الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الزمان والعقل في فلسفة كانط

الزمان والعقل في فلسفة كانط

علي محمد اليوسف

تمهيد

نجد بوادر التجريد الفلسفي فكريا عند كانط لما يطلق عليه (الفلسفة السامية ) أي التعالي والسمو على التجربة الحسّية والتفوق المتعالي عليها قوله ( أنني أسّمي المعرفة سامية متعالية , متى ما كانت لا تعنى كثيرا بالاشياء قدر عنايتها بأفكارنا الفطرية البديهية عن الاشياء)1 .

من الجدير الاشارة له أن ديكارت هو مبتدع الافكار الفطرية المستمدة من النزعة الايمانية الميتافيزيقية وليس كمنج فلسفي نسقي يعتمده العقل, علما أن بداية التفكير العقلي العلمي في القرن السابع عشركانت على يدي ديكارت في أعتباره مباحث الميتافيزيقا بالفلسفة أنتهى دورها في وجوب مجاوزتها وترك ما لايدركه العقل علميا, وبذلك أطلق عليه أبو الفلسفة الحديثة , والافكار الفطرية التي نادى بها ديكارت تقتصر على معطيات الادراك الميتافيزيقي اللاهوتي الديني, ولم يأخذ ديكارت مبدأ الافكار الفطرية على مستوى التفكير النسقي الذي أمتازت به فلسفته في الاشادة بالعقل والعلم على مختلف مستويات المباحث الفلسفية التي تناولها بدءا من الرياضيات وليس أنتهاءا بالتشريح في دراسته وظائف علم الاعضاء في الجسم.

كانط يرى على العكس من ديكارت الافكار الفطرية المزوّد بها العقل في الاستدلال الفلسفي النسقي وليس الميتافيزيقي المحدود,أنها هي والافكار المكتسبة بالتجربة والخبرة دلالة واحدة في معنى وحقيقة الادراك العقلي للاشياء… ووظيفة العقل الاساسية بحسب كانط معاملته المدركات بدلالة الافكار الفطرية , والتسامي الفكري المتعالي على الاحاسيس أنما يتم بالافكار الفطرية داخل العقل وفي مخزن الذاكرة والذهن, ووسيلة ذلك قالبي المكان والزمان بأعتبارهما معطيين فطريين ثابتين ملازمين العقل سابقين على وجود الاشياء حسب فرضيته.

ويمكننا هنا التساؤل ما مصدر أفكارنا الفطرية التي تحكم بها عقولنا الوجود ومعطيات الادراك ؟ وكيف لنا عدم التشكيك أنه لا وجود قبلي لقالبي الادراك العقلي في الزمان والمكان كما يراه كانط وأنهما ليسا حصيلة التجربة والمعرفة المكتسبة في الذاكرة ؟ أذا ما نحّينا جانبا الافكار الفطرية التي يغلب عليها طابع الايمان الديني المثالي والميتافيزيقا وما يتفرع عنها من ملكات فطرية كالعواطف والوجدانات وقيم الخير ومعاني الاخلاق والجمال وغيرها, وليس للافكار الفطرية قدرة منهجية على الاستدلال الفلسفي القائم على المنطق العقلي الذي يستمد معالجاته الادراكية من التجربة الحياتية العملية والخبرة المكتسبة المتراكمة وبغير ذلك لا يمتلك العقل مدركات وأفكار فطرية تمّكنه فهم الوجود وعالم الاشياء وهو خلو من أنواع المعارف….

هذا يقودنا الى تساؤل أكثر أهمية هو كيف يفكر العقل وكيف يقوم بأدراك الاشياء والاحاسيس من غير الأخذ بنظرية كانط في قالبي الزمان والمكان والافكار الفطرية؟؟ لا يتوفر بديل منطقي فلسفي ولا علمي أيضا.

وهذا التساؤل يقودنا الى حتمية وجوب التفريق كيف نكتسب معارفنا؟ هل بالفطرة كما يذهب له كانط أم بالتجربة التراكمية المكتسبة كما تذهب له الوضعية المنطقية الحديثة ومدارس الفلسفة التحليلية والمادية الماركسية وغيرها؟

يجيب كانط حول هذا التساؤل( أن قالبي المكان والزمان مسلّم بهما بالاستدلال العقلي, لأن كل التجربة المنظمة تشملهما وتفترض وجودهما, وبغيرهما لا يمكن أن تنمو الاحساسات الى مدركات حسية )2, طبعا هذا يتم بوسيلة العقل معالجته مدركاته الحسّية والتعبير عنها بالفكر واللغة…ولا تتحول الاحساسات الادراكية الاولية الى أفكار تعّبر عن مدركات العقل بغير قالبي المكان والزمان الفطريان السابقان على وجود الاشياء وأدراك العالم الخارجي كما في فرضية كانط..

ولغياب معرفة كيفية آلية ألادراك التفكيري العقلي للاشياء داخل الذهن ومنظومة الجهاز العصبي المعقدة, يمكننا فقط التسليم بقالبي المكان والزمان, رغم أستحالة أن لا يكونا كليهما سوى أدراكا زمنيا واحدا فقط, فلا يوجد غير أدراك زمني واحد ولنا توضيح قادم لذلك كنا أوضحناه في (مقالتنا :الزمان في مدركات العقل / المثقف).

ولا نعتقد كانط لا يقّر أن الادراك الحسّي للاشياء وأن كان غير موثوق به لكنه يسبق أفكارنا المعرفية عنها والا سقطنا في مثالية بيركلي وديفيد هيوم التي أدانهما, ذهابهما القول أننا لا نمتلك سوى الافكار وصور الاشياء ولا وجود خارج هذه الفعالية العقلية التجريدية سوى الاحساسات بالاشياء.

والوجود الحسّي ليس بالمستطاع مجاوزته والتعالي عليه بغير وسيلة الفكر التخليقي للاشياء داخل العقل في تحويل الاحساسات الى أفكاروتعبير لغوي, وهو ما أشار له كانط قبل سطور…. ولا يمكننا تصور مدركات حسّية عقلية لا ينتج عنها أفكارا تخليقية التي هي مقولات العقل عن الاشياء بعد معالجتها بالذهن, الا بوجود مواضيع سابقة على الادراك الحسّي والعقلي لها, لأن العقل عاجز عن توليد الاحاسيس أو الافكار اللغوية من لاشيء…فأدراك العقل يتوقف عمله نهائيا من غير موضوع مفّكر به كوجود مادي أو موضوع متخيّل من الذاكرة….

أذا عدنا الى مقولة كانط السابقة أن الافكار الفطرية نتاج عقلي في أقراره بديهيات معرفية في فهم وجود الاشياء, فهذا يقودنا الى ما لا يعتمده كانط من أن الافكارالتي يخلقها وجود الاشياء ناتجة عن عاملين من غير توفرهما لا يكون هناك أدراك حقيقي للاشياء, أولهما وجود الشيء السابق(الموضوع) على الادراك في العالم الخارجي يمّثل الحافز الاول لعملية الادراك الحسي قبل تحويلها الى أفكار ناتجة عن تخليق العقل.. والثاني مرجعية العقل في القدرة على الادراك ومعالجة كل الاحاسيس عن الاشياء في تجريد العقل لها وفي معالجتها بالذهن كأفكارعن الشيء المدرك في العالم الخارجي أو المتخيل من الذاكرة…

أن حكم العقل على مدركاته ومواضيعه لا تكون ولا تتوفر الا بالمعرفة والخبرة التراكمية المكتسبة,كما لا وجود حقيقي لأفكار فطرية نعجز البرهنة أنها وسائل أدراكية يعتمدها العقل المنطقي أو الفلسفي…. وأقصى غاية  نحصل عليها من الافكار الفطرية السابقة على مدركات العقل أنها حدوسات عقلية وأحيانا وجدانية عاطفية تلغي حضور العقل المنطقي أو آلية التفكير العلمي…,

وقالبي الادراك المكان والزمان حسب نظرية كانط, في حال تجريدنا لهما من مدركات موجودية الاشياء في الطبيعة يتعّطّل معنا أدراك العقل بهما نهائيا وبغيرهما أيضا من حيث أننا لا نمتلك غير الأخذ بصحة فرضية قالبي المكان والزمان كمعطيين فطريين عند كانط في بناء مفهومه النسقي في المعرفة والادراك على السواء, فالعقل لا يستطيع كما ذهبنا له أعطاء المحسوسات المدركة أي شكل من التعبير الفكري عنها ما لم يكن مكتسبا لذخيرة فكرية تجريبية مكتسبة سابقة على الادراك عن الشيء في وجوده وليس عن الشيء في تجريده الفكري كنتاج للعقل في الغائنا أسبقية وجوده المادي بغية توكيدنا أهمية الافكارعنه… والافكار الفطرية لا تستطيع معرفة الاشياء في غياب عدم أمتلاكها معرفة قبلية تجريبية مكتسبة, وبذا لا تكون أفكارا فطرية يمكن الاستدلال بها عقليا, فقالبي الزمان والمكان اللذان يعتبرهما كانط معطيين فطريين بالعقل سابقين على وجود الاشياء ,هما وسيلتا العقل الادراكي للاشياء ويبقى العمل بهما أجتهادا فلسفيا ذهنيا قابلا للتطبيق الاستدلالي في معرفة الاشياء حسب فرضية كانط.. لكننا لا نمتلك البديل عنهما في غير أعتمادهما بعملية الادراك الحسي والعقلي المعقدة في الذهن ومنظومة الجهاز العصبي….. ولا بديل متوفر لأدراك العقل بدونهما فلسفيا وليس علميا,فمدركات العلم لا تخضع الى نفس الآلية التي وضعها كانط في الاستدلال الفلسفي بالمعطيات الفطرية, وقد تحاشى كانط هذا في تسمية مؤلفه (نقد العقل المحض) الذي أراد به أنه عقل خارج ضوابط العقل العلمي في الاستدلال الفلسفي ومعرفة الاشياء بالتجربة… والأهم من كل هذا أن قالبي الزمان والمكان ليسا كما ذهب كانط أنهما وسيلتا الاستدلال العقلي بالفطرة ولا يمكن الأخذ برأيه الا في الاقرار أنهما معارف ليست قبلية في الذهن وأنما هما نتاج خبرات وتجارب متراكمة عن الاحساسات بالوجود المادي للاشياء, فالافكار الفطرية لا يمكنها التعبير عن مدركات الموجودات المادية في العالم الخارجي ما لم تكن تمتلك معارف قبلية قطعية تجريبية يقينية مسبّقة عنها ولا تكفي الافكار الفطرية الاحاطة الادراكية بعالم الاشياء المادي في تراكماته المتجددة دائما عبر العصور…..

جون لوك وديفيد هيوم ومعرفة العالم

لا بأس من الاسترشاد بآراء جون لوك في مقولته الفلسفية المعروفة التي تقول ( أن العقل يكون عند ولادة الطفل كالصفحة البيضاء خاليا من كل شيء.. وتأخذ الحواس والتجارب تكتب على هذه الصفحة بوسائل كثيرة.. الى أن تلد الحواس الذاكرة  والذاكرة تلد الافكار )3.

ومبعث أستنكار جون لوك للآراء الفطرية القبلية بحسب عبارته السابقة أنما هي تفكيرعقلي مادي صحيح رغم أن صاحبه لا يؤمن بغير مثالية الافكار تخلق الوجود ولا موجود حقيقي سوى بالذهن التجريدي في صورالاشياء الواردة فقط. وعزّز ذلك مجيء بيركلي (1683 – 1753) الذي أنكر وجود مادة أو وجود عالم خارجي, بأستثناء أقراره بمادية العقل البيولوجية ومناداته بلا مادية العقل الادراكية التجريدية, وأكمل ديفيد هيوم مشواره (1711 – 1776) (بأن لاوجود للعقل المفكر ومن الممكن الاجابة أيضا بأن العقل ليس المرجع والاختيار النهائي في الحكم على الامور)4 .

أي أنه أنكر العقل المادي في التفكير الفلسفي وما يتعالق معه ويترتب عليه…وقد سبق لباسكال مقولته أن القلب له تفكيره الخاص بما لا يفهمه العقل, ولروسو ترجيحا أيضا أن المشاعر الانسانية لها أهمية قبل أفكار العقل المادية ,والغريزة والمشاعر جديرة بالثقة اكثر من العقل. علما أن ليس بأمكان أحد الغاء رابطة العقل الشعورية واللاشعورية السايكولوجية وما يتفرع عنها من عواطف ووجدانات وقيم أخلاقية وجمالية وفنية وغيرها كلها تعتمد بشكل وآخر مرجعية العقل في الاحتكام لها حتى وأن جاءت حدوسا لاشعورية…فالعاطفة والوجدانات ليستا تجريدا فكريا فطريا يقبع في الذاكرة وأنما هما فعالية معرفية تطبيقية بالحياة تكون مرجعيتها أعتماد العقل العملاني الحيوي وحتى في نزعاته المثالية..والتعبير عن العواطف والاحساسات بالقيم والجمال تكون صماء وعزلاء لا يمكننا أدراك أثرها بالحياة من غير تخليق وتعبير العقل لها بالافكارواللغة الصادرتين عن حدوسها.. ..

كانط والوعي الذاتي بالاحساسات

يذهب كانط لشرح عملية تحويل مادة الاحساس الخام الى أنتاج ألفكر التام في الوعي الذاتي للموجودات عبر الآلية التالية:

اولا , تنسيق الاحاساسات الواردة من الخارج وأضفاء قالبي الادراك الحسي عليهما وهما المكان والزمان.5,ويعتبر كانط قالبي الزمان والمكان وسيلتي الادراك العقلي المحض في أعتبارهما معطيين فطريين قبليين في العقل سابقين على الموجودات والاحاسيس بها ويعتمدهما العقل في تنظيم المدركات الحسية الواردة له…

ثانيا , تنسيق هذه المدركات الحسية المتطورة عبر المرحلة الاولى بتطبيق أنواع الرأي عليها حتى نستخرج مدركات عقلية منها. 6

وتحويل الاحاساسات الى مدركات عقلية عن الشيء حسب كانط, في أعتبارها   المادة الخام التي يعتمدها العقل في قالبي المكان والزمان لأجراء عملية تخليق داخل العقل بما يعرف بمقولات العقل الفكرية عن الشيء.

أن الحقيقة الواجب الاشارة لها أن قالبي المكان والزمان في تنظيم الاحاسيس هو أفتراض وجودهما الفطري كمدركات وحيدة للعقل حسب نظرية كانط, لكن نرى لا تعطي مقبوليتها بغير أعتبارهما وسيلتا العقل الادراكي وقالبي أدراك جرى أكتسابهما معرفيا بعديا لا قبليا بالخبرة والتجربة المتراكمة ولا يمكن لأفكار فطرية أن تفهم وتدرك الموجودات المادية في الطبيعة في تطوراتها وتبدلاتها المتتالية عبر العصور, وبغير هذا المعنى يكون قالبي الزمان والمكان عاجزين عن نقل الاحاساسات المادية من والى ألعقل والتعبير عن تلك الاحاسيس والمدركات بالفكر واللغة أو بغيرهما من وسائل التواصل…

هل نستطيع مثلا القول بأن قالبي المكان والزمان هما عند الطفل والبالغ فطريان قبليان يتمتعان بنفس الوسيلة والمقدرة المعرفية الادراكية في حال أقرارنا الخاطيء مع كانط أنهما معطيان فطريان بالعقل سابقان على وجود الاشياء والمدركات؟ بالتاكيد لا يمكننا المساواة بين الادراكين ألا بتفريق أن كل ماهو مكتسب بالخبرة والتجربة يكون أكثر ترجيحا في فهم وأدراك الموجودات في عالم الاشياء المادية, لذا يكون أدراك البالغ أكثر جدوى معرفية منه عند الطفل الذي تكون مداركه الاستيعابية لفهم الوجود في طور التكوين الجنيني البدائي والمحدود في الاكتساب المعرفي.

من المسائل التي نراها ضرورية أيضا أن الزمان يدرك الاشياء قبل أدراك العقل لها, لأنه وسيلة العقل بالادراك سابق على المدرك العقلي للاشياء,… وليس بمكنة العقل أدراك الاحساسات عن الاشياء قبل الحواس والادراك الزماني لها… والزمان لا يعقل أدراكه الاشياء الا بوصاية وتوجيه من العقل له فالزمن لا يعي ذاته وقد لا يكون متيّسرا له أدراكه موضوعات الوجود من غير تداخل العقل معه… بمعنى أن الزمان الذي يكون وسيلة أدراك عقلي يصبح موضوعا لمدركه العقل, وهذا ما لا يقر به فلسفيا كانط وأشياعه من حيث أن قالبي المكان والزمان هما وسيلتا أدراك ولا يكونان موضوعين لادراك العقل كباقي موجودات الطبيعة والعالم الخارجي…

والقول الافتراضي غير الكانطي بوصاية العقل على الزمان في الادراك وتوجيهه له في حين هو  أي الزمان لا يعقل نفسه سواء أكان وسيلة أدراك أو موضوع أدراك عقلي, كما لا يستطيع العقل فك مغاليق الزمان لمعرفته؟؟ ثم كيف تكون وصاية عقل على زمان لا يستطيع أن يعقله العقل كمدرك موضوعي وما هي صفاته وماهي ماهيته؟؟ وكيف يكون ويتم الزمان أدراكه الاشياء وهو لا يعقل ذاته, والذي لا يعقل ذاته, من المريب المشكوك به أن يدرك موضوعه من دون وصاية العقل وتداخله معه في توجيهه والوصاية عليه ولم يثبت هذا لا علميا ولا فلسفيا….

 أمام هذا التعقيد الاشكالي كل مانستطيعه هو القول أن العقل والزمان يدركان الاشياء سوية في تداخلهما المتكامل غير الواضح وغير المعروف عنه شيئا, عن ذلك التداخل الادراكي لكليهما في فهم الاشياء وكيف تتم وبأية آلية ؟؟

وأذا ما قلنا أن الزمان هو وسيلة أدراك عقلي غير معروفة ماهيته ولا كيف يتداخل مع العقل في أدراكه الاشياء نكون بذلك وصلنا الى طريق مسدود يجعلنا نفكر خارج العقل المنطقي في قبول أن يكون الزمان معطى فطريا يعقل ذاته بمعزل عن العقل أو معه وهو خطأ وتناقض لا يغتفر, أذ أن الزمن لا يعقل ذاته, أذن في هذه الحال نحن ملزمون قبول أن للعقل وصاية على الزمن لا يدركها الزمن من جهة ولا يفهمها العقل من جهة أخرى, وهو تفكير وأستنتاج غير منطقي لكنه حقيقي في حصوله الادراكي للاشياء, في وقت نعجزفيه معرفة كيف يتم أدراك الاشياء ومن له الافضلية والاسبقية في عملية الادراك العقل أم الزمان؟؟

لا نخرج من هذه المتاهة المنطقية الا بأقرار أن الزمان مدرك عقلي لا يدرك ذاته وهو وسيلة وموضوع للعقل وليس وسيلة فقط كما يذهب له كانط وغالبية الفلاسفة المثاليين في اعتبارهم ما يدرك موجود وما لا يدرك غير موجود, والزمن لا يدرك أذن هو غير موجود وهو ليس بموضوع يدرك بالعقل…أستنتاج مثالي مضحك,, وفي هذه الفرضية الخاطئة في أعتبارنا الزمن موضوعا للعقل لا يستطيع أدراكه.. يكون بهذا العقل ملزما أن يعطينا فهمه للزمن وهو أستحالة معرفية أدراكية معجزة للعقل… العقل عاجز عن معرفة شيء لا يكون موضوعا مدركا له كباقي موجودات الطبيعة, وفي حال أقحامنا له كموضوع فلا يغير هذا شيئا أمام حقيقة العقل لا يدرك الزمان…كما نجد أن قالبي المكان والزمان ومعهما العقل جميعا في حقيقتهم أدراك زمني واحد متداخل لا يمكن التفريق والفصل بينهم, وكيف يكون الزمان (موضوعا) مدركا من غير معرفة ماهيته ولا ظواهره كمتعيّن موجود يمتلك حضوره الادراكي غير الحدسي فقط ؟

أن أدراك الزمان لشيء هو في حقيقته برأينا الغاء أدراكه المكاني.. فالمكاني الموجود لا قيمة أدراكية له منفردا عن أدراكية الزمان له, وقولنا أننا يمكننا تفريق الادراك الزماني عن المكاني عبث لا طائل منه, وهو مفهوم متداول بالفلسفة أن للمكان أدراك يختلف عن أدراك الزمان ولا يقر أو يعمل بهذا الفهم الخاطيء العلم الطبيعي…. الذي يعتبر كل مدرك مكاني هو في حقيقته مدرك زماني يلغي ويحتوي المدرك مكانا في ثباته وفي حركته… ومكان الشيء لا يحدد أدراكنا له من غير أدراك زمني يحتويه وينوب عنه في ثباته وفي حركته معا وهو ما يذهب له العلم التجريبي المتخصص وليس الفلسفة المثالية.. وقد أخطأ فلاسفة عديدون في تخطئتهم العلم بدلا من الفلسفة في هذه الحقيقة الاشكالية..من بينهم برجسون الذي قال متهكما أن العلم يحسب أدراك الاشياء في زمانها على أنه مدركها في مكانها!! والحقيقة التي تجاهلها برجسون أن العلم لا يخطأ كما تخطأ الفلسفة..وليس من الصحيح تعليق أخطاء الفلسفة على مشجب العلم..

أن الخدعة التي يتداولها ويقوم العقل بها هنا أنه يدرك الاشياء  (مكانيا) في غياب غير محسوس للزمان كموضوع مدرك عقليا في حضوره وسيلة أدراك فقط, الادراك الزمني الذي يحدسه العقل وحده في عملية أدراك الاشياء مكانيا, في حين الحقيقة العلمية تقول أن أدراك العقل للاشياء يكون زمنيا فقط, ومكان الشيء لا يستدل على وجوده بالعقل قبل أدراك الزمن له, وليس من موجود في الطبيعة ممكن أدراكه في حركته ومكانه الا بعد الادراك الزمني له وليس في أدراك العقل المستحيل للاشياء (مكانا) من غير أسبقية أدراكها الزمني…لذا يكون أدراك الزمان للاشياء سابق على أدراك العقل لها , وفي حقيقتهما أنهما أدراك واحد لشيء واحد أو مع عدة أشياء منفردة… وفي هذا المعنى يمكننا القول أن المكان ثابت في أدراك الزمن له, لكن الزمن متغير ومتحرك في أدراكاته الاشياء في أمكنتها..وبهذا يتمكن العقل أدراك الاشياء مكانيا في عجزه وعدم أدراكه الزمن كموضوع كما هوالحال في أدراكه الاشياء مكانيا كمواضيع…بينما يبقى الزمن وسيلة العقل الادراكية وليس موضوعا يدركه العقل كما في أدراكه المكان…

وبالنظر لخلاصتنا التي توصلناها أن الزمان والعقل يتداخلان في أدراكهما الاشياء بشفرة غير معروفة ولا مفصح عنها لا علميا ولا فلسفيا,في من له الاسبقية في التراتيبية الادراكية لكليهما, وكيف يتكاملان في أدراكهما الاشياء,,ذلك يجعلنا نذهب الى القول أن الزمان والعقل يدركان الشيء الواحد في لحظة واحدة متداخلة يصعب علينا التفريق والفصل بينها في قدرة العقل عن قدرة الزمان ولا كيف تتم عملية الادراك للاشياء في تداخلهما؟؟ أنما هي شفرة وتعقيد غير مفهوم في تعالقهما مع كل من الاحاسيس من جهة ومع منظومة الجهاز العصبي من جهة أخرى..ولا يمكننا أن نحسب للعقل لحظة أدراكه الاشياء لوحدها ولا للزمان مثل ذلك أيضا في لحظة أدراك لا علاقة لها بالعقل زمنيا  ومحال أن لا يتداخل العقل والزمان أدراكيا..

السؤال الذي نختم به ولم نجد له جوابا هو ,هل الزمان في تلبيته رغبة العقل نقل مدركات الاشياء زمنيا للعقل ينقلها بنوع من التنظيم التراتيبي الادراكي الذي تتداخل فيه مدركات الحواس مع زمانية الادراك للشيء الواحد؟

جوابنا المتواضع غير الشافي أننا نعلم أن العقل يدرك الاشياء في وجودها الخارجي بعشوائية في تعدد الحواس الناقلة للعقل عبرأستلام منظومة الجهاز العصبي آلاف الايعازات المختلفة والمتباينة والمتنوعة من حيث زمن تواردها وأختلاف أمكنتها وتنوّع مصادرها,, ويقوم العقل في معالجتها وأعطاء الردود عليها تراتيبيا داخل العقل في أفكارتوليدية معبّرة عنها؟؟ ويبقى السؤال اللغز المحيّر ما دور الزمان بتلك الادراكات التي تنقلها الحواس وهل توجد آلية أدراكية تجمع الزمان بالحواس كما هي علاقة العقل بالزمان؟؟ مؤكد يوجد جواب لكني لا أعرفه !؟

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش

  1. ويل ديورانت , قصة الفلسفة ص 335
  2. المصدر السابق ص 337
  3. المصدر السابق 339
  4. المصدر السابق ص 319
  5. المصدر السابق ص 322
  6. المصدر السابق 337

شاهد أيضاً

الدين والعلمانية: القطة … سوداء أم بيضاء؟!

سامي عبد العال سامي عبد العال           مُجدَّداً في سياق السياسة، تبدو ثنائيةُ الدين والعلمانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *