الرئيسية / أنشطة ومواعيد / إدغار موران: نحو ثقافة وهوية أرضية [المجتمع الكوكبي]

إدغار موران: نحو ثقافة وهوية أرضية [المجتمع الكوكبي]


عبد الكامل نينة

بقلم: الباحث عبد الكامل نينة – الجزائر

يدعو الفيلسوف الفرنسي إدغار موران إلى ثقافة كوكبية، بمعنى ثقافة شاملة تحكم الكوكب بصفة عامة، فيصبح الإنسان محتكما في تعامله مع الآخر كأنه أنا غيرية، إنطلاقا من تقديم مبدأ النحن، بدل التعصب للأنا، أي أن إدغار موران يرمي إلى ثقافة تكسر الحواجز والأيديولوجيات التي تعزز الكراهية والتنافر بين الشعوب والدول.

يؤكد إدغار موران هذا في تعريفه للثقافة الجماهرية قائلا: ” الثقافة الجماهيرية هي فعلا في طبيعتها لا قومية ولا حكومية ومضادة للتراكم، ومحتوياتها الأساسية هي محتويات الحاجة الخاصة العاطفية (السعادة، الحب) أو الخيالية (المغامرات، الحرية) أو المادية (الرخاء)”(1)  فهذه الثقافة تتجاوز القومية فيصبح أصل الفرد هو الإنسانية فقط، وبتجاوز الحكومات يصبح وطن الفرد هو الأرض كلها، وبمحاربة التراكم تصبح القيم إنسانية متجددة عند الحاجة لا تاريخية متراكمة ومنغلقة حول ذاتها. وهذه الثقافة ترتكز على قيم السعادة والحب.

هذا وان موران ومن خلال الثقافة الجماهرية يدعو كذلك للسياسة الحضارية ” التي أخذت على عاتقها مهمة القضاء على بربرية العلاقات الإنسانية والمتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان وشطط السلط والأنانية والتعصب العرقي والقساوة واللاتفاهم”(2) فهذه السياسة تدعم مشروع الثقافة الجماهيرية من خلال نبذ كل ما يمنع الاعتراف بالآخر والتعايش معه وتنمية وعزيز ما يجعل من الآخر أنا غيرية. يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو: “أن الإنسان مدني بطبعه”(3)، إشارة إلى ميول الإنسان للحياة الاجتماعية والاندماج والتفاعل مع باقي الأفراد، من خلال هذا ففي المجتمع الحديث والمعاصر الدول لابد لها أن تلعب هذا الدور في أن تتعايش في ما بينها، ليتم بلوغ ارقى معاني الحياة الاجتماعية.

هذه الحياة الاجتماعية التي تكلم عنها أرسطو واصفا إيّاها أنها طبيعة بشرية واصل الحياة الإنسانية، في رأي الفارابي   ” هي من أجل تحقيق سعادة الفرد والمجتمع على السواء، ويؤكد هذا الفيلسوف على الصفات الأخلاقية التي يجب أن يتمتع بها الحاكم حتى يتم ذلك”.(4)

يضيف إدغار موران قائلا: أن “الثقافة الجماهرية تتوجه بندائها إلى الاستعدادات العاطفية لإنسان عالمي وهمي قريب من الطفل والبدائي ولكنه حاضر دائما في الإنسان الصانع الحديث”(5) فموران يريد للإنسانية أن تحافظ على النزعة البدائية في بساطتها وميلها للقيم الإنسانية والأخلاقية، وفي ذات الوقت الإبقاء على الإنسان الصانع الحديث، وهذا ما يعتبر الإنسانية النموذجية.

يؤكد إدغار موران: ” الثقافة الجماهيرية توحد بصورة حميمة بين هذين العالمين، عالم العاطفة وعالم الحداثة”(6) فمن خلال الثقافة الجماهيرية يسهل الجمع بين قيم الإنسانية في الإنسان البدائي، وبين قيم الإنتاج في الإنسان الحديث، أين يتم خلق إنسان إنتاجي أنساني.

كما ان الإنسانية اليوم مثلما هي بحاجة لثقافة جماهرية، هي بحاجة كذلك الى سياسة كونية، وعندما نقول سياسة كونية يتبادر إلى الأذهان انه يشير إلى سياسة تحكم الحضارة الإنسانية جمعاء، وهو كذلك نعم، فهذه السياسة من خلال احتوائها للعالم في قوانين واحدة، تهدف إلى الحفاظ على امنه، ووحدته ككيان إنساني واحد.

يقول موران: “أن عبارة سياسة الحضارة فرضت نفسها علي في بداية سنوات الثمانينات، وهي ترتبط بما سميته أنذاك بـسياسة الإنسان، وهي عبارة تفيد سياسة متعددة الأبعاد، لأن كل مشاكل الإنسانية تكتسب اليوم بعدا سياسيا، فهذه السياسة أخذت على عاتقها مهمة القضاء على بربرية العلاقات الإنسانية، المتمثلة في استغلال الإنسان للإنسان، والأنانية، والتعصب العرقي، والقساوة، واللاتفاهم”(7) وكما اكد إدغار موران فهذه السياسة تهدف إلى إزالة تلك الحواجز التي تعيق الفرد والمجتمع، على الفهم والتفاهم، كما تهدف إلى إزالة كل الأسباب التي تؤدي إلى التفرقة ورفض الآخر، من خلال رعاية الجميع تحت شعار واحد وهو المجتمع الإنساني.

ويعلق إدغار موران على الوضع الحالي للمجتمع الإنساني قائلا ” ندعي معالجة مشاكل كالباطلة انطلاقا من منطق اقتصادي مغلق، بينما كان ينبغي دراستها داخل إشكال كبير للمجتمع والانطلاق من حاجيات الحضارة التي تتطلب من تلقاء ذاتها مناصب شغل جديدة ولا يكفي الانطلاق من البعد الاجتماعي الذي قد يضع البعد الحضاري بين قوسين”(8) فالحلول المتوفرة لمشكلة البطالة، من منطلق اقتصادي مغلق، هو زيادة الاقتصاد، أو الاستثمار، أو استغلال دول أخرى وغيرها الكثير، هذا المنطق الذي قد لا يهتم لحاجيات الحضارة، بل قد يتعمد تجاهلها وكسرها، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة الامريكية في سياستها الاقتصادية.

يقول جون ديوي الفيلسوف الأمريكي براغماتي النزعة “لا ريب في أن طريقة الحياة الامريكية تقدم فرصا لا مثيل لها لكل فرد ليعمل بحسب ما لديه من مزايا وفاعلية”(9) فلا احد يستطيع إنكار أن الوضع الاجتماعي الأمريكي ربما يتصدر قائمة افضل الشعوب رفاهية عالميا، ويعود هذا لعديد العوامل، كالقوة الاقتصادية التي تعتمد على المشاريع الاستثمارية التي تفتح مناصب شغل كبيرة، أيضا التقنين من ظاهرة الهجرة حتى لا يكون تزاحم في المجتمع الأمريكي الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الأجور في احسن الأحوال، وفي أسوأها تحدث فائض في اليد العاملة مقارنة بمناصب الشغل. يقول مايكل ساندل: ” بالنسبة للأمم الغنية تقوم سياستها على تقييد الهجرة لحماية امتيازاتها”(10)

يؤكد تشومسكي هذا بقوله: “سجلت صناعة السياحة في أوروبا هبوطا دوريا لتحاشي الأمريكيين السفر إلى المدن الأوروبية خشية أن يهاجمهم فيها عرب … وجري تلفيق تهديدات خطيرة في الداخل أيضا”(11) فالأعلام في هذا الشأن يعمل الدور الرئيسي في توجيه الرأي العام أولا، في أن التهديد الإرهابي منتشر في تلك المنطقة اكثر من باقي المناطق، كما انه تمكن من إلباس العربي، صورة الإرهابي أينما حل، هنا الحديث عن الإسلامي العربي، فأصبحت أمريكا تروج لخطر الإرهاب بأوروبا، ليس لتشويه صورة العربي فقط كما يبدو سطحيا، أو لغاية الهيمنة في خلق المبررات للهجوم على الإرهاب أو الدفاع عن النفس، بل أن الغاية أيضا هو الهدف الاقتصادي في كسر كل محاولة للمنافسين في التحدي والمنافسة، فنجاح أمريكا في إقناع شعبها بطريقة أو بأخرى، بالإمتناع عن السياحة بأوروبا، يعد حركة استراتيجية لتعزيز انفرادها بالهيمنة الاقتصادية.

وان كانت الحركة الاشتراكية حركة قديمة، وكان هدفها توحيد المصالح الدولية والعالمية، والسعي إلى سلام العالم، وتجاوز المنافسة الاقتصادية بين الدول التي تخلق حربا باردة، فما الذي أدى إلى تغيرها؟

يقول إدغار موران “كرست الحركة الاشتراكية عملها لدمقرطة مجموع نسيج الحياة الاجتماعية، لكن صيغتها السوفياتية أقصت كل ديمقراطية، ولم تتمكن الصيغة الاشتراكية الديمقراطية من الوقوف أمام التقهقرات الديمقراطية التي أخذت لأسباب متنوعة تنحر حضارتنا من الداخل. وهكذا أصبح المشروع المتمثل في سياسة الحضارة هو المشروع الأصلي للحركة الاشتراكية، إما محط خيانة وقلب أهداف وإما أنه تم تمزيقه”(12) فهذه الحركة حسب موران في أصلها مشروع إصلاحي، إلا انه إنحرف بفعل فاعل، فخضع للتزييف، فتغيرت الأهداف.

ويرى إدغار موران ” أن سياسة الحضارة تعيد التطلع إلى المزيد من التشارك والتآخي والحرية، تطلع أقل سذاجة مما كان عليه بالقرن الماضي الذي كان في أصل الحركة الاشتراكية، فهذه السياسة أصبحت المؤشرات التي تقول بأنه مشروع ناجح فقط يتطلب إلى نفس طويل”(13) أي أن سياسة الحضارة هي مشروع إحيائي للحركة الاشتراكية إلا أنه أكثر نضجا وأكثر تعديلا مما كانت عليه الحركة الاشتراكية.

فكما يقول إدغار موران: ” أن الأمر لا يتعلق بإحلال كل سياسة داخل سياسة الحضارة، لان المشاكل الكلاسيكية ستظل قائمة، بل المطلوب هو تنمية الجوانب الإيجابية للعلوم والتقنيات والدولة والرأسمالية والفردية …إلخ، بالاستثمار في البحث وخلق طاقات لطيفة ( الشمسية والريحية)، وتشجيع السيارات الكهربائية والنصف كهربائية، والمراهنة على المناهج الجديدة في مجال البيو بيئية أو البيو جينية من اجل إصلاح الزراعات، والمراهنة على الأجيال الجديدة من الحواسيب الذكية، القادرة على تغيير برامجها، بإختصار ينبغي علينا التفكير في عصر جديد للتقنية”(14)

يقول كريستان دودوف: ” تواجه البشرية وحشا متعدد الرؤوس أنجبته هي … إن محاربة كل رأس عملية خير مجدية، ومحاربة جميع الرؤوس عملية هرقلية”(15) فالمجتمع الإنساني خلق من خلال الفكر الحداثي والتمركز حول الذات وحشا أسلحته العلم والتقنية وكثيرا من الجهل، ولمواجهة هذا المرض أو معالجته يستدعي إلى إيجاد بديل لا مهاجمة المرض، هكذا يرى كريستان دودوف.

ويقول إدغار موران: ” أن الهيمنة الامريكية بديهية، لذلك هي من ينشر الثقافة عالميا، لذلك يمكن اعتبار هذا سلاح قوي لطرح حل فعال، وهو في أن تتحكم الولايات المتحدة في المادة الثقافية لتوجيه العالم نحو نجاته”(16) فأمريكا اليوم ككل دولة بالسادة خاضعة للفكر الأناني المتمركز حول الذات، فمتى ما انتقلت من التفكير من خلال ” الأنا” إلى التفكير انطلاقا بالبحث عن صالح “النحن” يكون السلوك الأمريكي سلوك يخدم مشروع سياسة الحضارة، والهوية الأرضية، ويؤسس للثقافة الجماهرية.

إن الطابع الفلسفي لإدغار موران طابع كوكبي، بمعنى أن فكره يتوجه إلى كل ما هو كوكبي وشمولي، ففي السياسة يدعو لحضارة سياسية، أي نظام سياسي عالمي، وفي الأخلاق يدعو إلى أخلاق تسامح عالمي يقبل فيها الإنسان أخاه الإنسان، وفي كل مجال يدعو لما هو يجعل من الإنسانية إخوة متحابة، من خلال ما سماه الهوية الأرضية، أي أن يكون الوطن هو الأرض وإذا أراد فرد أن يتعصب لوطنه لا يتعصب ضد أخاه الإنسان البعيد إنما يتعصب لعدو يسكن على كوكب آخر، من هذا المنطلق تؤسس الهوية الأرضية عند إدغار موران.

فإدغار موران لديه وعي سياسي كوكبي ينادي بمدينة متحضرة تحافظ على الإنسان والبيئة”(17) أي انه ينادي بنظام سياسي يحفظ حقوق الإنسان ويؤمن سلامه، وكذلك الحال للبيئة، فيكون هذا النظام متحكم بالعلاقات ومنظما لها، ومؤطرا للسوك الفردي والاجتماعي اتجاه الفرد والمجتمع كانت مجتمعات داخلية أو خارجية. ويمكن القول بلسان حال الفكر الكوكبي، أن على الفرد أن يعتبر نفسه جزء من مجتمع ارضي وعليه أن يحترم جميع إخوته وان يحترم كذلك جميع ما على الأرض، من كائنات غير الإنسان. من خلال هذا تختفي الأحقاد، وتختفي كذلك المفاسد اتجاه كل حي.

ويؤكد موران: ” على أن الثقافة الجماهيرية هي رهان تحديد المستقبل البشري ونجاح الفكر الكوكبي وتقديم الهوية الأرضية على ما سواها”(18) أي أن التعايش بين الدول والمجتمعات كوحدة واحدة والتفكير بهذه الطريقة الجماهيرية الموحدة هو ما يبني الهوية الأرضية التي يدعو إليها. ويؤكد هذا غورتيوزن: “وحده الحكيم يحرص على الدوام كي يكون تفكيره يشمل كل شيء، فهو لا ينسى أبدا العالم، إنه يفكر ويتصرف حسب ما يقتضينه الكون”(19) ويقول موران: ” أن الكوكب يتطلب تفكيرا متعدد التمركزات يكون قادرا على تبني رؤية كونية ليست مجردة بل رؤية واعية بتعدد الشرط الإنساني، انه تفكير يتغذى من مختلف ثقافات العالم. تلك هي غاية التربية التي يجب عليها أن تعمل في العصر الكوكبي، على تشكيل الهوية والوعي الأرضيين”(20) فموران هنا يدعو إلى تلاقح الأفكار والثقافات، فتصبح المجتمعات تستفيد فيما بينها، لا أن تنغلق كل واحدة على الأخرى، وهذا حسب موران يتم من خلال تبني الرؤية الكونية، على عكس الرؤية القومية، والأيديولوجية، فهذه هي التربية التي يجب أن تكون في هذا العصر الكوكبي.

ويشير موران إلى أن الإنسانية لديها آمال، في حلول إبداعية موجودة بذاته عليه تفعيلها وتقويمها، الحديث هنا عن ” ما يمكن تسميته بالمواطنة الأرضية. على التربية، بما هو في نفس الوقت نقل لما هو موجود سلفا، وفتح الفكر من اجل استقبال ما هو جديد، أن تأخذ على عاتقها هذه المهمة الجديدة”(21)

من خلال هذا نستخلص أن على الفرد، وكذا المجتمعات، أن يكون تفكيرها تفكيرا متعدد، منفتحا، متحررا من الدوغماتية، كما يجب أن يكون متحررا من البراغماتية الأنانية، فعندما يكون المخيال العقلي مخيالا متعددا، فيكون التعايش نتيجة لذلك. فالتربية الأخلاقية على عناصر تخدم الاندماج في الثقافة الكونية وتفعيل الهوية الأرضية هذه، كالتسامح، والإخاء، والأخلاق، والحب، بعيدا عن العدوان، والحقد، وجموح الكبرياء، يساهم في نجاح بناء هذه الهوية بكل تأكيد، والاهم حسب موران أن يكون الفكر لا بأس أن ينطلق لما هو موجود سلفا لكن يجب أن يتطلع لما هو جديد لا أن يسكن في مرحلة ما، ويقتنع بما بلغه من تطور.

قائمة المراجع:

  1. إدغار موران: روح الزمان، ج1، العصاب، ترجمة أنطون حمصي، دراسات فكرية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق سوريا، 1995، ص182.
  2. ادغار موران: نحو سياسة حضارية، ترجمة احمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2010، ص37.
  3. أحمد الميناوي: جمهورية أفلاطون، دار الكتاب العربي، ط1، دمشق – القاهرة، 2010، ص11.
  4. إدغار موران: روح الزمان، ج1، ص184.
  5. المصدر نفسه، ص184.
  6. إدغار موران: نحو سياسة حضارية، ص 37.
  7. المصدر نفسه، ص 38.
  8. جون ديوي: الفردية قديما وحديثا: ترجمة وليد شحادة، دار الفرقد، ط1، سورية دمشق، 2014، ص13.
  9. مايكل ساندل: العدالة ما الجدير أن يعمل به؟ ترجمة مروان الرشيد، جداول للنشر والتوزيع، ط1، بيروت لبنان، 2015، ص 256.
  10. نعوم تشومسكي: الهيمنة ام البقاء السعي الأمريكي إلى السيطرة على العالم، ترجمة سامي الكعكي، دار الكتاب العربي، دط، بيروت – لبنان، 2004، ص140،141.
  11. إدغار موران: نحو سياسة حضارية، ص 38.
  12. المصدر نفسه، ص 38.
  13. المصدر نفسه، ص 38، 39.
  14. إدغار موران: النهج إنسانية البشرية الهوية البشرية، ترجمة هناء صبحي، دار كلمة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ط1، أبوظبي، 2009، ص267.
  15. المصدر نفسه، ص270.
  16. إدغار موران: المنهج معرفة المعرفة أنثروبولوجيا المعرفة، ج3، ترجمة جمال شحيد، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2012، ص14.
  17. إدغار موران: روح الزمان، ج1، ص182.
  18. إدغار موران: تربية المستقبل المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، اليونسكو ودار توبقال للنشر، ط1، 2002، ص57.
  19. المصدر نفسه، ص58.
  20. المصدر نفسه، ص66.

شاهد أيضاً

ما بعد الحداثة

يزيد بدر يزيد بدر – السعودية     البداية بوصفها شيئًا أوليًا لا يشتق من غيره هي وضع لافتراض معين، أو هي الافتراض نفسه، وهكذا يبدو كما لو كان من المستحيل أنتكون هناك بدايةً على الإطلاق. هيغل/ موسوعة العلوم الفلسفية. من أجل الكتابة عن ما صار يسمى “ما بعد الحداثة” فلابد من التذكير أولًا بأن المهمة شاقة من جهة أنها تستدعي إنقلابًا في طريقة رؤيتناللعالم كما أنها بطريقة ما تُذكرنا بأن الألفة الشديدة هي أبعد ما يكون عن البساطة والإدراك السريع، فحسب ما أراه في هذه الفلسفات(وإن كان لا يمكن وضعها في قالب واحد إلا على سبيل التجويز البيداغوجي) هو التالي:  إنها لا تزمع “إكتشاف” شيء ما ولا حتى”إختراع” أمر ما وما بين الإكتشاف والإختراع جدل طويل ليس هنا مقام البت فيه. إنما أقصى ما نستطيع قوله أن “ما بعد الحداثة” تقتربمن ذاك المفهوم الذي ذكره هايدغر في(الكينونة والزمان) أي الكينونة تحت اليد وهو ما سأتي على ذكره بعد أن أفصّل في إشكالية التسمية(وإن كان النحت وتغيير الدلالة لا يخلو من ضرب من الأمثَلة الفلسفية أو بعبارة ما بعد حداثية راسب ميتافزيقي عندما ندرك بأن التشديدعلى التسمية يعني الإقرار ضمنًا بأن العلامة تعكس الواقع أو الطبيعة الخ) فالإشكال يقع تحديدًا في لفظ “بعد” فحين نعي بأن هذه الموجةالفلسفية ظهرت إبان صعود الفلسفات التي وجهت سهامها لنقد الحداثة فرانكفورت نموذجًا وكذلك ظهرت بعد أن تَصيرت الحداثة إنشغالًاكونيًا واعيًا أي بكلمة أخرى : مع أوج الحداثة. فيظهر مما تقدم أن عبارة “بعد” توحي بالتجاوز والبعدية فهو ظرف يفهم من خلال أضافتهللحداثة فهذه الفلسفات إذن لاحقة وتالية للحداثة وهنا لب المشكلة في هذا المصطلح، فالبعدية توهم “بالتجاوز” ومن هنا جاء الخلط وسوءالفهم الشائع بين الحداثة وما بعد الحداثة حتى ترى الكثير يصرخون بأن ما بعد الحداثة ليست إلا حداثة وأن هذه الأخيرة قادرة علىإستيعابها وهي مشروع لم يكتمل ولن يكتمل أبداً. إذن هل هناك بديل لا يوهم بهذه البعدية؟ فضلًا عن ما ذكرناه آنفًا عن كون البديل ونحتالمصطلحات فيه من الإشكاليات الميتافزيقية لا يتوفر مصطلح ناجز وإن توفر لن يحل مكان ما عم وساد وهنا طرفة المصطلحات عند النظرإليها بوصفها نتاجًا إجتماعيًا لها سياق وحمولة عمومية يصعب إنتشالها بلمح البصر. يبقى السؤال قائمًا وهو مشروع : إذن ما هي ما بعدالحداثة؟ وإن لم تكن تجاوزًا فماذا تكون ؟ إن هذا السؤال هو بشكل ما يقول : ماذا يعني النقد لدى هذه الفلسفات إن لم يكن تجاوز أو بناءما هو جديد الخ ؟ إن عصرًا نقديًا دشنه كانط في مشروعه الشهير يفترض طريقة وحيدة للنقد وكذلك آليات التفكير، فمثلًا النقد المحض ينبهكانط إلى أنه ليس سلبيًا أي فقط يزمع بيان حدود العقل بل هو إيجابي من حيث أنه يمهد الطريق للعقل العملي والفصل بين العلم والإيمانبحيث يقوم الأول على الملاحظة والتجربة وحدسي الزمان والمكان بينما الثاني لا يتتطلب ذلك فالإيمان أمر يتعلق بالضمير والتسليم والإختباروهذا جوهر الإيمان. إلا أن النقد ما بعد الحداثي لا يسير على هذه الطريقة وحتى أوضح وأقرب مفهوم النقد الما بعد حداثي فعلي أنأستعين بإستعارة أرسطوية وأخرى هايدغرية عمقها فاتيمو(وإن كان في الإستعارات الكثير من المخاطرة كما بينا جونسون ولايكوف)  يبين لنا أرسطو مفهوم الحركة في عدة من مؤلفاته ومن أهمها(السماع الطبيعي) ثلاثة أشكال النمو والنقصان والإستحالة والنقلة، ومايهمني هنا هو حركة الإستحالة فهي تعني الإنتقال من الحرارة إلى البرودة كما في المعدن مثلًا عندما نضعه تحت نار تستعر ثمنخرجه، فالصورة التي تظهر هنا هو بقاء المادة على ما هي عليه أي الحديد إلا أن التغير يحصل في البرودة والسخونة وإن جاز ليلقلت بلغة أرسطوية أيضًا تغير في العرض لا الجوهر، كذلك النقد ما بعد الحداثي فهو يشير إلى ما هو موجود سلفًا ولكن طرأ عليهبعض التغييرات كالأَمثَلة كما أصطاد دريدا في تأريخ الميتافزيقا مفهوم الحضور وهيمنة الصوت على الكتابة.يُقدم لنا فاتيمو في كتابه الرائع(نهاية الحداثة) قراءة “نقدية لكل الحجج الكلاسيكية التي قُدمت ضد ما بعد الحداثة ومن أشهرها أنهاداخلة في صيرورة الحداثة، وأن النقد بذاته واقع في مقولتي “الجديد” و “التطور” وهي مقولات حداثية بإمتياز(سوف نعود لهذهالمقولات فيما بعد) يستخدم فاتيمو على هدي نيتشه وهايدغر مقولتي “التعافي” و “المرض” مما يعني أن النقد ما بعد الحداثي ليسإلا تشخيصًا لمرض موجود ومحاولة التعافي منه دون تركه خلف الظهر لذلك يقول فيما نصه : ليست الميتافيزيقا[كما يقول هايدغر] شيئًا نستطيع وضعه جانبًا كرأي ولا يمكن تركها خلف الأكتاف كمذهب انتهى الإيمان بع(فاتيمو،٢٠١٤،ص١٩٩)مما يعني أنها نقديسعى إلى وضع الأصبع على الأمراض دون الوقوع في مقولات من قبيل التجاوز والتطور والجديد، وسوف أبين فيما بعد بأكثروضوحًا هذه المسألة كما ذكرت سابقًا من خلال مفهوم الكينونة-تحت-اليد ولكن الآن حسبنا أن نعي ماهية النقد المابعد حداثي وإلىماذا يصبو. ومن الطريف أن هذا المفهوم الذي أعتمده فاتيمو بناءً على نصوص عدة لنيتشه وهايدغر وجدت صدىً له قريب فيمؤلفات ماركس وتحديدًا في مقالته(إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) : إن الحزب يعتقد أنه يستطيع نفي الفلسفة لمجرد أنيدير لها ظهره ويغرب عنها وجهه مغمغمًا ضدها بعض الجمل الغاضبة الساذجة، ان ضيق افقه هو الذي يجعله لا يعتبر الفلسفة منميدان الواقع الألماني او أن يذهب إلى إفتراضها دون الممارسة الألمانية والنظريات التي تستخدمها، تريدوننا ان ننطلق من بذورالواقع الحية ولكنكم تنسون أن بذرة الشعب الألماني الحية لم تنم إلى حد الآن إلا تحت جمجمته وبكلمة إنكم لا تستطيعون إلغاءالفلسفة إلا بتحقيقها.(٩-ماركس-إسهام في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل) مما يعني أنك لا تستطيع أن “تدير ظهرك” فكل ما هنالكهو ما تحمله معك ، وهذا ما يقودنا إلى مقولة الجديد والتي تتبناها الحداثة بشدة ولكن قبل ذلك نسأل مما قد طرحناه من قبل : كيفيفيدنا المقام الإنطولوجي البدئي عند هايدغر في إستيعاب هذا الأمر جيدًا؟ أي كيف نفهم “طبيعة” النقد المابعد حداثي بوصفه”إشارة” وإستنطاق لما هو مُتكلم أصلا إلا أنه يقبع في الظلام، الأمر أشبه(وهنا إستعارة أخرى) بالدوافع المكبوتة بحيث أنها كامنةفي ذواتنا ولكننا لا نشعر بها مما يعني أن الأمر لا يبحث في الوجود واللاوجود بل فيما ينكشف في النور وفيما يحتجب في الظلمة.الكينونة تحت اليد وفي كيفية الإلتفات بعد الألفة : الكينونة تحت اليد لفظ إشكالي في ترجمته فهل الأقرب إلى الدلالة الهايدغرية في at أو تحت under، ولكننا لسنا هنا في مقام توضيح ذلكولكن بالجملة فنحن نختار “تحت”على “في”وقد يتضح ذلك بعد الإسهاب في بيان ماذا يعني هايدغر بهذا المقام الذي للكينونة، ولا يغيب عنبالنا أن القصد هنا هو بيان ما للنقد المابعد حداثي من معاني ممكنة تقترب مما ذكرنا أو تبتعد. على كلا من المهم ولن أطيل في ذلك أن نفهم فلسفة هايدغر بوصفها نقدًا لثنائية الذات والموضوع، وبلغة أخرى نقدًا للذاتوية الحديثة والتيتؤرخ عادةً مع ديكارت{وهذه العودة إلى ديكارت فيها الكثير من التبسيط فالأمر يعود إلى ما قبل ذلك بكثير} المهم أن العلاقة بين الإنسانوالعالم تتشكل من خلال ذات أو وعي وعالم أو موضوع وهنا قطبين يحدث التناحر بينهم أيهم له الأسبقية وما إلى ذلك، إلا أن هايدغر يبين لنافي تحليلاته الإنطولوجية منذ بداية كتابه(الكينونة والزمان) بأن الكينونة في يوميتها هي من تؤصل لعلاقة أصلية لهذا الكائن الذي يطلق عليهدازاين، فكيف يكون ذلك؟ العالم يظهر لنا في البداية بوصفه كينونة تحت اليد أي أدوات هنا وهناك قابلة للإستعمال، المطرقة والساعة والمنزلوالسيارة والطريق واللافتات الخ ومن سمات هذه الأدوات طابع الإحالة والتخفي، بمعنى أن المطرقة تحيل إلى المسمار وهذا الأخير يحيل إلىالخشب والخشب بدوره يحيل إلى البيت وهكذا ولكن الأهم أن الأدوات والتي لها نمط كَون تحت اليد لا نقيم معها علاقة حضور كما يفعلالفيزيائي عندما يدرس ظاهرة الصوت أو الضوء وغيره، بل كون يحتجب لا نسائله نظريا ولا عمليًا، وما يهمني هنا أنه يملك طبيعة الإختفاءوالإحتجاب بوصفه أداة تستخدم لا نلاحظها ما لم يحدث لها شيء يعترضها كأن تُكسر إذا كنا نتحدث عن مطرقة مثلًا، عندها تظهر لناوتفتح عالمًا، وتملك طابع ما يسميه هايدغر “لفت نظر” فهذه الإلتفاتة حين تعاند الأداة وتجبرنا على النظر والإلتفات، ما يهمني هنا وهو غايةهذا التخريج هو التالي : إن فاتيمو قال بأن النقد الما بعد حداثي لا يريد التجاوز بل التعافي من مرض ما إلا أنه لم يفسر لنا كيف يكون بقاءهذه “الأفكار” ممكنًا والمراد من ترسيخ هذا الأمر يتبين أكثر حين نصل إلى نقد مقولة الجديد التي تبشر بها الحداثة بإستمرار . الخلاصةأن “الشيء” موجود كما في الأداة إلا أنه يحتجب ويختفي وما النقد المابعد حداثي إلا كسر لهذه الألفة، وهنا يقترب النقد من الفن حين نفهمهذا الأخير بوصفه نزع الألفة كما تحدث هايدغر أيضًا عن حذاء الفلاح في لوحة فان غوخ . إلى هنا نكون قد بينا بعض الشيء مفهومالنقد(إن جاز تسميته نقد) لفلسفات ما بعد الحداثة، وتبين لنا بأنه ضربٌ من الإشارة إلى ما هو موجود سلفًا كأن يفسر المحلل النفسي حلمًالمريض ما فينقله من مرحلة عدم وعيه به إلى وعيه. بذلك نكون أحتفظنا بأن “الأفكار” لا يمكن تجاوزها وأستطعنا كذلك أن نبين لماذا و كيفيكون وجودها ممكنًا على مر العصور. الحداثة وما بعد الحداثة :  بدون شك إن للحداثة معاني متعددة، وهناك ضروب من التفرقة يقيمها بعض الباحثين بين الحداثة والتحديث وما إلى ذلك. ما يهمني هنا هومحاولة تحديد مجموعة من السمات البارزة التي تميز حداثة العصر الذي نعيشه{وذلك من مبدأ أن العصور كلها تمر بما نطلق عليه حداثة}وهناك سمتين بارزتين سوف نظهرهما أوًلا قبل أن نخرج بتحديد يفي بما أعنيه بالحداثة ومن ثم ما بعد الحداثة{لأننا لا نسلم بطوباوية الحدالجامع المانع} وهاتين السمتين هما العلم والإصلاح الديني{علي أن أذكر بأن قراءة التأريخ مكللة دائمًا بالإختزالية فكوني أبرز العلموالإصلاح لا يعني تهميش العامل الإقتصادي مثلًا والإجتماعي الخ}وحتى نبلغ هذا الأمر سوف أسير وفق هذه المحاور: …

اترك رداً على غير معروف إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *