الرئيسية / منتخبات / تغطية / نقد ميشال فوكو لسلطة إنتاج حقيقة الذات

نقد ميشال فوكو لسلطة إنتاج حقيقة الذات

ذ:رشيد ابعوش 

لقد أصبح الفرد في ظل الحداثة مهوسا بفيروس السلطة ،بل

أكثر من ذلك يمكننا القول انه حامل لسلطة تلاحقه وتتعـــــقل حركــــاته ،فلم يعد باستطاعة الفرد التخلص منها أو امتـلاك قدرة الانفلات من قبضتها ، إن السلطة أصبحت مثلها مثل العنكبوت التي تنسج خيوطها في كل مكان وتعكس معرفة كل خبايا الذات و أسرارها و حقائقها ،مما جعل من السلطة تعتمد السيطرة والرقابة من خلال استهداف الذات باعتبارها تشكل النواة الأولى للمجتمع ولتتمكن السلطة من أداء وظيفتها المتمثلة في التشريح السياسي للذات و محاولة بلوغ حقائقها اعتمدت على مبدأ التوزيع للقوى ومراكز التوجيه باستغلال مجموعة من القنوات التي يستخدمها الفاعلين الاجتماعيين كالإعلام والدين والمدرسة ومختلف المؤسسات الانضباطية التي التي تتميز و تنفرد كل واحدة من غيرها ببعض التقنيات الدقيقة التي تحدد نموذجها من التقويم المفضل للذات و تحدد ميكروفيزيائية السلطة،بالإضافة إلى علاقات القوى بين الأفراد وما يحدده الضمير الجمعي للجماعات، وفي هذه اللحظة أصبحت الذات لا تكتسب شرعية إلا إذا اعترفت بها السلطات العاملة ومنحها شارة و هوية تشكل جزء من خصائص وجودها من الولادة حتى الموت.  إن إشكالية علاقة السلطة بالذات تجعلنا نقع في بحر الفلسفة الفكوية ليس أننا قد نجد مقاربة لاشكاليتنا إنما كان الاختيار لها يحيلنا إلى اهتمام فلسفة ميشيل فوكو بأشيائنا اليومية و توجه أنظارنا إلى التعمق و الكشف عن مالم يوجه إليه النظر بعد.                                    

  تعتبر فلسفة الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو(1926-1984 ) فلسفة الاهتمام باليومي.ويتضح ذلك من خلال حفرها في ثنايا الواقع بكل تلبساته و هامشياته و محاولة تفكيكه بما هو تفكيك موضعي خالص، وهذا التفكيك ليس في معناه انسلاخ الجزء من الكل الذي يشمل حقيقة الذات في لحظة زمنية وتاريخية معينة إنما يعد تفكيكا موضعيا خالصا للآليات التي تعتمدها السلطة بغية السيطرة على رغبات الذات و ممارساتها داخل الفضاء الاجتماعي، ولعل جهد فوكو الاركيولوجي ليس إلا محاولة قراءة للحظات حاسمة في تاريخ الفكر الغربي باضهار الخلفيات المعرفية و الاجتماعية والسياسية التي تحكم العلاقة بين الذات والسلطة ، وهذا بالأساس ما يسعى إليه ميشيل فوكو في الفعل الاركيولوجي التوغل داخل النسيج الاجتماعي بكل حيثياثه و جوانبه التي تتعشقها كل من المعرفة والسلطة و تحديد المكونات التي تختص بها كل ثقافة من اجل الحتميات التاريخية التي أدت إلى خلق آليات الهيمنة والسلطة على الافراد.

إن اهتمام ميشيل فوكو بالنسق الاجتماعي و الوقائع الاجتماعية والتاريخية ليس إلا اهتماما راهنا ، لأنه لا يسائل هذه الوقائع لا ليسائل المجتمع الحديث والمعاصر بمعارفه وسلطاته و ذواته كيف تعمل السلطة داخل المجتمع؟ ما طبيعة الخطابات السلطوية التي تحدد و توزع المتع الجسدية؟  هل السلطة متعالية في المجتمع ؟ ام أنها تتخل جميع مجالاته وتخلق سياجا تحاصر به الذات ؟إن الوقوف بصدد هذه الإشكالات يستوجب القول ان ميشال فوكو يسعى في تحليله للسلطة إلى أن يبين بأن كل الآليات التي أنتجتها الحضارة الغربية لم تؤدي سوى إلى قمع الأفراد عبر خلق سياج لتقويم الذات الفردية و استخراج الحقيقة الكامنة في الأفراد وهذا ليس إلا جزء من الدور الذي تقوم به السلطة على لأفراد.

” إن الحقيقة لا يمكن اعتبارها شيئا محايدا ومنفصلا عن الشروط التي تمارس فيها السلطة “

لا يمكن الحديث عن الحقيقة إلا في علاقتها بالسلطة و الذات ، لكن عن أي سلطة نتحدث إذن , هل هي سلطة  تحكم الفرد في ذاته أم السلطة الخارجية ، إن الحداثة أسست لمبدأ إخضاع الإنسان لقوة السلطة وذلك من خلال مراقبته ومعاقبته اقتصاديا و سياسيا و اجتماعيا و تاريخيا ، وهنا يتعلق الأمر بالسلطة الخارجية التي احدتثها الحداثة الغربية  ذلك ما يوضحه  فوكو في كتابه ” الحراسة والعقاب ” إن الحداثة طورت أساليب و تقنيات تطويع الجسد و ترويضه ، بل أكثر من ذلك تجاوزت كل تلك الآليات لتنصب على الذات باعتبارها مركز استكشاف الحقائق عن طريق وهم الأفراد بحرية التعبير عن الرغبات و أن يتحدث الفرد عن كل ما تمليه عليه الذات الراغبة و بالتالي تجعل منه جسدا نمطيا يقوم بسلوكات ميكانيكية وفق آليات تقوم بتطبيع إشاراته و قولبة حركاته و إشاراته ، انه ليس إلا تشريحا سياسيا للجسد الإنساني ، فهذه التقنيات السلطوية الممارسة على الذات الإنسانية رهينة بمدى تقدم معرفة الإنسان الشيء الذي قاد ميشيل فوكو إلى مفهوم المعرفة من خلال حفريات تحليل سلطة الخطاب .

” لا شك اننا ينبغي ان نتحرر من هذه النظرة الاسمية ، فلا ننظر إلى السلطة على أنها مؤسسة أو بنية لا أنها خولت للبعض ، وإنما هي الاسم الذي نطلقه على وضعية إستراتيجية معقدة في مجتمع معين “

إن السلطة التي قلنا عنها أنها استهدفت الذات كسلطة تنتشرت في كل بقع المجتمع  ولها معنى ذو بعد استراتيجي  توهم الأفراد باسم القانون أنهم أحرار في التعبير عن حقائق الذات و تدفع بالافرد إلى إنتاج خطاب حول رغباتهم والقول بالحقيقة التي أصبحت مطلبا جماعيا و أمست ضرورة ان يخضع كل فرد لمتطلباتها ليكون ضمن ما هو حقيقي إلى درجة ان كل فرد يحاول قدر الامكان ان يعبر عن ممارساته و رغباته حسب ما تمليه عليه الذات الراغبة لكن تبقى الحقيقة المطلقة في إن الذات الراغبة تظل مقيدة بسلاسل السلطة الخارجية، فعلى سبيل المثال تلك الحقيقة التي يتم نشرها عن طريق الرغبات ولا سيما تلك الرغبات الجنسية التي نعتبرها سرا بيننا وبين الذات فهي تخضع لمنطق السلطة التي تكبل أفواهنا ورغباتنا و لا نستطيع أن نعبر عن رغبة الذات  وممارساتها حتى مع أولئك الذين نصارحهم عن أنفسنا وهذا كله ناتج عن خوف الذات من آليات المراقبة و المعاقبة التي تجعل منها ذاتا تحس بالخجل أمام القيم الضوابط التي تحددها السلطة الخارجية وفق مبادئ الجماعة والضمير الجمعي بالمعنى الدوركايمي.

” إن الحقيقة تشفي في أوانها لمن يلزم ومن قبل من يكون بآن معا مالكها و مسؤولا عنها “

حينما يعود بنا ميشال فوكو إلى الحداثة الغربية نتوقف وقفة التأمل في وظيفة السلطة التي تكمن في استبطان الذات و اكتشاف حقائقها التي يتم جردها عن طريق ما يسميه فوكو “بالمراقبة والمعاقبة ” كأساليب استعملت في العصر الوسيط لممارسة التحقيق في خدمة السلطة ، كما تم اعتماد هذه الآليات  وتطوير أساليبها حتى في يومنا هذا داخل المدرسة و يضاف إلى ذلك مدلول الامتحان والمعامل ،فهذه السلطة التي يطلق عليها فوكو ” بالتطبيعية ” تفرض التماثل بين المتعلمين وتفردهم لقياس الفروقات وتحديد المستويات و تتبث الاختصاصات و من بين تقنياتها نجد تقنية الامتحان أو الفرض الذي نقوم به تشخيصيا أو تكوينيا أو اجماليا مدى تمكن او عدم تمكن المتعلمين من المعارف من خلال العملية التعليمية التعلمية.

” إن تقنية الامتحان تقوم بتجميع تقنيات الترتيب الهرمي ”

حينما نكون بصدد هذه العملية نجد حضورا قويا للمراقبة التي يشكلها الأستاذ أو المدرس كسلطة خارجية عن ذاتية المتعلم و تأتي قوة المعاقبة في حالة اغفل المتعلم عن الحقائق التي تحددها السلطة. إن مثل هذه الآليات السلطوية التي أنتجتها الدول الغربية و مددت جذورها في الدول العربية لم تؤد إلا إلى قمع الأفراد والمتعلمين على وجه الخصوص بخلق سياج من المراقبة يحثهم على قول كل شيء لا عن الذات إنما ما تحدده السلطة ، الشيء الذي جعل المتعلمين يحاولون مواجهة تلك الحقائق  التي تفرضها السلطة بالاعتماد  على وسائل عدة  تتأرجح بين الزامية الحفظ اوالغش أ ما شابه ذلك فكلما ذق سمع المتعلم باسم الامتحان إلا و ظهرت سماته في ذهنه على انه عدو يجب هزيمته بأي طريقة و يسعى نحو الانفلات من المراقبة وإلا سوف يتعرض لعقوبة السلطة الخارجية. مما رسخ لديهم أيضا مجموعة من التمثلاث اتجاه المدرسة التي أصبحت بمثابة سجن كلما ذق جرس المؤسسة يندفعون بشكل قوي وارء باب المؤسسة ليعبروا عن أحاسيسهم و مشاعرهم لأن هناك سلطة الإدارة فوق كل اعتبار تجعل من ذاتية المتعلم تتصرف بطريقة آلية وفق قوانين المؤسسة دون أن تمنح له فرصة التعبير عن الذات كالموسيقى والرسم ومختلف المواهب التي تمتلكها تلك الذات كحقائق تنتظر مناسبة تفجيرها.

” إن السلطة أصبحت تحاصر حياتنا اليومية و فرديتنا أكثر فأكثر فأمست تخترق الأفراد و تظهر عبرهم . لذا يجب أن تنشأ الذات نفسها في كل حين كبؤرة مقاومة لكل شكل من أشكال القوى الخارجية “

ولهذا انتقد ميشيل فوكو كل الآليات السلطوية التي أنتجتها الحداثة الغربية بفرض العقوبة والمراقبة على الأفراد بهدف التحكم في حقائق وذاتهم، فهذه السلطة تقوم بتهميش الذات و استبعادها و تجاهلها ، ولتعميق النقد الفكوي للسلطة الخارجية في إنتاج حقيقة الذات نشأ فوكو خطابا فلسفيا يسميه ” استيطيقا الوجود” أو مسألة فن العيش كأحد الأبعاد الأساسية التي تمكن الأفراد من قوة تأسيس الحقيقة بعيدا عن السلطة و آلياتها ،فكلما تحكم الفرد في ذاته و اكتشف ذاته بذاته كلما تم خلق ذات أخلاقية لا يهم الخضوع إلى قواعد أو مواعظ أو أوامر خارجية وتنمح لوجودها بعدا جماليا. وهكذا قد ينتصر الفرد بذاته على كل سلطة و يتحرر من أيضا من سلطة تقويم الجسد و تطويعه ،وليثمن فوكو نقده للسلطة يرجع بنا إلى الحقبة اليونانية التي تميزت في قدرة الأفراد على اكتشاف الذات ولعل قول الفيلسوف اليوناني سقراط ” أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك فالحقيقة توجد بداخلك لا خارجك ”  يشكل دعوة صريحة اتجاه تأمل الذات في ذاتها و كشف حفائها و خباياها ، إن اليونان جعلوا من مسألة الذات الفردية موضوعا للتفكير والانتصار على السلطة التي تأتي من الخارج،فقيمة التجربة اليونانية لا تكمن أهميتها في الانتقال من الميثوس إلى اللوغوس إنما تمكن أهميتها في تحرير الذات من كل ميثولوجية و إيديولوجية تنتشر من خلالها السلطة قصد محاصرة الــذات .

                                                ذ: رشيد أبعوش

 بعض المراجع المعتمدة:

  • ميشال فوكو ” العناية بالذات ” مركز الإنماء القومي بيروت  ص 40
  • برنار هنري ليفي نسق ميشال فوكو ” نظام الخطاب” ترجمة محمد سبيلا 1984 ص50
  • ميشال فوكو “الفرد والمجتمع” تأليف حسين موسى ص 113 – 126  ط 2009 
  • ميشال فوكو ” المراقبة والمعاقبة ” ص 195 
  • –         ” تاريخ الجنسانية ” ميشال فوكو foucault michel histoire de la sexualité tom1-la volonté de savoir Gallimard  pp 19-20                                         

شاهد أيضاً

سيكولوجية الدولة الشمولية

حواس محمود إن سيطرة الدولة الشمولية في العالم العربي لفترة تقارب أو تزيد عن نصف …

3 تعليقات

  1. عبد الكريم رحموني

    مقال جميل فيه حملة معرفية ومفاهيم فلسفية بحاجة ماسة إلى إعادة تلميعها بالمفهوم التيتشوي.
    محاولة ربط سلطة فوكو بالمؤسسة التربوية فيه نوع من القفز على السلطة في حد ذاتها لهذا نرجو من الأستاذ إعادة النظر في مفهوم السلطة عند فوكو….دمت دخرا للحضور السلطوي الفوكوي.

  2. لحليمي الحبيب

    يوضح لنا ميشيل فوكو من خلال كتاباته الخطر الذي يكونه المشروع الغربي فقد استطاع هذا المشروع ان يتبث في وعي الطبقة

    الحاكمة عقاءديا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا ان عقلانية الممارسة هي العقل وان تاريخه المتداول هو التاريخ الحقيقي.

    المشروع في الأصل هو ابتكار كلام جديد يخترق اللغة القاءمة وبذلك يكسر لغة الدال والمدلول التي يقوم عليها فقه وفعل اللغة.

    اللغة تنقلب عندها إلي مجرد مصطلح والمصطلح يمنع الكلام خارجه أي ان الكلام يصبح سجين المصطلحات وما دمنا لا يمكننا

    الخروج عن المصطلحات فإنه لا يمكننا أن يكون لنا تاريخ للفرد ولو كان هناك تاريخ للشخص.

    ان ظهور التاريخ المبعثر المشتت اقترن بانحباس النص فوق سلطة الفقه اللغوي لان كتابة التاريخ هي كتابة الوثيقة وليس الكتابة عنها .

    ان كتابة النص التاريخي محتاجة لوثيقة لا تاخد شرعيتها علي الاقل الا من كونها محتاجة لهذه الوثيقة بالذات

    لكن التاريخ ليس هو التأريخ “من أرخ ” وليس هو كل ما كتب باسمه انه الحياة ومعرفة الحياة والاتصال بها مما يتطلب كاءنا حيا

    يخاطب كاءنا حيا

  3. شكرا جزيلا سي عبد الكريم على مداخلتك فيما يخص اشارتي السلطة التربوية لا اعتقد ان هناك قفز على السلطة الفكوية باعتبارها سلطة منتشرة في كل مجالات المجتمع ومن بينها التربية أو المدرسة التي استحضرت فيها مفهومي المراقبة والمعاقبة بين ذات تراقب و تعاقب و ذات تخضع للسلطة و هو الامر الذي أشار إليه فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة هذا دون أن ننسى أن الفلسفة الفكوية اهتمام باليومي و الأمر الذي اشرت اليه يعتبر جزء من
    حياتنا اليومية خاصة داخل المؤسسات التربوية ولهذا قمت بربط العلاقة بين مفهوم السلطة لدى فوكو و تجسيدها العملي في الواقع المعاش لكي يتبين للقراء فعلا ان فلسفة فوكو و اركيولوجيته تهتم بالواقع . و تحية طيبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *