الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / نظام الخطاب عند ميشيل فوكو

نظام الخطاب عند ميشيل فوكو

بقلم: رضوان الفجري باحث من المغرب

     يستهل ميشيل فوكو كتابه “نظام الخطاب”، بالحديث عن صعوبة صياغة خطاب عن الخطاب قائلا : ” في الخطاب الذي أتناوله اليوم، وفي الخطابات التي علي أن أتناولها استقبالا، كان بودي أن أنفذ خلسة، كنت أفضل أن أكون مغمورا بالكلمة، بدل أن أتناول الكلمة متشوفا لتجاوز كل بداية ممكنة […] وبدل أن أكون ذلك الشخص الدي يأتي منه الخطاب، أفضل أن أكون فجوة رهيفة في مجراه العرضي ونقطة اختفائه الممكنة.” [1]

    لكن المؤسسة الرسمية ترد بتهكم على هذه الرغبة المشتركة؛ في أن لا تكون هناك بداية، وأن يجد الناس أنفسهم في وضع خارجي بالنسبة للخطاب، حينما تضفي على البدايات طابعا رسميا، من خلال سياج من الصمت والاهتمام، وطقوس مواكبة.

  وإذا كان فوكو لا يرغب في إقحام نفسه في النظام الشائك للخطاب، وألا يرتبط بحده الفاصل ولا بحده القاطع، وأن يبقى محمولا بالخطاب وعلى الخطاب، فإن المؤسسة الرسمية تجيبه : “لا خوف عليك من البداية، نحن هنا جميعا لنبين لك أن الخطاب في حقيقة أمره نظام قوانين، ونحن نسهر على إظهاره، وقد خصصناه بمكانة تجرده من سلاحه، إلا أنها تشرفه، وإذا حدث أن تمتع ببعض السلطات، فمنا وحدنا يستمدها.” [2]

    ويعتقد فوكو أنه يجوز ألا تكون هذه المؤسسة، ولا تلك الرغبة، سوى إجابتين متعارضتين على قلق واحد؛ قلق حول ماهية الخطاب في واقعه المادي، باعتياره يتشكل من أشياء منطوقة ومكتوبة. وقلق يكمن في احساسنا تحت وطأة الخطاب بسلطات ومخاطر، وكذلك قلق يتأتى من توهمنا لألوان من المعارك والانتصارات، وضروب من الجروح والهيمنة والاستعباد، تنبعث كلها من كلمات شتى ” قلم الاستعمال الطويل أظافرها” حسب عبارة فوكو.

    ويمكن التساؤل: ما هو وجه الخطر في تحدث الناس، وكثرة خطاباتهم وتكاثرها؟

    يعتقد فوكو أن إنتاج الخطاب داخل كل مجتمع، إنما هو مراقب ومنتقى ومنظم، ويعاد توزيعه بموجب اجراءات لها دور في ابعاد سلطاته ومخاطره، ومن ثمة التحكم في حادثه الاحتمالي. ولعل أهم هذه الاجراءات هو اجراء الحظر؛ لهذا يقول فوكو: “نعلم جيدا أنه ليس لنا الحق في قول كل شيء، ولا الحديث عن أي شيء وفي أي مناسبة[…] ثمة قدسية الموضوع، وطقوس المقام، وحق الفضلية، أو حق التفرد الذي يتمتع به المتحدث”.[3] ولعل أبرز المواضيع التي يكون فيها الخطاب معرضا لكل أنواع الحظر؛ هي تلك المرتبطة بالحياة الجنسية والسياسية، وهو ما يكشف علاقة الخطاب بالرغبة والسلطة. إذ أن الخطاب ليس هو ذلك الذي يعلن عن رغبة أو يخفيها، بل إنه موضوع الرغبة. وليس الخطاب هو ما يفصح عن معارك وأنظمة من السيطرة، بل هو الأداة التي بها ومن أجلها يقع الصراع، إنه السلطة التي يسعى الكل للاستحواذ عليها.

    ويرى فوكو أن هناك مبدأ آخر لعملية النبذ يخضع لها الخطاب، لا يعتمد على مبدأ الحظر، وإنما يعتمد على القسمة والرفض، ويحيلنا فوكو هنا على التعارض القائم بين العقل والجنون. فابتداء من القرون الوسطى  تم اقصاء خطاب المجنون، وتم اعتبارأن كلامه لا يتضمن أية حقيقة ولا يمكن الاقتضاء به، فهو ليس صالحا لتوثيق عقد، ولا حتى للتقرب الديني.

   وهناك منظومة نبذ أخرى يخضع لها الخطاب، وهي تلك القائمة على التعارض بين الصدق والكذب، ذلك الذي تستند عليه إرادة الحقيقة. ولعل هذا ما جعل فوكو يثير انتباهنا إلى أنه “عندما نضع أنفسنا داخل خطاب معين، تبدو لنا التركة الموزعة بين حدي الصدق والكذب لا هي بذات طابع تعسفي، أو بذات طابع قانوني، لكن عندما نطرح السؤال حول إرادة الحقيقة، ماذا كانت وما عساها تكون عبر خطاباتنا، وبعبارة أخرى ما هو نموذج التركة الكامن في صورتها العامة، والذي يتحكم في غرادة المعرفة عندنا ؟ إذا تساءلنا على هذا النحو سنحصل على رسم لمنظومة من النبذ”.[4]

    وفي تحليله لهذه التركة التاريخية يعود فوكو إلى خطاب الصدق عند اليونان، ذلك الخطاب الذي وجب الانصياع له باعتباره يمتلك السيادة، حين ينطق به أسياد الحقيقة بموجب طقوس معلومة؛ باعتباره الخطاب الذي يعطي لكل ذي حق حقه. ثم انتقلت الحقيقة من مرحلة الفعل الخاضع للطقوس، إلى مرحلة الفعل الصائب؛ ومفاد ذلك أنها انتقلت من مرحلة التعبير إلى صور العبارة، أي أن الحقيقة اتجهت نحو معنى العبارة وصورتها، ونحو موضوعها وعلاقتها بمصادرها. وهكذا تأسست بين هزيود وأفلاطون تركة فصلت خطاب الصدق عن خطاب الكذب،من خلال اقصائها للخطاب السفسطائي، الذي لم تكن تحركه إرادة الحقيقة، وإنما كان يتغيا ترك الأثر في النفوس، باعتبار ذلك أنفع للناس.

     وكان من نتائج هذه التركة التاريخية، أنها أضفت صورتها العامة على إرادتنا في المعرفة. ويعتقد فوكو أن إرادة المعرفة المدعومة على هذا النحو، والموزعة توزيعا قانونيا، إنما تهدف إلى ممارسة نوع من الضغط على كل الخطابات الأخرى، حتى لكانها سلطة إكراه.  ومع ذلك يرى فوكو أننا لا نتحدث عن إرادة الحقيقة إلا قليلا كما لو كانت تتقنع بقناع الحقيقة ذاتها، ولعل السبب في ذلك –كما يرى فوكو- هو أن خطاب الصدق لم يعد هو ما يستجيب للرغبة ويمارس السلطة، وإنما أصبح هو الرغبة بالذات والسلطة بالذات، غير أن خطاب الصدق لا يقوى على الاعتراف بإرادة الحقيقة التي تخترقه، لأن لا بد له من قناع. ثمة إذن ثلاث منظومات تسيج الخطاب من الخارج وهي: الكلمة المحظورة، تركة الجنون، وإرادة الحقيقة.

    وعلى عكس المنظومات المذكورة أعلاه، والتي تباشر عملها من الخارج ،يرى فوكو أن هناك منظومات داخلية، يمارس الخطاب من خلالها رقابته الخاصة، حيث تلعب هذه الإجراءات الداخلية دور مبادئ التصنيف والترتيب والتوزيع. ويفترض فوكو أن كل مجتمع لابد أن يتوفر على حكايات يرويها الناس، وعلى جملة من الخطابات التي تواكبها طقوس معينة، ولا بد أن يتوفر كل مجتمع على أشياء تقال لمرة واحدة ثم يتم حفظها لأن الناس يتوهمون فيها ما يشبه السر. غير أن الخطابات لا تتساوى- في نظر فوكو- فهناك الخطابات التي يتم تداولها يوميا، وينتهي أمرها بانتهاء قولها، وهناك الخطابات التي هي أصل لضروب من الفعل الجديدة، وهي التي قيلت وستقال دائما، بصرف النظر عن صياغتها؛ ويقصد فوكو بذلك النصوص الدينية والقانونية، وكذلك النصوص الأدبية والخطابات العلمية.

    ويرى فوكو أن هناك منظومة ثالثة من الإجراءات لمراقبة الخطابات، لكن الأمرهذه المرة لا يتعلق بالسيطرة على ما في حوزة الخطاب من سلطة، ولا بتجنب مباغتة ظهوره، وإنما بتحديد شروط استعمال الخطاب، وفرض جملة من القواعد على الذين يستعملونه. وهكذا يصير باب الخطاب موصدا في وجه أي كان، وتقل الذوات المتكلمة، ومن ثم لن يلج نظام الخطاب إلا من يستجيب للشروط  ومن يملك المؤِهلات لذلك. فليست مناطق الخطاب مفتوحة على قدم المساواة( هناك دائما فاضل ومفضول)، فبعضها ممنوع، وبعضها الآخر يبدو شبه مفتوح في وجه الجميع بدون تضييق مسبق.

     وتلعب الطقوس -عند فوكو- دورا مهما في إنتاج الخطاب، فهي من يحدد المؤهلات التي يجب توفرها في المتحدثين، وهي كذلك من يحدد السلوك المناسب ومجموع الرموز التي ينبغي أن تصاحب الخطاب.إن الطقوس في النهاية هي التي تحدد الفعالية المفترضة أو المفروضة للكلام، وتحدد مفعول الكلام وقيمته الإلزامية. ولا يمكن استثناء الخطابات الدينية والقضائية، وكذا الخطابات السياسية والعلاجية من  فعل الطقوس، لأنها هي التي تعين للمتحدثين الأدوار المناسبة. ولا يغفل فوكو عن الدور الذي تقوم به جماعات الخطاب، وهو الذي يتجلى في إنتاج الخطاب وصيانته، مع الحرص على عدم توزيعه إلا بمقتضى قواعد مضبوطة. كما لا يغفل الدور الذي يلعبه المذهب (أكان دينيا أو سياسيا أو فلسفيا)، والمتمثل في إخضاع مزدوج: إخضاع الذوات المتحدثة إلى خطابات، وإخضاع الخطابات إلى جماعات يفترض أنها جماعة ذوات متحدثة.

     ويعتقد فوكو أنه ينبغي الإقرار بوجود فروق كبيرة، تهم ما يمكن أن نسميه  “التملك الاجتماعي للخطاب”، الذي يتم من خلال التربية والتعليم، لهذا نجده يقول:”إن التربية رغم أنها تسعى جاهدة -ولها الحق في ذلك- لكي تكون الأداة التي عن طريقها أن يتوفر لكل فرد داخل المجتمع على منفذ لأي خطاب، نعلم اليوم أن لها فيما يتعلق بتوزيعه نهجا يكرس التباعد والتعارض والصراعات الاجتماعية. إن كل نظام تربوي ما هو إلا وسيلة سياسية للحفاظ على تملك الخطاب”. [5] يتعلق الأمر إذن بأحد أكبر الإجراءات لإخضاع الخطاب والسيطرة عليه، لهذا يتساءل فوكو: ما عساه يكون نظام التعليم؟ إن لم يكن ضربا من اضفاء الطقوس على الكلام، وإن لم يكن تكوينا لجماعة مذهبية، وإن لم يكن توزيعا وتملكا للخطاب ، بكل ما له من سلطة ومعرفة.

يرى فوكو أن الخطاب عنف نوقعه بالأشياء،لأن العالم ليس في حالة تواطؤ مع معرفتنا، لهذا ينبغي أن نلتمس للخطاب حلا في لعبة الدلالات المسبقة، وألا نعتقد أن العالم يبدي لنا وجها مقروء، وما علينا إلا مطالعته لفك رموزه. إن مسيرتنا لا تبدأ من الخطاب لتنتهي إلى نواته الداخلية، ولا إلى صلب فكرة أو دلالة قد تتجلى فيه، بل إن مسيرتنا تنطلق من الخطاب ذاته، ومن ظهوره واطراده،ثم تتجه نحو الشروط الخارجية لإمكانه.

      لم يسعى فوكو إلى إضفاء صفة الحياد على الخطاب، أو اعتباره مجرد إشارة، ينبغي اختراق سمكها، للوصول إلى ما هو قابع في صمت وراءها. وإنما حاول أن يجعل الخطاب ينبجس في تعقيده الخاص، إذ أن الخطاب ليس وعاء لموضوعات تشكلت سلفا، يراكم بعضها فوق بعض، كما لو كانت تسجل وتدون. هكذا لن يبقى الخطاب تجليا لذات تفكر وتعرف، وتقول ما تفكر فيه وتعرفه، بل سيغدو الخطاب  عند فوكومظهرا لتبعثر الذات وانفصالها عن نفسها، إنه مكان كله خارج، ولا باطن له. غير أن الخطاب ليس محايدا ولا شفافا في وصفه للأفكار والأشياء، وإنما هو فعل عنف نمارسه على الأشياء، وقد يكون حجابا لإخفاء ما نمارسه. هكذا يمكن القول أن فعل التفكير لا يقف خلف الخطاب، وإنما يوجد داخل الممارسة الخطابية.

    لقد حاول فوكو دراسة نظام الخطاب في تلويناته وتعقيداته المختلفة، وذلك من خلال دراسة المبادئ والإجراءات والطقوس المتحكمة في إنتاجه وتداوله. ومن ثم سعى الكشف عن دور الممارسات الخطابية في إنتاج المعارف ( العلمية،القانونية، السياسية…)، ذلك أنه لا وجود لمعرفة بدون ممارسة خطابية محددة لها. هكذا سيكون للخطاب الدور الأبرز في تكوين السياسات العمومية، ومنه ستبرز الحاجة إلى تملكه والسيطرة عليه، وتوجيهه حسب مصالح الفاعلين السياسيين، ومن ثمة سيغدو الخطاب موضوع صراع سياسي، وستطرح معه إشكالية ارتباطه بالسلطة والتأثير المتبادل بينهما، حيث سيصعب الفصل بين الخطاب كسلطة، والسلطة كخطاب في لعبة تبادل الأدوار بينهما.

 المراجع:

[1] ميشال فوكو،جنيالوجيا المعرفة، ترجمة: أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر الطبعة الثانية 2008، ص 5.

[2] المرجع نفسه، ص 6.

[3] المرجع نفسه، ص 6.

[4] المرجع نفسه، ص 9.

[5] المرجع نفسه، ص 24.

شاهد أيضاً

المنهج العلمي

أسامة البحري بقلم أسامة البحري الفصل الأول : إشكالية العلمية الحفريات أمام حفريات المعرفة : …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *