الرئيسية / ترجمة / ليسنغ والإسلام لإيميليو طورنيرو بوفيدا

ليسنغ والإسلام لإيميليو طورنيرو بوفيدا

بقلم: إيميليو طورنيرو بوفيدا

ترجمة : البشير عبد السلام
مترجم و باحث / جامعة غرناطة الاسبانية

       لم تتغير  الصورة التي تشكّلت حول الإسلام  طوال القرون الوسطى[1] – برأي م.و.واط M.W.Watt – إلا في حدود القرن التاسع عشر[2] مع طوماس كارليل Tomas Carlyle ، لكن  يبدو أنه لم يتم تسليط الضوء كفاية على ذلك الاتجاه الفكري الذي كان يُقيّم الاسلام  ايجابيا، والذي برز خلال القرن الثامن عشر في انجلترا [3] ثم امتد إشعاعه إلى ألمانيا التنويرية خصوصا مع ريماروس Reimarus (1768-1684)  ، ليسنغ Lessing ( 1729-1781) و غوته Goethe (1749-1832).

    كتب غوته في رسالته إلى شوبنهاور ” نحن  نعيش جميعا في الإسلام[4]، و بالرغم من تأثير الصورة المشوّهة للقرون الوسطى حول الإسلام، فإن ريماروس – بفضل ربوبيته المستنيرة – كان يَعتبر الإسلام دينا طبيعيا، وحيث أنّ موقفَه هذا مجهولٌ نسبيا، فإنه يستحق أن يُذكر نصيّا :

إن لِقرآن محمد و الايمان التركي [5] سمعة سيئة بيننا؛ ليس فقط لأن مؤسّس هذا الدين كان يستخدم الكذب و العنف، بل لأننا نلاحظ اختلاط مجموعة من الحماقات و الأخطاء داخله بكيفيات مختلفة و غير ضرورية. وإذ أنني لا أسعى للثناء عليه،  ناهيك أن أرفع من شأنه على حساب الدين المسيحي، إلا أنني متأكد أن كثيرا  من بين أولئك الذين يهاجمون الدين التركي بسبب هذا الأمر أو ذاك  لم يقرؤوا القرآن إلا لماما، و أنه من بين الذين قرأوه  فعلاً فقط القليل منهم كانت لديه إرادة حقة لإعطاء معنى جميل للكلمات التي قرأها، و لو كنتُ مكانهم لما ترددت – و القرآن بيدي – في تبيان أجود ما في هذا الدين الطبيعي بكل وضوحه المعبَّر عنه بأسلوب بديع جدا، و أعتقد أن الأشخاص العقلاء سيتفقون معي في أن الجوهري في دين محمد هو أنه دين طبيعي “.

لقد كان الحكيم طوماس هايد Thomas Hyde [6] الذي  يُنظَر  إليه  كمُتمكِّن  كبير من الموضوع و كرجل موضوعي أيضا، يُشِيد بمحمد كمجدّد حقيقي للإبراهيمية  Vera Religionis Abrahami Restauratorem، في حين أن  مترجم و مفسّر القرآن جورج سال George Sale  قد أوضح في مقدمته للقرآن أن  أساس العقيدة المحمدية  يستند  على  توحيد  الله أو على حقيقة  أنه لا  إمكانية  أخرى  لوجود إله  متعدد، و قد  كانت  رغبته  في نقل العرب الوثنيين من الخرافة  إلى معرفة هذا الإله الواحد نبيلة  و جديرة بالإعجاب، لهذا  فإن  السيد  بريدو Prideaux [7] لا يمتلك  أي  سبب  مقنع   للزعم أن محمّدا  أشاع  بين  العرب  دينا  ليس  أقل  قبحا من الوثنية. ويُنبّه  سال Sale أن التعاليم  الداعية  للعمل الصالح و للفضائل  المتضمنة في القرآن ، و بالأخص الدعوة لعبادة إله واحد حقيقي  هي في أغلبها جليلة حتى أنه بإمكان المسيحي أن يتبنّاها .[8].

لكن الأكيد هو أنه  ليس ثمة  مفكر أوربي غير مسلم قام بالحديث  بإيجابيه عن الإسلام  مثلما  فعل  ليسنغ [9] الذي لم  يكن  يُخفي  إعجابه  الكبير  بالعرب و بأفعالهم  الجليلة :

       ” حتى لو أردنا النظر إلى أفعال هذا الشعب بدءا من عهد محمد، فإنه لا يمكننا مقارنتها  نسبيا سوى بأفعال الإغريق و الرومان[10]

هذا الإعجاب لا يخص فقط أفعالهم الحربية ،بل إنه إعجاب يكبر بالنظر إلى مساهماتهم في الفنون و العلوم :

      ” لا نجد منذ سقوط الامبراطورية الرومانية شعبا يستحق أن يُعرَف تاريخه مثل المسلمين العرب ، سواء بسبب ظهور رجال عظماء فيهم ساهموا في القيام بتحولات عظيمة داخل جزء كبير من العالم ، أو بسبب أنهم سمحوا للفنون و العلوم أن تتطور بقوة في حضنهم في الوقت الذي جعلتنا أحكامنا المسبقة عنهم ننظر إليهم كشعب بربري [11]

 من ناحية أخرى، فإن رأي ليسنغ الصريح حول الإسلام لا يمكن إلا أن يكون ايجابيا على الأقل، اعتبارا لفكرته عن مفهوم الوحي، حيث يعتبره بمثابة بيداغوجية إلهية لتعليمٍ تقدّمي موجّه للجنس البشري [12] من خلال بروز أو تمظهر مقصد أخلاقي علوي، و هو وحي  يأخذ غالبا شكلَ كتاب، و قد أطلق النبي العربي على اليهود و المسيحيين اسم ” أهل الكتاب “، و كانت مهمته في مجملها تتركز في منح أتباعه كتابا بلسانهم و بعربية فصيحة [13].

إن هذا هو ما يسميه ليسنغ – مقتفيا أثر اسبينوزا أثناء حديثه عن كتاب اليهود و المسيحيين – بالكتاب الأساسي – التمهيدي – لتربية الشعب، حيث يجد فيه هذا الأخير عقيدته و كماله الأخلاقي على مر الأجيال و من خلال قراءات عرفانية و اجتهادية؛ إنه تمهيدي – بحسب ليسنغ – حيث ليس كل شيء ضمنه صالح بنفس القدر، و إنما هو ذو طبيعة مؤقتة و عابرة، فهو خاص بفترات معينة للجنس البشري قبل البلوغ [14]. و عليه فإن الإسلام حسب ليسنغ قابل للمقابلة كدين كتابي مع اليهودية و المسيحية، ولن نجد تمثيلا لفكرته هاته أفضل من حكايته عن الخواتم الثلاثة [15].

 يتعلق الأمر بقصة اقتبسها ليسنغ من ال ( ديكاميرون ) [16]، واستعملها لتوضيح  أفكاره، و الحكاية معروفة وتروي قصة رجل كان يملك خاتما لا تُقدّر قيمته بثمن، حيث تجعل مالكه يحظى برضا الله و محبة الناس، و كان ينوي أن يهبه لابنه المفضّل  و الذي  قد يصبح بذلك رأس العائلة .

و هكذا ظل الخاتم يُتوارث جيلا بعد جيل إلى أن وصل لرجل لديه ثلاث أولاد، جميعهم فاضلين بنفس القدر و يميل إليهم بنفس الدرجة، فأمر بصناعة خاتمَين يُشبهان الخاتم الأصلي بدقة  يصعب  معها التميز بين الثلاثة، و نادى أولاده كلٌّ على انفراد وأعطى لكل واحد منهم خاتمه بسرية، و بعد وفاة الأب وجد الأبناء أن كل واحد منهم يمتلك الخاتم الموعود دون أن يعرفوا مَن منهم يمتلك الخاتم الأصلي، فحدث نزاع بين الإخوة إذ لم يكن يتخيل أحد منهم أن أباه يمكنه أن يخدعه، فقرروا أن يرفعوا قضيتهم إلى القاضي ليحكم بينهم، هذا الأخير قرّر بعد تفكير أنه بما أن الخاتم الأصلي يجعل مالكه يحظى برضا الله و رضا الناس، فإن من يستطيع من الأبناء الثلاثة أن يجذب رضا الله و الناس بأعماله هو الوحيد الذي سيكون مالكا للخاتم الأصلي، و هو ما لا يمكن القيام به إذا لم يكن يحاكي حب الأب الذي لا تشوبه شائبة و الذي يخلو من الأحكام المسبقة، و لربما كان هذا الأب يسعى لإنهاء  حقبة طغيان الخاتم الأوحد، لأنه كان يحبهم جميعهم بنفس الدرجة، و أرادهم أن يكونوا محبوبين بالتساوي.

والحاصل أن  مقصود  الحكاية هو بيان أن الديانات الثلاث أصلية  بالتساوي ومزيفة بالتساوي [17]،

فهي لا تستمد أصليتها من خارجها بل من داخلها، إذ كل الديانات الثلاث تمتلك في يدها إمكانية أن تكون ” أصلية “، و هذه الأصلية  متعلقة بالسلوك الأخلاقي، إذ تكون الديانة أكثر قبولا و مرضية من قبل الله و الناس كلما كان براكسيس   Praxis الخير فيها أوفر.

لا يطرح ليسنغ حقيقة الوحي كمسلّمة مسبقة بل كمسألة بعدية، مطبّقا بذلك مقولة ( من أفعالهم تعرفهم ) ، وهذا هو إذن بالمحصّلة جوهر قصة الخواتم الثلاثة .

 و قد ذهب ليسنغ  إلى أبعد من ذلك، فهو يرى أن الإسلام و إن ظهر لاحقا في التاريخ، لكنه سابق على اليهودية و المسيحية، لأنه يجسد باختصار دين إبراهيم، و الذي بدوره يمثل الدين الأصلي للإنسانية، أي دين آدم ” البسيط ، السهل و الحيوي “[18] و الذي كان أقل تحريفا مع أحفاد إبراهيم، و لا أحد بمن فيهم اليهود يمكنهم الزعم بصدقٍ أنهم أحفاد إبراهيم أكثر من العرب.

يخصّص ليسنغ نصا لهاته الفكرة حيث  يقول فيه : ” إذ تختبر عربيتي أن السلالة الحقيقية لإبراهيم هم العرب و ليس اليهود [19]، و يعلق في هذا النص بطريقة لا تخلو من نفَسٍ ساخر أن السلالة الإبراهيمية لإسماعيل هي فوق كل الشكوك، ما لا نجده بوضوح مع سلالة إسحاق  بالرغم من أن مسألة البنوة ليست هي التي يسعى ليسنغ التركيز عليها في بحثه .

 إن ما تم  ذكره هنا يكفي للبرهنة على التغيّر الذي طرأ على النظرة الغربية تجاه الإسلام، و ليس ذلك فحسب، بل إن ليسنغ قد ذهب إلى حد الدفاع عن الإسلام بغرض إنصاف نبيه العربي، و قد ضمّن دفاعه هذا نصَّه  المُعنون ” خلاص جيرولامو كاردانو[20]؛ فبعد أن قام بسرد الأدلة التي من خلالها دافع كاردانو عن الديانة الإسلامية [21]، رأى ليسنغ أنها أدلة ضعيفة و أعذره بسبب نقص معلوماته، و جزم بأن تقييم الإسلام بموضوعية و كفاءة لم يبدأ إلا بعد ريلاند Reland و سال Sale [22]،  ثم انتقل بعدها إلى عرض ما يمكن لمُسلم أن يقوله – بنظره – دفاعا عن دينه في وجه هجمات المسيحي [23]. و اعتبارا لأهمية نص ليسنغ هذا و نظرا لعدم شهرته، سنقوم بذكره حرفيا مُقسِّمين إياه إلى ثلاثة أجزاء على حسب المواضيع التي تناولها :

” … إذن ، كيف سيكون رده لو دخل معه مسلم – ليس من الضروري أن يكون مثقفا – في حوار على هذا المنوال :

حسنا عزيزي كاردانو ، بما أنك مسيحي و بما أنك لم تكن  تنوي القيام بمقارنة بين الأديان بقدر ما كنتَ تحاول جعل الدين المسيحي هو المنتصر بسهولة، فإنني أشعر بخيبة أمل تجاهك لأنك تضع عقائد محمدنا ضمن جملة من العقائد التي لا ننتمي  إليها مطلقا. إن فعل إطلاق الناس تسمية معينة على  دينهم  و وصفه أنه وثني، يهودي أو مسيحي هو خلط لمجموعة من الاطروحات التي لا يقبلها العقل السليم، فيقومون باستدعاء وحي علوي  لا يمكن الاستدلال عليه لحد الان، و من خلاله يزعمون أنهم تلقوا حقائق يمكن أن تكون ممكنة في عالم آخر، لكن بالتأكيد أنها ليست كذلك في عالمنا نحن، و هم بدورهم يعترفون بذلك، و لذلك يسمُّونها [ أسرار ] ، و هي كلمة تحمل معها ما يدحضها، لن أقوم بتفكيكها لك، فلا يسعني إلا أن أقول لك أنها تحيل على حقائق تخلق المعاني الأكثر قساوة والمفاهيم الاكثر حساسية  بطريقة مزركشة، حقائق تقوم بتضليل الروح في تأملات عقيمة تُوَلِّد فيها شيئا متوحشا تسمونه ” الايمان ” ، و تُسلِّمون  له مفاتيح الجنة و الجحيم، وأهوَن من ذلك هو أمر الفضيلة التي تجعلونها – لضرورة ما – مرافقة حتمية  للإيمان .

إن تبجيل الوهم يجعلكم سعداء، إن النبي نفسه قد استطاع فقط أن يفتح لكم نصف أعينكم، و سأحاول ذلك أنا أيضا ،حاول أن تقوم بإلقاء نظرة على شريعته ثم  أخبرني ما الذي تجده غير موافق للمنطق الأكثر صلابة؟! إننا نؤمن بإله واحد، نؤمن بعقاب و ثواب مُستَقبليين، و أننا سنلقاهما حسب أعمالنا، هذا ما نعتقده نحن، أو بالأحرى – كي لا أستخدم معجمك البذيء – فهذه هي قناعاتنا و لا شيء سواها.

هل تعرف ما الذي يجذر بك أن تفعل لو أردت جدالنا ؟ عليك أن تبرهن على هشاشة معتقداتنا، و أن تبين أن الإنسان مكلف بشيء آخر أبعد من معرفة الله و من التحلي بالفضيلة، أو على الأقل أن تبرهن أنه لا يمكن تعليمه هذا من خلال العقل الذي وهبه الله إياه تحديدا ليقوم بهذه المهمة” [24].  

لقد استوعب ليسنغ ما صرحت به العقول المستنيرة في الإسلام  و عقلانية ديانتهم التي كانت تتعزز لديهم أكثر  كلما قاموا بمقارنة معتقداتهم و قناعاتهم مع المعتقدات التي يتبناها المسيحيون.

و بالفعل ، فالكندي ( 800م – 870م ) يعتبر أول فيلسوف عربي مسلم اعتبر أن قناعاته الدينية عقلانية بالمطلق، و حاول إثبات ذلك بصرامة و بطريقة هندسية، منظّما براهينه بمساعدة المنطق و الرياضيات. إن حقائق دينه تتفق مع ما تراه الفلسفة، و لذلك رأى أن الأنبياء كانت إسهاماتهم – بالمجمل – موازية لإسهامات الفلاسفة، فقط كان تحركهم أسرع و دون تكلف كبير في التنظير أو اعتمادا على منهج محدد، مع تعبيرهم بأسلوب موجز و سهل بهدف أن تصل فكرتهم إلى جميع الناس و ألا تبقى حكرا على النخب، و بنفس الطريقة تحدّث باقي  فلاسفة الإسلام و خاصة ابن رشد [25].

و خلال مناظراتهم ضد المسيحية، كان المسلمون يعيبون لاعقلانيتها و يتخذون عقيدة الثالوث مثالا لذلك [26]. كما أن المصلح الحديث محمد عبده ( 1845-1905) كان بدوره يلح على كون الدين في مجمله ” عقلاني “[27].

على نفس الخط يمكننا فهم كتابات الباحثَين الغربيين و المسيحيين حول الإسلام ( كارديت Gardet  و أناواتي Anawati ) عندما نبَّهوا إلى أن الإسلام دين يتميّز بخلوّه من [ الأسرار ] المتعلقة بطبيعة الإله. و يُتبع ليسنغ حديثه بلسان المسلم هكذا :

” لا تثرثر عن المعجزات عندما تريد أن تعلي من شأن المسيحية على حسابنا؛ إن محمدا لم يشأ أن يقوم بإثارة المسألة يوما، فهل كان يُعجزه ذلك ؟! فقط يحتاج للمعجزة من تعوزه الحجة لإقناع الناس بأشياء غير مفهومة لجعل المُبهَم يحتمل الاستيعاب، و هو ما لا يحتاجه من تفسِّر عقائده ذاتها بذاتها، لأنه إذا قال شخص ما : [ أنا ابن الله ] فمن المنطقي أن يُصرخ في وجهه [ عليك إذن أن تقوم بفعل شيء لا يمكن لأحد غيرك أن يفعله ] ، أما إذا قال شخص : [ هنالك  إله واحد و أنا  رسوله فقط ] بمعنى أنني شخص يشعر أنه أوكِلت له مهمة إنقاذ فكرة وحدانية الله بينكم أنتم الذين لا تستوعبونها. فأي معجزات سيحتاجها هذا الشخص لإنجاز مهمته ؟!

لهذا لا تدَع خصوصية لغتنا و جرأة طريقة تفكيرنا التي نود دائما أن تكون مرفوقة بعبارات مبهرة أن تقودك إلى فهم كل شيء حرفيا أو أن ترى في شيء ما إعجازا يمكن أن يفاجئنا نحن الذين لا نعتقد أنه كذلك في الواقع “[28].

مرة أخرى يُظهر ليسنغ إلماما دقيقا بالإسلام من خلال وضع إشكالية المعجزات في ذات الموضع الذي وضعها فيه المسلمون الأكثر تميزا بمن فيهم النبي محمد .

و ضمن صفحات سابقة للنص الذي قمنا باقتباسه، وضع المسيحي معجزات المسيح فوق المعجزات التي يعزوها التقليد الإسلامي للنبي، فقام ليسنغ بتوضيح ذلك على لسان المسلم و يسير بذلك على نفس النهج الذي دشّنه النبي الذي نسب لنفسه معجزة وحيدة هي القرآن، و هو ما أكّده مفكرون آخرون بينهم ابن رشد. و هكذا ينتهي نص ليسنغ الذي قمنا باقتباسه على هذا النحو:

” يجب ألا تعيب  علينا أيضا عنف السلاح الذي نشر به محمد رسالته، صحيح أن محمدا و أتباعه أراقوا الكثير من الدماء فيما لم يفعل المسيح و حواريوه ذلك، لكن؛ هل تعتقد أن ما تم اعتباره قساوة في نظركم ليس كذلك هو في نظرنا ؟! لاحظ أنه أمر مشابه للفارط !!

عندنا يحاول شخص يعرضُ أفكارا غير مفهومة و يُعتقد أنه شريف أن ينال ايمان الناس به عن طريق السيف، فإنه حينها يصبح بمثابة الطاغية الأكثر استحقاقا للكره و وحشا يجب أن يلعنه العالم بأسره، أما حين يتواجه الذي يسعى لإنقاذ شرف الإله مع أشرار عنيدين لا يريدون الاعتراف بوحدانيته المطلقة و التي تظهر بوضوح في الطبيعة، ثم يقرر أن يمسحهم من على وجه الأرض التي يدنّسونها، فهذا ليس بطاغية، إنه – بما أنك لا تريد أن تسميه نبيا يدعو للسلام – أداة انتقام بيد الإله الأبدي، أم  كنتَ تعتقد أن محمدا وأتباعه كانوا يَدْعون الإنسان إلى ايمان غير ذلك الذي يجعلهم يفخرون بإنسانيتهم ؟! هل تعرف ماذا كتب أبو عبيدة[29] إلى سكان أورشليم عندما كان يهم بدخول تلك البقعة المقدسة ؟! : {  ندعوكم إلى الايمان بأنه لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسوله ، و باليوم الآخر الذي يبعث الله فيه الموتى من قبورهم، فلو أديتهم هاته الشهادة عصمتم دماءكم و أموالكم و أولادكم، و إن رفضتم فعليكم بأداء الجزية والخضوع لنا، فإذا عصيتم ذلك  بعثنا لكم رجالا يحبون الموت أكثر من حبكم للخمر و لحم الخنزير }. كما ترى؛ فهذا هو الشرط الذي تم طرحه على الجميع. فقل لي : هل يستحق الحياة من لا يريدون الاعتراف بوحدانية الله و اليوم الآخر ؟! ثم إنه لا يجب أن  تقلقك الدعوة الى الاعتراف بمحمد كرسول من الله، كان من الضروري إضافة هذا الشرط للتأكد ما إذا كانوا فعلا يريدون قبول فكرة الوحدانية، فأنتم أيضا تقولون بها لكننا نعرف حقيقتكم في الواقع. لا أريد أن أضيق عليك أكثر، و دعني أمازحك قليلا، أتعتقد أننا ننظر بحرفية للتمثلات الحسية للجنة ؟!  قل لي فقط شيئا واحدا  إذا قرأت كتابك جيدا، هل تنظر بظاهرية و حرفية لوصفكم أورشاليم السماوية ؟! “[30].

يظهر هنا أن ليسنغ كان لا يزال رهين النظرة القروسطوية إزاء موضوع العنف، فقام بتحليلها على النحو الذي رأيناه، لكن في هذه النقطة ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا صورته عن السلطان صلاح الدين الذي ضمّنها في مسرحيته ( ناثان الحكيم )[31]،  والتي اقتفى فيها أثر الأسطورة المنسوجة عنه كمثال للفارس النبيل و الحاكم العادل.

إنه لفعل مثالي أن يختار ليسنغ بالتحديد شخصية مسلم ليجعله نموذجا للإنسانية، فصلاح الدين برأيه لا يبدو عنيفا و متصلبا إلا أثناء مواجهته للتزمت الغير متسامح و التعصب المتطرف لفرسان الهيكل.

 و الحاصل أن ليسنغ كان نموذجا فريدا  لتثمين الاسلام، و ربما لم يستطع أحد مماثلته ناهيك عن التفوق عنه في ذلك سيما  خلال القرن الثامن عشر  .


[1] C   fr. N. DANIEL: Islam and the West. The Making of an Image, Edinburgh University Press, 1958, y R.W. SOUT-HERN: Western Views of Islam in the Middle Ages, Cambridge, Mass, 1962.

[2] Cfr. M.W. WATT: Muhammad at Meca, Oxford, 1953,52, y Carlyle on Muhammad, Hibbert Journal, 1954-55.

  ومع ذلك يشير ن.دانيال ان كارليل بطريقة ما كان يحاول اخفاء الآراء السابقة ، حيث كان نقده لتلك  الآراء هو العمل الايجابي الاكثر بروزا منه .

[3] سيما مع ريلاند و سال ،نشر ريلاند عام 1705 مؤلفه الديانة المحمدية حيث ترك الخرافات جانبا و ركز على الاحداث ، و في 1734 كتب سال ترجمته للقران و التي استهلها بمقدمة مشهورة و تم تثمينها كأول محاولة جادة لمقاربة الاسلام بطريقة اكاديمية و قد دشن لمرحلة جديدة تغيرت فيها طريقة تقييم الاسلام  .

[4] Cfr. G.H. BOUSQUET: «Goethe et l’Islam», Studia Islámica, 33 (1971), 151-164

[5] أغلب الغربيين و الى عهد قريب كانوا يخلطون بين العرب و الاتراك ، بسبب ان الدولة العثمانية هي التي كانت تمثل الخلافة الاسلامية بعد سقوط الاندلس.

[6] طوماس هايد ( 1636-1703) ، مستشرق انجليزي و امين مكتبة بودليانا في اكسفورد ،صاحب عدة مؤلفات من بينها تاريخ  religionis veterum persarum .

[7]  تتجلى في هذا الكاتب  الصورة المشوهة حول الاسلام خلال القرون الوسطى ، و التي اظهرها بشكل جلي في مؤلفه الذي نشره بلندن عام 1697 تحت عنوان :  The True Nature of Imposture Fully Display’d in the Life of Mahomet, with a Discourse annexed for the Vindicatine of Christianit  

[8] Cfr. G.E. LESSING: Escritos filosóficos y teológicos, edición preparada por Agustín Andreu Rodrigo, Madrid,

Editora Nacional, 1982, 408-409.

[9] لمعرفة المزيد حول هاته الشخصية البارزة في عصر التنوير ، و اضافة لما سننقله عنه هفي هذا المقال ، يرجى مراجعة   

  1. ANDREU: «Lessing: Quimera y anagnorisis»
  2. EUGENIO FERNÁNDEZ G.: «G.E. Lessing: una Ilustración radical e insastlfecha», Anales del Semi-nario de Historia de la Filosofía de la Universidad Complutense, 6 (1986), 111-130.

[10]  A. ANDREU en Lessing: Op. cit., 43.

[11]  Ibid., 43.

[12]  La educación del género humano. Ibid., 573-603.

[13] Cfr. Corán 12, 2; 13, 37, passim.

[14] Cfr. LESSING: Op. cit., 93-97, la valoración de la Escritura revelada, siguiendo el estudio de A. Andreu.

[15] الحكاية متضمنة في مسرحيته  ” ناتان الحكيم ” التي ألفها عام 1779

[16] حسب خ . فيرنيت في : الثقافة الاسبانية العربية في الشرق و الغرب ” فهذه الحكاية تستحضر ملحمة تاريخية فارسية ذكرها الثعالبي  (1038)،و هو عبارة عن مؤلف متعدد الموضوعات ذو اصل فارسي  ، اشترت منه بقوة ، يتيمة الدهر.     

[17] Cfr. LESSING: Escritos, 172 epígrafe 8.

[18] Ibid., 147-148.

[19] Ibid.. 557-560.

[20] Ibid., 197-220.

[21] بعض هذه الأدلة مقتبسة من بعض جدالات الكلاميين المسلمين ،  للاطلاع اكثر حول هذا الموضوع ، من المهم الرجوع الى  :

M. EPALZA: «Notes pour une histoire des polémiques anti chrétiennes dans l’Occident musulman, Arabica,18(1971),99-106  –

[22] Cfr. nota 3.

[23] LESSING: Escritos, 208-209.

[24] Ibid., 209-210

[25] Cfr. E. TORNERO: Op. cit., 105-116.

[26] H.A. WOLFSON: «The Philosopher Klndr and Yahyà Ibn Ädi”on the Trinity» en su The Philosophy of the Kalam, Harvard University Press, 1976, 318-336. ‘

[27] انظر كتابه : رسالة التوحيد

[28]  . Ibid,202

[29] يقصد خطاب أبي عبيدة الجراح حين دخول المسلمين الى القدس عام 16 هجرية، الموافق لعام 637 ميلادية.

[30]  LESSING: Escritos,210.

[31] بخصوص شخصية ناتان ، فإن أ.أندريو رودريغو في دراسته عن ليسنغ   Lessing: Quimera y anagnórisis)) ألمح إلى أن اختيار ليسنغ للحكيم اليهودي كان مقصودا لرفع التلبيس الحاصل في الفكر الغربي حول اليهود و المسلمين ، انه محاولة لضرب عصفورين بحجر واحد

شاهد أيضاً

المثقف يكسر تابوها

هناء السعيد بقلم / هناء السعيد.. ( مصر) هل كسرت أحد التابوهات ، فلا تزعم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *