الرئيسية / Non classé / العروي: نحو مفهوم مغاير للوحي

العروي: نحو مفهوم مغاير للوحي


نورالدين الولاد

بقلم: نورالدين الولاد ELOUALAD Noureddine، حاصل على الإجازة في الفلسفة بالرباط، ويتابع دراسته الآن في السنة الثانية ماستر “الفلسفة المعاصرة والفكر العلمي” بنفس الجامعة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية.

” لننظر إلى الدولة القائمة ولنترك الدولة المتخيلة” ع، العروي

   سيرا على هدي عبد الله العروي فإننا ننظر نظرة باردة إلى مفهوم الوحي؛ فلا الفلسفة أو علماء الكلام حرموا موضوعات وامتنعوا النظر فيها، ومنه فالدرس الذي ينبغي أن نضعه نصب أعيننا، منذ البداية، هو أن نركز على الفكر والتمحيص ونتغافل النتائج، يقول عبد الله العروي: “ما خطر ببالي منذ أن بدأت أطالع كتب الفريقين[1]، تمتعت بالجميع و أفدت من الجميع دون أن أنحاز إلى أحد منهم، مشددا على المسائل و الأدلة، متغافلا عن النتائج والخلاصات”[2] . فمن الأسئلة التي تطرح على كل شخص، لا ينصاع إلى الوحي انصياعا وثوقيا ليتحدث من داخله، نذكر: ما هو الوحي وكيف يمكن فهمه؟ لماذا هذا الوحي وكيف فرض نفسه وأقر بالوحدة في مقابل التعدد؟ لماذا يفرض الرسول مكانته في مكان ولحظة بعينهما؟  كيف يمكن رسم موقف اليوم بخصوص الوحي وتطلعات العالم الاقتصادية والعلمية؟ وهل يكفي الوحي في التطلع إلى تحديات العالم الكبرى وملاحقة الغرب أم أن الأمر يحتم وجهات نظر أخرى؟

   إن الوحي “سنة” و إذا كان علينا أن نعرف السنة، بداية، سنؤكد أنها تفيد طريقة أو مسلكا، إيجابيا أو سلبيا،إذ لا تهم هاتين الصفتين في التعريف اللغوي، والسنن كذلك هي السبل والطرق، وربما ذلك ما قصده العروي بمفهوم “سنة” الوارد كعنوان لكتابه: “السنة والإصلاح”؛ بحيث يستشعر الناظر في هذا الكتاب أنه لا يقصد دينا بعينه بقدر ما يتحدث عن الدين بشكل عام وفق منهج تاريخاني، لكن عند القول بــ “السنة” فإننا نخص سنة بعينها. وإن كان علينا أن نعرف هاته الأخيرة ــ السنة ــ فلنقل السنة الإبراهيمية بأسرها.

  لقد كانت الثقافة الهلنستية مطبوعة بتعدد الأئمة والمعلمين والشيوخ، وكل حضارة بعد موت “الإسكندر ذو القرنين” كانت تدلو بدلوها، مما جعل الإرادة في خلق نقطة تلاق فيما بينهم أمرا واردا، فالخوف من بسالة هذا التعدد الذي لا محالة سيؤدي إلى حروب وويلات، جعلتهم يتجهون نحو نقطة  تلاق يتلاشى معها الاختلاف.

   يقول العروي: “تتميز الثقافة الهلنستية بتعدد المعلمين و الشيوخ،…، فبعد أن تحقق الجميع أن الكثرة لا تغني، وأن تعدد الآلهة والأرباب لا يضمن أمنا ولا استقرار، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يحصل مع القول بالوا حدية،…،  ها الواحد الأحد،..، والذي هو دائما حاضر معنا، قريب منا، حافظ لنا.. الآن وإلى الأبد”[3]، فالتاريخ أثبت عند العروي أن التعدد، في مقابل الوحدة، لا يأتي إلا بالشرور والصراعات، وما دام هذا التنوع أفضى إلى صراعات فقد كان لا بد من فرض “الوحدة” تقضي على الهول الناجم عن الكثرة، ولا بد كذلك من سنة واحدة تكون بمثابة الترياق الشافي من وباء تعدد السنن.

   فتجربة الوحي، مع التجربة الإبراهيمية، جاءت كتتويج لمجموعة إرادات كانت تهدف إلى الغاية عينها، وهي إقرار الوحدة في مقابل التعدد، وبعد أن أفلحت هذه التجربة في بلوغ هذا المقصد، أصبحت القاعدة هي أنه لا وجود لأي دين إلا وهو إبراهيمي المنحى،[4] وبعبارة أخرى لم تعد الحاجة إلى بحث  ولا تنقيب، بل إن أي حادث صارت له مسوغات تبرره؛ وأي نازل لم يحدث إلا وتأويلات عدة من رجالات “السنة السائدة” قد أعلنت نفسها ليصير أي تأويل خارج عن هذه التآويل لا يُقام إلا باعتباره زندقة و كفرا…، هكذا صار الشعار الملائم هو: “اسأل تُجب، واطلب تفسيرا تنعم بقصة[5].

   إن الوحي حتى يصير وحيا كان إلزاما أن يفرض نفسه على كل ما أوحي غيره و قبله، والإسلام حتى يكون إسلاما وجب أن يمحي “الإسلامات” التي كانت قبله، فيسمي ما كان قبله “جاهلية”؛ فلكي يكون هناك إسلام كان لا بد أن تكون هناك جاهلية؛ فنقول إن الإسلام هو النهاية، صحيح إنه النهاية إلى حد اليوم، ولكن هذه الأخيرة هي كذلك بالنسبة للثقافة الإسلامية دون سواها من الثقافات، ولهذا السبب عينه هي نهاية موهومة؛ فبوهمنا نعتقد أنها كونية أو بالأحرى ينبغي أن تكون كذلك.

   تبقى تجربة إبراهيم هي التجربة المغلقة في مخيلة التجارب الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام، فكل شيء بدأ مع إبراهيم وكل شيء ينتهي إليه. إلا أن السؤال الذي فرض نفسه على  العروي هو: ” هل يوجد إبراهيم غير إبراهيمينا ولد في ناحية غير ناحيتنا؟[6] هذا السؤال من منظور الوحي محسوم في أمره، ولو تحقق ما يتطلع له العقلانيون، فثبت أن المصحف العثماني لم يُؤلف إلا في مرحلة متأخرة، بل حتى ولو أثبت أن المفاهيم القرآنية آرامية الأصل، لن يسفه ما قيل عن التجربة الإبراهيمية، ولو فطن أحد وادعى أنه اكتشف السر فإن ذلك لن يجدي نفعا أمام قوة الوحي، إذ يعود إلى حماية نفسه عبر التأويل، فهذا الأخير هو الذي يفعل فعلته لضمان سير الوحي.

   إن مشروع العروي لا يهدف إلى غلبة الوحي وبيان أنه ضعيف، بقدر ما يحمل مشروع حضاري يسعف في الخروج من هوان الدولة الاقتصادي والسياسي والتطلع إلى أفق الحداثة، حيث يقول: “عكس ما يتبادر إلى ذهن البعض، ليس في كلامنا عودة إلى ما قبل الوحي، ولو   فعلنا ذلك لناقضنا المنهج التاريخاني، الذي نقول به، ولا ندعو إلى رواقية جديدة[7]

   فالوحي، كــ “نيو سنة” أحدت  قطيعة مع “بوست سنة” وأرغم خصومه على الانصياع إليه. لكن ما الذي تبقى على الوحي العمل عليه بعد أن أرسى دعائمه وقواها؛ أي بعد أن قضى على التعدد المهول وحافظ على الوحدة المبشرة، للبعض، بالسلم و الوئام؟

   لقد سعت جاهدة هذه السنة كي تظهر أنها أغلبية موحدة الاتجاه تبالغ في تشرذم الخصوم، فتجعل من كل فرقة مستقلة تنعتها بالكفر والزيغ، يقول عبد الله العروي: ” لا شك أن السنة كانت محقة عندما قالت إن الحلول التي اقترحتها جل الفرق غير مرضية[8]، لكنها محقة من خلال النظر إلى رهانها الذي يسعى إلى الوحدة وكفى. أما الآن وفي هنيهاتنا المعاصرة، حسب العروي، فإن الأمر يقتضي النظر بتلسكوب تبصر مغاير.

   هكذا يستشف العروي أن “السنة” ـــ كوحي ـــ بعد وصولها إلى هذا المستوى أخذت تفرض “التقليد” فرضا، فتعتبر أي انزياح عنه خروجا عن الدين وعدم تصديق الوحي. فبعد وفات النبي محمد، على سبيل الذكر، لم تمض ثلاثون سنة حتى تفرقت الجماعات إلى ثلاث فرق متصارعة، وهنا يتساءل العروي سؤالا استنكاريا: “ألن يكون ذلك طبيعيا لا بدعة فيه، لأن السلطة أي كان نوعها لا تمارس إلا بطريقة واحدة.[9]

   والحال انه كان يبدو قبليا أن المؤهلين للفوز هم أشراف مكة، بل إنهم هم من سيضعون أسس السنة، ولكن ما بال الذين سيخرجون عن هذا التقليد، تقليد أشراف مكة؟ سيسمون “الخوارج”؛ إن الخوارج في واقع الأمر هم من خرجوا عن التقليد. لكن هذا “الخروج” وتكسير أسوار التقليد يعد من سنن التاريخ، فالإنسان بطبعه يضيق من القلعة محدودة الأفق، أليس إبراهيم عندما قال لأبيه: “إني براء مما تعبدون” كان قد خرج ورفض حضارة نهر النيل؟ نعم خرج وهي نقطة تحسب له كونه ساير الجديد وضاق من المألوف فارتأى إقرار تطور جديد. فما الذي يمنع من الفعل مثله و “الخروج” كما فعل هو؟ أليس فعل الخروج هذا يفرض فرضا بسبب عامل التغير؟

   نجد في تعبير حسن حنفي جوابا عن هذه الأسئلة، حيث أننا لا ينبغي أن نقطع النبوة ولا أن نقتل الإله؛ فإذا ما النبوة ورثها العقل، وحمل العلم مشعل  الحضارة، فإن ذلك حسب العروي لا يمنع من التطلع إلى ما فعله الغرب ومحاكاتهم كما نفعل في العلم سواء بسواء. فذلك وحده الكفيل بتحقيق دولة الديمقراطية والحرية وكذا تحقيق الحداثة كمشروع أكبر.

فإذا كان كتاب “السنة والإصلاح تكملة لكتاب “الإديولوجيا العربية المعاصرة” بالنظر إلى مشروعه الرامي للنظر إلى التاريخ بكونية تلغي الثنائية الضيقة “شرق غرب”؛ فإن هذا الكتاب  يراجع الذهنية العربية ومراجعة أخطائها، ومن ثم ترسيخ قيم الحداثة والفكر والتاريخ في مجتمعنا العربي. إنه ليصعب القفو على مطالب العولمة والحداثة، أما إذا سرنا بمنطق “الشيخ” فلن نجد لمنطق الليبرالي دويا في ساحاتنا العربية.

يقابل العروي بين منطق السلفي ومنطق الليبرالي، أو العربي الذي يتطلع إلى رؤية ليبرالية، لأن السلفي يروم الحاضر من خلال الماضي في الوقت الذي يلزم فيه النظر إلى مفهوم الحاضر بالتطلع إلى المستقبل؛ حينئذ نعي أنه لا مفر من أن نقلد الغالب، اقتصاديا، كوننا شعبا مغلوبا ومستعمرا قبلا. إن المستقبل فاعل في الحاضر بقدر يجعل القطع مع الماضي أمرا ممكنا بل مستحبا، والواقع الحقيقي لهذا المجتمع هو ما نستشرفه في المستقبل.

سنستفيد من درس أستاذنا الكبير عبد الله العروي إذا ما أدرجنا منطق التاريخانية في تقويض التقابل الذي يحدثه البعض بين “الكوني” و”المحلي” ونظرنا إلى التاريخ من زاوية شمولية نحتل فيها مرتبة تحتم علينا إعادة التجربة الغربية كما نعيد التجارب العلمية في مختبارتنا. وهنا نجد العروي يدوي من خلال ساحتنا وفي ذاكرته مشروع التطور والرد على من يسعى إلى أن يجعلنا في ذيل الأمم. لأن الحداثة تقتضي منا أمرين لا ثالث لهما: إما أن نواجهها ببسالتها فنكون أقوياء إثر ذلك حتى وإن فشلنا، وإما أننا سننحني خوفا منها فنكون بذلك أقرب إلى جبناء التاريخ، فالحداثة تيار ينبغي أن نواجهه بتبصر وروية.

فإلى أي حد يمكن القول أن حالة التشرذم التي من أجلها كتب كتاب “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” لزالت قائمة إلى اليوم؟

المراجع:

ـــــ عبد الله العروي، السنة والإصلاح، الطبعة الأولى 2008، المركز الثقافي العربي.

ـــــ عبد الله العروي، الإديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995


[1]  يقصد عبد الله العروي، قياسا للسياق السابق لهذه القولة، الفلسفة وعلم الكلام.

[2]  عبد الله العروي، السنة والإصلاح، الطبعة الأولى 2008، المركز الثقافي العربي، الصفحة: 31.

[3]  العروي، السنة والإصلاح، ص: 62.

[4]  العروي، نفس المرجع، ص: 63.

وهنا يؤكد العروي أن دليل ذلك يكمن في الآية القائلة: “ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنفيا مسلما وما كان من المشركين”  وهي الآية 67 من سورة آل عمران.

[5]  نفس المرجع نفس الصفحة.

[6]  العروي: السنة والإصلاح، ص 53,

[7]  العروي، السنة والإصلاح، ص 211.

[8]  نفس المرجع، ص 163.

[9]  نفس المرجع الصفحة 129و 130.

شاهد أيضاً

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة …

تعليق واحد

  1. جميل.. تابع بالتوفيق في مسارك عزيزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *