الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / طيفُ أبي نوَّاس

طيفُ أبي نوَّاس

أحمد المهداوي، شاعر وقاص مغربي

على ضفاف المساء كنَّا جالسين نقضمُ الغيمَ من السَّماء وحيدين بلا قمرْ

هناك طيفٌ مرَّ من دروب بغداد يقصدُ الطَّريق إلى الأهواز في السَّفرْ

يمشي الهُوَينا وحيدًا غارقًا في بئر الزَّمان، يحتضرْ

تائهٌ في اللَّيل يستجدي عطف السَّماء، يرتقُ الغيم والشَّجرْ

يمُرُّ على حزنه القديمِ لا يلقِ إليه بالسَّلمْ

تطاول اللَّيل البهيمُ على ذا الطَّيفِ حتَّى كأنَّ الفجر عن بزوغه

قد أحجمْ

يمشي، يهرولُ، يجري عسى يدرك الفجر البعيد في رُبى الأهواز قبل أن يرتدَّ للوجود البصرْ

بلا ذاكرةٍ يمشي يلاحقُ الخلود في الدُّجى، يضمُّ أشلاءه

إليه قبل أن يداهمهُ القدرْ

يمضي بعيدا خلف موج الرِّمال الصَّامت

يرسمُ آثار حلمه المخبَّئ

في جيوبِ العُمرْ

مرَّ كأن لم ير أخيلة الظِّلال فوق التَّلِّ، مرَّ بنا كأن لم يرنا هناك جالسين مُذ نوى السَّفرْ

مرَّ بنا كأن لم يكن…ومرَّ كأنَّه غيمةٌ ضائعةٌ تجري بلا مستقرْ

مضى، ولمْ يأسف عمَّا منه قد صدرْ

مضى تاركًا إيَّانا بلا قمرٍ…بعدما ابتلعت دموعه القمرْ

مضى، ولم يمضِ الزَّمانُ، ولمْ يأتِ الفجرُ المُنتظرْ

رمى على عينِ السَّماء صاحبي كومةً من حجرْ

ناثرًا معها دموعهُ الحبلى على الطَّريق، في كلِّ ناحيَّةٍ قد نثرْ

ربِّ قد عظُمت ذنوبيَ

كثرةً، وأنت أعلمُ

بما في النُّفوس، وما حوى الحجرْ

ففُكَّ عنِّي حصار نفسي، وإلَّا تماديتُ على حُرمة القدرْ

هذا المُدامُ في يدي يئنُّ في خُلوة السَّهرْ

يطلُبني منِّي أفأستجيبُ، أم لك أستجيبُ ساعة السَّحرْ ؟!

كن لي، فإن لم تكن لي فمن لي في الحُلول والسَّفرْ ؟!

أنا الغريبُ عنِّي في غابة الأحزان، قابضٌ على روحي، أشيعُ في الملكوت الخبرْ

من وجعي بكيتُ في خلوتي، أبثُّ للسَّماء حسرتي…ولكنِّي عن الفعل ذاك أحجمتُ، وقلتُ:

مالي لأبكي على ما ولَّى، ومرْ

دعِ البُكاء للنَّادمين في الأسحارِ

ودعْ لي المُدام، والسَّهرْ

وليت أن لم يأت فجر الطَّيف المنتظرْ

حتَّى إذا دنت السَّاعة، وانشقَّ القمرْ

دنوتُ من نفسي أهذا اليومُ يومُ الله المُنتظرْ ؟!

هبْ أنَّني تبتُ إلى الله، وكنتُ من أهل الفِردوس

أهُنالك الخلودُ المُنتظرْ ؟!

لستُ أراني أهلا لها، ولا هي لي أهلٌ، ولا أقوى على لظى سقرْ

أرأيت يا إلهي إن لم يكن شئٌ ممَّا سقانا مُرَّه الأنبيَّاء،

ولم تكن ديَّانتُنا إلَّا مكرٌ من القدماء،

فكانت الحياة، إن هي إلَّا حياتنا الدُّنيا نموتُ ونحيى وما نحن بمبعوثين من جوف القبرْ،

ومالنا في الأُخرى من مستقرْ

أيكون الموتُ حينذاك متمَّ هذا القدرْ ؟!

في مثل هذا قلتُ من قبلُ متَّكئا على خيال القمرْ

دعِ المساجد للــعبَّاد تسكنها…وطف بنا حول خمَّارٍ ليسقينا

ما قال ربُّك ويلٌ للَّذين سكروا….ولكن قال ويلٌ للمـصلِّينا

قالوا: صهٍ…يا نافق الذِّكر قد أغواك من زمنٍ شُربُ الخمرْ

قلتُ: إذا ما غواني خمرٌ فربَّما من ذاك أستفيقُ، لكنَّ من غوتهُ ديَّانةُ القومِ فليس يستفيقُ من الأمرْ

دعْ عنك لومي يا من تلومُني، ودعني وجهًا لوجهٍ مع القدرْ،

واقصد سبيلك في الدُّجى، ودع طيف الغريب مستمرًّا في السَّفرْ

فلربَّما أدرك نفسهُ قبل أن يدركهُ الفجرُ المُنتظرْ

شاهد أيضاً

هل أصبح مبحث الابستمولوجيا ميتافيزيقا في الفلسفة المعاصرة؟

علي محمد اليوسف تعريف أولي المبحث الذي توليه الفلسفة الحديثة حقه من الاهتمام كثيرا هي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *