الرئيسية / منتخبات / تغطية / ملخص ندوة “الحراك الشعبي ودولة المواطنة”

ملخص ندوة “الحراك الشعبي ودولة المواطنة”

الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية

تشهد الجزائر، منذ 22 فبراير 2019، ثورة المواطنة وهي الثورة الثانية في تاريخها المعاصر بعد ثورة التحرير (1954)، الثورة الأولى. نحن إذن أمام ثورتين وأمام مفهومين : 1/ الثورة الأولى، يحكمها مفهوم “الوَطَنِيّ”، أي “من يحبّ وطنه ويُخلص له ويُضحّي من أجله، ويعمل على نُصرته ويدعو إلى استقلال بلاده”، (ثورة في اتجاه ما هو برّاني) ؛ 2/ أمّا الثورة الثانية، فيحكمها مفهوم آخر هو مفهوم “المُواطن” والذي يعني ذلك الشخص “الذي يتمتّع بالحقوق التي يتمتّع بها أبناء دولته أو [وطنه]،” (ثورة في اتجاه ما هو جوّاني). ومنه جاء مفهوم المواطنة الذي قد يُحَدُّ بتحديدات مختلفة، أهمّها ممارسة الحقوق السياسية المتمثلة في الاقتراع مثلا وتأدية الواجبات تجاه الدولة كالضرائب والخدمة العسكريّة… إلخ.
أمام وضع فاسد ظالم قاهر أثقله الليس عوض الأيس، واللا عوض النعم، والعتمة عوض الوضوح، والظمور عوض الظهور، والموت عوض الحياة، و”الحَرڨة” عوض البقاء، والهوان عوض الكبرياء، والبؤس عوض الغنى، والضعف عوض القوّة، والجهل عوض العلم، والزيف عوض الحقيقة، والنفاق عوض الصراحة، والقبح عوض الجمال… أمام حاكم أهمل شعبه، استغفله، استغباه وظلمه قرّر الشعب، بعد الطاعة، الثورة (فـ”الطاعة والمقاومة ضروريتان لكلّ مواطن، الأولى ضرورية لحفظ نظام المجتمع، والثانية ضرورية لصيانة الحرية وبقائها” (آلان)) ؛ واشترط في ثورته السلميّة لكي يثبت لنفسه ولحاكمه وللعالم أنّه لا يريد إلاّ حياة كريمة ؛ وتحرّك فعلا، ثار، معلِنا أنّ لا فخامة إلاّ فخامته، ولا سيّد سوى سيادة القانون : دولة مدنيّة ديمقراطية.


فهل ما يصدر عن الجزائريين في الحَراك من تعبيرات عن طريق الفم (هتافات، أغاني، أهازيج…) هو مجرّد تصويت فموي، أصوات (phônè)، تعبّر عن السعادة والألم ؛ أم هو لغة (logos) ترقى إلى تعريف الإنسان “بالحيوان السياسي”، لغة تعبّر عن النافع والضار وبالتالي العدل واللاعدل (أرسطو، السياسة) ؟ هل الحَراكيّون هم مجرّد “غاشي” يخرجون كلّ يوم جمعة للترويح عن أنفسهم (علما أنّ معظم وسائل الترفيه وأماكن الفرجة والحرية والترويح عن النفس حرّمت عليهم منذ نهاية الثمانينيات) ؛ أم هم فعلا مواطنون يدركون حقوقهم وواجباتهم ؟ ليطرح كلّ واحد منّا السؤال الآتي على نفسه : هل ما قمت به خلال الجمعات الفارطة هو سلوك “الغاشي” أو سلوك “المواطن” ؟ بمعنى آخر، هل حينما خرجت أوّل أمس الجمعة، هل خرجت للرقص والغناء أم نزلت إلى الشارع وتظاهرت مع الآخرين لممارسة حقي في التعبير عن رأيي وعن موقفي (ma position) وعن قيمي (mes valeurs) ضدّ وضع لاعادل يعيشه الوطن الجزائر ؟ فالأمر يتعلّق بـ “المعيّة” وبـ”القصديّة”، “مع الآخرين من أجل…”، “مع الآخرين من أجل تحقيق وطن أفضل…”، أقوم بواجبي كمواطن من أجل الوطن ومن أجل الآخرين ومن أجلي في ظل احترام القانون. وعليه فالحَراك الجزائري هو حركةٌ، سيرٌ، مشيٌ واعي وإرادي يقوم به المواطن مع المواطنين الآخرين قَصْدَ الإطاحة بالنظام الفاسد وقصد بناء الدولة المدنية الديمقراطية. ونستمرّ في التساؤل :


أليس الحَراك وعلى مدار خمسة عشر جمعة الماضية، أليس هو ممارسة للديمقراطية المباشرة بطريقة جزائرية (تذكّرنا بالديمقراطية الأثينيّة)، يكتب كلّ مواطن ما يريده على لافتة، يحملها عاليا لتراها الأرض (الملأ والعالم، ses co-citoyens et le monde entier) أوالسماء (الله) أو الإثنان معا قَصْدَ الإنتقال إلى الديمقراطية الفعليّة ؟ هل يمكننا تسمية ما يقوم به الحَراكيون منذ 22 فبراير بالإنتقال الديمقراطي أي الإنتقال من دولة “الحُقْرَة” والفساد والظلم ومصادرة الإرادات والحريات إلى دولة الديمقراطية ؟ هل فعلا نحن على عتبة الديمقراطية ؟ وهل المواطَنَة والديمقراطية طرفين لنفس المعادلة ؟ وهل الديمقراطية بخير ؟ أم هي بدورها تعرف أزمات في الكثير من الدول ؟ وهل سبب هذه الأزمات، الديمقراطية ذاتها أم البشر الذين لا يمارسونها على أحسن وجه ؟
وبما أنّنا لا نعيش منعزلين عن الآخر الذي هو نحن ولكنه مختلفٌ عنّا، فكيف نعمل لكي نحقق على المستوى القريب “المواطن” وعلى المستوى البعيد “المواطن العالمي” أو “الكوني” (citoyen du monde) الذي يحبّ الإنسانية، أي يحبّ ويحترم الإنسان مهما كان، فقط لأنّه إنسان ؟ وهل المواطنة والديمقراطيّة تُدرّسان ؟
تلكم أسئلة وغيرها دفعت الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، فرع العاصمة، يوم الأمس السبت 1 جوان 2019 إلى تنظيم ندوة فكريّة عنوانها الحراك الشعبي ودولة المواطنة نشّطها الأستاذ ناصر جابي.
السيّد ناصر جابي، مناضل كبير. ناضل من أجل العدل والسلم والحرية والديمقراطية… هو أكاديمي جزائري وأستاذ علم الإجتماع السياسي. صدرت له عدّة أعمال من بينها : الجزائر تتحرّك : دراسة سوسيوسياسية للإضرابات العمّالية، دار الحكمة، 1995 ؛ الإنتخابات: الدولة والمجتمع، دار القصبة للنشر، 1998 ؛ مواطنة من دون استئذان، منشورات شهاب، 2006 ؛ الدولة والنخب، منشورات شهاب، 2008 ؛ لماذا تأخر الربيع الجزائري؟، منشورات شهاب، 2012 ؛ الحركات الأمازيغيّة في شمال إفريقيا (دراسة أشرف عليها د. جابي)، منشورات الشهاب.
انطلق الأستاذ جابي من صورتين شدّت انتباهه : 1/ صورة الحَراك في أوّل جمعة من رمضان وخروج المصلّين بأعداد كبيرة من المساجد، من فضاءات دينية، بشعارات سياسية غير دينية ليُمارسوا مواطنتهم ؛ 2/ وصورة النقاشات الفكريّة والسياسيّة المتعدّدة والمنتشرة في كلّ مكان (أثينا) ؛ واستنتج فورا أنّنا نحن أمام مواطن يظهر، نحن أمام طلب للمواطنة يعبّر عنها المواطنون فرديا وجماعيا، نحن أمام شروط تحقيق المواطنة. وميّز المحاضر بين نوعين من المواطنة، مواطنة سياسية وأخلاقية ومواطنة إجتماعية وإقتصادية. فالحَراك منذ 22 فبراير 2019 هو لحظة سياسية وأخلاقيّة. فعلا، فالجزائريون يطالبون بالحرية والمساواة والعدل، أمّا في السابق فلقد كانوا يطالبون بمواطنة تتعلّق بالإجتماعي والإقتصادي فالمواطن كان يطلب من الدولة سكنا أو رفع الأجور أو… فالجزائر تشهد اليوم نقلة وتحوّل في اتجاه المواطنة السياسية الأخلاقية.
تساءل المتحدّث عن كيفيّة حصول هذا التحوّل من الجزائري اللامواطن أو الجزائري الذي كان يعيش مواطنة ناقصة ومبتورة إلى الجزائري المواطن ؟ فراح يحلّل هدف وقصد الحَراك كما يعيشه الجزائريّون كلّ يوم جمعة بل كلّ أيّام الأسبوع. الحراك هو طلب مواطنة تعدّدية مع احترام التعدّد لأنّه لا يمكن تحقيق حراك موحّد متجانس. في البداية، كان الحراك شفهيّاً ومع الوقت أصبح الحراك كتابيّاً متعدّد اللغات واللهجات، أشكال تعبيريّة متعدّدة. فالحراك إذن مواطنة تعدّدية تمارس مستويات مختلفة للهويّات. نحن أمام هويّات متعدّدة ولكنّها هويّات تريد أن تندمج أكثر. أثار الأستاذ جابي دور الشباب والمرأة في هذا الحراك. فالشباب يريدون دولة وطنيّة أكثر انفتاحا. أمّا بخصوص المرأة فلاحظ حضورها بقوّة في هذا الحراك لأنّها تريد مواطَنة كاملة غير منقوصة.
تساءل المحاضر أيضا عن كيفية قبول التنوّع والتعدّد في ظلّ الوحدة. فبيّن أنّ تحقيق المواطنة لا يعني المساواتيّة الغبيّة.
المحاضرة تميّزت بالتفاؤل. تساءل المحاضر في النهاية عن مدى نجاح الحراك. هل سننجح ؟ هل نملك شروط تحقيق هذه المواطَنة ؟ هل سننجح لتحقيق انتخابات نزيهة ؟ وأجاب المحاضر بالإيجاب صراحة. وقال نحن نؤمن بشروط النجاح لأنّ حضور الشباب قويّ في هذا الحراك ولأنّ لهذا الشباب معرفة بالسياسة. “يمكن البناء على هذا الشباب”، هذا ما قاله حرفيا الأستاذ جابي، منتهيا محاضرته بالقضية التالية : “النظام السابق سيّرنا من خلال نقاط ضعفنا ؛ بينما الحَراك يستند إلى نقاط القوّة وعليه سننجح حتما.”

شاهد أيضاً

العلاقة بين العقل والجسد في فلسفة العقل

 اسماعيل دحماني  اسماعيل دحماني ابتدأت فلسفة العقل فعليا بأعمال ديكارت أي في القرن 17، حيث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *