الرئيسية / منشورات / جرائد / حوار: التنوير والاصلاح الديني

حوار: التنوير والاصلاح الديني

حوار مع يوسف أسحيردة

أعده : عبد الحق الخراز

– عبد الحق الخراز : اشتهرت، مؤخرا، على الفايسبوك، بتقديم قراءات و تلاخيص للكتب التي تقرؤها، منها ما قد نشر على بعض الجرائد الورقية المغربية. حدثنا عن هذه التجربة.

– يوسف اسحيردة : قبل أن نتحدث عن كتاباتي حول الكتب التي قرأتها، لنتحدث أولا عن علاقتي بالقراءة بصفة عامة. و هنا يمكن التمييز بين ثلاث مراحل : المرحلة الاولى و كان يشكل فيها فعل القراءة عملا هروبيا إذا ما حالفنا التوفيق اللغوي. كانت القراءة بمثابة علاج شخصي، حررني من ضغوط العمل و هموم الحياة. في المرحلة الثانية، أدركت أن الامر لن يتوقف عند هذا الحد، خصوصا و أن إغراء المعرفة بدأ يأخد بتلابيبي، فتحولت القراءة إلى وسيلة لإدراك معرفة أشمل، وانفتاح أعمق على الحاضر والماضي، وعلى فضاءات اخرى أرحب وأوسع. و رغم ذلك كله، بقيت أحس بنقص ما في تعاملي مع الكتاب، إذ أن قراءاتي ظلت سلبية إذا شئنا الدقة، ومن هنا جاءت فكرة نشر “التلاخيص” على الفايسبوك من أجل السمو بالقراءة إلى مرتبة العمل المنتج والإيجابي، عوض السلبية التي تعلم العجز والكسل. وقد كان هذا الامر بمثابة التحدي الشخصي، وقد نجحت في رفعه.

– عبد الحق الخراز : لنمر مباشرة إلى موضوع لقائنا هذا.

– يوسف اسحيردة : حينما نتحدث عن الحداثة و التنوير، فجغرافيا نعني أوروبا، و تاريخيا، نقصد بداية القرن 16 ميلادي و ما تلاه. إنها أكبر مغامرة فكرية عرفها العقل البشري على امتداد التاريخ.

– عبد الحق الخراز : ماذا حدث، بالضبط، في اوروبا خلال القرن 16 ميلادي؟

– يوسف اسحيردة : يمكن ان نتحدث في هذا الإطار عن حدثين بارزين : إكتشاف كوبيرنيكوس لعدم مركزية الارض، و الإصلاح البروتستانتي الذي قام به لوثر. على انه لا يجوز لنا أن نعتبر الحدثين مترابطين، كأن نقول، مثلا، أن إكتشاف كوبيرنيكوس هو الذي مهد لإصلاح لوثر. دليلي على ذالك، أن الرجلين ولدا في نفس الفترة تقريبا ( الربع الأخير من القرن 15)، و أن لوثر قام باتهام كوبيرنيكوس بالهرطقة والتجديف فور صدور كتابه ” إنقلاب الأفلاك السماوية.” الارتباط بين الحدثين موجود فعلا، لكن على مستوى اخر مغاير.

– عبد الحق الخراز : أين يتجلى هذا الإرتباط ؟

– يوسف اسحيردة : يظهر هذا الارتباط، في أن كلا الحدثين ضربا التراتبية الاجتماعية في العمق، تلك التراتبية التي استمدت قوتها و مشروعيتها من التراتبية الكوسمولوجية التي فتك بها كوبيرنيكوس فتكا ذريعا. لقد كانت الأشياء (بما في ذلك البشر) عند الاغريق، بإستثناء الثقافة المضادة التي يمثلها الكلبيون و الأبيقوريون، مطالبة بملازمة مكانها الطبيعي و عدم الخروج عنه قيد أنملة، و إلا جاء العقاب قاسيا. في هذا السياق يجب علينا أن نفهم ما كان يعرف عند الإغريق بجريمة ” التعجرف” حين يشذ الجاني عن مكانه الاجتماعي الذي يقابل مكانه الطبيعي. فلا يحق للعبد أن يتشبه بالسيد، و لا للبشر أن يتشبهوا بالآلهة.

– عبد الحق الخراز : لا يزال هذا الارتباط بين الحدثين غامضا بالنسبة لي.

– يوسف اسحيردة : تقصد : كيف قام الإصلاح البروتستانتي هو الآخر بخلخلة البنية الإجتماعية؟

– عبد الحق الخراز : نعم.

– يوسف اسحيردة : كتب عالم الإجتماع الألماني، ماكس فيبر، كتابا مهما عنونه ب ” الأخلاق البروتستانتية و روح الرأسمالية،” بين فيه كيف أن البرتستانتية التي تهتم بمباهج الحياة، و الترف و الإستهلاك، قد مهدت بذلك لظهور النظام الرأسمالي القائم على المبادرة الفردية، الجهد و الكد من أجل جمع الثروة التي لم تعد تورث كما في النظام الارستقراطي. مع كل هذه العوامل، مررنا من النظام الإقطاعي إلى النظام الاستحقاقي. و ضمن هذا السياق يجب علينا أن نفهم ظهور فلاسفة العقد الإجتماعي : هوبز، لوك و روسو بالخصوص.

– عبد الحق الخراز : لماذا جان جاك روسو بالخصوص هههه؟

– يوسف اسحيردة : أولا، لأن الأمر شخصي، فكما تعرف، أنا أفضل الأنوار الفرنسية علي بقية الأنوار. و أقصد ببقية الأنوار، الأنوار الألمانية و الإنجليزية. ثانيا، و هذا هو الأهم، جان جاك روسو، هو صاحب كتاب جد مهم، عنوانه ” أصل التفاوت بين الناس،” دشن بواسطته الدخول الرسمي إلى ما يعرف بفكر “الهيومنيزم”، أي تأليه الانسان و جعله مركز الإهتمام الأوحد. في الحقيقة، الأمر يتعلق بفقرة من الكتاب، و ليس بكل الكتاب. فقرة لا يسعنا كتابتها باكملها هنا، لكن هذا لا يمنع من التذكير بأهم ما جاء فيها : الإنسان، عكس الحيوان، يتطور مشكلا ما يسمى بالثقافة. الحيوان لا يتطور و يلزم سجنه الطبيعي.

– عبد الحق الخراز : هل يمكنك توضيح هذا الأمر بمثال أو مثالين؟

– يوسف اسحيردة : لنأخد مثلا طريقة تشييد الأنسان لبيته منذ ألف سنة مثلا، و كيف أن هذه الطريقة تطورت عبر الزمن و عبر ما إكتسبه البشر من خبرات و مهارات. عند النحل، لم يحدث هذا الأمر، فالطريقة التي يشيد بها النحل خليته اليوم، هي نفسها كما كانت قبل ألفي سنة. الإنسان بطبعه، يخرج دائما عن البرنامج الذي وضعته له الطبيعة . الحداثة ، في مجملها، هي رد فعل قوي على الطبيعة، لأن، في الطبيعة، القوي يأكل الضعيف كما قال سبينوزا.

– عبد الحق الخراز : ذكرت في حديثك اكتشاف كوبيرنيكوس، و هو الاكتشاف الذي يصفه فرويد، قبل جورج طربيشي، بالجرح النرجسي الأول. ما هي الجروح النرجسية الأخرى؟

– يوسف اسحيردة : يتعلق الأمر بالجرح البيولوجي مع داروين، و الجرح الأخلاقي مع فرويد. تجدر الإشارة إلى أن الروائي العالمي، نجيب محفوظ، قد تطرق إلى هذه الجروح النرجسية الثلاثة في قصته ” حكاية بلا بداية و لا نهاية ” بطريقة رمزية غاية في الروعة. أكتفي بتوجيه القراء صوب هذا العمل الأدبي المفيد.

– عبد الحق الخراز : نمر الان إلى الموضوع الذي يهمنا أكثر، و هو الاصلاح الديني في الإسلام. هل تلاحظ أن هناك ضرورة فعلية لإصلاح الإسلام؟ لماذا ترتفع كل هذه الأصوات المنادية بالإصلاح؟

– يوسف اسحيردة : عندما نتحدث عن الإصلاح، فإن التعبير يحيل ضمنيا إلى وجود عطب ما. و الإسلام – على الأقل في صيغته الحالية – يعاني من أعطاب ليس أقلها الخصام مع الحداثة العلمية و ثقافة حقوق الإنسان. و نعني بثقافة حقوق الإنسان، كل مكاسب البشرية – على الأقل خلال القرنين الماضيين – في مجال السمو بالفرد، و تمتيعه بكامل حريته و كافة حقوقه.

– عبد الحق الخراز : لكن إصلاح الإسلام ليس بالسهل، فكل المحاولات في هذا الميدان، مند عصر النضهة العربية إبان القرن 19 ميلادي، باءت بالفشل. ما هي في نظرك العقبات التي تعرقل هذا الإصلاح المأمول الذي تتعلق به مصائر حوالي مليار و نصف المليار من المسلمين؟

– يوسف اسحيردة : العقبة التي تكسرت على مشارفها كل المحاولات، هي معضلة أولوهية النص. القرآن في وعي جمهور المسلمين – باستثناء الثقافة المضادة التي يمثلها المعتزلة – هو كلام الله الفعلي، بألفاظه و حروفه و تنقيطه و معناه. مشكلة عويصة على الحل. فحتى تعطيل الايات بدعوى تغير السياق يصبح أمرا مستحيلا و الحالة هذه : كيف لله الذي يعلم الغيب و بواطن الأمور، أن يجهل تغير السياق و الواقع في المستقبل، و بالتالي الإتيان بآية منتهية الصلاحية. الحل في نظري و المخرج الوحيد، هو أن نفرق، في الحديث عن القرآن، بين أمور ثلاثة : الوحي الإلهي، القرآن المحمدي و المصحف العثماني. من هنا تبرز معقولية أطروحة الكاتب المغربي، سعيد ناشيد، من خلال كتابه ” الحداثة و القرآن.” بتعبير اخر، يمكن القول بان فكرة الايات الواردة في القران، هي من عند الله، في حين أن التأليف و التنزيل الحرفي هو من صنع الرسول محمد، تبعا لظروفه الخاصة و ظروف قومه و عشيرته، بصفته جاء لينذر عشيرته الأقربين. تمكننا هذه الأطروحة من تجاوز مشكلة ألوهية النص مع الحفاظ على الوحي.

– عبد الحق الخراز : هذا فيما يخص العراقيل الداخلية المتعلقة بالنص القرآني، ألا توجد عراقيل خارجية متعلقة بالاستعمار مثلا؟

– يوسف اسحيردة : نعم توجد، و هي مرتبطة بالجزء الأول من هذا الحوار. كما تعلم، ضمن أحلام التنوير الأوربي، كان هناك الحلم الوردي بإمكانية تعميم أفكار العقلانية و التنوير و الثورة الفرنسية، على مختلف شعوب العالم، فكان الاستعمار و الإمبريالية. نلاحظ هذا الحلم، على الخصوص، في كتابات كوندروسيه، و دولمبير بدرجة أقل. في ظل هذه المعطيات، يجب علينا أن نفهم انتكاسة حلم النهضة العربية مع الكواكبي و جمال الدين الأفغاني، و تحوله إلى كابوس إخواني مع حسن البنا. القدوة الأوربية التي، من المفروض أن تمثل الحداثة و العلوم، تحولت، في المخيالين العربي و الإسلامي، إلى أسطورة للشر و السوء. و يمكن أن أضيف بأن وعد بلفور قد زاد الطين بلة و ساهم في تأزم الوضع و تفاقم التشنج الذي توج بظهور أكبر تكفيري لجميع الأوقات : الحديث هنا عن سيد قطب.

– عبد الحق الخراز : هل هناك عقبات أخرى على مسار إصلاح الإسلام؟

– يوسف اسحيردة : طبعا. لا يجب علينا أن نغفل لعنة ظهور البترول في مدن الملح. ظهور الذهب الأسود في دول الخليج، كان له الأثر البليغ في تأخر قيام نهضة ثقافية حقيقية. بالإضافة إلى تحول المطامع الإقتصادية الغربية نحو الخليج، مدفوعة بالرغبة في الربح الآني، على حساب المشاركة في تنمية شاملة لهذه البلدان المتخلفة على جميع الأصعدة. ما جعل الصيغة الأقرب إلى قلوب زعماء هذه الدول الغربية، هي أسلمة الحداثة، و ليس تحديث الإسلام.

– عبد الحق الخراز : طبعا فلهذه الصيغة عواقب وخيمة على نفسية مواطني هذه الدول.

– يوسف اسحيردة : نعم. يظهر ذلك في حالة السكيزوفرينية التي يعاني منها المواطن العربي : حداثة مادية جد متطورة، تقابلها بنية عقلية جد متخلفة. يقول مصطفى حجازي : ” أصعب من التخلف و الخرافة، التخلف و الخرافة المغطيين بقشرة من الحداثة و العقلانية و التقدم.” مع هذه الإزدواجية يصبح الإصلاح أكثر صعوبة.

– عبد الحق الخراز : لاحظت انك استشهدت بمصطفى حجازي. غالبا يتعلق الأمر بمقتطف من كتابه الرائع ” التخلف الإجتماعي و سيكولوجية الإنسان المقهور.” أليس كذلك؟

– يوسف اسحيردة : بالضبط. و ستكون لنا عودة بالتفصيل مع هذا الكتاب القيم.

شاهد أيضاً

من التاريخ السياقي إلى التاريخ كحاضر أبدي

في نَعتهِ للفلسفة بوصفها ''نزعة تاريخيّة مُطلقة'' تمحْور اهتمام الفيلسوف الإيطالي المعاصر بندتو كروتشهBenedetto Croce على شرح عبارة ''فلسفة التاريخ'' في سياقاتها الزمنيّة التي وردتْ فيها، ليتولّى لاحقاً إضفاء مدلولات جديدة عليها تتنكّر لمضامينها القديمة كتلك التي جاءت في كتب فولتير Voltaire، لتنتهي تحليلاته في نهاية المطاف إلى وضع مُعادلة بين الفلسفة والتاريخ، مُلغيا بذلك كلّ ثُنائية ممكنة بشأن موضوعين يُفترضُ أنّهما يختلفان في المضمون وكذلك في المنهج، وقد انتهتْ تحليلات كروتشه إلى تأسيس فلسفة وتاريخ جديدين تنتصر فيها إرادة الإنسان في الواقع بعيداً عن كل تعال أو مفارقة. يَسْتجلـي هذا المقال الخطاب التاريخي عند كروتشه بوصفه الحاضر الأبديّ كما يحلو لصاحبه أن يطلق عليه، فالقاموس الجديد للمصطلحات يجعل الاهتمام ينتقل من ''التاريخ السياقي'' إلى ''التاريخ كحاضر أبدي''، الأمر الذي يَسْقُط معه التحقيب التاريخي المعتاد الذي يُقسّم الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فكيف يتمثّل كروتشه قضيّة ''المعاصرة التاريخيّة'' وما هي مسوّغات القول عنده؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *