الله أعلم


هناء السعيد

بقلم / هناء السعيد .. ( مصر )

أسئلة الناس تعكس همومهم وشغفهم، تعكس ظنونهم وأوهامهم، تمثل محور إرتكازهم، السؤال يفضح ، وأي فضيحة تلك التي ابتلينا بها في هيئة “فتوي” !!

الفتاوي فضحت تصورنا عن الدين أنه إنشغال بسفاسف الأمور، وعن الله في أنه تعبدك بما لا تفهم ، وعن أنفسنا ونرجسيتها.

بين يدي كتاب بيمين الإمام الأكبر د. ” محمود شلتوت” ، فتحته كي اقتبس من هديه ، لم أكن أبحث عن جواب، كنت أبحث في وديان الحياري عما يحيرهم ، صادفني سؤال عفوي برىء ” هل الصلاة بالبرنيطة تجوز أم لا ؟! ”

صدمني السؤال ، أثار بداخلي عشرات الأسئلة ، هل هذه قضية تستحق صياغتها مرفقة بعلامة استفهام وتحويلها لمعضلة تحتاج نابغة كشلتوت!!

إهانة لحرمة العباقرة أن يضيع وقتهم في عبث ،لكنه ابتلاء في صيغة سؤال، فله ولنا الله.. و المهدئات .

أجاب أنه يجوز طالما لا تحجب عن تمكين الجبهة من الأرض ، وأن الإسلام لا يعرف زي خاص ، فالزي يعود للعادة وللعرف لا ” للمفتي ” .

الفتوي غريبة ، لكنها عكست تكلفنا في أبسط أمور حياتنا ، غريبة لأنه ليس مفترض أن نكون جاهلين بالمسائل المحرمة ، وهل يصح في حق الإله أن يتركنا علي جهل بما يغضبه وبما سيعاقب عليه في الآخرة ، هل سيتركنا للصدف ، فماذا لو لم يأتي ببال السائل سؤاله وقضي عمره يصلي بقبعته،ثم تفاجيء يوم العرض أن ذلك محرم وعوقب ، هل هذا ممكن الحدوث!! يقيناً لا وألف لا.

(المحرمات) في الرسالة الخاتمة جاءت مفصلة واضحة معروفة لا تحتاج استنباط ولا بحث مع الشرطة.

ودليله قوله تعالي في سورة الأنعام 119

( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)

وجاءت هذه المحرمات فرادي في سور منها :

– قال تعالى : {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}

الأنعام : 151 – 153

– قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) الاعراف

-حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) المائدة

-حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٢٣﴾ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٢٤﴾ النساء

– الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) البقرة

وبعد كل هذا .. أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ !!

الله اعلم ، واعلمنا ، و إِنَّ المُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَي.

الدين الذي يحرض علي التفكر في كل شيء ، أغلق باب الاجتهاد في وجه أي “متأله ” يود أن يُحرم علي ذوقه ، لأن التحريم ( حق إلهي) ، سلطة لله وحده ، خالق الناس وربهم وأعلم بهم ولا عالم بالناس إلا هو ، عالم بما ينفعهم وما يضرهم ، فمن حقه وحده أن يقرر عن أي الأشياء يمنعهم ، فالأصل في الأمور أنها حلال طيبة ، لكن هذا الحلال ” مقيد” ، مقيد بعدده ووقته وكيفية ممارسته، لأننا مخلوقات راقية مكلفة ، لا يجدر بها أن تتصرف كما المخلوقات التي دونها بأن تفعل أي شيء بأي طريق في أي مناسبة.

فبدل إرهاق العقل في حقل ليس له فيه ناقة ولا جمل ، الأولي الابتعاد عن “التنطع” وإعمال العقل في فهم النص ومقاصده وذب فاسد التأويل عنه ، والاجتهاد في جعله متصلا مع حركة الحياة فاعلا فيها..

فمثل هذه الفتوي ، وما أكثر أخواتها ، هم سبب في إرتفاع نسب الوفيات تأثراً بالحسرة وخيبة الأمل .

شاهد أيضاً

الدين والعلمانية: القطة … سوداء أم بيضاء؟!

سامي عبد العال سامي عبد العال           مُجدَّداً في سياق السياسة، تبدو ثنائيةُ الدين والعلمانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *