الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / دافع حفريات المعرفة: الواقع واللاواقع

دافع حفريات المعرفة: الواقع واللاواقع

بقلم : أسامة البحري

1 – مساهمة العقل المحض في الإنتقال من الماكرو إبستيميه إلى الميكرو فكري

قد لا يكون سهلا إدراك حقيقة الفكر و لكن من السهل فهم معنى الفكر و توجيهه إيبستيمولوجيا ليحقق الغاية الأسمى من الوجود الفينومينولوجي على هذا الإمتداد الأنطلوجي ، فذلك الذي يعتبر مدنسا بتاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط و تحديدا بالفلسفة الإيسكولائية إنعكس فكريا ليصبح هو المنبع الأساسي للمنطق المحض و المهاد الأساسي لفهم كل ما هو ظاهراتي متحرك و كل ما هو ميكرو معقد بعصر النهضة ، إذن فهذه الخاصية الإنسانية التي تعبر عن التطورية الإبستيملوجية لن نقول أنها طبيعية كما أقر أرسطو ، بل سنقول أنها خاصية إنسانية موجودة بالعقل حينما يصبح محضا من كل ما هو سلطوي بالذاكرة الماضوية ، فمثلا بالقرن 16 وقعت إضطرابات و فوضى إبستيملوجية بين ما هو ديني و ما هو منطقي مما أدى إلى تفكك الروابط الدينية و العائلية و الإجتماعية و لكن في نفس هذا القرن ظهر أرشميدس ، فاتسعت السماء أمام نظر الإنسان باختراع التيلسكوب مما أدى إلى طفرة ابستيملوجية جعلت الأفراد يتطورون بفعل خروج فرد واحد عن المشهد ليبدع ، إذن فحقبة الفلسفة الحديثة التي بدأت في القرن 14 و التي سميت من طرف المؤرخ الفرنسي مول ميشيه بعصر النهضة وقفت إبستيملوجيا على نقطة كيفية التفكير ، من بعد ما انسلخت عن كل ما هو لاهوتي و كل ما هو لا منطقي لتصبح كما هو معروف لدى مؤرخي الإبستيملوجيا معادية للاهوت و للفلسفة المدرسية التي عرفت بسلطة اللاهوت بالعصر الوسيط ، و لكن الدافع كما يثفق عليه مؤرخوا الفكر و العلوم ، يتمثل في إعادة إحياء ما هو منطقي قديم لأجل خلق طاقة التطور الابستيميه ، فمثلا في القرن 15 لم تسقط نخبة الإيطاليين الذين درسوا الفلسفة اليونانية و الأدب اليوناني في النقل اللاهوتي كما سقطت فيه إسكولائية القرن 13 التي أخذت من الفلسفة القديمة ما يلائم قياس فكرها اللاهوتي و طبعا هذا هو الذي لازال يطغى بالثقافة العربية و الذي يخدم مصلحة معينة ، إذن فهيمنة اللاهوت بالعصور الوسطى تم تخطيه بفعل نقده بالعقل المحض و لذلك أصبح إنسانيو القرن 16 بفعل الوقوف على كل ما هو منطقي ماضوي و حاضراتي ، قادرين على أن يضعوا خطوة جديد في دراسة العالم و الإنسان و هذا ما تحقق و تم تطويره بعصر التنوير ، فقد كانت الكيمياء القديمة في عصر النهضة إحدى مصادر الكيمياء الحديثة ، و كان علم التنجيم بشيرا بعلم الفلك و أدت المحاولات لدراسة أساليب الذاكرة إلى السيكولوجيا الخ من التطورات البديهية التي استطاع الإنسان الذي تطور هو أيضا من بشري إلى عقل يعي كنهه إلى خلق صيرورة عقلية محضة قادرة على فهم ما هو خارجاتي و إبداع ما يليق بمكانة هذا العقل و ما يخدمه كالتقنيات مثلا ، إذن فمفهموم التطور الإبستيميه هو خاصية أو قاعدة فطرية موجودة مع العقل الإنساني ، و لكن الفرد بفعل سلطة ما يمرر مع التربية و بفعل ما يجده جاهزا بالخزان الاجتماعي لم يستطع تثبيث هذه الأفكار السديمية و التي أزعم أنها توجد مع العقل فطريا لكن بشكل سديمي أو رمادي يمنع عليها الظهور بلا وعي و يمنع عليها التحول إلى حقيقة ثابثة حتى يتم مطابقتها أو ملاحمتها مع بعضها البعض ، لأن الحقيقة هي فكرة لكنها فكرة متشضية تستوجب تدخل العقل ليلاحم لاواقعها مع واقعتها ، و هذا الإنسان الحديث الذي عاصرناه ربما إلى حد ما يبقى شكلا متطورا من الناحية الظاهراتية أو من الناحية الفينومينولوجية لكن داخليا أي من الناحية الذاتية نرى أن هناك حضور قوي لذلك الإنسان الذي وجد في العصر الحجري و الذي ينعت غالبا بتاريخ البشرية “بالبشري” و هذا التمييز البديهي بين البشري و الإنسان هو الذي قد ننطلق منه كمنطلق لنحدد الكنه الماهوي للإنسان العاقل و لنحدد ما الرابط الميكرو معقد الذي يربط كل فرد مع تلك المعاني المؤولة التي تنعث بالذاكرات الجماعية ” الحقائق المطلقة ”         

  • –  أثر الحرية في التوليدية العقلية و الذاتية

إذا ما تتبعنا التطور الذي حققه البشري من الحالة الوحشية إلى الحالة البربرية ثم إلى تكون العائلة سنخلص إلى فكرة أساسية مفادها أن الذات الماضوية هي تعبير عن الحرية المطلقة و
عن تجريد كل ما هو سلطوي خارجي يؤدي إلى خلق حواجز ذاتية ، و بحفرنا هذا في الذات الماضوية ننزع في نفس الآن الستار عن الذات المحكومة بحواجز و التي هي نتاج جدار مثفق عليه من طرف جماعة معينة و تسمى في غالب الأحيان ذات حاضراتية ، إذن فهذا الإختراع التاريخاني الحاضراتي هو عنف بحق غير مشروع و غير مرئي و إن اصبح مرئيا للافعلين المكونين من لبنات هذا الجدار ، سيتحطم هذا الجدار اللامنطقي و سيصبح الكل عقول مفكرة تعي كنهها و تؤمن بالانسانية ، و هذه الفكرة المثالية تظل بعيدة بابتعادنا عن التحول الفكري من البشري إلى الإنسان
لأنه رغم تواجدنا في الوقت الذي نعتبره يعاصر الأنطلوجيا إلا أننا كعرب لازال الهابيتوس يهيمن و يسلب الحرية من الأفراد و يشيئهم بلا وعي منهم
لأنه و بكل بساطة و لنتسائل ليتضح الأمر ببداهة
ما هي الصورة العليا للعقل ، هل هي الحرية الفكرية ؟ أم حتمية الضمير الجمعي بمساندة من لافاعلين يتوهمون الصواب فيما هو ليس بصواب ؟
و هل فعلا بمعزل عن الحرية لن نتمكن من فهم الحقائق الموجودة فينا و معنا ؟
الحرية هي شرط أساسي ضروري للعقل ، و بدون الحرية لن يتمخض المنطق المحض و لن يتمخض التفكير المطلق في الكينونة الأنطلوجية أو بالأحرى في الكنه الماهوي للظاهراتي أو الفينومينلوجي ، لأنه بكل بساطة ما يتميز به المفكر عن المقيد فكريا هو التحرر من قيود الماضي ، و ذلك بفعل النقد اللاذع له أو الخروج المطلق عن مشهده الأنطلوجي للإ نتقال إلى المشهد الإبستملوجي ، و هذا الإبستملوجي هو نقطة أساسية تدفع بصاحبها لتوليد الأفكار و الدافع ليست هي اللغة، بل هو تداخل الذات مع الحرية لأجل بلوغ التوليدية الفكرية و الأساس او الدافع الذي يلعب دورا بهذه المرحلة هي الحرية
لأنه بمعزل عن الحرية لن يتمخض ذلك التوازن السكوني الذي يخلق الذبذبات الفكرية الشخصية ، لأنه كما سأمثلها الآن الحرية تجعل العقل يشكل قوسا يستدير به إليه و إلى معتقداته و التي هي في غالب الأحيان تكون متجدرة و متأصلة و بفعل هذا القوس الفكري يتمكن الفاعل من استأصال جذور المعتقدات الماضوية و تماشيا مع دوركهايم في هذه الحالة يقع ما سماه” بالقهر ” 1 و لكن ما لا اتفق معه هو ديمومة القهر أو سلطة القهر ، فما دام العقل شكل قوس الإستدارة بفعل دافع الحرية ففي هذه الحالة يكون خارجا تماما عن مشهد الوجود
أما حينما يتسلطن حاجز المعتقدات فإن ما فعله هذا الفرد هو الإستدارة فقط ، لأنني كما قلت آنفا :النقد هو تشكيل قوس يساعدك على تشكيل خرجة عن الذات ، اما الإستدارة فهي بكل بساطة نقطة فوق نقطة إذن لن يترثب عنها لا موضوعية كما يقال و لا نظرة منطقية محضة كما أقول ، و هذا ما سقط فيه فرانسيس بيكون بنفسه الذي أعلن “تحرر الفكر الحديث من القبول الأعمى لسلطات الماضي من ناحية و من التأمل الخيالي الذي لا ضابط له من ناحية أخرى ، و نقول بعبارة أكثر دقة إنه أعلن ذلك التحرر أكثر مما تأثر به هو نفسه بالفعل ” 2، إذن فالحرية الفكرية أخرجوها عن الذاكرة الجماعية لكي لا يقع القوس الفكري اي لكي لا يأخذ العقل مكانته أو سلطته في الذات وإن وقعت هذه النقطة التي يجب أن تقع ، لأن عقولنا مكونة لتهيمن على الذات ، و إذا هيمن العقل سيتحطم الجدار المبني من لبنات المعتقدات و من إسمنة التأويلات الدينية


و عمل هذا الجدار ليس هو حماية الأفراد و توعيتهم و مساعدتهم على الخلاص من شر الانطلوجيا كما يتوهمون ، عمل هذا الجدار هو صد أقواس التحرر الفكرية و توهيم الافراد بأنه هو الحقيقة المطلقة و تمرر هذه التعاليم لاواعيا خارج بيت الخلية النووية ، و واعيا مع سلطة الوالدين ، و لكن العقل الإنساني له القدرة و مكون على تخطي جميع انواع السلط الأنطلوجية لإكمال الإستدارة الكبيرة لنقده هو ، و بمجرد إعادة الدخول بعقل خارج عن المشهد يستطيع الفرد إجراء النقد اللاذغ بكل حرية على الحاجز المكون من جدار المعتقدات و من ثمت تبنى القوة الفكرية التي تستطيع حفرنة الحقائق السديمية بالعقل و في هذه النقطة أنا أفترض أن كل ما هو موجود بالوجود أو كل ما سيوجد بالوجود هو موجود بالعقل لكن بشكل سديمي بمعنى آخر الحقائق الواقعية التي ستؤدي إلى ظهور ظواهر كبرى خارج الذات ، وجدت مع العقل كمهاد يؤدي للإمتداد اي إمتداد المعنى من الماكرو إلى الميكرو و هذه الخاصية الإنسانية لن تتحقق إلا إذا خرج البشري عن مشهده ليفهم المهاد المتأصل بالذاكرة الماضوية الذي تتكلله لغة معينة و معرفة معنية و دين معين و هذا المهاد المعرفي منه نمتد لنفهم ما هو معقد خارج ذوانتا أو داخل عقولنا و الدافع هو العقل ذاته او الهوية الفكرية الشخصية في التي تتدخل في تمديد نقطة ماكرو فكرية معينة إلى نقطة اشد تعقيدا ، بمعنى آخر مبسط الفرد لن ينتقل من بشري إلى إنسان إلا إذا شكل إستدارة فكرية مقوسة ، لأن الإنسان هو الذي فهم ماضيه ليتدخل في تمديده بفعل النقد ، و النقد كما قلت هو تحقيق استدارة مقوسة هذه الإستدارة تمكن الفرد من الخروج المطلق عنه و الدافع كما قلت هو الحرية و دافع الحرية هو ما وجد بالمنطق التاريخي اي ما وجد من كتابات منطقية تاريخانية ، و بمجرد الإستدارة المقوسة يعاد التوليد و انا اسميها التوليدية الذاتية هنا تخرج الأنا من الأنا لتدخل بأنا اخرى قادرة على نقد ما هو ماضوي بالعقل
و بمجرد إعادة الدخول الفكري يقع النقد اللادغ فتتمخض طاقة منطقية ، هذه الطاقة تعلوا بالذات الجديدة او تماشيا مع نيتشه هنا يولد “الإنسان الأعلى ” 3 الذي سيفهم ما هو خارج عن الذات ، لانه بكل بساطة الخارجي يحاكي ما هو داخلي بالعقل المنطقي ، و العقل المنطقي هو الذي حقق استدارة مقوسة عليه ناقدة لكل ما يوجد بالذاكرة الفردية الماضوية لأجل خلق الطاقة المنطقية الفردانية
و بدون خلق هذه الطاقة المنطقية لن يكون هناك لا موضوعية كما يحصرونها في هذا البعد الرمادي
و لا حفرنة اللاواقع الامرئي الذي هو للكل ، لا للباحث وحده ، و في الأصل الذي لا نعرفه العقل مكون ليستدير عليه إن كان لا منطقيا لكن للأسف العديد من المفكرين يساعدون الافراد على التقيد وراء جدار المعتقدات بتشجيعهم على تصديق وهم الحدود العقلي ، و وهم الحدود هذا لا يستمد طاقته من العقل ، وهم الحدود يستمد طاقته من جدار المعتقدات و الغاية هي التوهم بأنه هو الحقيقة المطلقة فمثلا بتاريخ البشرية نجد أن المرأة” الكوميتية ” 4 حينما لفظت إلى الوجود وجدت أيضا جدار المعتقدات الخاص بمجتمعها ، و لبنة الزواج بهذا الجدار هو” أنت للكل” ، هنا يتدخل المجتمع اللافاعل أو التابع بهذا التعبير مساهما بشكل لا شعوري و لا عقلاني في توهيم الفتاة أن هذه اللبنة هي الحقيقة المطلقة و بذلك تصبح مشروعة و متأصلة بالذاكرة الفردانية و بهذا مباشرة تنعكس سلوكا تابعا لطوطم الللبنة ، هذا الطوطم اللامرئي يعيش متأصلا باغوار الذاكرة
فيصبح سلوكا جماعيا ، و بالفعل تصبح المرأة زوجة كل رجال مجتمعها و زوجة ابيها أيضا ، لا تقدر و لا تستطيع مخالفة هذا الطوطم الشبه الابستيميه و هو جدار المعتقدات
و إن فعلت ذلك ستخالف الطوطم اللاشعوري و ستصبح منبوذة من طرف كهنة هذا الجدار و من طرف اللافاعلين التابعين لكهنة هذا الطوطم الشبه ابستيميه ، و هذا لا يعني أن كل فرد لا يخالف هذا الطوطم الشبه ابستيميه فكريا ، الإنسان هو إنسان ناقد حر ، بفعل الأسئلة ، يتسائل عن ماهية الظاهرة المتكررة او الواقعة المتكررة و لكن اين يكمن المشكل ؟ المشكل يكمن في تدخل جدار المعتقدات لأجل صد أقواس التحرر الفكري و في هذه النقطة سأتكلم ميكروفكريا و ماكرو في نفس الوقت ليتضح هذا الشكل الابستيميه الذي أنحته ببداهة ووضوح
جدار المعتقدات ليس كائنا ميتافيزيقيا او ظاهراتيا ، هو معاني و لبنات من معتقدات مؤولة من نصوص مقدسة تطوطم لاواعيا فيصبح الفرد أحد كهنة هذا الجدار بدون أن يشعر أنه يعبد مسلمات ، و الدافع الأساسي في تجدير وهم الحقيقة هو التاريخ الذاتي اي الأباء و الأمهات و العائلة ، يمرر التاريخ عبر العقول ليستمر المجتمع في صورته المكونة خلف الجدار ، و الجدار كما قلت هو الذي ييساهم في تكوين هذه الصورة الشكلية ، لذلك فحينما يفهم الكل أن هذا الجدار ليس حقيقة بل هو سديم رمادي يضفى عليه لون ابستيميه أو معنى ، حينها يمكنه التغير ، لذلك فإذا ارادت جماعة التغير يجب تسليط الضوء على وهم الحقائق بعقولهم المستديرة لا المحشورة داخل حواجز جدار المعتقدات فأول خاصية لبلوغ الإنسان و خواصه الإنسانية هي الإستدارة المقوسة عليه بكل حرية مؤمنا بأن كل ما يعرفه ليس بحقيقة مطلقة ، الحقيقة توجد بالعقل المنطقي الذي استدار عليه بهو ، إذن فلا وجود لل”نحن “الإنساني إن كانت كل” انا “لا منطقية و لا ممتدة عن طريق العقل ، و بمجرد وعي العقل بأن الحقائق توجد فيه ، أي بذلك المهاد الرمادي الذي يساعد العقل على الإمتداد أو خلق الطاقة المنطقية التي تساهم في تمديد فكرة مكتسبة إلى فكرة معقدة غامضة للافعلين

3      – دافع حفريات المعرفة

إذن فلم لم يكن من السهل بتاريخ الفكر مساعدة الأفراد اللامفكرين على فهم ما هو إبستيمي ، لأجل خلق آليات تمكنهم من الخروج عن مشهد الوجود لتكريسه للتفكير  ، لأنه بدون منطقية العقل لن تخلق الغاية الاسمى و هي الإيمان بالإنسانية و بالعقل
و إذا ما انتقلنا من هذا العام إلى خصوصيتنا سنصطدم بوجود الثبات الفكري الذي لن يساهم في إعطاء الفرد المفكر وقته المنطقي لتفسير ما هو مهمل و الذي يتمخض منه الإستيقال التام عن ملاحمة الحقيقة ، لأن الحقائق كما يقر أفلاطون توجد خارج الكهف و مادمت متواجد داخل الكهف فإن وهم الخيال يوهمك بأن الخيالات حقائق و بذلك يصعب الإنتقال من هذه النقطة اللامنطقية إلى نقطة منطقية ، و الخروج من كهف أفلاطون هي إعرف نفسك بنفسك لسقراط و هي مسح طاولة ديكارت و هي أفول الأصنام لنيتشه و هي القفز من أعلى عقبات المشاكل لفوكو و هي تقليص الماضي لبورديو و القطيعة الابستيمولوجية لبوبر و باشلار كل هذه التفسيرات لنقطة كيفية التفكير تلتقي في نقطة المحتوى و تختلف في النظرة الذاتية التي تميز مفكر عن آخر و هذه هي العتبة الشبه أساسية بالوجود الفكري هو التقاء المفكرين في نقطة العقل عن طريق الأفكار و اختلافهم في الإمتداد الابستيميه ، و من وجهة نظري المفكر الذي ابتعد عن الهم العام لا يجب نعته بالإنسان الأعلى و يجب النظر إليه كامثاله من العقول اللافاعلة و اللامفكرة أو الحيوانات المتكلمة ، لأن ما يميز الإنسان المفكر ليس وجود مهاد معرفي بالعقل بل تدخل الأنا في الإمتداد الفكري
بمعنى آخر فهم المهاد المعرفي الماضوي لإجراء النقد على ما هو لا منطقي به 
لأجل غاية واحدة هي تحقيق طفرة إبستيمية منطقية لرؤية اللاوقائع ببداهة ، لأن مهمة المفكر الذي انتقل من الحالة الحالة البشرية إلى الحالة الامسانية ليست هي سطحنة الظواهر بل حفر الواقعة و تفتيتها لفهم لاواقعها ، لأن المفكر في أي مجال كان سواء الاجتماعي او النفساني أو اللغوي الخ ، ما يميزه عن باقي الأفراد هو الخروج عن مشهده أو حياته للعودة فكريا للتاريخانية الفكرية ، و هذه العملية تتطلب التحرك العقلي أو الاستمرارية في التفكير ، لأنه بمعزل عن الاستمرارية لن يستطيع الفرد المفكر حمل عقله عن المشهد و إبعاده مسافة تسمح برؤية الأفكار المنطقية الماضوية ،
و بمجرد الخروج عن المشهد يتمكن الفرد من استنباط عدة آليات تمكنه من خلق آلياته الشخصية ، لأن لكل ظاهرة لا واقعها اللامرئي الذي كان دافعا في تمخضها ، و مهمة المفكر كما قلت آنفا هو تحقيق خروجه عن المشهد و تكريس وجوده للفكر لخلق آليات منطقية تمكنه من الوصول إلى لاوقائع الوقائع ، لأن الوقائع هي واقعات يراها البشري و الحيوان و الإنسان 
لكن هذا الانسان عندما يتحول لانسان مفكر يستطيع الحفر في الواقعة لأجل فهم لاواقعها و عندما نفهم لا واقع الواقعة تصبح مفهومة و ثابتة ، حينها يكون من السهل التدخل الفكري لجعلها متلاحمة مع لاواقعها اللامرئي لتصبح حقيقة تحمل اسم حفارها  و ربما فكرتي هذه تخالف بعض الفلاسفة و منهم سارتر الذي يؤمن باستباق الإنطباعية على الحفر في الماهية الفينومينولوجية الابستيميه ، أي و كأننا نفكر بلاشعور يحكمنا و هذه الفكرة أنتقدها تماما ، لأنني كما قلت آنفا “الأنا” هي التي خلقت الطاقة المنطقية بإعادة دخولها الذي خرج عن الأنا الماضوية ، بمعنى أدق الأنا لن نحصرها لا في العقل و لا في الذات و لا في الصورة الفينومينولوجية ، الأنا حسب هذا المنظور الذي شرعنا في تحليله ، هي ذلك الدافع أو الهيجان الداخلي الذي يحرك ذلك النسق الابستيميه من نقطة ماكرو فكرية إلى نقطة ميكرو معقدة أو بمعنى آخر الآنا هي تلك الطاقة الداخلية التي تساهم في الامتداد من معرفة مكتسبة عبارة عن وقائع خاضها الفرد كتجارب الى معرفة معقدة
و السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : هل هناك صلة بين الوقائع و الظواهر ؟ 
و هل هذا الوقعاني الأنطلوجي يمكننا من فهم ما هو ظاهراتي متكرر أو متخيل ، و كيف نفصل بين الواقعة و الظاهرة و بين الظاهرة الأنطلوجية و الظاهرة الخيالية ؟ 

4: السطحنة أمام الواقع و اللاواقع


إذا ما عدنا إلى ما هو ماضوي بذواتنا سنجد العديد من الوقائع التي خضناها كتجارب ، هذه الأحداث التي أصبحت تاريخانية ، ذاتية ، إذا ما عدنا لها بأنا مفكرة خارجة عن المشهد ، أول ما سنلاحظه هو وجود وقائع عديدة ، هذه الوقائع تقف على مهاد لاواقعي أدى إلى ظهورها سواء اجتماعي المهاد او نفسي او لغوي الخ ، و غالبا ما يكون المهاد نفسي او اجتماعي ، و مهمة المفكر هي الحفر في ما تمخض كواقعة تحاكي لاواقعها و هذه الحقيقة المنفصلة المكونة من لاواقع وواقعة تشبه الظواهر الشبه معقدة خارج الذات ، لأنك عندما تحفر واقعة من ماضيك لتضافرها مع لا واقعها فأنت تخلق آلية شخصية تمكنك من الحفر في ظاهرة خارج الذات ، فمثلا ظاهرة التحرش الجنسي تحاكي وقائع جنسانية يخوضها كل بشري ، و حينما ينتقل البشري الى إنسان مفكر يحفر في تجاربه الماضوية الجنسانية يؤول الوقائع بالحفر فيها ليلاحمها مع لا واقعها و من بين ما يلاحمه الحفراني الفكري كحقيقة هي أن التحرش نتاج غريزة جنسية متأصلة بالذات تؤدي إلى هيجان الذات .. و لكن السؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى هو هل تكفي تثبيت الحقائق أم يجب 
إخضاع الحقيقة الثابتة للمنطق الفكري و التنظير الخيالي الذي يحتكم إلى المنطق ؟ 
بعدما يسهل على الحفراني تكوين نظرة على الواقعة و ماشابهها يمكنه الإنتقال لما يتمخض عنها من ظواهر متكررة بالميدان ، هذا الميداني هو محاكاة للنقط الذاتية ، لأنه يمكننا الامتداد من نقطة عقل الذات لرؤية ما يحرك الميدان أو الامتداد الظاهراتي ، و لكن النقطة الفكرية التي يجب ان يقف عليها الممتد فكريا هو امتداده عقليا لكي لا يسقط في سطحنة الظواهر لان الامتداد من الذات أو الذاكرة الجماعية لن يتمخض منهما سوى السطحنة ، لذلك قلت آنفا أنه يجب الخروج عن المشهد بالمطالعة المنطقية و التفكير الشخصي المحض ، و هذا ما عبر عنه ميشيل فوكو الذي يرى بأن ” الحقائق وجدت مع الوجود و لكن الفرد بفعل عدة مشاكل منها الدين منها حالة الفرد الاجتماعية و الحالة العقلانية و ثقافة الفرد و انجرافاته مع رغباته الجنسية لم يتمكن من رؤية الحقائق الموجودة مع الوجود ، لأن هذه المشاكل تتحول إلى شكل عقبة تحجب عن الفرد رؤية الحقائق التي وجدت مع الوجود و لكن العقل هو مكون ليجد خلاص أو طريقة يستطيع بها القفز من أعلى هذه العقبة ” 5، و لذلك استند فوكو بقولة سقراط إعرف بنفسك بنفسك ، التي هي عد لماضيك و أجري عليه النقد لتفهمك و لتفهم الغموض الوجودي أو بتعبيري انا الحفر في الوقائع الماضوية لفهمها و لانتشال آليات تمكن صاحبها من فهم الظواهر الإجتماعية ، و لذلك فأنا أفترض أن هذه الحقائق الموجودة خارج الذات هي محاكاة لما هو موجود بالعقل الفردي ، و بمجرد فهم الماضي الوقعاني بملاحمة كل واقعة مع لا واقعها يصبح من الممكن فهم اللاوقائع الموجودة بالظواهر لفهم وقائعها 
لأن داخل الذات وقائع يجب الوصول إلى لاوقائعها 
و خارج الذات لاوقائع يجب الوصول إلى وقائعها
و إذا لم تبتدأ بالعتبة الإبستيمية الأولى و هي فهم الماضي لن تنتقل إلى العتبة الكبرى و هي عتبة ما يوجد خارج الذات من ظواهر 
لذلك يكون من الصعب على بعض الباحثين حفرنة الظواهر الخارجية التي تحاكي حقائق موجودة داخل الذات المكونة من وقائع و لاوقائع 
و غالبا ما يسقطون في السطحنة الظاهراتية او تقليد منهج أو آلية تخص إنسانا مفكر خرج عن المشهد ليفكر ، لذلك فلا التربية تتدخل في خلق المفكر و لا المجتمع ، المفكر يخلق اناه الإبستيمية بالخروج التام عن المشهد بعدة شروط منها عدم هيمنة الذات، أي تنظيم كل الغرائز و الرغبات التي تعيق على ذبذبات التفكير التحرك بحرية مطلقة ، ثم التأمل الدائم مع التفكير 
و هذا التأمل و قتل الرغبات يمكننا أن نقول أنه قد يخلق الإنسان الأعلى كما قال نيتشه أو تحرير الطاقة المنطقية لأجل استغلالها في الخروج عن المشهد لأن هذه الطاقة المنطقية التي تخلق بفعل خروج الأنا عن الذات الماضوية و الدخول بهذه الانا الخارجة عن المشهد ، موجودة في العقل لكن هذا العقل كما يقول ديكارت ” العقل يريني أنه ينبغي لي ألا أكون أقل رفضا للأمور “1 و لهذا يكون من الصعب خلق نظريات منطقية محضة من أغوار هيمنة الهابيتوس
لأننا نحن أيضا وقائع ظاهراتية ، ذات يراها الغير و أراها انا ايضا لكن هذه الواقعة لها لا واقعها هيجان أدى إلى خلقها هذا اللاواقع هو التقاء حيوانات منوية مع بويضة في رحم الأنثى بفعل اتصال جنسي ، هذا لاواقع الواقعة إذا ما لاحمناه يصبح حقيقة ثابتة و لكن المفكر هنا كما قلت آنفا لن يكتفي بملاحمة اللاواقع مع الواقعة و إذا ما فعلها سيسقط في شبه السطحنة ، هنا يتدخل العقل المنطقي الخارج عن المشهد ليصعد بهذه الحقيقة لحدود العقل ، لأجل غاية واحدة هي ثتبيث الحقيقة ، و ذلك بالتنظير الذي هو نتاج مخيلة العقل المفكر ، هل هي أشد اتساعا لكي تستطيع تأويل هذه الحقيقة منطقيا ، أم هي محدودة في ما اول من قبل ؟ 
لذلك إذا انطلقنا من الحقيقة التي لاحمناها بالتنظير سنصل إلى وجود قوة تحرك الكون و تسهر على ثباته في عصرنا الذي عاصرناه 
و هذا الدافع إذا ما عدنا إلى فرد لم يخرج عقله من المشهد و لم يتخلص من الذاكرة الجماعية قبل ملاحمة الواقعة مع لاواقعها سيفسرها بما هو موجود داخل الضمير الجمعي و بذلك لن يستطيع التقدم منطقيا لأن كل ما هو خارج عن الضمير الجمعي سيرجه و سيسحبه إلى الخلف ، اما المفكر الذي خرج عن المشهد فيمكنه التقدم بكل تلقائية مستندا ببصيص منطقي و هو التساؤل مركزا بهذا النور على كل ما يتمظهر أمامه بالظلام الفكري الأشد حلكة ، لأن ما يأتي وراء ملاحمة الواقعة مع لاواقعها هو مواجهة غموض رمادي لا لون له ، و هنا يتدخل المفكر ليضفي لون أفكاره لأجل غاية واحدة هو تكوين نظرة شبه شاملة حول ماوراء الحقيقة  و تثبيثها منطقيا بقيود الأفكار الناتجة عن المخيلة
لأن لكل حقيقة أيضا دافع و ربما الدافع ايضا له دافع و هكذا
لذلك فيجب على المفكر أن يكون مسلحا بآليات شخصية تحاكي عقله المنطقي المحض 
لأن الواقعة تحاكي الظاهرة و الظاهرة تحاكي ظاهرة لا مرئية و الواقعة تحاكي لا واقع لا مرئي و اللاواقع مع الواقعة هي حقيقة تحاكي ماوراء الحقيقة
و هذا التسلسل أو التتابع اللامتناهي يعبر عن امتداد الأنطلوجيا و اتساعها ، لذلك يجب على الباحث ان يكون من اناه عقلا محضا ، لأننا كلنا نلتقي بنقطة العقل الكبرى لنتبادل ما هو فكري
و هذا الفكري هو محاكاة للتاريخانية و الحاضر الغامض
و إذا ما اردنا التحدث منطقيا يجب النظر إلى التاريخ كنقطة حاضراتية ، لأنه للأسف البعض من الباحثين يطوطمون التاريخانية و بهذه الطوطمة يجعلون من حاضرهم إنعكاس للتاريخانية و هذا هو الخطأ الذي يتمخض من الذاكرات الجماعية و يلعب على الباحث عنفا رمزيا بلا وعي منه ، لذلك وجب على الباحث المفكر إعتبار وجوده كعداء وسط ميدانه ، العداء الحرفي حينما يضع رجله بالآلة التي تدفعه ، أول ما يخطر بذهنه هو أن هذه الآلة ما هي إلا دافع بسيط ، بمعنى آخر ما هي إلا وسيلة و الغاية توجد بكنهه لأنه هو من سيولد الطاقة ليصل لنقطة المبتغى ، هذا المثال يحاكي مثال الباحث المفكر ، فلكي لا نسقط في السطحنة و التعليق السطحي يجب اعتبار وجودنا الفكري كمثال العداء ، فتلك الآلة هي ما وجد بالتاريخ و هذا التاريخاني حينما ينطلق المفكر لا يجب العودة له كدافع مرة أخرى
٥لأنه طبعا التاريخ دافع لخلق آلياتنا الشخصية
أنا أعترف بذلك و لكنني أعترف أيضا بأنه جزء صغير من خلق الكينونة الفكرية ، لأنه إن سلمنا بوجود تاريخ فسنسقط في مسطح اللافاعلية الفكرية
لذلك فلا يهمنا عمر الظاهرة ، ما يهمنا هو لاواقع الظاهرة و ما وراء واقعتها و لا واقعها المتلاحمين
لأنني كما قلت آنفا حينما نضافر الواقعة مع لاواقعها تصبح حقيقة و هذه الحقيقة لها بعد يجب حينها الحضور المطلق للنظري الخيالي لفهم ما وراء الحقيقة
و حينما نفهم لاوقائع الواقعات الموجودة بكنهنا الماضوي تصبح حقائق نفهم ما وراءها لكي تساعدنا على إزالة ستار الظواهر الخارجة عن عقولنا و التي كما قلت هي محاكاة للوقائع التي خضناها كتجارب ، فمثلا اللغة هي عبارة عن عدة وقائع بماضينا ، كل تجربة تتكللها اللغة و هذه التجارب هي وقائع و إذا ما لاحمنا واقعة واحدة من جل هذه التجارب نفهم ان جل تجارب التواصل تحركها اللغة و هذه اللغة رموز تتكلل المعنى الموجود مع العقل كما قلت آنفا أي أن معاني الوقائع موجودة بشكل سديمي و مهمة اللغة هو إضفاء لون رمزي ابستيميه على هذا المعنى الموجود مع العقل إذن هذه حقيقة و ما وراء الحقيقة هي أن هذه الرموز تحمل عنفا لامرئيا يتسلطن على صاحبه بلا وعي منه فمن المفاهيم تمخض نظام الخطاب الذي تغزوه مفاهيم المعتقدات ، التي تكون حاجزا على افرادها يمنعهم من رؤية الظواهر الخارجية التي تحاكي هذه الواقعة ، لذلك فدور الحفر الإبستيمي هو دور كبير ، و هو الإنسان و كما يقول أرسطو الحياة التي تخلو من التأمل لهي حياة تخلو من كل قيمة و لا تليق بإنسان و بمعزل عن فهمنا لماضينا يكون من الصعب فهم ما هو خارجي عن ذواتنا
فالحقائق الكبرى هي موجودة مع الوجود و لكن هذه الحقائق تحاكي حقائق فينا
و بدون فهم العتبة الأولى الذاتية يكون من الصعب الانتقال الى العتبة الخارجاتية المتعلق بما يتمظهر لاواقعيا و إذا ما عدنا إلى أرسطو في كتاب دعوة إلى الفلسفة سنجد  “المهم عنده بعد كل شيئ هو العلم بالأسباب و العوامل و العناصر الأولية ومعرفة البنية الاساسية بحيث تكون الاولوية دائما للبسيط على المركب ” 6 و تماشيا مع المنظور الذي شرعت في حفره و طبعا تماشيا مع قاله أرسطو المهم عندي حول قضية الحفريات هو فهم محاكاة

الظواهر التي خضناها كتجارب لفهم الظواهر المعقدة الخارجة عن الذات أي فهم و رؤية لاواقع الواقعة الموجودة بالذاكرة الماضوية و التي تحاكي مباشرة ظاهرة اجتماعية او نفسية او لغوية او ابستيمية خارج الذات

5 : حفر في دافع حفريات المعرفة

إذن فكيفية التفكير أو دافع التفكير يجب أن ينحصر أولا في كيف أخلق أناي الإبستيمولوجية ، أو بتعبير آخر و طبعا تماشيا مع الطرح الذي قدته آنفا ، كيف أخلق الطاقة المنطقية التي بفعلها يمكنني الإمتداد من معنى فطري موجود بالعقل إلى معنى شخصي  يخصني أنتقل إليه بفعل الإمتداد الفردي أو الشخصي ، لأن دافع الإنتقال أو الإمتداد هو كما افترضت سالفا ،  هو غاية الإنسان و كنهه ، لأن الإنسان حسب هذا الطرح هو تلك الطاقة الابستيميه الداخلية ، التي تدفع بنسق الأفكارالشخصية إلى الإمتداد من المعاني الأولية التي استطاع الفرد جعلها تشتغل بفعل تعطشنا الفطري إلى اكتساب المعارف ، إذن فمعاني المعقولات وجدت مع العقل لكن بشكل رمادي لا يتمظهر داخل العقل ببساطة و إن تمظهر بكل سهولة أو بكل حيوية طبيعية ستكون الحياة الإنسانية حياة آلية تخلوا من ما هو فردي ، لهذا فإن تلك التوليديىة الذاتية التي افترضتها  هي أساس الوجود الفكري و اساس العقل التي تشتغل وفق القاعدة التي ذكرتها آنفا : قوس الإستدارة الفكري ، تكون هي دافع خلق غاية الإنسان من الوجود و هو العقل المحض ، زد على ذلك أن القاعدة الثانية و هي خلق الطاقة المنطقية قد أقول أنها إلى حد ما طبيعية لأنها تبدو لي و كانها مهيأة و مكونة لتتبع الإستدارة المقوسة ، لأنه بمجرد الخروج عن المشهد الذاتي و الدخول بعقل قادر على نقد ما هو ماضوي مع تحليله و ملاحمة كل واقعة خاضها الفرد كتجربة مع لا واقعها أو هيجانها الابستيميه تخلق الطاقة المنطقية القادرة على الإمتداد عن طريق الخيال المنطقي المحض ، أي تمديد حقيقة متضافرة بين واقعة و لاواقعها ، إلى ما وراء الحقيقة أو إلى ميكرو فيزياء الفكر ، الذي يكون إلى حد ما صعب في فهمه بالنسبة للافاعلين و السؤال الأساسي الآن هو لماذا يصعب على اللا  فاعل فهم الإستنتاجات التي هي نتاج عقل أيضا ؟

ببداهة فينومينولوجية يمكننا القول في هذا الصدد بأن الفرق بين تفسير مر من حفريات ميكرو فيزيائية و بين تفسير سقط في السطحنة ، و هو أن  التفسير الذي مر من المنهج الذي عرضته سالفا يتبين لنا أنه عبارة عن فهم ما هو مقلوب فكريا ، بمعنى آخر أن الفراغ السديمي الذي يتمظهر أمامنا لا يتضح شكله الإبستيمولوجي حتى تخلق تلك الطاقة المنطقية التي تساهم في جعل من كل نسق فكري أو فلك فكري شخصي ، أدوات حفرية يستطيع من خلالها هذا العقل تثبيث ما هو متشظ داخل العقل ، من خلال نقد الماضي و ملاحمة الوقائع المنفصلة مع لاواقعها ، لأجل غاية واحدة هي تفسير ما هو خارجي عن ذواتنا أي رؤية الفراغ الابستيمي الذي يكون عبارة عن ظاهرة ماكرو اجتماعية ، التي يصعب فهمها و يصعب أيضا تحليلها بمعزل عن تحليل الذاكرة الماضوية ، إذن فالنتيجة الاساسية بالنسبة لما حاولنا تقريبه لعقولنا و هي أن الحقائق توجد بعقولنا ، و من هذا المنطلق يمكنني القول أن ذلك الهيجان الفكري الذي يؤدي إلى الإمتداد من معاني تمظهرت في بداية حياة العقل إلى معاني معقدة ، لن نقول أنها مثالية لأنها نتاج المعاني الأولى ، قد نقول أنها مثالية إذا كانت نتاج السطحنة الظاهراتية و لكن من زاوية الطاقة المنطقية التي تقف مباشرة على المعاني الأولى لن يسقط الفرد في السطحنة لأنه مر من البداية الأساسية للتفكير و هي جرد ما هو لا منطقي و استبداله بما هو منطقي أي نقد الذاكرة الماضوية لأجل الإنتقال إلى النقطة الأساسية و هي ملاحمة واقعة مرت كتجربة مع لاواقعها ، إذن فالمسار العقلي الذي يؤطر هذا الفكر الأول أو الذي يحاصر المعنى الأول حينما يتدخل العقل في تهييج هذا المعنى الأول لأجل الإمتداد إلى ما هو معقد هو الإنسان العاقل

حينها يمكنني القول أن هذا الفرد انتقل من نقطة البشري إلى نقطة الإنسان العاقل و المفكر ، لأن الإنسان في نهاية المطاف و حسب هذا المنظور الذي شرعنا في تشكيلة ابستيميا ، هو بكل بساطة ذلك الهيجان الذي يجعل من فلك مكتسب عن طريق اللغة و الحواس التي تتدخل في فهم و تثببث ما دخل كدخيل لغوي أو حسي فوق ذلك المهاد الذي يتكون من المعاني الموجودة مع العقل  الخ ، قادرا إلى الإمتداد لشكل أشد تعقيدا و أشد منطقا ، و ربما إلى حد ما يتبين أن هذا المنهج الابستيمي الذي نقوده يخالف تماما ، نظريات الدماغ التي تقر : ” بأن  كثرة تناول هرمون البروجيستون هو الذي يعزز الإنجاز الفكري الخ ” و هذا المنظور يخالف تماما المنظور الذي شرعنا في تشكيله و الذي يقف على مهاد الذاتية أو الفردانية أي أنني أنا الذي أتدخل في تمديد هذا النسق بفعل عدة مراحل و أنا الذي أقلب ذلك النسق اللامنطقي الذي ينافي و يخالف فلك العقل المحض و لكن ما الدافع حسب هذا المنظور ؟ ما الدافع الذي يخلق حفريات المعرفة ؟ هل هو أنا أم هي افكار فطرية تنبثق فيتخول لي أنني أنا الذي أفكر ؟

إذا ما عدنا إلى علم النفس التربوي و تحديدا لدى الباحثة إليزابيث سبيلك من جامعة هارفورد سنجدها تقر :”  بأن الأطفال منذ الشهر السادس يعتبرون أن الكائنات الحية تتمتع بحياة عقلية و ذهنية تميزها عن الأشياء ” 7  هذا من جهة من جهة أخرى و طبعا حسب وجهة نظر المدرسة الإمبريقية البريطانية التي يعد هيوم أحد أبرز ممثليها فقد أقر بأن ” ما يوجد في عقلنا هو أفكار تمر في شكل سلاسل متتابعة أو مترابطة هي التي تكون العقل و أن العقل لا يحصل على الأفكار ، لأنه هو نفسه هو الأفكار 8 ” و إذا ما انتقلنا إلى إيمانويل كانط سنجده يقر بأن هناك ” وجود لمبادئ جوهرية بالعقل الإنساني ، و أن هذه المبادئ هي التي تشكل القوى المعرفية ” 9 و إذا ما اردنا ملاحمة هذه التفسيرات مع ما شرعنا في تشكيله ، سنسقط مرة أخرى في الطرح الذي افترضناه آنفا و هو أن معاني المعقولات متواجدة مع العقل ،  و ما تفعله اللغة بكل بساطة هو تشكيل غشاء فوق المعاني، لكن هذا المعنى المتواجد داخل هذا الغشاء الجماعي أو الثقافي هو نفسه المتواجد عند جل افراد الوجود أو الجماعات التي تفصل بينها هذه الرموز اللغوية

المراجع:

1 :                 – Les régles de la méthode sociologique , Émile durkheim , Champs classique p 100

2 –  تاربخ الفلسفة الحديثة و ليم كريت ، التنوير ، ص ٦٥

  • 4      – هكذا تكلم زرادشت ، فريديريش نيتشه ، ترجمة عن الألمانية على مصباح ، منشورات الجمل ، ص ١٢٥
    3  – تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، رينيه ديكارت ، التأمل الأول ص ٢ ، منشورات عويدات بيروت باريس

4:   – أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة ، انجلز ترجمة الياس شاهين ، ص ١٠٠

5:   – عن الطبيعة الإنسانية  ، نعوم تشومسكي و ميشيل فوكو ، جون راكمان ترجمة زكي ، الكتب ص 37

6 : –    دعوة  إلى الفلسفة ، أرسطو طاليس  قدمه إلى العربية مع تعليقات و شروح ، د عبد الغفار مكاوي الصياد للتجارة و التوزيع

7 : – عشرة أسئلة في علم النفس و التربية . أوليفيه هودي ، ترجمة لوليتا ااشامي . طريق المعرفة

8 : التفضيل الجمالي ، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني , شاكر عبد الحميد ، فصل : هيوم و معيار الذوق عالم المعرفة ص ” 80

9 : التفضيل الجمالي  نفس المرجع .. ص 90

المصادر:

تاريخ الفلسفة اليونانية ، يوسف كرم ، إصدارات العوادي

تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط ، يوسف كرم ، للنشر و التوزيع

تاريخ الفلسفة في عصر النهضة ، يوسف كرم ، للنشر و التوزيع

تاريخ الفلسفة الحديثة ، وليم كلي رايت ، ترجمة محمود سيد أحمد ، تقديم و مراجعة إمام عبد الفتاح إمام ، التنوير

عصور ما قبل التاريخ ، تأليف فرانسيس بون ، ترجمة سونيا محمود نجا

الكينونة و العدم ، جان بول سارتر ،ترجمة نيقولا  متيني ، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية

أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة ، فريديريش إنغلز ، ترجمة إلياس شاهين ، منشورات الجمل

حفريات المعرفة  ، ميشيل فوكو ، ترجمة سالم يفوت ، المركز الثقافي العربي

شاهد أيضاً

ترجمة المصطلحات الفلسفية – الجزء 1

نور الدين البودلالي   بقلم: Siobhan Brownlie ترجمة: نورالدين البودلالي المترجم: من أجل تطوير المصطلح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *