الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / حَدَاثَةٌ هِيَ أَمْ أَنْوَارْ

حَدَاثَةٌ هِيَ أَمْ أَنْوَارْ


عبد الحفيظ ايت ناصر

عبد الحفيظ ايت ناصر

الإشكال هنا انه لا يمكننا الفصل بين الحداثة و الأنوار، ولا يمكننا ان نعرف تمام المعرفة عن ايهما نتحدث.

هل نحن كذلك لقصور في فهمنا ام لكون احدهما يستلزم الاخر ؟ هل يجب ان نبلغ الحداثة ثم نتغيى بلوغ الانوار ؟ وهل جاء الانوار كفعل متأخر كان يجب ان يأتي قبل الحداثة ؟

اذا ما تحدثنا عن النهضة الاوربية فمن باب الترتيب المنطقي ان نقر ان الانوار سابقة للحداثة ، وما الفترة المسماة فعليا بالأنوار الا تكملة لإشعاع التنوير الأول لأن المسيرة الفعلية كانت تستلزم تراكما فكريا يلعب دور قوة دفع للأمام. اذ ذاك فإن المرحلة السابقة لعصر الانوار لا يمكن تسميتها بالحداثة لأنها مرحلة تراكم.

اذن فمرحلة الحداثة  La modernité لم تسمَّ حداثة لأنه قد تم بلوغها فعليا ويمكن ان تكون هذه مسألة انطولوجية فالحداثة ليست مجرد لحظة وانما هي فعل مستر في الزمان والمكان. من هنا فالأنوار تسبق الحداثة والشاهد على هذا انه من وجه انه عندما نقرأ لبعض الحداثيين يصعب علينا نحن القراء ان نتبين اذا ما كانوا يتحدثون عن الانوار ام عن الحداثة ، ومن وجه مسألة التراكم المعرفي الذي لا يمكننا التحدث عن بلوغ الانوار مالم يحضر كعنصر دفع واداة متحكمة في تدفق تيار الوعي عند جماعة بشرية معينة.

ليست هناك نتيجة لسبب بل سبب لمؤثر لسبب لمؤثر لتكون هناك استمرارية وجودية ، اما النتيجة فطبيعتها الثبات ، وكل شيء في الوجود يؤثر في سلوك غيره كما تؤثر الافلاك في غيرها في الفضاء. اذ ذاك فعلينا ان نسعى الى لبلوغ الانوار لا الحداثة.

واذا كان دعاة الحداثة او بعضهم يدعون الى قطعية تامة مع التراث والى توسل أدوات الحداثة الاوربية ، نطرح السؤال: هل اعتمدت النهضة الاوربية في أساسها على قطيعة مع التراث؟ الم تقم بإعادة بعث التراث الفلسفي اليوناني والاوربي على السواء ؟ هذا والقائلين بهذا القول ينطلقون من فرضية ان سقراط هو مؤسس الحداثة الاوربية انطلاقا من مقولة انزال الفلسفة من السماء الى الأرض والتفكير في الانسان والعودة الى الذات معتبرينه انطلاق النزعة  الفردية وهكذا  فالحداثة الاوربية في أساسها مبنية على مبدأ الاصالة والمعاصرة وهذه مسألة تطرح على الداعين الى العودة الى التراث وحسب من اجل بلوغ الحداثة فالمسألة مسألة سياق ولكل سياق خصائصه.

انطلاقا من مقولة السياق نستنتج ان سؤال الانوار طرح في الفكر الغربي لضرورة تاريخية ، بينما طرح في العالم العربي كتقليد فلسفي ناتج عن دراسة الفلسفة الغربية ، والدليل على ذلك طبيعة الإجابات التي قدمت، وتَوسُّلَ الوسائل الاوربية واهمال العنصر الذي قلنا به. وهو عنصر السياق.

على ماذا يستطيع الفتى من فتية الكهف الحصول بواسطة نقوده التي عفى عنها رسم الزمان، هذا من وجه اشبه بمن يتغيى الوصول الى الحداثة عن طريق التراث فقط ولكنه ينطبق كذلك على الذي يتوسل أدوات لم ينتجها سياقه العام  للوصول الحداثة. ولا يمكننا  ان نقر بإحدى الطريقتين وانما يجب العمل وفق مبدأ الاصالة والمعاصرة ، ثم ان ابعد شخص عن الحداثة هو ذاك الذي يرومها بالوسائل الغربية ، لأننا ذاكرة جامعية تاريخ جمعي لاشعور جمعي بنية نفسية لها مركباتها وخصائصها لها سياقها وسيرورتها التاريخية وصيرورتها. وانه لمن المحتم علينا الاستقلال عن بنيات لا تشبهنا مع الحفاظ على عنصر الاختلاف باعتباره حقا مشروعا.

ان الفرضية القائلة بان الحداثة تنبع من الذات تتعارض تمام التعارض مع القول بالقطعية التامة مع التراث الذي يشكل لاوعينا  الجمعي ، فسؤال الذات في هذه الفرضية يضعنا امام الوجدان الجماعي والحضور الفعلي لجماعة معينة في الزمان والمكان. هذا ما يعمق المسألة الوجودية هنا، ويمكننا تقديم جواب على الشكل التالي بان هذا الوجود هو الدور..دور هذه الجماعة البشرية في التاريخ ، واستقلالها وان يكون فكرها وانتاجها الفكري فعلا في ذلته لا مجرد ردة فعل لمؤثر خارج عنها.

نعود لسؤالنا في الأساس : حداثة هي ام انوار؟ نستنتج أن الانوار سابقة فعليا الحداثة وان بدى نظريا سبق الحداثة ، لأنه ما ان نسمي الفترة السابقة الانوار بالحداثة فنحن نقول بان الحداثة مجرد لحظة متجاوزة بينما هي فعل مستمر في الزمان والمكان ، فالأنوار اذن اسبق لكونها نقطة انطلاق الاشعاع الذي سينير على فضاء الحداثة الرحب والواسع، لهذا فانه لبلوغ الحداثة في المغرب خصوصا وفي العالم العربي عامة يجب ان نعيد طرح سؤال الانوار وان تكون الإجابات المقدمة وليدة بيئتها ، مستخلصين في النهاية ان الانوار تسبق الحداثة.

ثم ان السؤال المطروح لماذا نرفض توسل وسائل الحداثة الغربية ؟

ان الامر هنا يعود الى الرغبة الملحة الاستقلال، لأنه من المؤلم شديد الألم ان تكون جماعة بشرية معينة لها خصائصها ومميزاتها و وجدانها الخاص، مجرد امتداد لأفكار وإنتاج جماعة أخرى مختلفة تمام الاختلاف ، لهذا نطالب بحقنا في الاختلاف ، ونرفض ان ننساق خلف أي شكل من اشكال المركزية ، ان الازمة التي نعيشها مع هاجس الحداثة تكمن في الأساس في توقفنا امام الحداثة الغربية ونحن منبهرين اخدين كل شيء على وجه التقديس لماذا نقدس المفكرين والمنظرين ؟ هل لأننا غير قادرين على ان نكون اكثر جرأة منهم او على الأقل مثلهم ؟ في سنة الباكالوريا اردت ان اناقش الأستاذة في فكرة لميشيل فوكو لكنها صدمتني بل صعقتني بقولها :وهل انت تعرف احسن من فوكو؟! .. اكيد انا لا اعرف احسن او اكثر منه لكن منذ حصصنا الأولى في الفلسفة نسمع عن الفكر الحر لأنه وفوكو يقدم لي كحق لي في دراسته فيجب ان اعطى الحق في الانتقاد وقد قالها الدكتور سالم حميش<كما لدي الحق في القراءة لدي الحق في النقد> هذا اكبر عائق امام الفكر المغربي والعربي على السواء ومتى ولدت لدينا القوة على ان نفكر بكل جرأة عندها نكون قد خطرنا الخطوة الأولى هل نقبل ان نكون مجرد امتداد .. ابدا لأنه بذلك قد نفسنا وجودنا وحريتنا لان وجودنا يجب استمداده من الذات لا من عناصر خارجة عنها والحرية ان لم تكن نابعة من الذات وتحرر وعينا عن أي صورة نمطية تعطى لنا لأنه في الأساس هي خطاب موجه لاختزال وجودنا الفعلي متى انفجرت بوتقة الفكر الجريء نكون قد تقدمنا ولو قليلا وعائق اخر هو ايماننا بالنخبة على هذا الإرث الشبيه بالهرم الاجتماعي أيام كانت الإنسانية تخبط خبط عشواء في ظلام دامس  ان يختفي لأنه يخيف العقول الفتية القادرة على العطاء وفكر النخبة هذا فكر الضعفاء الذين يخافون من العقول القوية والجريئة ، ونحن في زمن ماتت فيه كل المثاليات ونحتاج الى عقول جبارة وقلوب قوية.

 لا نريد طرح سؤال التنوير فقط بل نريد إعادة طرحه بصيغة يكون فيها السؤال ابن بيئته،


عبد الحفيظ ايت ناصر


شاهد أيضاً

ظاهرةُ الأسئلةِ الزائفة

سامي عبد العال سامي عبد العال        لا تسقط الأسئلةُ من السماءِ ولا تنبتُ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *