الرئيسية / أنشطة ومواعيد / عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله

عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله


عز الدين بوركة
(شاعر وباحث مغربي)

يقول فريدريك نيتشه على لسان زارا بطل كتابه “هكذا تكلم زرادشت”: “أحب من يُعْلن حبّه لربّه بتوجيه اللّوم إليه”[1]. إنه اللّوم الذي يزيل عنه كل ما التصق به من “سلبيات” و”نواقص”، وهذا ما سعى إليه الفيلسوف العربي الذي تجول في الصحراء حاملا ديناميتا ومطارق، عبد الله القصيمي، إذ نجده يقول “كيف جَرُؤْتَ وتجرؤ يا إلهي على التحدث عن أي ربح أو مجد لك من الإنسان العربي أو كيف جرؤ هو على أن يتحدث عن أي ربح أو مجد له هو منك.. من علاقات أحدكما بالآخر وانتماءاته إليه وادعاءاته؟ ألم يحاول أحدكما أو كلاكما أن ينظر ليرى ما الذي فعل بالآخر أو له وما الذي أعطاه؟… كيف جرؤتما أي أنت يا إله والإنسان العربي على التعامل بهذه الوقاحة أو البلادة أو الفضيحة المعلنة المتبادلة بينكما؟ من علمكما ذكاءكما وأخلاقكما وفضائحكما؟”[2]… لم يكن القصيمي سوى ثائرا، يطرح الأسئلة. آلاف الأسئلة. وإن كان يلوم هذا الفيلسوف الإله فأنه لا يريد أن يراه في الحالة التي هو عليه، حينما يضعه إزاء أفعال الإنسان العربي الذي يؤمن به، إذ لا نكاد نفصل بينهما.. بين ويلات هذا الإنسان وإلهه، بين مصائب هذا الإنسان وإلهه؛ فهل الإنسان العربي هو المسؤول عن “الفساد”؟ إذ يُكمل تساؤلاته قائلا: “أيكما يا إله قتل في الآخر أو سحب منه كل طاقات وأخلاق وأشواق ولذات ووقاحات وبذاءات ومعاناة الرؤية والفهم والكرامة والمواجهة والمحاورة والاستحياء والوقار؟ أيكما الفاعل بالآخر المفسد له؟ وهل أنتما فاعل ومفعول به… مُفْسِد ومُفْسَد؟ أم أنتما كلاكما مفعول مفسَد؟”[3]. لم يكن بهذا القصيمي يوجه اللّوم إلاّ للاهوت ولكل تلك التعاليم والمذاهب والأفكار والإيديولوجيات والكتب والرسل والفقهاء… الذين كوّنوا “عقل” وتفكير الإنسان العربي، وأطروا تصوره وفهمه واستيعابه للعالَم. بهذا كان هذا المفكر المتمرد وهو يصرخ ويبخ “الإله والإنسان العربي”، يلوم الماضي الذي صنعهما. إنه بالتالي يحدث ضجيجا وصخبا عاليا في تاريخ عامر بالصمت، عامر باللاسؤال (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم). فالقصيمي يملأ كل كتبه بالأسئلة، ولا يكف عن السؤال. بالتالي فهو يحتج ويصرخ ويغضب ويلوم بالسؤال.

فهذا الراجل “القادم من الصحراء، يتكلم كشاهد حي.. يريد المستحيل”، كما يصفه الشاعر أنسي الحاج. فقد نبت عبد الله القصيمي في بيئة قاسية وقاحلة، بيئة صعبة ووعرة لكنه تمرد وثار وانقلب على كل القيّم والنظم. انقلابه هذا يشبه ما فعله فيلسوف المطارق نيتشه، حينما أراد قلب كل القيم والأخلاق. وليس لوم صاحب كتاب “العالم ليس عقلا”، إلا محاكم لكل الماضي والسلف –بما فيها الإله أو الآلهة- الذين صنعوا الإنسان العربي بكل ما هو عليه اليوم. فكل ما يبتغي هذا المفكر هو التمرد إذ إن “الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات”، فالانصياع للماضي والبقاء طيه لا يؤدي إلا إلى الركود والاضمحلال، ويتحول الحكام إلى مستبدين، ويصير الإنسان خاضعا خنوعا مطيعا. فتموت الحضارة وتختفي.

ولا يتصور القصيمي أن حديث الله مع البشر يقصر على الأنبياء والرسل، بل هو لا يحتاج لهؤلاء ليحدث البشر، ولم يتوقف الله عن فعل ذلك قط، في نظره. إذ “توجد غلطة نفسية فادحة فيمن تصورا الله قد توقف عن التحدث إلى البشر، عن مراسلتهم –فيمن تصوروا الله قد أختتم إرسال الرسل وأنزل الكتب. إنها غلطة نفسية هائلة. إن الله يعيش وحده، وحيدا، إذن لا بدّ أن يتعالج من وحدته القاتلة بالكتابة، بالمراسلة، بالحديث من بعيد… إنه لا بدّ –تداويا من وحدته- أن يستمر في إرسال الأنبياء وكتابة الكتب معهم إلى الأرض. إنه لا يستطيع أن يصمت، إنه لا يستطيع أن يختتم أنبياءه”[4]. لكن من هم أنبياء الله الذين لم يتوقف عن إرسالهم؟.. إنهم “نحن”، حيث “إننا جميعا أنبياء وقديسون وإنسانيون وفدائيون ونماذج للتقوى والحب والتواضع والتسامح والحرية والإيمان، أي حينما نكون فوق الأرض مع الإنسان المقهور المعذب المهان المحروم المعتدى عليه.  إننا حينما نكون فوق الأرض لا بدّ أن نكون سماويين في تعاليمنا أو في دعاواتنا وفي نياتنا أو في إيماننا أو في حبنا وتواضعنا وتحليقاتنا…”[5]. إذ إننا لا نملك سوى الأرض. فكما يقول زارا: “لقد أتيتكم بنبأ الإنسان المتفوق. إنه من الأرض كالمعنى من المبنى، فلتتجه إرادتكم إلى جعل الإنسان المتفوق معنى لهذه الأرض وروحا لها”[6]. فالإنسان الذي ينشده القصيمي يكاد يشبه إنسان نيتشه المتفوق، ذلك الإنسان الذي يسموا فوق كل شيء، منتم إلى الأرض غير حالم بالسماء، إنه إنسان صانع للحضارة، حر الإرادة ومريد للقوة، غير منهزم أو جبان، حتى لا يتحول إلى أقسى الجبارين. إذ كما تقول التجربة الطويلة، ماذا فعل وأصبح الضعفاء المقهورين المهانين الذين انطلقوا من مغارات الخمول والهوان ليصبحوا دَوِيّاً وقمماً؟ (…) لقد تحوّلوا إلى أحزان ودموع في عيون وقلوب الزهور والحقول، في أعصاب الظلام والنور… لقد تنكروا بأقوى مشاعر الجرأة لأحزانهم ودموعهم وابتهالاتهم. لقد خرجوا على جميع ادعاءاتهم الإنسانية المتواضعة التي انتصروا بها أو التي انتصروا وهو يهتفون باسمها. لقد غدروا بدموعهم وأحزانهم وتضرعاتهم”[7]. ومن هؤلاء الضعفاء الذي تجبروا أنبياء وحكام طغاة.  لقد كان جميع الأنبياء والقديسين والقادة الإنسانيين وجميع المؤمنين الأتقياء –لقد كانوا جميعا من المحرومين أو المعذبين أو المشوهين أو المحزونين أو المظلومين أو المقهورين أو المعتدى عليهم أو الضعفاء، أو من الذين لا يملكون أي تفوق عقلي أو فني أو ذاتي. إن التفوق العقلي والذاتي قد ظلّ في كل التاريخ يحسب ذنباً أو زندقة. لقد ظلّ هذا التفوق يحسب كفراً بالأرباب وبالأنبياء وبالزعماء وبالمعلمين وبالمذاهب وبالأديان[8]. لهذا فدعوة القصيمي تشابه دعوة نيتشه إلى الإنسان المتفوق، الإنسان المريد للقوة، غير الضعيف والوهن، إنسان صانع للحضارة.

جاء عبد الله القصيمي في تاريخنا العربي، متفقا مع المعري وابن الروندي وابن سينا وجاء بخلافهم… جاء ضد الحقيقة، لم يأت ليخبرنا بها، بل ليجعلنا نبحث عنها ولا نتوقف عن فعل ذلك، فالحقيقة لا تكمن في مكان ولا تجود في أرض أو سماء، إنها في كل مكان وفي اللامكان. يتحدث القصيمي بلسان “زارا نيتشه” لكن بلغة عربية، بالعربية فقط لا غير. إنه ضميرنا الذي استفاق باكرا قبل أن تبزغ الشمس ونحن نيام؛ استيقظ ليحمل مطارق تهدم وتدمر الماضي وتكسر أسواره العتيدة، وتعيد دفن الموتى الأحياء معنى في التراب المفخخ بالديناميت. ولأنه لا توجد حقيقة جاهزة، أدرك القصيمي قوة ادعائها، وقوة هذا الادعاء تكون أخطر وأبشع حينما يقع بيد “الضعفاء”، وما أفظع يفعلون به حينما يمتلكون أتبعا ويحكمون.

كل شيء بالنسبة للقصيمي غير خاضع لمعيار الصدق والكذب، في تقابل مع ما يعنيه نيتشه حينما يقول بإن “كل الأشياء خاضعة للتأويل، وأيا كان التأويل فهو عمل القوة لا الحقيقة”. أو كما يقول صاحب “هذه هي الأغلال”، “إذا قلت الحقيقة أو ما تحسبه الحقيقة وهي في غير حساباتك أو هي أخذ منك أو محاكمة لك فلا بد أنك تنوي شيئا آخر غير الحقيقة التي قلت. أو لا بد أنك بقولك لها تكيد لها، أو إنك تعرض نفسك عرضا مزورا أو مريضا، أو أنك تحاول أن تخفف من قسوة التناقض بينك وبينها، أو أنك تحاول إخفاء هذا التناقض، أو أنك تحاول بثمن رخيص وسهل أن تكفر وتعوض عن رفضك لها وخروجك عليها في مواقفك وممارساتك…”[9]. لهذا فقول امتلك الأنبياء والطغاة الحقيقة ما كانوا ليقولنها، إنهم لا يستعينون إلا بالحقائق الملفقة، والادعاءات اللاأرضية، ليحشدوا القدر الكبير من الأتباع والمنصاعين والضعفاء جدا والخنوعين والمرضى… إنهم يعادون “إرادة القوة”.

فكما يقول الشاعر محمود درويش:

“الإمبراطور الوحيدُ اليوم في قيلولةٍ،

مثلي ومثلك، لا يُفَكِّر بالقيامة .. فَهْيَ

مُلْك يَمينِهِ، هِيَ الحقيقةُ والأَبدْ!”

كان عبد الله القصيمي متعددا ومتمردا، امتلك في داخله أكوانا هائلة ضاجة بكل اللغات والأصوات الاحتجاجية[10]، أو كما يقول عنه أدونيس “لا تستطيع أن تمسك به. فهو صراخٌ يقول كلّ شيء ولا يقول شيئا. يخاطب الجميع ولا يخاطب أحداً. إنه الوجه والقفا: ثائر ومتلائم، ملتزم وغير ملتزم، بريء وفتّاك”. لقد كان القصيمي ثورتنا على الماضي وعلى العائدين من تحت “التراب”، لقد أنشد المستقبل ولم يدعي قول حقيقة ما أو امتلاكها، فقد جاء ليصرخ في عصر الصمت المطبق والانصياع. لقد كان متمردا حرا، استطاع أن يحاكم الإله –أو ليجعل ضمير العالم يحاكمه- ويحاكم الإنسان العربي أو ذلك المسمى “ظاهرة صوتية”، أي القائل والمدعي لا الفاعل والصانع للحضارة، إنه إنسان مكبل بالأغلال.

مواضيع مرتبطة

جويس منصور.. شاعرة النيل السريالية

8 مايو 2019 بصغة المؤنثعامةمجلات 0

عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي) الحلم المصري السريالي: جويس منصور “شاعرة النيل السريالية”، أو “الحلم المصري الجميل”، هكذا يحبذ البعض نعتها، وُلدت هذه الشاعرة المصرية سنة 1928 بإنجلترا، لتنتقل رفقة عائلتها في سن مبكر إلى القاهرة على حدود النيل، هناك ستتعرف على أسس الشعر ومساراته الملتوية والمتشعبة. انحدرت جويس منصور …أكمل القراءة »

إشكالية الصفح عند دريدا: تحقيقا للمستحيل

5 مارس 2019 فلاسفةكتبمقالات 0

بعد سنوات من صدوره باللغة الفرنسية، صدر مؤخرا كتاب “الصفح…”[i] للفيلسوف الراحل الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida، مترجما إلى العربية عن دار المتوسط بإيطاليا (2018)، وقد عرّبه كل من المترجمين عبد الرحيم نور الدين ومصطفى العارف.أكمل القراءة »

دريدا، الصفح.. والجرح الفلسطيني العضال

13 يناير 2019 ترجمةكتب 0

يفكّك دريدا في هذا النص أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح في كتابيه “الصفح” و”ما لا يتقادم” إشكالية الصفح بحدّة يتعصّب فيها للانتقام، على خلفية فظائع المحرقة النازية، ما جعله يرى الوعي الألماني كلّه مذنبًا وشقيًّا. من جهتها فالفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، وإن لا ترى في الصفحة امكانية ارتقائه إلى حد محو كل الجرائم التي تمس الإنسانية، لأنه لا يقابلها قانونيا، إلا أنها لا ترفضه كحل لا مناص منه للقضاء على شرور العالم، إلا أن التفاهة، تفاهة الشر بالتحديد، حينما يتم محاكمة شعب كامل أو شخص بعينه بتهمة جرائم ارتكبها نظام استولى على الحكم في فترة معينة،أكمل القراءة »

ميشيل سير وعصر “الأصبع الصغير”

11 ديسمبر 2018 مجلاتنصوص 0

عزالدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) عتبة للعالم الجديد: لقد تغير العالم إلى أن بات لزاما على شباب اليوم إعادة ابتكار كل شيء ! بالنسبة لميشيل سير (1930) Michel Serres قد وُلد “إنسان جديد”، الإنسان الذي لقبه بـ”الأصبع الصغير”، وذلك لقدرته على إرسال رسائل سريعة والتواصل والتفاعل بأصبع واحد. فقد عرفت …أكمل القراءة »

شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

18 نوفمبر 2018 بصغة المؤنثمجلات 0

عزالدين بوركة  (كاتب وباحث مغربي) رغم رفضها للَقب “فيلسوفة”، بحجة أنها تشتغل في التنظير السياسي، فحنة أرندت تعد من أبرز المفكرين وعلماء الاجتماع السياسي في القرن العشرين، الذين أعادوا الرؤية في الفكر الغربي وأزمة الحداثة، شأنها في ذلك شأن ميشيل فوكو وجاك دريدا ومارتين هيدغر وهابرماس… الذين تأثروا بمطارق نيتشه …أكمل القراءة »


[1]  فريدريك نيشته، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فيلكس فارس، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014، ص 44.

[2]  عبد الله القصيمي، الكون يحاكم الإله، منشورات الجمل، بغداد 2006، ص 7.

[3]  المرجع نفسه، ص 8.

[4]  عبد الله القصيمي، الرسائل المتفجرة، مجموعة رسائل عبد الله القصيمي لقادر قلعجي (1954-1983)، اعداد وتحقيق جهاد قلعجي، مؤسسة الانتشار العربي، الطبعة الأولى 2000، ص 139.

[5]  عبد الله القصيمي، الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات، مؤسسة الانتشار العربي، طبعة 1982، ص 7.

[6]  فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص 41.

[7]  عبد الله القصمي، الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات، ص 10.

[8]  عبد الله القصيمي، يكذبون كي يروا الإله جميلا، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية 2001، ص 7.

[9]  المرجع نفسه، ص 26.

[10]  عبد الله القصيمي، الرسائل المتفجرة، ص 157.

شاهد أيضاً

فؤاد العروي : لماذا تفلت منا جائزة نوبل كل سنة؟*

سعيد بوخليط ترجمة : سعيد بوخليط  يكمن الإبستيمي(النظام المعرفي/المترجم) الذي يقود بصفة عامة نحو وجهة نوبل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *