الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / من التاريخ السياقي إلى التاريخ كحاضر أبدي

من التاريخ السياقي إلى التاريخ كحاضر أبدي


تَرْهين التاريخ عند بِنِدِتو كْروتْشه

د. خديجة زتيلــي

الدكتورة خديجة زتيلـي – الجزائر

          في نَعتهِ للفلسفة بوصفها ”نزعة تاريخيّة مُطلقة” تمحْور اهتمام الفيلسوف الإيطالي المعاصر بندتو كروتشهBenedetto Croce    على شرح عبارة ”فلسفة التاريخ” في سياقاتها الزمنيّة التي وردتْ فيها، ليتولّى لاحقاً إضفاء مدلولات جديدة عليها تتنكّر لمضامينها القديمة كتلك التي جاءت في كتب فولتير Voltaire، لتنتهي تحليلاته في نهاية المطاف إلى وضع مُعادلة بين الفلسفة والتاريخ، مُلغيا بذلك كلّ ثُنائية ممكنة بشأن موضوعين يُفترضُ أنّهما يختلفان في المضمون وكذلك في المنهج، وقد انتهتْ تحليلات كروتشه إلى تأسيس فلسفة وتاريخ جديدين تنتصر فيها إرادة الإنسان في الواقع بعيداً عن كل تعال أو مفارقة. يَسْتجلـي هذا المقال الخطاب التاريخي عند كروتشه بوصفه الحاضر الأبديّ كما يحلو لصاحبه أن يطلق عليه، فالقاموس الجديد للمصطلحات يجعل الاهتمام ينتقل من ”التاريخ السياقي” إلى ”التاريخ كحاضر أبدي”، الأمر الذي يَسْقُط معه التحقيب التاريخي المعتاد الذي يُقسّم الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فكيف يتمثّل كروتشه قضيّة ”المعاصرة التاريخيّة” وما هي مسوّغات القول عنده؟

1 -في فضاء الاصطلاح

         يُعدّ الفيلسوف الفرنسي فولتير Voltaire (1694-1778)أوّل من صاغ مصطلح ” فلسفة التاريخ” في كتابه مقالة في أخلاق الأمم وروحها، حيث ثار في هذا النصّ على الفكر اللاهوتي وكيفيّة تصوّره للتاريخ، ووجّه عناية القرّاء إلى ضرورة اهتمام المؤرّخ بتاريخ الانسانيّة والبحث في معنى التاريخ دون اللجوء إلى التفسير اللاهوتي له أو إلى الوحي. فقد نبّه في فلسفته التاريخيّة إلى أنّ التاريخ لا يهدف إلى تجميع الوقائع بل إلى البحث في هذه الوقائع عن المثل للتحكّم في المستقبل. ويُعدّ فولتير واحداً من أهمّ ممثلي التفكير التاريخي في عصر التنوير وقد أسهم، فضلاً عن ذلك، بكتابين هامين آخرين هما: تاريخ شارل الثاني عشر (عام 1731) وعصر لويس الرابع عشر (عام 1751). لكنّنا نلاحظ أنّ أطروحة كروتشه ستقف على تضادّ من موقف فولتير، المشار إليه، وسنكون إزاء مصطلحات جديدة أو بالأحرى إزاء مضامين جديدة لمصطلحات قديمة، ولعلّ أهمها مماثلة الفلسفة للتاريخ ومماثلة التاريخ للفلسفة. وسيجد القارئ فحوى هذا الموقف في كتاب كروتشه الذي يحمل عنوان التاريخ بوصفه فكرا وبوصفه فعلاً، ولم يكن هذا المؤَلَّف هو النصّ الوحيد الذي أوضح فيه كروتشه موقفه من مسألة الاصطلاح، بل لقد تكرّستْ آراءه تلك في كتاب آخر له هو نظريّة وتاريخ الكتابة التاريخيّة الذي حاول فيه بلورة نظريّته في التاريخ ووضع مفاهيم مذهبه.

         ففي كتابه الموسوم التاريخ بوصفه فكراً وبوصفه فعلاً يشرح كروتشه موقفه من عبارة ”فلسفة التاريخ”، فيذهب إلى القول بأنّها في القرن التاسع عشر، كانت تعني ” تأمّلات في التاريخ” وهو المعنى الذي كان شائعاً آنذاك، فقد سعتْ ”فلسفة التاريخ” لكي تكون، بشكل فعليّ، تاريخاً فكريّا مرتبطاً بتصوّر الإنسانيّة والحضارة، ولكنّ النتيجة الذي آل إليها التاريخ من جراء هذا التفسير هو طريقة فلسفيّة (1) نأتْ به عن معناه الحقيقي وعن أهدافه الأساسيّة وجعلته تأمّليّاً لا يلامس الواقع ولا يهتدي إلى حقيقة البشر. فعبارة ”فلسفة التاريخ” لو حللناها لنتج عنها عدم وضوح بل وعلى النقيض من ذلك لو أخذناها بدقة المصطلحات التي تشرحها فإنّ العبارة ستتضمّن مُبالغات ومخالفات صارخة، الأمر الذي لا يعكسها بشكل واضح للجميع. إنّها تركيبة خاطئة لا تحمل معنى واضحاً يُمكن الرجوع إليهِ، ولذلك لا وجود لعبارة ” فلسفة” في القاموس الاصطلاحي الكروتشي، فالفلسفة تاريخ والتاريخ فلسفة. وإنّ التفكير في التاريخ هو بالفعل تفلسف، ثمّ أنّ فعل التفلسف لا يمكنه أن يقع من دون الرجوع إلى الوقائع أي إلى التاريخ (2).

         بهذا الطرح غير المسبوق يكون كروتشه معارضاً للكيفيّة التي عولج بها التاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وسيبذل قصارى جهده لكي يؤسّس لتصوّرات فلسفيّة جديدة ستحمل في طيّاتها تبريرات للقول الفلسفي الجديد عنده، فلقد حظي القرن الثامن عشر (عصر التنوير) (3) باهتمام كروتشه في كتابه نظرية وتاريخ الكتابة التاريخيّة، وحاول التعمّق في كتابات هذه المرحلة التاريخيّة محلّلاً خصائصها ومُنتقداً نتائجها على صعيد المعرفة التاريخيّة، ولم يُفَوِّت فرصة رصد مواطن الضعف والخطأ عند مفكّري هذه المرحلة، ولقد شكّل اعتراضه على المعنى الذي مُنح للفلسفة والتاريخ من طرف فولتير أحد أهمّ المواضيع التي كتب فيها كروتشه بإسهاب. فالتصنيف الخاطئ لموضوع الفلسفة والتاريخ واقتصار موضوع الفلسفة ومضمونها على الماورائيات هو الذي جعلها تختلف عن التاريخ وتُشَكّل ذلك الغموض الذي يطرحه مصطلح ”فلسفة التاريخ”، ذلك لأنّه لما حاولت الفلسفة القديمة الميتافيزيقية مدّ يد العون للتاريخ لمساعدته فإنّها لم تمدّ يدها إلى التاريخ بل إلى كرونولوجيا التاريخ، ولمّا كانت الفلسفة عاجزة للارتقاء إلى مستوى التاريخ، بسبب طابعها الميتافيزيقي، فقد رُكِّبَ فوقها ” فلسفة التاريخ” وهي مجموعة من التأمّلات تتصوّر وتتكهّن البرنامج الإلهي الذي يُنفّذه التاريخ -كما يحاول أيّ شخص صناعة نسخة جيّدة أو نوعاً ما نموذجا – إنّ فلسفة التاريخ كانت نتيجة عجز فكري أو نتيجة ”إفلاس الفكر” وهي العبارة التي استخدمها مواطنه جامباتيستا فيكو Giambattista Vico (1668- 1744) حين تحدّث عن الأساطير (4). 

        إنّ الفلسفة الحقيقيّة، في نظر كروتشه، هي فلسفة الأشياء الإنسانيّة وفلسفة الروح، ولذلك عليها محاربة التعالي الديني والميتافيزيقي، فهي لا تُشكّل شيئاً آخر غير دراسة الوقائع الانسانيّة العيانيّة، ومن هذا المنطلق لا مشروعيّة للحديث عن التجريدي والفوقي. فبإقصاء الميتافيزيقي والمتعالي، وعلى أنقاض تلك البنى الفكريّة تتشكّلُ المفاهيم في المنظومة المعرفيّة الكروتشيّة ويتحدّد معها تعريف الفلسفة الجديد. ويكرّس المقال الشهير لكروتشه المعنون ((مفهوم الفلسفة بوصفها نزعة تاريخيّة مطلقة)) فكرة نفي التعالي عن الفلسفة (5) كيفما كان نوعه، وهو يبيّن، بصريح العبارة، أنّه كان على الدوام خصماً عنيداً لكلّ تصوّر للتاريخ يُقدّم نفسه على أنّه فلسفة للتاريخ (6). فلقد تصدّى كروتشه لكلّ الافتراضات التي بوّأت الفلسفة مكانة مرموقة وجعلتها سيّدة العلوم، وفي المقابل جعلت التاريخ لا يشغل سوى مرتبة متواضعة ويندرج تحت الفلسفة وقام بتفنيدها والردّ عليها، فقد عارض هاتين الأطروحتين وحاول تقديم عرض فلسفي بديل عنهما. إنّه يمضي في نصوصه، مُستغرباً من الفكرة التي جعلت تصنيف التاريخ يقع في أدنى مستويات المعرفة الانسانيّة ويُعامل كأكثر أشكال المعرفة تواضعاً وفي المقابل يُنظر إلى الفلسفة كأرقى أشكال المعرفة، وهو يؤكّد بأنّ الوقت قد حان ليعلو التاريخ على الفلسفة بل وليستغرقها أيضاً (7)، مفنّدا ًبذلك كلّ المزاعم السابقة التي سيّدتْ الفلسفة زمناً طويلاً على حساب التاريخ. لقد توقّفت الفلسفة عن التمتّع بوجود مستقّل بسبب طابعها الميتافيزيقي، ولكن ما الذي حلّ محلّها يا ترى؟ إنّ المعرفة التي حلّت محلّها ليست هي الفلسفة بل التاريخ، إنّها الفلسفة بوصفها تاريخاً والتاريخ بوصفه فلسفة وبتعبير آخر إنّها ”الفلسفة – تاريخ” حيث يتكرّس مبدأ تماثل الكلّي والفردي، ما تمّ تحصيله بالفكر وما تمّ بلوغه بالحدس. ومن المشروعيّة بمكان، في هذه الجزئيّة، عدم الفصل بين هذين العنصرين التصوّر والحدس لأنّهما لا يُشكّلان إلاّ عنصراً واحداً.

2 – تماثل الفلسفة والتاريخ

        يقول كروتشه في كتابه نظريّة وتاريخ الكتابة التاريخيّة نحن نعرف عبارة فستيل دي كولانجFustel De Coulanges (8): هناك التاريخ والفلسفة ولكن ليس فلسفة التاريخ، سنقول بالأحرى ليس هناك لا الفلسفة ولا التاريخ، ولكن التاريخ الذي هو فلسفة والفلسفة التي هي تاريخ، والتي هي جوهريّة في التاريخ (9). إنّ فكرة التماثل بين الفلسفة والتاريخ تحيل إلى الإقرار بمحايثة الفكر للواقع لا بمفارقته له، حيث يتماثل الكلّي والفردي وتختفي الثنائيّة التي تطرحها نظريّة المعرفة. فالإنسان عند كروتشه لا يعرف إلاّ ما يُنتجه ولا يعرف إلاّ خبرته وما يقدّمه من نشاط في الواقع والتاريخ، فالفكر هو الواقع العياني والفلسفة هي المعرفة العيانيّة. ولقد برهن كروتشه أنّ الفلسفة والتاريخ لا يشكّلان إلاّ أمراً واحداً وأنّ الفصل بين الاثنين لا قيمة له أدبيّاً وتعليميّاً (10). ففي نصّه ((مفهوم الفلسفة بوصفها نزعة تاريخيّة مطلقة)) وفي مسألة البرهنة على وحدة الفلسفة والتاريخ يرى كروتشه بأنّه متى تمّ التسليم بأنّ الحكم التاريخي هو التوحيد بين الفردي والكلّي، بين الموضوع والمحمول، بين التصوّر والمفهوم فإنّنا بذلك نبيّن أنّه ليس ثمة حكم ممتلئ وحقيقي لا يكون تاريخيّاً، وتاريخيّة هي أيضاً الحلول وتعريفات الفلسفة التي ترتبط دوماً بموقف عملي وتاريخي حيث يوجد المفكّر في كلّ مرّة (11). فالقضيّة الجزئيّة في المعرفة التاريخيّة هي في ذات الوقت قضيّة كليّة، ممّا يعني أنّ محمولها فكرة أو مفهوم وهي ذاتها القضيّة الكليّة الموجودة في الفلسفة، والخلاصة التي تُحيل إليها هذه الفكرة هي أنّ كلّ قضيّة هي قضيّة تاريخيّة وقضيّة كليّة، فالذي نفكّر فيه على الدوام هو أفعال البشر، ولذلك فالفكر ليس أبداً في ذاته وبذاته إنّه لم يكن إلاّ تاريخيّاً (12).

        فحين يتمّ التساؤل عن هدف التاريخ ما هو وهل يمكن تحقيقه وفي أية لحظة يتمّ ذلك وكيف يسير التاريخ وهل ينتصر فيه الخير أم الشرّ وما مقدار التقدّم والانحطاط فيه؟ فكلّ هذه الأسئلة في تقدير كروتشه يُمكن أن تُجمع في نقاط ثلاث هي: مفهوم التطوّر والغاية والقيمة، وهذه المفاهيم تُغطّي كلّ الواقع والتاريخ، وفضلاً عن ذلك فإنّ هذه المفاهيم لا تنتمي إلى علم خاصّ ولا إلى فلسفة التاريخ ولا إلى المنهج التاريخي التجريبي ولا إلى علم الاجتماع ولكن إلى الفلسفة، وهي تنتمي إلى التاريخ بمقدار ما هو فلسفة (13). إنّ هذه الفلسفة التي تمنح للتاريخ معنى جديداً بتجاوز المفاهيم الكلاسيكيّة له، والتي يتّحدُ فيها التأملي بالعملي والفلسفة بالكتابة التاريخيّة، ويكون فيها الفنّ مدخلاً ضرورياً لفهم التاريخ، وتُصبح فيها الفلسفة لحظة منهجيّة، ويَصير فيها التاريخ هو التجلّي الحقيقي للروح، لهَي جديرة بالاهتمام وباستيعاب مضامينها الجديدة، فالبدائل المعرفيّة والأطروحات المقترحة في الخطاب الفلسفي الكروتشي هي من الطرافة بمكان في الفلسفة المعاصرة، ذلك لأنّها لم تكن مسبوقة (14). وتُظهر المصنّفات الكروتشيّة بنبرتهـــا الواثقة قُدرة فائقة على تحليل الموضوع المؤيّد غالباً بالبراهين والاستدلالات الكثيرة، فالربط بين تخصصين عُرف عنهما الانفصال والاختلاف في الموضوع والمنهج يجلب للفيلسوف الكثير من المتاعب ويثير استياء النقاد وخاصّة أولئك المحافظين منهم، ولكن ومع صعوبة هذا المسار الفكري يمضى الفيلسوف إلى مُبتغاه بعزيمة قويّة غير آبه بكلّ تلك الصعوبات أو الانتقادات، مُدركا منذ البداية ما سيثيره فكره من ضجّة وهو ينتقد تراث أسلافه، وقد عبّر عن القلق الذي قد يطال زمرة من الناس في كتابه إسهام في نقدي الخاصّ عندما قال: إنّني أعلم جيّدا بأنّ ربط الفلسفة بالتاريخ هو عرض لروحانيّة مطلقة تسدّ كلّ مسلك نحو المتعالي ونحن بهذا نسيئ ولا نرضي كثيرا من النفوس (15).

 3-طبيعة الحكم التاريخي

        كيف يتمّ إدراك الفردي من خلال المفاهيم الكليّة، وماهي حقيقة الحكم التاريخي؟ 

إنّ الملفت للانتباه في فلسفة كروتشه هو سعيه الدؤوب لاستخراج الفردي من الكلّي وإدراك الفردي من خلال مفاهيم كليّة وربط الكليّات الفلسفيّة بالوقائع الفرديّة، وفي تصوّره فإنّ الفردي بإمكانه أن يُصبح واقعة معقولة لأنّ الواقع وحدة روحيّة – وفي الوحدة الروحيّة لا شيء يضيع، وكلّ شيء ملك أبدي – ولولا وحدة الواقع لما استحال تصوّر إعادة التكوين فحسب بل لاستحالت ذكرى أيّ حادث على وجه العموم (والذكرى إعادة تكوين الحدس)، فلو أنّنا أنفسنا قيصر وبوجي، أي هذا العالم الذي تحدّد لحظة في قيصر وبوجي والذي يتحدّد الآن فينا ويعيش فينا، إن صحّ التعبير، لما استطعنا أن نُكَوِّن لأنفسنا أية فكرة عن قيصر وبوجي، وأمّا قولكم أنّ الفردي لا يمكن إعادة تكوينه وأنّ ذلك من شأن الكلّي وحده فهذا مذهب الفلسفة المدرسيّة (16)، ويُلخّص هذا الكلام موقف كروتشه المؤكّد استحالة انفصال الفردي عن الحقيقة الكليّة لأنّه يجسّدها. ويَخْلَع هذا التحليل مزيداً من الرصانة على موقف كروتشه، ففعل المعرفة هو فعل حكم وأن تعرف معناه أن تحكم وتفكّر، ما يسمح بالقول أنّ هناك تماهياً بين المعرفة والتفكير والحكم، فالمعرفة التاريخيّة، على ضوء هذا الطرح، هي الحكم التاريخي وكلّ المعرفة هي معرفة تاريخيّة، كما وأنّ كلّ حكم هو حكم تاريخيّ، إلى جانب هذا هناك مسألة على قدر كبير من الأهميّة يطرحها كروتشه، في سياق الحديث عن واقعيّة الحكم التاريخي المرتبط بالحياة والنشاط، هي التنبيه إلى أنّه لا يوجد أيّ حكم تاريخي مثالي، وأنّ التاريخ الذي يُعادل في صميمه الحكم التاريخي هو كفاح عملي ونشاط إنساني في الواقع، وليس هناك أي واقع غير الواقع التاريخي. فلا يكفي القول، حسبه، أنّ التاريخ هو حكم تاريخيّ بل لابدّ من إضافة أنّ كلّ حكم هو حكم تاريخي وتاريخ. وإذا كان الحكم، كما يضيف هو علاقة بين الموضوع والمحمول فإنّ الموضوع أي الحدث أيّا كان الذي يصدر عنه هو على الدوام واقعة تاريخيّة وصيرورة، إذ لا توجد وقائع بدون حركة في عالم الواقع (17).

        وليس الحكم التاريخي شكلاً من أشكال المعرفة لكنّه المعرفة ذاتها، ولذلك تُجيز هذه الفلسفة القول أنّ كلّ حكم هو حكم تاريخيّ وكلّ المعرفة هي معرفة تاريخيّة، وليست هناك خيارات أخرى للمعرفة، وبالتأكيد إنّ المعرفة الواقعيّة والحقيقية هي على الدوام المعرفة التاريخيّة. ونصل، مع كروتشه، إلى نتيجة مفادها عدم امكانيّة الفصل أو التمييز في المعرفة (18). فالموضوع الحقيقي للتاريخ هو بالتحديد المحمول (الكلّي) والمحمول الحقيقي هو الذات، بمعنى آخر إنّ الحكم التاريخي يسمح بإدراك الكلّي ليجعله فرديّا (19)، فمن الناحية الوجوديّة إنّ الفردي هو السابق أما من الناحية المنطقيّة فإنّ الكلّي هو السابق، ولكن الأمر هذا لا يُفهم ولا يُعرف إلاّ في إطار الكلّي، ومن هنا يتوضّح كيف تتجلّى رابطة المحايثة. فموضوع التاريخ هو الكلّي الذي في إطاره يُفهم الفردي، ومن هنا يستحيل الفصل بين الموضوع والمحمول بناء على ما تمّ تقديمه من مبرّرات. فلو طلبنا من أحد أن يحدّد لنا ما هو موضوع تاريخ الشعر؟  فحتماً سوف لن يجيب إنّه دانتي أو شكسبير أو بقائمة الشعراء التي نعرفها، ولكن سيجيب بأنّه الشعر، بطبيعة الحال، وهو كليّ، ولو طلبنا منه أن يحدّد لنا موضوع التاريخ الاجتماعي والسياسي؟ فسوف لن يقول إنّه تاريخ أثينا أو فرنسا أو ألمانيا أو مجموعة أخرى من الدوّل، وإنّما سيجيب بأنّ الموضوع يتمثّل في الثقافة والحضارة والتقدّم والحريّة، وعلى هذا النحو ستكون الأجوبة، بمعنى أنّها ستكون أجوبة كليّة (20).

        فموضوع التاريخ هو الكلّي الذي يتمّ إدراك الفردي من خلاله، والفكر الكلّي يتحقّق عبر الصوّر الآتيّة: الفنّ -الفكر -المفيد/النافع (الاقتصاد)، فالكلّي لا يُفهم إلاّ بالفردي والفردي ضروريّ للكلّي، والقضيّة التاريخيّة هي قضيّة كلّية. وعود على بدء، هل يميّز كروتشه بين مقولات التاريخ وبين الأحكام التاريخيّة؟ يشرح كروتشه هذه المسألة بإسهاب في كتابه التاريخ بوصفه فكرا وبوصفه فعلاً، وتحديداً في القسم المعنون ” المقولات التاريخيّة”. فقد انتهى الجدال الذي تجاوز حدود هدفه، في مسألة مفارقة المقولات التاريخيّة للحكم التاريخي إلى التمييز بينهما وجعل هذه المقولات صوراً مفارقة للحكم، في حين يتمّ التأكيد، في النسق الكروتشي، أنّ المقولات لا تشكّل إلاّ شيئا واحداً مع الحكم (21)، وينبّهُ كروتشه في الموضوع ذاته إلى أنّ هذه المقولات تتغيّر وتزداد غنى في كلّ حكم جديد، فالأحكام لا نهائية وكذا المقولات أيضاً (22)، فهذه الأخيرة تتغيّر في كلّ مرة انتقلنا فيها إلى إصدار أحكام جديدة تدلّ على امتلاء مساحة الفعل الإنساني بالنشاط والصيرورة الدائمة.  

4-الفلسفة بوصفها لحظة منهجية في التاريخ”

       عندما تصدّى كروتشه بالرفض للتعريف الكلاسيكي للفلسفة أظهر بوضوح أنّه يحمل مضامين خاطئة، ولهذا فهو لا يعترف بهذه الفلسفة التي ابتعدت عن الواقع وانفصلت عن النشاط الإنساني عوض أن تكون واقعاً عيانيّا، وقد قاده البحث في هذه المسألة إلى استحداث مهمّة جديدة للفلسفة، وهي أن تكون ”لحظة منهجيّة” في الكتابة التاريخيّة. ولا تحمل عبارة ”المنهجيّة” أو ”الميثودولوجيا” في هذا الإطار المعنى المألوف والشائع لها، ولكنّها تستمدّ معناها ودلالتها من تعريف الفلسفة عند كروتشه، فهي لم تعد تعني، حسبه، علم المجرّدات لأنّها أصبحت متماثلة مع الواقع، ما يعني، في نهاية المطاف، أنّ الفلسفة أو الفكر يمثّلان الواقع نفسه الذي هو تاريخ وليست هناك معرفة أخرى يمكن الاعتراف بها إلاّ المعرفة التاريخيّة، فالفلسفة وظيفتها توضيح وتحديد المفاهيم التي نفكّر من خلالها في الواقع ونحكم بها عليه، والمكانة الجديدة التي يمنحها كروتشه للفلسفة هي أن تكون لحظة منهجيّة في الكتابة التاريخيّة (23)، وهذا يعني أنّ الفلسفة إنّما تعمل على شرح المقولات المشكّلة للأحكام التاريخيّة وللمفاهيم الموجّهة للتأويل التاريخي. وبما أنّ مضمون الكتابة التاريخيّة هو الحياة العيانيّة للفكر بجوانبه: التخيّليّة، الفكريّة، العمليّة، والأخلاقية، والتي لا تشكّل إلاّ شيئا واحداً رغم تنوّعّ أشكالها، فإنّ التفسير الفلسفي إنّما يبدو من خلال التميّزات التاليّة: الجمال – المنطق – الاقتصاد – والأخلاق، وكلّ هذا يتحوّل ويتأسّس في فلسفة الروح (24).  إنّه بالإمكان القول أنّ الفلسفة بوصفها لحظة منهجيّة إنّما تعبّر عن فعاليّة الفكر في كلّ أشكال تموضعه في التاريخ وفي كلّ الصوّر التي تعكس حقيقته، فالمنهجيّة بهذا المعنى تمثّل أسلوبا علميّا نحكم به على الكتابة التاريخيّة. لقد جرت العادة، في تاريخ الفلسفة، أن يُنظر إلى ”الفلسفة” و ”المنهجية” بوصفيهما مصطلحين متناقضين، وقد شاع استخدام المنهجيّة بالمعنى التجريبي من طرف المؤرّخين والمفكّرين، ولكن مفهوم المنهجيّة في النصّ الكروتشي يسعى حثيثاً نحو حلّ فلسفي للمشاكل النظريّة التي تطرحها دراسة التاريخ، وتحديداً نحو منهجيّة فلسفيّة، أو نحو الفلسفة المعاصرة بوصفها منهجيّة (25).

        فالفلسفة بوصفها منهجيّة في الكتابة التاريخيّة تسعى إلى تكريس المفاهيم والتصوّرات التي تُساعد على فهم التاريخ وحقيقة البشر، وفي مقاله ((مفهوم الفلسفة بوصفها نزعة تاريخيّة مطلقة)) يشرح كروتشه هذه الفكرة بالاعتراف أنّ اختصار الفلسفة في المعنى الخاصّ بها في أن تكون ” منهجيّة في الكتابة التاريخيّة”(حسب التعريف الذي سبق وأن اقترحه منذ سنوات خلت) – يَسُدّ الطريق أمام كلّ تأويل ميتافيزيقي خاطئ لفلسفة الروح وللروحانيّة المطلقة نفسها، ويَسْمح بمنحها الاسم الذي يُناسبها أكثر: ”النزعة التاريخيّة المطلقة” (26). فالحياة لا يمكنها أن تُفهم إلاّ بشروط الواقع المعيش، وليس هناك واقع قبليّ ولا آخر بعدي أو مفارق، كما أنّه لا وجود لما يسمى الفكر في ذاته أو بذاته، بل يوجد هذا العالم وحسب، وهو الذي يستغرق حياتنا وفهمنا ويرتبط بشكل وثيق بالذات الانسانيّة التي تُعدُّ موضوع المعرفة التاريخيّة وشرطها الأساسي. ويتحدّث كروتشه في كتابه التاريخ بوصفه فكراً وبوصفه فعلاً عن تماهي الفلسفة بالكتابة التاريخيّة، وتزامنها مع تأويل الوقائع التاريخيّة فيقول: عندما نُعرّف الفلسفة بــ” منهجيّة الكتابة التاريخيّة” مثل ما فعلتُ، يجب ألاّ نغضّ الطرف على أنّ المنهجيّة ستكون تجريديّة إذا لم تتزامن مع تأويل الوقائع، بمعنى إذا لم تتجدّد وتتطوّر بطريقة متواصلة، بحيث لا تشكّل إلاّ شيئاً واحداً مع فكر هذه الوقائع (27)، ذلك لأنّ أيّ مشكل فلسفيّ لا يمكنه أن يجد حلولاً إلاّ عندما يُطرحُ بوصفه مجموعة من الأحداث والوقائع التي يجب تأويلها من أجل فهمها، فالمشكل يبقى مجرّداً ما لم يُطرح تاريخيّا وما لم نعالجه بصفته حدثاً بشريّا يتميّز بالواقعيّة والعيانيّة. فالفلسفة، التي هي ”منهجيّة في الكتابة التاريخيّة”، هي الفلسفة مُتزامنة مع التأويل التاريخي، وهي ضروريّة في كلّ كتابة تاريخيّة لأنّها تكشف عن فعاليّة الفكر في الواقع وهو يتجلّى نشاطاً إنسانيّاً.  

5-”مبدأ المعاصرة” كأساس في كلّ كتابة تاريخية

         إذا كانت الفلسفة منهجيّة في التاريخ فإنّ التاريخ كلّه هو تاريخ معاصر. لقد كان مبدأ المعاصرة أهمّ مبدأ وضعه كروتشه لفهم التاريخ، ووفق هذا التوصيف ليس باستطاعة النصّ التاريخي أن يتأسّس معرفيّا بعيداً عن هذا المبدأ. فالتاريخ الذي هو في جوهره الحكم التاريخي إنّما يتولّد من اهتمام بالحياة الحاضرة، وكلّ التاريخ يسير على هذه الشاكلة إذْ يتولّد هنا في اللحظة الحاضرة، وحتى الماضي فإنّنا نعيد صياغته في أذهاننا في الزمن الراهن لنجعله حاضراً بيننا، واتّساقاً مع ما سبق عرضه فإنّ عبارة ”التاريخ المعاصر” تدلّ، بشكل عام، على حيّز من الزمان، على ماض قريب: الخمسون عاماً الأخيرة، العام الأخير، الشهر أو اليوم الأخير أو حتّى الساعة أو الدقيقة الأخيرة، ولكن لو شئنا التفكير أو التعبير، بدقّة شديدة، لما وجب أن نصف ”معاصر” إلاّ التاريخ الذي يولد مباشرة مع الفعل الذي يُنجزه: إنّه الوعي ذاته بالفعل (28). إنّ عبارة ”معاصر” تمليها فكرة راهنيّة الفعل لأنّ أيّ تاريخ إنساني، وفق السياق الذي تُطرح فيه هذه الفكرة، إنّما يُناقش ويحلّل في الوقت الراهن. لقد دَرج الفكر التاريخي على تقسيم التاريخ إلى تواريخ: قديمة، حديثة، ومعاصرة-(المعاصر الذي يعني الأكثر قرباً إلينا)-، ولكنّ هذا التقسيم المذكور لم يعد يفي بالغرض المطلوب أو يملك أي معنى أو قيمة له في ظلّ مبدأ المعاصرة المطروح، ففهم التاريخ يرتبط ارتباطاً مباشراً بوعي المؤرّخ وإدراكه العقلي فلا تاريخ بدون مؤرخ، وُتفضي الاستدلالات الكروتشيّة، بشأن مبدأ المعاصرة في الكتابة التاريخيّة، إلى التأكيد أنّ الفكر  الذي يرتبط بالمفكّر والفيلسوف إنّما يتشكّل في الزمن الراهن، وكلّ خطاب تاريخي يولد الآن وهنا، ولا يُستحضر إلاّ بذهن حاضر (29) في اللحظة الراهنة، وهو لا يحمل قيمة تُذكر إذا لم يتطرّق إليه الفكر في الحاضر. فأبعاد الزمان المتعارف عليها ستُخْتَصَرُ، في نهاية المطاف، في بعد زمنيّ واحدٍ هو الحاضر.

     يَرتبط الحكم التاريخي وثيق الارتباط بفكرة المعاصرة التاريخيّة، فالماضي لا وجود له إلاّ إذا فُكّرَ فيه وتمّ استحضاره ليكون معاصراً، فكلّ حكم تاريخي هو حكم معاصر. فإذا كان تفسير التاريخ المعاصر وتحديد معناه يتمّ وفقاً لهذا المعيار فكيف يتمّ تفسير ” التاريخ غير المعاصر” إذن؟ يذهب كروتشه إلى التأكيد أنّ ”التاريخ غير المعاصر” هو ذلك الذي يتناقض مع كلّ ما سبق ذكره عن ”التاريخ المعاصر”، فإذا كان التاريخ المعاصر هو التاريخ الحقيقي، فإنّ التاريخ غير المعاصر هو ”التاريخ الماضي” الذي يتناول التاريخ ككرونولوجيا، وهو التاريخ الموسوم أيضا بالتاريخ التراكمي والفارغ والسطحي. إنّ المعاصرة التاريخيّة هي التي تطبع كلّ التاريخ والتاريخ مرتبط بالحياة الحاضرة، ولذلك يجب أن نفهم، وفق كروتشه، أنّ التاريخ مرتبط بالحياة في علاقة وحدة، ولكن ليس بالمعنى الذي يُقصدُ منه وحدة تجريديّة، ولكن تلك الوحدة التركيبيّة التي تتضمّن وحدة المصطلحات وتميّزها في آن معا (30). فراهنيّة الحدث التاريخي هي التي تمنح له الحياة والمعنى وتُضفي عليه طابع الحضور الآني، ولذلك يُصرّ كروتشه على الفصل بين الحدث التاريخي وغير التاريخي، مع لفت الانتباه إلى أنّ أهمّ شرط لإدراك حقيقة التاريخ هو استيعاب الفرق الموجود بين المصطلحات. وإذا كان كلّ تاريخ هو بالأساس فعل تفكير فإنّ التاريخ ينقلب إلى كرونولوجيا عندما يغيب فيه بُعد التفكير، لأنّه سيصبح عندئذ مجرّد رصد للأحداث ومراكمتها زمنيّا. فالتفكير هو الذي يهب المعنى والقيمة للتاريخ وبدونه يسقط هذا الأخير في فخّ الكرونولوجيا التي لا تعدّ شكلاً من أشكال التاريخ، وفي حقيقة الأمر لا يجب اعتبار الكرونولوجيا والتاريخ من أشكال التاريخ الذي ندوّنه بالتناوب أو أنّهما مرتبطين الواحد بالآخر، فالاختلاف بينهما بيّن، إنّ التاريخ هو تاريخ حيّ أما الكرونولوجيا فهي تاريخ ميّت، الأوّل تاريخ معاصر والآخر تاريخ مضى.   

6-التاريخ كحاضر أبدي

        يرفع مبدأ ”المعاصرة التاريخيّة” كلّ التاريخ إلى ”حاضر أبدي”، فالماضي في فلسفة كروتشه لا يعيش بأيّ شكل من الأشكال إلاّ في الحاضر (31)، وَرَفْع التاريخ إلى حاضر أبديّ في المعرفة التاريخيّة من شأنه أن يناهض آراء كثيرة تقف رافضة لهذا الطرح، ولكن يجري تسويغ الأمر من طرف كروتشه لكون التاريخ الذي يعدّ حاضراً أبديّا عمليّة فكريّة يتماهى فيها الحدث التاريخي بالوعي الراهن، فالفعل التاريخي هو عقلي أكثر منه زمني، ونحن عندما نضع التاريخ في مرتبته الحقيقيّة التي هي معرفة الحاضر الأبدي، فإنّه يظهر بجلاء بأنّه لا يشكل إلاّ شيئاً واحداً مع الفلسفة، ومن جهتها فإنّ هذه الأخيرة لم تكن أبداً شيئاً آخر إلاّ التفكير في الحاضر الأبدي. إنّ التاريخ يكتسب معناه الحقيقي في الحاضر لذلك هو على الدوام الحاضر الأبديّ. لقد تحمّس كروتشه كثيراً للتاريخ وهو الأمر الذي جعله يحيل كلّ الأطروحات والتعريفات الفلسفيّة إليه، ويعترف بتاريخيّة الحلول والتعاريف المتعلّقة بالفلسفة التي ترجع دوماً إلى الواقــع (32). فحينما تتحدّدُ الفلسفة بالتفكير التاريخي فإنّه لا يتمّ التفكير إلاّ في الأفعال الفرديّة، ولذلك فإنّ كروتشه عندما تناول موضوع ”الفكر” في مؤلّفاته نبّه القارئ منذ البداية إلى أنّه لم يكن يقصد به الفكر في ذاته أو بذاته، بل الفكر الذي لا يمكنه أن يكون إلاّ تاريخيّاً، وتعدّ هذه الفكرة جوهريّة في خطاب النزعة التاريخيّة المطلقة، وسيجري إعادة تأكيدها في ختام مقاله ((مفهوم الفلسفة بوصفها نزعة تاريخيّة مطلقة))، كما يتناول في ختام هذا المقال أيضاً موضوع وظيفة الفلسفة التي ستصبح ” منهجيّة في الكتابة التاريخيّة”، وقد أشار الفيلسوف إلى هذه الوظيفة وإلى الأهميّة تلك في نصوص أخرى له مثل كتابه نظريّة وتاريخ الكتابة التاريخيّة، فبوصف الفلسفة منهجيّة في الكتابة التاريخيّة فإنّ ذلك سيسدّ الطريق أمام كلّ تأويل ميتافيزيقي خاطئ لفلسفة الروح وللروحانية المطلقة نفسها، ويَسْمح بإعطائها التوصيف الأكثر مُلائمة لها وهو النزعة التاريخيّة المطلقة. 

         تؤكّد الأطروحات الكروتشيّة في مجال المعرفة التاريخيّة على مبدأ الحريّة والصلة الوثيقة بين هذه الأخيرة والنزعة التاريخيّة المطلقة، فالفكر المبدع الخلاّق هو الذي يساهم في ولادة النصّ التاريخي الجديد، واتّساقاً مع هذا الطرح فالفعل في فلسفة كروتشه مرادف للحريّة، ثمّ أنّه لا يمكن التقدّم في التاريخ في غياب الحريّة. بل إنّ التاريخ الذي يُنعتُ بأنّه ”حيّ” أو ”معاصر” لا يكتسب أيّ معنى بدونها وإنّ خير من يعبّر عن هذه الحريّة هو عمل المؤرّخ. فالإرادة الحرّة هي القوّة المبدعة للأفكار والوعي بالتاريخ، كبناء انساني متواصل، هو الوعي بالحريّة في التاريخ، لأنّ الحريّة هي ماهيّة البشر. لقد آمن كروتشه بالتاريخ بوصفه فعل حرّية واعترف بأنّنا نتاج الماضي وأنّنا أيضاً نعيش في ماضي يمارس علينا ضغطاً من كلّ الجهات، فكيف نتّجه إلى حياة جديدة حسبه، كيف نبدع بشكل حقيقي نشاطنا الخاصّ إبداعاً جديداً دون الخروج عن الماضي ودون الارتفاع فوقه؟ وكيف يمكننا أن نرتفع فوق الماضي ما دمنا نقيم فيه ومادام يتّحد بنا؟ إنّه لا وجود إلاّ لمخرج وحيد هو التفكير فيه (33)، ويتجلّى تجاوز الماضي وجعله معاصراً لنا بالتفكير فيه لأنّ التفكير في هذا السياق مرادف للحريّة والحركة، ولن تكون هناك حريّة إذا لم يوجد على الدوام الإبداع المتجدّد للحياة (34). 

        لقد لفتَ فكر كروتشه الأنظار إليه، وهو يُزحزح اليقينيّات القديمة، ابتداء من النصف الأوّل من القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين كانت أطروحاته محلّ جدل ونقاش كبيرين في الحلقات العلميّة، وقد استمرّ الاهتمام بها إلى ما بعد وفاة الفيلسوف. فالنزعة التاريخيّة المطلقة بقاموسها الاصطلاحي الجديد الذي حاول التملّص من كلّ تقليد وتكرار، والاتّجاه نحو التركيز على مسائل لم تُعِرها الفلسفات السابقة المكانة التي حظيتْ بها في فكر كروتشه، كان كفيلاً بتعاظم الاهتمام بمعاني هذا الفكر في الفلسفة المعاصرة. أضفى الرجل أهميّة بالغة على حقل المعرفة التاريخيّة في سياق منظومته الفكريّة، وقد تجاوز هذا المدى إلى إظهار سلطة التاريخ عندما جعله المعرفة الوحيدة الممكنة التي تفوز بالبقاء، والاعتراف فضلاً عن ذلك بأن جميع العلوم لا تُفسّر إلاّ تفسيراً تاريخيّا، وحتى الفلسفة هي الأخرى تندرجُ ضمن هذا التفسير.

******************************

هوامش المقال:

  • Benedetto Croce, L’histoire comme pensée et comme action, trad Jules Chaix- Ruy, (Genève : Librairie Droz, 1968), p134.     
  • Ibid, p 135.
  • ويُدعى أيضا عصر الاستنارة، والاستنارة هي حركة ثقافيّة طبعت أوروبا خلال القرن الثامن عشر، وقد مثّلها فلاسفة، وأدباء ومثقفين ومؤرّخين. وكانت أهمّ الأفكار التي طرحها عصر التنوير هي ضرورة سيادة العلم فهو السبيل الحقيقي للتقدّم والوصول إلى العقل، وأنّ على هذا الأخير أن ينتصر في الطبيعة والإنسان. أما المسألة الفلسفيّة الملفتة للانتباه في هذا القرن فهي تكريسه لفكرة التقدّم التي أصبحت عقيدة اعتنقها جلّ الفلاسفة في هذه المرحلة -وإن كنّا نستثني روسو Rousseau  الذي ناهض فكرة التقدّم مقدّما مبرّرات رفضه لها بالصيغة التي طرحها القرن الثامن عشر-، فالتقدّم في عصر التنوير هو القانون الذي يُسيّر العالم وتظهر تجليّاته في العلوم والفنون. وقد عرّف كولنجوود في كتابه فكرة التاريخ حركة الاستنارة قائلاً: «يُقصدُ بالاستنارة، تلك الجهود التي اتّسمت بها مقدّمات القرن الثامن عشر التي استهدفت تطبيق الثقافة العلمانيّة في كلّ ميدان من ميادين الحياة الانسانيّة والتفكير. ولم تكن هذه الحركة ثورة ضدّ سلطان الديانة النظاميّة فحسب ولكن ضدّ الدين كيفما كان» (ص 184). فوظيفة المؤرّخ ستصبح بناء على المعطيات الفلسفيّة الجديدة لهذا القرن: هي الثورة على النظرة اللاهوتيّة والتفكير في تاريخ الانسانيّة وبدلاً من اللجوء إلى الوحي بات من الأهميّة بمكان، على المؤرّخ، تكثيف الجهود للنظر والبحث في معنى التاريخ، وفي وظيفة المؤرّخ بعيداً عن الاعتبارات الميتافيزيقيّة. فقد آمن هذا القرن بالعلم وأهميّة الإنسان في صنع مصائره متجاوزاً في ذلك سلطة الدين وهيمنة الكنيسة.
  • Croce, L’histoire comme pensée et comme action, p 51.
  • (5)            B. Croce, « le Concept de la philosophie comme Historisme absolu», dans : Revue de métaphysique et de Morale, (47 année, nº 2, Avril 1940), p  25.                      
  • Eric Merlotti, L’intention Spéculative de Benedetto Croce : étude sur la signification métaphysique de la philosophie de l’esprit, (suisse : les éditions de Baconni, 1970), p 47. 
  • Croce, L’histoire comme pensée et comme action, p 51.
  • مؤرّخ فرنسي (1830-1889)، درّس في كليّة ستراسبورغ (عام 1860)، وبعدها درّس في باريس (عام 1870)، اهتمّ بكتابة تاريخ المؤسّسات السياسيّة لفرنسا القديمة وقد تمّ نشر الجزء الأول من هذا العمل عام 1888 أي قبل وفاته بعام واحد، أما الأجزاء الأخرى فقد ظهرت بعد وفاته من عام 1889 إلى 1892. وقد عَرّفَ بمنهجه في البحث التاريخي في دراسات عديدة أهمّها مسائل تاريخيّة، كما سنتعرّف على مبادئ فكره في كتابه المدينة القديمة (عام 1864) الذي خلص فيه إلى أنّ الشعور الديني كان المبدأ التأسيسي للعائلة وللمدينة القديمة في فرنسا.
  • Croce, Théorie et Histoire de L’Historiographie, trad de l’italien par Alain Dufour, (Genève : librairie Droz, 1968), p 57.                             
  • Ibid, p 100.
  • B. Croce, « le Concept de la philosophie comme Historisme absolu», p 34.
  • (12)                                                                             Ibid, p 35.          
  • Ibid, p 57.
  • يقول كروتشه في كتابه إسهام في نقدي الخاصّ: يجب أن أسجّل من جهة أخرى بأنّني قد أوليتُ دائما في تصوّري للفلسفة وكذلك في كتابتي التاريخيّة عناية كبيرة لوحدة الفلسفة والتاريخ، فكلّ مشكل بحثتُ فيه كيف شُكّل تاريخيّاً، ولقد حرصتُ على المضيّ قدماً إلى الأمام قبل إدراكه من طرف هؤلاء الذين سبقوني: B. Croce, Contribution à ma propre critique, trad de L’italien par J. Chaix-Ruy, (paris: les éditions Nagel 1949) , p 121.                               
  • Croce, Contribution à ma propre critique, p 122.
  • كروتشه، المجمل في فلسفة الفنّ، ترجمة: سامي الدروبي (القاهرة: دار الفكر العربي، ط 1، 1947)، ص 114.   
  • (17)        Croce, L’histoire comme pensée et comme action, p 48.   
  • Ibid, p 142.
  • Croce, Théorie et Histoire de L’Historiographie, p p 42-43.
  • Ibid, p 43.
  • Croce, L’histoire comme pensée et comme action, p 52.
  • Ibid.
  • Croce, Théorie et Histoire de L’Historiographie, p 100.
  • Ibid.
  • Ibid, pp 100 – 101.
  • Croce, « le Concept de la philosophie comme Historisme absolu», p 35.
  • Croce, L’histoire comme pensée et comme action, p 140.
  • Croce, Théorie et Histoire de L’Historiographie, p 13.
  • Ibid, p 14.
  • Ibid, p 17.
  • Croce, Théorie et Histoire de L’Historiographie, p 62.
  • B. Croce, « le Concept de la philosophie comme Historisme absolu», p 34.                                                                                                         
  • Croce, L’histoire comme pensée et comme action, p p 56-57.
  • Ibid, p 62.

شاهد أيضاً

درس الفلسفة الحزينة

وفاق القدميري لربّما كان أبيقور قد لامس غور المرتجى عندما قال: “لكي نعيش سعداء، فلنعش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *