أسس فلسفية وفكرية وقواعد قانونية لتثبيت سلطتها وتقويض نسق الإقطاع الوسيطي.

وعلى هذا الأساس أعاد جاك لوغوف رائد الأنثروبولوجيا التاريخية قراءة التاريخ الأوربي الوسيط وفقا لإشكاليات جديدة ولفهم جديد لمفهوم الزمن، حيث يقول عنه “أظن أن ما نحاول فهمه هو أن العصر الوسيط الحقيقي كان في نفس الوقت عصرا للظلمات وعصرا ذهبيا نظيفا انتهى مع القرن 19م[8]، هذه الرؤية جعلته يراجع التحقيبات السائدة، خاصة الدينية والسياسية التي يصفها بالمتشائمة واللاموضوعية، وصاغ بالمقابل تحقيبا جديدا بالاعتماد على مفهوم الأمد الطويل كبنية وعلى تغير العقليات كمحدد للانتقال من حقبة لأخرى.

ففي مسار كشفه عن جمالية العصر الوسيط من داخل الصورة السوداوية التي رسمت عنه، تتبع لوغوف أهم فترات الازدهار ضمن عصره الوسيط الممتد، الذي “عرف تطلعا كبيرا نحو الطبيعة والسلم والعقل”[9]، ومما يؤكد هذا الطرح صيغة عنوان كتابه “حضارة الغرب الوسيطي” الذي شكل نقلة نوعية في تعامله مع العصر الوسيط، فالحضارة عامة تنطوي على عنصر إستيتيقي تجلى بوضوح في المدينة محتضنة الحضارة. وفي هذا المقال سنسلط الضوء مع جاك لوغوف على حقبة ” العصر الوسيط الجميل“؛ هذه الاشراقة تطابق زمنيا القرن 13م، وأكثر دقة “المائة عام الأولى التي تبتدئ في منتصف القرن 12م وتنتهي عند نهاية حكم سانت لويس حوالي سنة 1260م[10]. عرفت أوربا خلالها انتعاشة اقتصادية وتجارية مهمة، ونموا حضريا واكبه انتشار المدارس والجامعات، وبروز فئة البرجوازية، الشيء الذي سمح بالحديث عن أوربا الجميلة؛ أوربا الحضرية والتجارية والجامعية.

أولا: أوربا الحضرية

        تعتبر المدينة في العصر الوسيط إرثا إغريقيا، استمر رغم سيادة ظاهرة الأريفة في العصرين القديم المتأخر والوسيط الأعلى، إلا أن هذه المدينة عرفت تغيرات جذرية مست وظيفتها ومرفلوجيتها، وكذا طبيعة الفئات الاجتماعية التي أصبحت تقطنها، فالمدينة “مجتمع متحرك في حدود مجال ضيق يقع وسط مساحات ممتدة قليلة السكان، وهي فضاء للإنتاج والمبادلات، تختلط فيه الحرف بالتجارة اللتان يغذيهما اقتصاد نقدي، كما تسود في المدينة منظومة قيم خاصة تنبثق منها الممارسة الجادة الخلاقة للعمل وحب ممارسة التجارة وكسب المال، وميل نحو الترف وإحساس بالجمال، وهي كذلك تنظيم لمجال مغلق تحيط به أسوار…يظهر فئات هذا المجتمع المتمدن وكأنه تخلى عن الزمن التقليدي الذي كانت تضبطه أجراس الكنيسة التي تقرع بانتظام واكتسح زمانا جماعيا تقرع فيه من حين لحين وبشكل منتظم أجراس لائكية تنادي للقيام بانتفاضة، أو تنادي من أجل الدفاع، أو من أجل تقديم يد المساعدة”[11]. أما الحضري أي ساكنها فهو فرد نموذجي متفرد عن سائر أفراد العصر الوسيط “إنه محصلة ثقافة جماعية تساهم في صياغتها المدرسة والساحة العمومية، والحانة، والمسرح، والكنيسة”[12].

برزت المدينة بشكلها الجديد هذا ابتداء من القرن 13م، مشكلة قطيعة نسبية مع مدينة العصر القديم التي كانت “مركزا سياسيا وإداريا وعسكريا وعلى نحو ثان اقتصادية”[13]، حيث أصبحت تقطنها فئة اجتماعية غير خاضعة للأعراف الفيودالية وما يترتب عنها من روابط التبعية، عرفت في تاريخ أوربا بالبرجوازية. فإذا كان الأسياد قد بنوا سلطتهم وثروتهم في القرى على أساس الحرب والأرض، فان هذه الفئة الجديدة قد اشتغلت من داخل المدينة بالتجارة ونظمت الحياة الاقتصادية على الحرف والأسواق واستعمال النقد، لتتقلد مدينة القرن13م  الوظيفة التجارية “لأنها كانت من صنع التجار بالأساس”[14]، فأصبحت مراكز إنتاج نتيجة تحول الورشات الحرفية إليها من دومينات الأرستقراطية، ومراكز استهلاك كذلك بحكم تزايد ساكنتها، كما أضحت مجالا للمبادلات باحتضانها للأسواق والمعارض.

وقد عرفت المدينة تغيرا كبيرا في مورفلوجيتها، بحيث تغيرت معظم معالم مدينة العصر القديم، فبلطت الطرق وشقت بها قنوات لتصريف المياه المستعملة، كما تم تزيينها بمجموعة معالم لغايات جمالية، مما يسمح بالقول “بأن مدينة العصر الوسيط غدت أحد المجالات التي تجلى فيها مفهوم الجمال والحضرية”[15]، كما استمرت الأسوار تحيط بها، لكن لا لغرض الحماية كما كان قديما، وإنما لأن الأسوار أصبحت رمزا للمدينة “فالقائمون على الشأن المحلي فيها أصبحوا يستعملون أختاما منقوش عليها شكل يجسد السور”[16].

كان من نتائج استغلال المدن لفائض الإنتاج الريفي واستفادتها من هجرة الفلاحين إليها والاستقرار بها ورواج الأنشطة التجارية والحرفية، أن شهدت المدن اتساعا في مجالها الحضري، فبرزت بجانب المدن الصغيرة مدنا متوسطة وأخرى كبرى، إلا أن المدن الموسومة بالكبر آنذاك لم تصل إلى مستوى مدن الشرق البيزنطي أو الإسلامي، فقد وجدت مدن تجاوزت نسمتها الستين ألف مثلا “بلونيا التي ناهز عدد ساكنتها السبعين ألف، وميلانو خمسة وسبعين ألف نسمة، وفلورنسا التي يحتمل أن يكون عدد سكانها تجاوز المائة ألف بقليل، وباريس التي عدت خلال القرن 13 م أكبر مدن الغرب الأوربي على الإطلاق بحوالي مائتي ألف نسمة”[17].

 وجدير بالذكر أن بعض المدن الكبرى اتخذت كعواصم ومقرات لسلطات سياسية عليا، ولا يجب فهم العاصمة بمعناها المعاصر، فالمدينة رغم اعتبارها عاصمة إلا أن جزء منها فقط هو الذي يسمى عاصمة فمثلا “مدينة لندن لم تكن كلها في نظرهم هي العاصمة، وإنما مدينة ويستمنستر فقط”[18]، كما عدت باريس عاصمة فرنسا منذ سنة 987م بفضل جهود ساستها، لبيد أن مسألة العواصم في العصر الوسيط لم تكن تستند إلى حقيقة تاريخية إلا في حالات نادرة.

وهناك تجل أخر لنمو المدن وتطورها عرف بالمدن-الدول؛ أي دول قائمة بذاتها تميزت بصراع دائم بين القوى الحاكمة لها وبين العائلات الأرستقراطية التي كانت تمارس السلطة بواسطة مجالس تمثلها، ظهرت بشكل جلي في شبه الجزيرة الايطالية. 

هذا، وقد شهدت المدينة في إطار نهضتها تحولا سياسيا كبيرا، فقد شكلت المدن الأسقفية أول نموذج فرض وجوده في أوربا الوسيطية، فوجود أسقف في مكان ما كان مؤشرا على وجود مركز حضري، بحيث كان يعتبر زعيما ومسؤولا عن الشعائر الدينية التي تقام بالكنائس. ومع بدايات القرن 11م ستنتهي هيمنة الأساقفة و الأقماط وستتطور المدن لتتبنى أشكالا من السلط منسجمة مع الأحداث والتغيرات، بحيث تراجع الإشراف العام للحكومات ذات الطابع السنيوري المحض، مقابل توسيع قاعدة الفئات المشاركة في تسيير وتدبير الشأن العام بالمدينة. فقد برز ممثلون جدد من علية القوم وكبار التجار والأفراد الممارسون للحرف الأساسية الكبرى، مما يسمح بالحديث عن ميلاد نموذج ديمقراطي مبكر. ولم يكن لتوسيع قاعدة المشاركة هذه أن يتأتى بشكل سلمي دائما، فقد انتهت انتفاضة سكان مدينة لاوون سنة 1116م باغتيال القمط – الأسقف الذي كان يحكمها، فكانت النتيجة هي استجابة السنايير لضغط المحتجين بمنحهم بعض الامتيازات “فسكان مدينة لوريس مثلا حصلوا على امتياز سنة 1155م، سمي بميثاق لوريس في عهد الملك لويس السابع”[19]، وبعد ذلك اقتدت مدن بعض الدول بهذا الميثاق، ما عدا إيطاليا التي تمتع سكان بعض مدنها باستقلال تام كما أشرنا سلفا، هذه التقلبات السياسية أفرزت الحاجة إلى حقوقيين ورجال القانون بشكل عام، مما شجع على ولوج الجامعات كما سنرى لصقل معارفهم واكتساب القدرة على النظر في جميع القضايا التي أصبحت تطرحها المعاملات والمستجدات في المدن.

عموما، لقد كان وراء هذه النهضة الحضرية التجار أساسا، خاصة اليهود الذين اشتغلوا مبكرا بالتجارة والتعامل الربوي، وكذلك رغبة القادة السياسيين، رغم أن الدافع  الحقيقي وراء ذلك، كان رغبتهم في الحصول على عائدات مالية إضافية، فإن الملاحظ هو أن الملوك وكبار الأسياد ساهموا هم كذلك في إعطاء الأهمية للمدن بمنح أهاليها اعترافا بصلاحية التجمع السكاني البورجوازي، سمي “بميثاق المدينة” في فرنسا، أما في إنجلترا فقد عمل ملوكها على منح صفة “الرجال الأحرار” للذين يعيشون في المدن، وقد “كان بإمكان الفلاحين الأقنان الدخول للمدينة والحصول على هذه الألقاب بالإقامة في المدينة لمدة سنة ويوم”[20].. فما هي تجليات النهضة التجارية؟ وكيف حقق التجار الرفاه المادي والاستقرار الروحي؟.

ثانيا: أوربا التجارية

          شكلت المدينة المجال والفضاء الذي سمح باحتضان أنشطة التجار، فقد ارتبط تطور وصحوة هذا النشاط ارتباطا وثيقا بالمدينة وكذلك بالأرياف، بحيث شهدت أوربا في العصر الفيودالي الثاني ازدهارا فلاحيا مكن من بروز بعض الصناعات التحويلية؛ كالأقمشة والخمور التي شكلت مادة أساسية للتبادل التجاري بين الأرياف والمدن في مرحلة أولى وما بين المدن والمدن البعيدة المدى في مرحلة ثانية. وقد كان وراء هذه الثورة التجارية فئة اجتماعية جديدة تشتغل بالتجارة وتقطن بالمدن هي البورجوازية.

        لقد سمح الهدوء والاستقرار النسبي الذي شهده العالم المسيحي بحدوث نقلة اقتصادية وحضرية مهمة رغم تزامن ظاهرة الحروب الصليبية، حيث اعتبر جاك لوغوف هذه الأخيرة “واجهة أخفت وراءها مبادلات تجارية نشيطة”[21]. فهل فعلا استمدت مدن أوربا الوسيطية ثروتها من النشاط الصناعي على حساب النشاط التجاري؟. يقر لوغوف بشكل صريح بأنها “استمدت قوتها وثروتها من النشاط الصناعي”[22]، وتحديدا من صناعة النسيج التي قامت في معظم مدن أوربا، لكن ماذا عن بعض المراكز التجارية التي كانت قد  ظهرت في شمال غرب أوربا وزاوجت بين النشاطين التجاري والصناعي.

يدفعنا الحديث عن التجارة إلى تسليط الضوء على نشاط التجار وحركتهم الدؤوبة، بحيث “برز قطبان تجاريان سيطرا على هذا النشاط في  القرنين 12م و13م ؛ الهانسيون في الشمال والإيطاليون في الجنوب[23]. ويؤكد جاك لوغوف أن التجار الهانسيين بلغوا مستوى عال في التوسع التجاري فهم “ورثة تجار العصر الوسيط الأعلى، وخاصة منهم الفريزيون و الفلامنيون”[24]، وكان مركز تجارتهم مدينة بروج على غرار مناطق شمبانيا في غرب أوربا، حيث كانوا يقومون بعمليات تصدير واستيراد مواد مختلفة كالخمور الفرنسية وبعض الأدوات المعدنية والأحجار الكريمة والأقمشة الفارهة والدروع.

        وقد ارتبطت هذه التجارة بالمواد التحويلية أساسا، بحيث عرفت تطورات مهمة منذ القرن 11م لتزدهر في القرنين 12 و13م، حيث استفادت من رواج المواد الفلاحية كالحبوب والخمور والمواشي، فصناعة الأقمشة والأثوبة مثلا شكلت بفعل غلاء أسعارها مداخيل هامة للتجار لأنها كانت تستهلك من طرف وجهاء المجتمع، هذا بالإضافة إلى الحرف التي هي الأخرى كانت تستمد مادتها الأولية من المواد الفلاحية، حيث تنوعت الحرف وانقسمت إلى حرف كبرى أساسية وحرف أخرى صغيرة ثانوية.

        وعليه، فقد تعددت مظاهر هذه “الثورة التجارية”، إذ يمكن اعتبار التجارة البحرية وجها أساسيا من أوجه نهضة التجارة، بحيث عرفت تطورا في هذه الفترة،ومما ساعد على تطور هذه التجارة تأسيس مدينة لوبيك سنة 1159م من قبل أدولف الثاني قمط هولشتاين وفصل هنري الأسد دوق سكسونيا، التي تجاوزت مدينة فيزبي، حيث استعمل تجارها مراكب بحرية ضاهت حمولتها حمولة المراكب الايطالية. وقد كان لنشاط تجار إقليم الهانس بشكل عام دور في خلق ظروف ملائمة ساعدت على بروز عدة مدن كمدينتي ستوكهولم في السويد وبيرجن في النرويج.

شكلت المعارض عنصرا مهما في هذه النقلة التجارية، إذ اعتبرت أسواقا موسمية كبرى “وملتقيات رئيسية كان يتجمع فيها التجار من كل البلدان والمدن الأوربية، إذ تشهد رواجا كبيرا للبضائع”[25]. كانت هذه المعارض مختصة في نوع معين من المواد التسويقية  فمثلا “نجد معارض الصوف بمدن وينشيستر و ستامفورد و نورتامبتون بإنجلترا. وأخرى للأقمشة والأثوبة بمدينتي أبير ومسينب بفلامانيا. ومعارض المعادن بمدينتي فرانكفورت ونورنبرغ بألمانيا ومدينة ميلانو بإيطاليا”[26]، ويمثل “انعقاد معارض شامبانيا ابتداء من نهاية القرن 12م حدثا تجاريا كبيرا “[27]، حيث كانت “تقام بأربعة مراكز هي لايني خلال شهر يناير وفبراير، وفي بار  خلال شهري مارس وأبريل، وفي بروفان خلال شهري مايو ويونيو، وفي تروا خلال شهري يوليوز وغشت”[28]، فبدت وكأنها سوقا تجارية دائمة في غرب أوربا.

 ويرجع سر نجاح هذه المعارض إلى التسهيلات التي كان أقماط شامبانيا يقدمونها للتجار، بحيث كانوا لا يشتطون في جبي الضرائب، كما كانوا يحرصون على حسن سير المعاملات التجارية، هذا بالإضافة إلى إشراف التجار على عمليات تأمين الأسواق ومراقبة عمليات البيع والشراء.

        شهدت هذه المعارض تطورا تنظيميا عاليا خلال القرن 13م، بحيث أصبح التجار خاصة بمدن إيطاليا يحرصون على تأمين نشاطهم التجاري في هذه المعارض عن طريق انتخاب ممثل قنصلي لتمثيلهم، هذا بالإضافة إلى سيادة النقد الذي يشكل مظهرا أساسيا من مظاهر هذه النهضة التجارية. وتجدر الإشارة إلى أن الأوربيين استمروا في استعمال وحدة النقد البيزنطية حتى حدود القرن 12م، ومع تنامي المبادلات التجارية أجبرت بعض الدول على استعمال الذهب في سك العملة حيث “تزعمت هذه العملية جنوة سنة 1252م، ثم تلتها فرنسا ابتداء من سنة 1266م”[29]، ورغم ما شكلته التجزئة الفيودالية من تحديات فإن العملات الذهبية قد عرفت انتشارا سريعا، مما أدى إلى ازدهار المصارف النقدية منذ النصف الثاني من القرن 12م، حيث  “أصبحت معارض شمبانيا معارض للنقود، راجت بها كل أنواع النقود الأوربية”[30]، فتحمل التجار خاصة الإيطاليون مسؤولية صرف العملات. ولتجنب مخاطر التنقل بالمال خاصة مع الرواج المالي في القرن 13م، برزت الكمبيالات التي تشبه وظيفتها الشيكات الحالية، فجاك لوغوف يرى أن التعامل بها أتاح للتجار وأصحاب الأموال، إمكانية تحقيق أرباح مالية هائلة فاعتبروا  بمثابة تجار بنكيين مما سمح له بالحديث عن انبثاق أوربا الأبناك.

        وعليه، فإن مدينة القرن 13م قد استمدت فعلا ثروتها من النشاط الصناعي على حساب النشاط التجاري كما يقر  لوغوف ، وبهذا يتفق مع طرح ماركس القائل “بأن التفوق الصناعي يتضمن التفوق التجاري[31]، والذي يفيد عصر ما قبل الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج، أي القرن 13م. واضح إذن أن لوغوف يقصد – بالصناعة ذلك النشاط الذي يقابل الزراعة، خاصة في مرحلة تكون الرأسمال الصناعي، لأن المعنى المطلق للصناعة بالفهم الماركسي يفيد كذلك الزراعة الصناعية مثل المصانع- . بناء عليه، هل يجوز إطلاق صفة الرأسمالي على تاجر القرن 13م؟

        يقر كارل ماركس بخصوص حديثه عن تكون الرأسمالي الصناعي، بأن “العصور الوسطى قد ورثتنا شكلين متميزين من رأس المال قد نضجا في تشكيلين اقتصاديين واجتماعيين مختلفين كل الاختلاف، وكانا يعتبران رأسمالا على أية حال قبل عصر الأسلوب الرأسمالي في الإنتاج؛ إنهما الرأسمال الربوي والرأسمال التجاري”[32]، وبالتالي فكل تجليات نهضة التجارة والتجار المذكورة آنفا، من ثروة التاجر ومكانته داخل المجتمع الحضري، وتمثيليته من داخل مجالس تدبير الشأن المحلي، وكذا معاملاته الربوية، وإقراضه للأمراء والملوك وللعامة مقابل فائدات مالية عالية، واستعماله للكمبيالات، واستثماره لفائض رأسماله في التجارة القارية، وتشغيله لليد العاملة بأجور ثابتة وما يرافق ذلك من تراكم متعاظم للثروة، قلنا كل هذه المعطيات تدفعنا إلى اعتبار تاجر القرن 13م “رأسماليا صغيرا” بتعبير ماركس. ويرجع سبب عدم وصفه بالرأسمالي حسبه إلى “أن الرأسمال النقدي المتشكل بواسطة الربا والتجارة قد مُنع من التحول إلى رأسمال صناعي، بفعل التركيب الإقطاعي في الريف والتنظيم النقابي الحرفي في المدن[33].

        لقد تنبه جاك لوغوف إلى أنه كان للممارسة التجارية النشيطة هذه واغتناء التجار، ورواج الأموال أثر على ذهنية الأوربيين في الفترة الوسيطية، بحيث خلقت مبادئ جديدة وقيم تتلاءم و المستجدات المادية، إذ أعيد النظر في أحكام القيمة في كثير من المواضيع، فمثلا مسألة الربا لم تعد محط تبخيس كما كان الأمر في القديم ، حيث أصبح اليهود يقدمون للتجار وللأمراء والنبلاء والأساقفة ومجالس المدن قروضا لتمويل مشاريعهم، كما كانوا “يوفرون الأموال اللازمة لتمويل الأنشطة الحرفية والرواجات التجارية على مستوى الأسواق الكبرى والمعارض بواسطة قروض ذات نسب فائدة عالية”[34]. هذا، بالإضافة إلى أن الكنيسة كانت قد عملت شيئا فشيئا على تبرير الأرباح والفوائد التي يجنيها التجار والمرابون، فقد “أجازت في البداية للتاجر الذي لحقه ضرر من جراء تأخير في استلام بضاعته، الحق في المطالبة بتعويض”[35]، وبعد فترة أصبحت تنظر إلى الربح كأجر أو كراتب يتقاضاه مقابل عمل يقوم به، الشيء الذي سمح للتجار والمرابون بممارسة نشاطاتهم التجارية والمصرفية بشكل من الحرية، وبدافع البحث عن الربح بعيدا عن الإحساس بالخطيئة، فحقق التجار مكسبين هامين في هذه الفترة “الرفاه المادي والاستقرار الروحي”[36]، وبذلك يقول لوغوف “لقد انتهى زمن كان فيه العار  يلف بمصطلح الكسب ويعيق سعي المتعاملين لتحقيق الربح أو جني فوائد”[37]، وأكثر ما يظهر هذا التحول هو “أن رجال الدين أنفسهم سعوا إلى الاقتراض من اليهود لتلبية مختلف الحاجيات”[38].

عموما، كان وراء هذا التحول القيمي الذي شهدته أوربا في هذه الفترة؛ تحسن الأوضاع المادية وسيادة نوع من الاستقرار على مستويات عدة، وقد ساعد على انبثاق منظومة القيم هاته، بروز الفكر السكولائي، لأن أقطابه روجوا لفكرة مفادها أن أعمال التجار تروم تحقيق المنفعة العامة، وما فيه خير للمجتمع. فما هو السياق العام الذي برزت فيه “السكولائية”؟ وكيف عالج لوغوف “النهضة الفكرية الأولى”؟ وما أهم مظاهر هذه النهضة؟.

ثالثا: أوربا الجامعية

كان من أبرز مظاهر نهضة المدن وتنامي قوة البورجوازية، أن برزت مؤسسات تعليمية مختلفة بدء بالمدارس الابتدائية والثانوية في القرن 12م، وصولا إلى ظهور مدارس التعليم العالي في القرن 13م. فقد التقت حاجة التجار الراغبين في “تحصيل المعارف العملية كالحساب وتحرير المراسلات وتوثيق العقود”[39]، مع مصلحة الكنيسة التي سعت إلى مواكبة مستجدات الواقع الجديد، وكذلك تأثر المفكرين والفلاسفة الأوربيين بإرث رواد الفكر الأوروبي الأوائل، وبرموز الفكر والفلسفة العربية الإسلامي. هذا التحول كان نتاج دينامية اقتصادية وحضرية عرفتها أوربا واكبتها ثورة ثقافية خلاقة.

تجب الإشارة إلى أن المدارس بمعناها الحديث تعتبر تقليدا يعود إلى القرن 9م؛ أي في عهد شارلمان، إلا أن مدارس وجامعات القرن 13م كانت قد ظهرت في سياق نهضة المدن وتوسع النشاط التجاري بها، إذ برزت في إطار محاولة تنظيم الحرف في المدن، وعليه فقد انتظمت الجامعات كباقي الحرف في إطار هيئة أو طائفة، فالجامعة كانت تعني آنذاك هيئة تجمع تحت لوائها محترفي المعرفة والفكر؛ أي الأساتذة والطلبة، وقد” ظهر أول مرة سنة 1221م في باريس للدلالة على طائفة أو هيئة المعلمين والطلبة البارسيين “[40]، وتعتبر جامعة باريس التي تأسست بمبادرة من الأساتذة وطلاب المعرفة بمثابة “جمعية مهنية تهدف للدفاع عن حقوقها في وجه السلطات”[41].

 كانت الجامعات في المرحلة الأولى تحت رقابة أسقف المدينة؛ أي تابعة لسلطة الكنيسة في شخص البابا، حيث كانت كلية اللاهوت التي خصصت لتدريس علوم الدين تقع على هرم الكليات الأخرى، هذا بالإضافة إلى أن “البابا هو الذي كان يحدد شروط التعلم والحصول على الإجازة وتنظيم القوانين الداخلية للجامعة، والاعتراف بها كهيئة معنوية”[42]، وبعدها أصبحت الجامعات تابعة للملوك، كما حظيت بدعمهم وامتيازاتهم. فقد تأسست جامعة بولونيا سنة 1154م كأول جامعة فتحت أبوابها أمام الطلبة بعد أن حصلت على امتيازات مهمة لأساتذتها وطلبتها من طرف الإمبراطور فريدريك الأول بربروسا، رغم أنها لم تبدأ بالاشتغال رسميا إلا سنة 1252، بعد أن تلقت نص نظامها الأساسي من البابا. ونفس الأمر حصل مع جامعة باريس “فقد حصلت على نص نظامها من البابا سنة 1215م كما منحها البابا كريكوار التاسع شهادة مختومة تشيد بها وبالمستوى الذي بلغته بها علوم الدين”[43].

 وهكذا بدأت الجامعات تستقل تدريجيا عن السلطة المباشرة للبابا وسلطات الملوك وممثلي مجالس المدن، ومع مرور الوقت أصبح الأساتذة الجامعيون يشتغلون بشكل مستقل عن هاته السلطات، وبالمقابل “ظلوا يخضعون لسلطات الكنائس… إلا أن تأثيرها كان محدودا بوجه عام، أو ذات تأثير نظري في أحسن الأحوال[44].

شهدت أوربا في بداية القرن 13م موجة واسعة لتأسيس الجامعات، إذ تعتبر جامعة بلونيا، باريس، أوكسفورد، منبولي وكمبريدج من بين الجامعات التي انبثقت من بعض المدارس، بينما شيدت جامعة نابولي بإيطاليا سنة 1224م، وجامعة لشبونة سنة 1288م. يشير لوغوف في هذا الصدد إلى أن الكنائس هي الأخرى كانت قد انخرطت في تشييد الجامعات كما حدث مع “جامعة تولوز التي شيدت في إطار حربها ضد الحركة النقطيرية”[45]، ومن غريب الصدف أن علوم الدين بهذه الجامعة لم تجد لها مكانا في المستقبل إذ اشتهرت بكلية القانون.

وفي كتابه “مثقفو العصر الوسيط” يشير لوغوف إلى مسألة تعدد الشعب في جامعات القرن 13م، حيث انتظمت هذه الشعب ضمن تخصصين؛ عرف الأول “بالرابوع” وكانت مواده علمية تضم الحساب وعلم الفلك والهندسة، والتخصص الثاني عرف “بالثالوث” وضم موادا أدبية مثل البلاغة والجدل والنحو، ورغم كل هذا، فإن كليات اللاهوت هي التي سيطرت على معظم الجامعات، بفعل هيمنة النسق الاقطاعي المتحالف مع سلطة اللاهوت، حيث كانت تضم كليات أخرى؛ كالطب والفنون والحقوق، وقد تشتهر الجامعة الواحدة بكلية معينة دون غيرها، حيث اشتهرت مثلا جامعة بلونيا بكلية الحقوق على حساب الكليات الأخرى، ونفس الأمر بالنسبة لجامعة باريس التي اشتهرت بكلية اللاهوت، وجامعة مونبولي التي اشتهرت بكلية الطب.

هذا، وقد شهدت الجامعات تطورات هامة عدت من أهم المستجدات في هذه الفترة، حيث عملت بعض الجامعات على منح طلبتها المتفوقين شواهد علمية موحدة، وتعتبر شهادة “المتريز” من أهم الشواهد في العلوم الدينية التي كان يحصل عليها الطالب بعد انتهاء مدة الدراسة الجامعية التي كانت تستغرق إحدى عشرة سنة من التحصيل. كانت هذه الشهادة تمنح للجميع سواء لأبناء النبلاء أو لأبناء الفقراء، ويعتبر الطالب روبير دوسوربون خير مثال على ذلك، حيث كان أبوه فلاحا وتخرج من الجامعة ليصير مدرسا بها، فكسب ود الملك سان لويس مما دفعه للإغداق عليه بسخاء، وقد خلد التاريخ اسم هذا الطالب، حيث قام باستغلال تلك الأموال لبناء كوليج السوربون. هذا النموذج يشكل فلتة عصره لأن مدة التحصيل الجامعي كانت طويلة وصعبة، بسبب غلاء المعيشة في المدن وتكاليف الدراسة المرتفعة خاصة على أبناء الفقراء والفلاحين، رغم أن تكلفة الدراسة المرتفعة هاته، كان قد خفف منها بروز العمل الخيري على شكل مساعدات فردية كان يقدمها المحسنون للطلبة كتقديم وجبات وإقامات سكنية بالمجان من جهة، ومن جهة أخرى ظهور هذا العمل الخيري بشكل مؤسساتي كما هو الحال بالنسبة لجامعة السوربون التي ” كانت تخصص إقامات للطلبة الفقراء الذين يتابعون دراستهم في علوم الدين”[46]. وعلى غرارها عملت جامعة أوكسفورد على منح إقامات مجانية لطلبة تخصص الرياضيات. إذا كان هذا هو وضع الجامعات في القرن 13م، فما هي تجليات هذه النهضة الثقافية؟.

لقد استفادت الجامعات في مدن العصر الوسيط الجميل من إنجازات الأباء الأوائل للثقافة الأوربية، الذين تركوا إرثا فكريا وفلسفيا سمح ببروز جيل من الأساتذة التلاميذ: أمثال توما الأكويني و أنسلم الكنتربيري وغيوم الكوتشي، هؤلاء درسوا بالجامعات واهتموا بالبحث العلمي؛ أي أنهم كانوا بتعبير عصرنا مثقفو عصرهم، بحيث كانوا “ينخرطون في النقاشات والحوارات التي كانت تدور حول قضايا اجتماعية وسياسية”[47].

وتبقى أهم مسألة دار حولها الجدل هي علاقة “العقل بالإيمان”، حيث اعتبرت قضية القضايا منذ عهد القديس أوغسطين الذي أوجد توليفة عقائدية كان الهدف منها مصالحة العلم والإيمان، فاعتبر العلم ضروري لفهم الكتاب المقدس، وذهب أبعد من ذلك حين قال بإعادة تأويل الكتاب المقدس إذا ما تعارضت تعاليمه مع العلم، في الوقت الذي كانت الكنيسة تقر عكس ذلك. كانت عقيدة القديس أوغسطين هذه تندرج ضمن التراث الأفلاطوني ولا علاقة لها بالعلم الأرسطي، ومع ذلك صمدت إلى حدود بروز تركيبة عقائدية جديدة صاغها القديس توما الأكويني، التي انبنت على مصالحة العقيدة المسيحية مع الفلسفة الأرسطوطاليسية رغم تناقض مسلماتهما و منطقهما، حيث أكد الأكويني على وجود مجالين متمايزين للمعرفة؛ مجال خاص بالفلسفة وبالتالي للعقل، ومجال خاص باللاهوت والدين وبالتالي لحقائق الإيمان، وقد اعتبر المعرفة الأخيرة ذات سيادة إلهية أي من أصل فوق طبيعي علينا قبولها كما هي؛ فمثلا “خلق العالم من قبل الله وخلود النفس بعد الموت هما حقيقتان تابعتان لمجال الإيمان ولا علاقة للفلسفة بهما”[48]، وهناك ظواهر طبيعية من اختصاص العقل وحده، لكن إذا ما وجدنا تعارضا بين هذين المجالين من المعرفة حسب فهمه، فإن العقيدة المسيحية هي التي لها الكلمة الأخيرة في الموضوع.

وللحقيقة التاريخية تجب الإشادة بدور الفلاسفة والفلسفة العربية الإسلامية في هذه النهضة الفكرية، فقد كانت أوربا أقل معرفة بفكر أرسطو، بحيث انتظر الأوربيون سنة 1085م التي سقطت فيها طليطلة في يد الإسبان لكي تبتدئ بعده بخمسين سنة أكبر حركة ترجمة وتثاقف في تاريخ أوربا؛ أي ترجمة الفلسفة العربية إلى اللاتينية. كانت كتب إبن سينا أول من ترجمت إلى اللاتينية، وبعدها كتب إبن رشد، وفي هذا الصدد ينقل هاشم صالح نص لألان دوليبيرا يقول فيه: “لا ينبغي تخفيض قيمة العرب واعتبارهم مجرد وعاء ناقل… ولكن إذا ما احترمنا الحقيقة التاريخية فإنه لا يمكننا أن نتجاهل الدور الحاسم الذي لعبه العرب في تشكيل الهوية الثقافية لأوربا”[49]، رغم أن الأصولية المسيحية آنذاك قابلت هذا الفكر الفلسفي العربي بالرفض واعتبرته “غزوا”، فقد كان من بين القديسين كتوما الأكويني والفلاسفة مثل أنسلم الكنتربيري من اعتبرها هجمة “حداثية”، اتسمت بالعقلانية مقارنة بالعقلية التقليدية السائدة بأوربا.

ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذه العقلانية والحداثة المشار إليها سواء عند العرب أو عند الأوربيين في هذه الفترة “لا يمكن أن تخترق السقف الإبستيمولوجي للمسلمات المعرفية للقرون الوسطى” [50]، وعليه فقد أحدث تشكل تيار المثقفين الرشديين اهتزازا في ساحة اللاهوت، بحيث واجهوا بالبرهان العقلي وبالمنطق الفلسفي الصارم، الفكر السكولاستيكي المسيطر والمبني على التوافق بين الله والإنسان، بل أرادت ” تطويع الفلسفة اليونانية لكي تتلاءم مع مبادئ هذه العقيدة”[51].

كان من نتائج اعتماد طرق جديدة في التفكير وفي التدريس خلال القرنين 12 و 13م، أن ظهرت السكولاستيكية،التي “تندرج في خانة الإنتاج الثقافي المرتبط بالمدارس عموما وبالجامعات بشكل خاص”[52]، ويعتبر أنسلم الكنتربيري الأب الروحي لها، إذ حاول بإسهاماته الفكرية تقديم مجموعة من الدلائل للبرهنة على وجود الله بشكل عقلاني، كما يعتبر الإنجليزي دي هاليس والألماني ألبير الأكبر من بين العلماء السكولاستيكيين الذين حاولوا إحداث نوع من التوازن بين الفلسفة واللاهوت، أما توما الأكويني تلميذ ألبير الأكبر، فقد اشتهر بإسهاماته الكثيرة مثل كتاب “خلاصات الرد على الأمم“، وكتاب ” الخلاصة اللاهوتية“، سعى من خلالها وفي إطار تركيب توليفته العقائدية السابقة الذكر، إلى تبيان سلطة العقل التي تمكن الفرد من معرفة الله ومن معرفة العالم والكشف عن الحقيقة، فبالإضافة إلى هؤلاء العلماء، برز روجي باكون الذي درس بجامعة أوكسفورد، وألف في حقل الفلسفة واللاهوت وفي الفلك كذلك.

لقد خلفت السكولاستيكية إرثا من المؤلفات انقسم إلى شكلين: صنف كتب التعاليق التي رغب كتابها في تقديم مؤلفات فلسفية ذات طابع تركيبي موثقة ومعللة اشتهر بهذا النوع من التأليف بطرس اللومباردي الذي وضع “كتابا في الأحكام “. وصنف آخر هو كتب الخلاصات التي تضاف إلى المناقشات التي كانت تدور حول بعض القضايا الراهنية آنذاك، كانت تتضمن القضية المطروحة والأحكام أو الأجوبة التي كان يقدمها الأساتذة. وقد ظهرت بالإضافة إلى هذه الأنواع من التأليف كتب التفسير التي اهتمت بشرح الكلمات الواردة في الكتاب المقدس، سعى أقطاب السكولاستيكية من خلال هذه التأليف عرض أفكارهم بصيغ واضحة ومنظمة، وبذلك رسخوا في أوساط المثقفين وعموم الناس المتعلمين تقليدا يقضي بالتفكير بشكل واضح ومنظم.

كان لابد لهذه النهضة الثقافية والفكرية من أداة للمحاضرة والكتابة، حيث اعتبرت اللغة اللاتينية لغة المحاضرة والكتابة التي سيطرت على الجامعات، بحكم استعمالها في الطقوس والشعائر الدينية. وقد برزت إلى جانب اللاتينية لغات محلية تشكلت تدريجيا منذ القرن 9م مع التطورات السياسية التي عرفتها أوربا؛ كاللغة الإيبيرية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية، وتبقى اللغة الفرنسية تلك اللغة التي فرضت نفسها مبكرا منذ القرن 11م، حين كتبت بها القصائد التي تمجد بطولات الفرسان كأنشودة رولان، وقصص الحب والروايات ذات الطابع الأسطوري. وبهذا شكلت اللغة اللاتينية إلى جانب اللغات المحلية التي تطورت بشكل كبير في القرن 13م الأداة الشفوية والكتابية التي استعملها مثقفو هذا العصر الجميل في حقل اللاهوت والفلسفة و الآداب، وقد دفعت هذه الازدواجية في اللغة القوى السياسية إلى تعلم اللغات المحلية والتعامل بها خاصة مع بروز الإرهاصات الأولى للدولة القومية، بالإضافة إلى وعي رجال الدين والكنيسة بأن “مبدأ التقرب من الله لا يتم فقط باستعمال اللاتينية… بل يمكن أن يتم باستعمال أي لغة”[53]، الأمر الذي دفعهم إلى الإقرار بجواز استعمال اللهجات المحلية في التراتيل وفي الطقوس الدينية، فكانت هذه الإشارات بمثابة مؤشر عن ميلاد اللغات الوطنية.

شهدت أوربا الجامعية كذلك انبعاث الكتاب باعتباره أداة لحرفة المثقف، ففي القرنين 4 و7م حل محل الكتاب القديم الذي كان عبارة عن ورق ملفوف تصعب قراءته كتاب عبارة عن كراس مؤلف من صفحات، هذا الكتاب رغم كونه ذو قطع صغيرة نسبيا لم ينتشر على نطاق واسع، بسبب قلة القراء وبسبب تكلفته المرتفعة لأنه كان يصنع من البرشمان، فالانبعاث الحقيقي للكتاب كان مع بروز الجامعات في مدن القرن 13م، حيث اتخذ حلة جديدة جعلته أكثر تداولا، كما تحسنت تقنيات وضع المتن وتوزيعه داخل الصفحة الواحدة، وتحسنت عملية وضع العناوين وفهرس المحتويات.

وقد شمل هذا التطور كذلك طريقة القراءة، بحيث حلت القراءة الصامتة محل القراءة بصوت مرتفع، وقد ساهم في هذه الانبعاثة  “تزايد أعداد كتاب العقود وانخفاض نسبة الأمية في أوساط النبلاء والتجار والحرفيين”[54]، الشيء الذي أدى إلى انفتاح الكتاب على مواضيع متعددة وفقا لأذواق القراء، حيث كانت هناك كتب مخصصة لطلاب الجامعات يتم إخراجها وفق مواصفات معينة، إذ يحرصون على ترك هامش مهم نسبيا في كل صفحة ليملأه الطالب بملاحظاته وتعقيباته، وبذلك ساهمت الجامعات بشكل كبير في رواج و تطور صناعة الكتاب. ومع تزايد عدد الكتب ظهرت الحاجة إلى المكتبات وإلى النساخ والمكلفين بعمليات التسفير. رغم هذه التطورات التقنية فقد ظل سعر الكتاب مرتفعا نسبيا على عموم القراء وخاصة على الطلبة الفقراء[55].

        لقد تنبه لوغوف كعادته إلى تغير المواقف والعقليات تجاه المؤسسات والأشخاص، حيث كان من نتائج تعدد الجامعات، وتأثيرها على عقلية المجتمع أن بدأت تتغير نظرة المجتمع إلى الأستاذ الجامعي في القرن 13م، حيث كان ينظر إليه من قبل على أنه يبيع المعرفة التي لا يملكها إلا الله، فـ “أصبح ينظر إليه بكونه يقدم دروسا للطلبة ويتلقى مبلغا نظير ذلك”[56]، الأمر الذي أدى إلى تطور مهنة التدريس، ودفع معظم الأساتذة إلى الانكباب على الدرس والبحث والكتابة، معلنين عن ميلاد سلطة ثالثة، سلطة المعرفة والفكر، فبدء بالمثقف الجامعي في القرن 13م مرورا بالمثقف الانسانوي في القرن 16م وصولا إلى مثقف الأنوار تكون أوربا اليوم قد ولدت من رحم العصر الوسيط.

هوامش:

  1. Le Goff (J.) un long moyen âge, Paris, Tallendier éditions, 2004, p 44.

أصل هذا التعبير “يجد مصدره فيما يزيد عن نصف قرن، عندما تحدث لوسيان فيفر عن قرن 16 جميل، وهو بالنسبة له طريقة لمعارضة فترتين/ حقبتين زمنيتين… فتعبير عصر وسيط جميل يطابق نفس الفكرة؛ إذ داخل الفترة الطويلة التي استمرت أزيد من ألف سنة من سقوط الإمبراطورية الرومانية في القرن 5م إلى اكتشاف أمريكا في القرن 15م، هناك اشراقة بين فترات أكثر قتامة”.

  • حبيدة (محمد)، بؤس التاريخ، مراجعات ومقاربات، الرباط، دار الأمان، طبعة 2015، ص 25.
  • تاريخ أروبا من الفيودالية إلى الأنوار، كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط ، طبعة 2010، ص 18.
  • نفسه، ص 18.
  • العروي (عبد الله)، مفهوم التاريخ، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة 2012، ص 274. يقول عبد الله العروي في هامش نفس الصفحة ” لا تتضح حقبة في الإسطوغرافيا إلا بعد أن تنتهي وتختم في التاريخ الواقعي“.
  • حبيدة ( محمد)، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 11.
  • العروي ( عبد الله)، مفهوم التاريخ، مرجع سابق، ص 273.
  • Le Goff (J.) un long moyen âge, Paris, Tallendier éditions, 2004, p 25.
  • نفسه، ص 27.
  • نفسه، ص 44.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، تعريب محمد حناوي و يوسف النكادي، وجدة،  مطبعة مفكر، 2015، ص 118.
  • نفسه، ص 119.
  • Le Goff (J.) la civilisation de l’occident médiéval, Paris, édition Arthaud, 1964, p 89.
  • حبيدة ( محمد)، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 41.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 108.
  • نفسه، ص 109.
  • نفسه، ص 110.
  • نفسه، ص 111.
  • نفسه، ص 113.
  • نفسه، ص 46.
  • نفسه، ص 120.
  • نفسه، ص 116.
  • Le Goff (J.) la civilisation de l’occident médiéval, Paris, édition Arthaud, 1964, p 98.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 126.
  • حبيدة محمد، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 50.
  • نفسه، ص 50.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 121.
  • نفسه، ص 121.
  • نفسه، ص 122.
  • حبيدة محمد، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 51.
  • ماركس (كارل) وأنجلز (فريدريك)، في الاستعمار، دار دمشق، ترجمة فؤاد أيوب، بدون سنة النشر، ص 316.
  • نفسه، ص 311.
  • نفسه، ص 312.
  • حبيدة محمد، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 53.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 124.
  • نفسه، ص 126.
  • نفسه، ص 157.
  • حبيدة محمد، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 53.
  • نفسه، ص 54.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 130.
  • حبيدة محمد، تاريخ أوربا من الفيودالية، مرجع سابق، ص 55.
  • نفسه، ص 56.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 132.
  • نفسه، ص 130.
  • نفسه، ص 132.
  • نفسه، ص 133.
  • نفسه، ص 130.
  • صالح (هشام)، مدخل إلى التنوير الأوربي، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الثانية 2007، ص 37.
  • نفسه، ص 64.
  • نفسه، ص 43.
  • نفسه، ص 39.
  • جاك لوغوف، هل ولدت أوربا في العصر الوسيط؟، مرجع سابق، ص 137.
  • نفسه، ص 140.
  • نفسه، ص 134.
  • نفسه، ص 136.
  • نفسه، ص130.

.

.

شاهد أيضاً

عُزْلَــُة أَلْأَنــَا ..رِســِالـُة حُـبٍّ فـَلْسَفِيـِّةٍ

عبد الحفيظ ايت ناصر بقلم :عبد الحفيظ ايت ناصر أليست الفلسفة بنت المدينة ؟بلىاذن لماذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *