الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / لِمَ الفَلْسَفَة؟!؟

لِمَ الفَلْسَفَة؟!؟


عبد الحفيظ ايت ناصر

بقلم: عبد الحفيظ ايت ناصر

أستطيع ان أقول بأن الفلسفة هي البراءة. ولكن قد يكون هذا القول ثقيلا او غير مستساغ.

كلما رأيت يوسف الصغير قارنت الفلسفة بالبراءة والصفاء لأنه دوما فرح ومرح دائما قادر عن الاندهاش من نفس الشيء في كل مرة وقادر على التساؤل عن نفس الشيء في كل مرة كما هو قادر عن التساؤل بدهشة في كل مرة ووجه الاقتران بين الفلسفة والبراءة هو القدرة على رؤية الشيء الواحد في كل مرة برؤية جديدة تضمن لك صفاء الروح والنفس من شوائب التكرار والعادة والتبلد لان الأصل في الفلسفة هو معرفة دهاليز نفسك المظلمة بنفسك كوصية من اب الفلسفة وشهيدها سقراط اعطى الكأس وهي منية ***شفتي محب يشتهي التقبيلا حسب التعبير الشهير لأحمد شوقي، <أيها الانسان اعرف نفسك بنفسك> ومعرفة طبيعة مشاعرك الفلسفة تعطيك هذه الامكانية التي لن تجدها في أي حقل معرفي اخر ثم ان الفلسفة هي أسلوب حياة قبل ان تكون مساءلة لأي تراث فكري انساني.

نحن تتنفس نفس الهواء لكننا لا نصاب بحمة الزكام لأنه كلٌّ واستعداداته وكلنا ننظر ونشاهد ولكن مشاهدتنا ونظرتنا تختلف اليسا للعين نفس الخصائص العضوية ؟ اذن لماذا تختلف رؤانا والسؤال الأكبر هو عن طبيعة هذه الرؤى هل سليمة. هنا يأتي الدور التطبيبي الفلسفة فهي القادرة على تطبيب رؤانا ومعالجتها فالأمر دائما غير متعلق بالأشياء بقدر ما هو متعلق بما نفكره حول الأشياء والفلسفة تعطينا هذه الامكانية أي انها تقدم لنا مجالا واسعا للتفكير كما تسمح لنا بالتفكير في طبيعة هذا التفكير فعندما تكون نفوسنا متعبة وارواحنا منهكة فإن تفكيرنا وبكل تأكيد سيكون كليلا مريضا وليس لأقدر على تطبيب الفكر كالفلسفة.

ثم ماهي أوجه الإقتران الأخرى بين الفلسفة والبراءة هناك عبارة جميلة وردت في كتاب في الحاجة الى ابداع فلسفي للمفكرين  القديرين ادريس كثير و عز الدين الخطابي تقول : <…العودة الى البراءة الفلسفية ، وذلك بتطهير انفسنا من العادة والاحكام المسبقة ، وبتطهير الطريق لبدء البحث عن الطريق…> هذه الامكانية -التجرد من كل الخلفيات والاحكام المسبقة- هي التي يتميز بها الفكر الفلسفي الحر الذي لا يتقيد بأي خلفية كيفما كانت وهذا ما يميز يوسف الصغير صغير ابويه انه لا يتقيد بأي حكم مسبق ولازال قادرا على القيام بالتساؤل والاندهاش كأحد اهم الأفعال الفلسفية على الاطلاق ولأن الانسان يخضع التنشئة فتتدخل عناصر عدة في تكوين بنيته النفسية ويصبح حلقة في سيرورة ذاكرة جماعية فإنه يسقط في الذاتية وكلما تعمقت سطوة هذه الأمور الخارجية زاد بعده عن الموضوعية واصبح موجودا من اجل عنصر خارجي فتنتفى عنه صفة الحرية حكما بأن الحرية كما يعرفها ارسطو هي <الحر من يكون غاية في ذاته لا من يوجد من اجل غيره> اما الفلسفة تعلم الانسان ان يملك الأشياء لا ان تملكه هي فيكون بذاك اكثر استقلالية وراحة لأن سعادته وهناه  ينبعان من ذاته وغير مرتبطان بأي عنصر خارجي هذا الكم من الاستقلالية الذي تمنحه الفلسفة يؤكد وظيفتها التطبيبية.

ثم ان هذه البراءة وهذا النقاء يحمل الانسان على التفكير في القضايا الإنسانية الكونية الكبرى وسبني علاقة تفاهم وانسجام وقبول مع الغير لأنه ليس من المتوقع من شخص لا يقبا  نفسه ان يقبل الاخر والفلسفة ولأنها تفتح درب معرفة الذات وقبولها والتصالح معها بهذا تكون قد مهدت لعلاقة قبولٍ مع الاخر.

ولكن  تطرح امامنا إشكاليةُ هل الفلسفة للنخبة وهل النخبة هي الفئة الأكاديمية ؟؟

 اذا ما اخدنا بهذا المنطق فلا يحق لي اذن ان اكتب هذه الكلمات فظرف المكان يشهد اني اكتب الان في فضاء رحب تحت شجرة خروب كبيرة بين غنمي اما ظرف الزمان فيشهد اني حصلت للتو على شهادة الباكالوريا.

كما سبق فالفلسفة أسلوب حياة وما هوس النخبة ذاك الا تعصب بلا وجه حق فمتى كانت هوناك وصايات ودرجات تميز في الفكر انما الفكر طائر بيته السماء والافق الرحيب وهذه محاولة اقصائية للأخر وربما جاء نشوء فكر النخبة عن ضعف في قبول الاختلاف او استساغ الرؤية النقدية ففكر النخبة هذا يعتبر سلطة وليست هناك سلطة تقبل النقد كيفما كانت.

انا اذن لست من النخبة اذن لا يحق لي بموجب هذا صياغة أي محاولة فلسفية ماذا لو لم تكن مساءلاتي لنصوص فلاسفة اخرين كافية اتسمح لي بالكتابة ..هنا بالذات الخطأ فالفلسفة ليست هي الكتابة الفلسفية وليست هي مساءلة النصوص وصياغة الأطروحات وهذا التمثل الخاطئ ناتج عن طبيعة الدرس الفلسفي  الذي يعلمنا مساءلة النص فحسب لا ان نكون فلاسفة او محبين الفلسفة كما يتم تقديم الفلاسفة على وجه التقديس الامر الذي يبني لاشعور التلميذ على انه غير قادر على تقديم أي نقد لذاك النموذج او ذاك هذه الأمور التي تحصل في المرحلة الثانوية هي التي تعمل على تعزيز هذا الفكر النخبوي لهذا جاءت ضرورة الرجوع الى البراءة الفلسفية وان تكون الفلسفة أسلوب حياة سفينة فكر ان تكون هي المعنى الحقيقي للحرية وتكون طبيب النفس ونقوم الذات لا ان تكون اقصاء فكلما امنا بالنخبة في الفلسفة انجبنا جيلا لا يمت الفلسفة بصلة .

فيكون الجواب عن سؤال لم الفلسفة؟ ان نعرف ذواتنا ونسعى لنكون نحن ونكون موضوعيين ونعيش مستقلين عن أي اكراه خارجي.

شاهد أيضاً

الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف

علي محمد اليوسف توطئة  يمكننا تعريف الحقيقة المعرفية من جملة تعريفات عديدة متنوعة لها أنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *