الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / في النقد والإصلاح الديني

في النقد والإصلاح الديني

حسن العلوي

أثبتت تجربة الفكر النقدي للظاهرة الدينية، استعصاء الظاهرة الدينية على الموت والزوال، رغم ما اتسم به النقد من الجذرية والعمق بلغ درجة إعلان “موت” الإله. فقد امتد النقد إلى جذور الظاهرة وأسسها وأصولها. جذورها المتمثلة في الغرابة والخوف من الطبيعة وقواها، أو من الموت ونتائجه. وكذا أسسها القائمة على الإلهام والكشف والتجلي أو التجسيد أو الوحي بحسب تعدد التجارب الدينية وتنوعها.                       

نجح الفكر النقدي في تجريد “الدين” من ارتباطاته الأيديولوجية، التي حولته وتحوله إلى أداة للتوظيف الأيديولوجي في الاجتماع والسياسة.لكنه ظل ثابتا ومستمرا، مع استمرار قابليته لأن يعود من جديد للعب دوره في التوظيف في الحياة الاجتماعية والسياسية.                   

ونجح أيضا في إطار إعادة بناء خريطة الحياة الاجتماعية، على أسس جديدة، في تحديد موقع الدين ضمن خريطة المجتمع. تلك إجمالا حصيلة المنجز النقدي الغربي للظاهرة الدينية. أما في عالمنا نحن الذين لم نكد نتجاوز بعد وضع البداوة في الحياة والاجتماع، ووضع التعلم في الفكر والمعرفة. فنقد الظاهرة عندنا غالبا ما اتسم بالحدة في الأحكام، وبناء المواقف المتسرعة، أو العمل على استنساخ نتائج المنجز النقدي الغربي، وإسقاطها على الموضوع في المجال العربي الإسلامي.                                                      

وتعد تلك مرحلة في تاريخ مقاربة الظاهرة الدينية الإسلامية، غير أنه في العقد الأخير من القرن العشرين إلى اليوم، أخذت بعض الأعمال النقدية في الظهور، عملت على تجاوز ما وقعت فيه المرحلة السابقة من أخطاء. فاعتمدت المعرفة العلمية إلى حد كبير في النقد والتحليل.                                                    

وأهم مدخل اعتمدته تلك الأعمال في المقاربة، هو قراءة “الظاهرة” الإسلامية من الداخل، وهو ما منح ويمنح لها القوة في الطرح، وأضفى ويضفي على نتائجها قدرا من المصداقية المنطقية. و في ما يلي نتناول بعض هذه الأعمال النقدية، تمهيدا لمساهمة لنا في الإطار ذاته، موضوعها “النص” ألحديثي.                                                                                                       

تتفق الأعمال النقدية لكل من خليل عبد الكريم، وناصر حامد أبو زيد، ومحمد عابد الجابري، للتجربة الدينية الإسلامية، من منطلق واحد في المقاربة، وهو محيط النشأة وظروفها التاريخية، الاجتماعية والثقافية.       و في التحليل وقف هؤلاء النقاد عند نوعين من العوامل ارتبطت بهما التجربة الإسلامية في نشأتها وظهورها.                                                                                                                   

الأولى تتمثل في الثقافة السائدة في الإقليم الممتد من أوروبا إلى آسيا، وخاصة الفكر الديني السابق على الإسلام، أو بعبارة عبد الله العروي:”السجل الهلسيني”(ص25:السنة والإصلاح). النوع الثاني يتعلق بثقافة العرب وأعرافهم و…أو بتعبير أبي اسحق ألشاطبي:”معهود العرب”( ص59ج2:الموافقات).          

وهكذا وقف الجابري في كتاب:”التعريف بالقرآن”، وخليل عبد الكريم في كتابيه:”فترة التكوين في حياة الصادق الأمين” و”الأحناف دراسة في الفكر التوحيدي في المنطقة العربية قبل الإسلام”، عند نشاط حركتين دينيتين، أكدت كتب التاريخ والسيرة والحديث، اتصال صاحب الدعوة الإسلامية بهما وهما:         “الذين قالوا إنا نصارى” على لسان القرآن، كما اختاره الجابري(ص33).وهم الذين كانوا على مذهب أريوس ونسطور (فترة التكوين:خليل عبد الكريم).                                                                

 وفي هذا المستوى من العلاقة بالتجارب الدينية السابقة، توقفت أعمال النقاد عن تطور العلاقة بعد ذلك، التي تدرجت من الاعتراف ثم الهدنة وأخيرا النقد والطرد خاصة بالنسبة لليهود.                            

الحركة الثانية هي “حركة الأخناف”، التي ظهرت في الجزيرة العربية قبيل الإسلام، والتي تمثلت في مجموعة من الأشخاص، عرفوا بتمردهم على وضع العرب، ورفضهم لوضعهم الثقافي والديني بصفة خاصة. من هؤلاء “الأحناف”:قس بن ساعدة الأيادي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وزيد بن عمرو بن نوفل وورقة بن زيد و… وهم أشخاص وثقت المصادر التاريخية المعتمدة لدى النقاد، علاقة الرسول ببعضهم، كم سجلت ثناءه على الكثير منهم.                                                                                  

من ذلك قوله في حق ورقة بن نوفل:”لا تسبوا ورقة، فإني رأيته في ثياب أبيض”(ص37:كتاب الأحناف). وقال عن زيد بن عمرو بن نوفل الذي:”التقى به قبل الإسلام، وأنه سئل عنه أثناءها، فقال عنه: يبعث يوم القيامة أمة واحدة”(ص40:التعريف بالقرآن).                                                            

   مقاربة “الظاهرة القرآنية” باعتماد :”قراءات في محيط الدعوة” بعبارة الجابري(التعريف بالقرآن:ص23)، هو خطوة في اتجاه استكشاف مفهوم :”النص” “في تراثنا إن كان له وجود، أو العمل على صياغته وبلورته إن لم يكن له وجود”.                                                                         

    والبحث عن مفهوم “النص”، هو بحث عن ماهية “القرآن” وطبيعته (مفهوم النص،نصر حامد أبو زيد:ص10)، أو بعبارة الجابري:”التعريف بالقرآن الكريم” من خلال:”مسار الكون والتكوين”(ص13).      هدف التعريف :”إعطاء فكرة عن المراد تعريفه ببيان صفاته ومميزاته أو تحديد ماهيته” (التعريف بالقرآن:ص11).وعند خليل عبد الكريم هدفه :معرفة “الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية”.                                                                                                           

  تتأطر هذه الأعمال النقدية معرفيا، في مجال نقد التراث وقراءته، فهي تشكل في نظرنا الطور الثاني من تاريخ نقد التراث، الذي خصص طوره الأول لنقد الثقافة العالمة ونظم المعرفة فيها، والذي توج فيه العمل النقدي، بنقد العقل وتشريحه وإبراز مكوناته ومحدداته.                                                      

 والأعمال التي عرضناها تعتبر في نظرنا طورا ثانيا، دوره التمهيد للمرحلة الأهم في نقد وقراءة التراث الديني، وهي المرحلة التي سيكون موضوع الاشتغال فيها هو “النص”. ونظرا لكونها أعمالا تمهيدية، فقد اتسمت جميعها ب:”الحذر” الشديد. وهو ما تدل عليه لغة الخطاب لدى النقاد الذين عرضنا أعمالهم.           هل يشكل نقد الظاهرة الدينية، بالمعنى السابق خطرا على “الدين”؟ لقد سبق أن اشرنا إلى أن النقد الجدري والقاسي في كثير من الأحيان، الذي تعرض له الدين في الفكر الغربي الحديث والمعاصر، لم يستطع القضاء على الدين. بل إنه قدم خدمة كبيرة للدين عندما جرده وخلصه من ا”الشوائب” التي كانت تحوله، ولا زالت عندنا، إلى “أداة” للتوظيف في صراعات الحياة، الأمر الذي شوه حقيقته، وجعله عرضة للنقد والشك و…                                                                                                     

وتخليص الدين من ذلك كله، لاشك أن أي مخلص للدين وللحياة الفاضلة والراقية، لايمكن أن يقف ضده. فعندما يكون الدين “خالصا”، ينظم علاقة الفرد بخالقه، لن يكون لعبة بيد الايديولوجيين أيا كان نوعهم.(يتبع)

حسن العلوي                         

شاهد أيضاً

الخطاب الأيديولوجي في رواية “سيرة بني بلوط”

رياض كامل تمهيد تسعى هذه المقالة إلى دراسة بنية الخطاب الروائي في سيرة بني بلوط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *