الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / الفلسفة والكتابة الارتجالية عند الفلاسفة

الفلسفة والكتابة الارتجالية عند الفلاسفة

عبد العالي الحفيظي وبديع الزمان اليمني

   وفاء لروح أستاذنا الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري”

كتب المقال قيدومي مدرسي الفلسفة ،المؤطران التربويان سابقا الأستاذان عبد العالي الحفيظي وبديع الزمان اليمني ( من مدينة آسفي )                       

                                    

   إلى جانب الكتابات الفلسفية الحاملة لأهم الخصائص التي تدخل في نوعية ممارسة الفلاسفة للكتابة، والتي تتمثل في أشكال تعبيرية من أمثـلتها : ممارسة الفلاسفة للكتابة الحوارية كما كان الأمر مع الفيلسوف اليوناني ” أفلاطون “، وكتابة الخواطر للفيلسوف الألماني ” فريدريك وليم جوزيف شيلينغ ” ، وكذا الكتابة المقطعية للفيلسوف الفرنسي ” جورج باسكال “، والكتابة الشذرية للفيلسوف الألماني ” فردريك نيتشه “، والكتابة الريزومية للفيلسوفين الفرنسيين ” جيل دولوز ” و” فيليكس غاتاري “، والكتابة المفصولة أو كتابة المفارقات للفيلسوف الفرنسي ” موريس بلانشو”، إضافة إلى الكتابة التعددية الاختلافية للفيلسوف الفرنسي ” جاك دريدا “، إلى جانب كتابات الفلاسفة هذه، التي شكلت المصدر الأساس للتعرف على أطروحاتهم ومواقفهم الفلسفية، هناك كتابات فلسفية خاصة مباشرة غير مقيدة بالقواعد الصارمة للكتابة الفلسفية، لكنها وإن كانت كتابة مغايرة غير مألوفة لدى الفلاسفة، فهي شكلت بدورها مصادر إضافية للتعرف على أفكارهم وأطروحاتهم مثل : كتابة الاعترافات للفيلسوفيين الفرنسيين “جان جاك روسو”  و”مشيل فوكو”، وككتابة السيرة الذاتية للفيلسوفة الفرنسية ” سيمون دوبوفوار، والفيلسوف الألماني ” هانز جورج غادامير ” ثم أيضا كتابة الرسائل، رسائل الفلاسفة إلى زملائهم وأصدقائهم وأحبائهم، كرسالة الفيلسوف الفرنسي ” فولتير ” إلى صديقه ” ديدرو “، وكرسالة الفيلسوف ” ديكارت ” إلى أميرة السويد ” كريستين “، وكرسائل الفيلسوف الألماني ” نيتشه ” إلى الأميرة ” أريان ” وإلى صديقته ” لوسالومي “، وكرسائل الفيلسوف الفرنسي ” سارتر ” إلى صديقة عمره ” سيمون دوبوفوار ” وكذلك رسائل الفيلسوف الألماني ” هيدجر ” إلى صديقته ” حنة أرندت ” ، وكرسائل الفيلسوف ” ماركس ” إلى صديقه ” إنجلز ” وإلى زوجته ” جيمي ” . هذا فضلا   عن كتابة ” جاك دريدا ” حول مناسبات تكريم وتأبين زملائه من الفلاسفة والأدباء كما جاءت في كتابه المتميز ” كل مرة نهاية العالم “، ثم أيضا الكتابة الارتجالية للفيلسوف الفرنسي المعاصر ” أندري كونت سبونفيل ANDRE CONTE SPONVILLE” الذي عبر عنها في كتابه بعنوان ” L’INCONSABLE, ET AUTRES IMPROMTRUS ” ” الذي لا عزاء له وارتجالات أخرى”، الصادر  عن دار النشر والطباعة ” بيف ” بفرنسا، والذي اعتمدنا على تقديم وترجمة الأكاديمي الدكتور” عبد الرحمان إكيدر ” لبعض نصوصه التي أوردنا مقاطع منها كاستشهادات هنا، من خلال مقالة نشرها بمجلة العربي الكويتية الصادرة في شهر يونيو 2018 – الصفحات : 186، 188، 189.

   ويعني ” سبونفيل ” بكتابته الارتجالية بأنها هي تلك  »الكتابة الفورية التي تتم دون إعداد سابق، والتي استقى اسمها من كلمة الارتجال التي استوحاها من موسيقى ” شوبيرت ” باعتباره ممن كتبوا ارتجالات رائعة من القطع الموسيقية، وأيضا مما قدمه الفيلسوف ” مشيل دو مونطين ” حول الارتجالي الفجائي ” ومن ثم فإن الكتابة الارتجالية في نظر ” سبونفيل ” هي كتابة لا تتشكل من أطروحات ، وإنما من نصوص قصيرة تتراوح بين الفلسفة والأدب، إنها كتابة بالأحرى تتيح ممارستها نوعا من الحرية الكاملة « .

    إضافة إلى ذلك يقول :   »” سبونفيل ” – وهو الفيلسوف الذي عاش حياة صعبة ومؤلمة في كنف أم مكتئبة وانتحارية ، جعلته يترعرع في حزنها ومرضها – عنونت هذه الكتابة بكلمة ” ارتجالية، وارتجالات ” لأنها تحكي عن الفلسفة الحميمية باعتبارها جزءا مني، إنها كتابة أقرب إلى شخصيتي، لطالما قلت إن الفلسفة هي التفكير في الحياة، وعيش التفكير، لكن يمكننا فعل ذلك من مسافة قريبة، لأن الفكر يفرض مفاهيم وتجريدات «.

    وفي هذا السياق يشير ” سبونفيل ” إلى » معطيين : معطى يتعلق بجملة محورية ذكرها الفيلسوف ” مونطين ” : ” أنا لا أعلم، بل أحكي “، ومعطى يتعلق بما فعله الموسيقي ” شوبيرت ”  الذي لم يكن يحكي عن نفسه، بقدر ما كان يحاول إيجاد المرادف الموسيقي للتعبير عن روحه، وهو نفس الشيء الذي يفعله المؤلف الذي كان يحاول بدوره إيجاد مرادف فلسفي أو أدبي « .

   وبناء على هذه الإشارة من ” سبونفيل ” ، فإن الارتجال في نظره يقوم على هذين المعطيين .     ومن ثم يخلص إلى القول : » بأن الكتابة الارتجالية ليست بالنسبة إلي سيرة ذاتية، لكنها محاولة للتفكير فيما هو أقرب إلى نفسي «.

    واضح إذن، أن هذه الكتابات الخاصة المشار إليها، هي كتابات لم تكن مقيدة في الظاهر على الأقل بالقواعد المنهجية للكتابة المعتمدة لدى الفلاسفة، بقدر ما كانت كتابة مستقلة ومتحررة من صرامة تلك القواعد.

   وفي هذا الإطار نعرض لكتابة الفيلسوف المغربي المرحوم ” محمد عابد الجابري ” من منظور هذه الكتابة الخاصة، المستقلة والمتحررة، علما أن الكتابة عن الفيلسوف المعاصر المرحوم             “محمد عابد الجابري” ، كما قال عنها أستاذ الفلسفة الجامعي الدكتور” محمد المصباحي ”            في كتابه : ” جدلية العقل والمدينة في الفلسفة العربية المعاصرة – طبعة منتدى المعارف 2013 الصفحة : 167 ” ؛ » أولا :  ليس من السهل الكتابة عن الفيلسوف ” محمد عابد الجابري ” كتابة منصفة ، لأنه كتب في كل شيء تقريبا، مما تصعب معه الإحاطة بكل ما قاله في كل مسألة ؛ وثانيا : لأنه كان مفكرا متقلبا، يحل في فقرة ما يعقده في فقرة أخرى ، يتلون تفكيره مع تلونات الواقع والفكر، وثالثا : لأنه كان مفكرا جدليا ، حيث لا يرى مانعا من الجمع أحيانا بين المتضادات لاستخراج موقف جديد يستوعب الثنائيات المتجاوزة من دون أن يلغيها أو يبقيها في حدودها وحرفيتها ؛ ورابعا : لأنه كان مفكرا إشكاليا، مستفزا ، لا يتركك لا مباليا أمام أطروحاته وخلاصاته الجريئة « .

   لكن إذا كانت الكتابة عما كتبه الفيلسوف المعاصر المرحوم ” محمد عابد الجابري ” مسألة لا تخلو من صعوبة ، كما ذهب إلى ذلك الدكتور ” محمد المصباحي ” ، فإن قراءة هذه الكتابة كنصوص وكمؤلفات تعتبر أقل صعوبة ، بل في متناول من يقرؤها ، وذلك نظرا لخاصية تميزها ، وهي كونها كتابة لها وظيفة بيداغوجية توضيحية قوية في أسلوبها ، وذات لغة غنية بصورها المجازية وبعباراتها الجذابة ، وقد سبق أن عبر عن ذلك أستاذ الفلسفة الجامعي الدكتور “كمال عبد اللطيف” – في مقالة له بجريدة الاتحاد الاشتراكي العدد : 6683 بتاريخ 27 نونبر 2001 تحت عنوان :  ” محمد عابد الجابري ” الحضور الفلسفي والحضور السياسي والهواجس التربوية ” – إذ قال : » … (محمد عابد الجابري) هو الرجل الذي لا يؤمن لا بمجانية الفكر ولا بتعاليه ، ولعله رجل يؤمن كثيرا بالوظيفة الهامة، التي لعبتها وتلعبها الأفكار الفلسفية النقدية في التاريخ الحديث والمعاصر. ولهذا فإنه يحرص انطلاقا من اعتقاده بالرسالة التربوية للفكر على إنتاج النصوص التي يكون بإمكان رسالتها أن تكون في متناول أوسع الفئات داخل المجتمع «.

   هذا، وإذا كانت كتابة الفيلسوف المعاصر المرحوم ” محمد عابد الجابري ” ليست بالكتابة المغلقة في قراءتها ، بل مفتوحة القراءة ، أي أنها كتابة لا تخص في قراءتها القارئ المتخصص في الفلسفة فقط ، بل كتابة تعم كل القراء ، فإن هذا الأمر يعتبر على الأقل شرطا في فهمها واستيعابها ، وهو ما يقلل من درجة صعوبتها ، ويسمح كذلك بالمغامرة في اقتحامها طلبا للكشف عن تجربتها ككتابة فلسفية خاصة .

  وإذا تقرر هذا، نعتبر أن ما كتبه الفيلسوف المعاصر المرحوم ” محمد عابد الجابري ” من نصوص معينة في موقعه الإلكتروني على الإنترنيت بعد إنهائه لمشروعه الفلسفي حول  ” نقد العقل العربي ” يعتبر من الكتابة الارتجالية التي قال بها الفيلسوف ” سبونفيل “، وذلك نظرا لتقارب هذا النوع من الكتابة بينهما، ولما تجمعهما من عناصر مشتركة، إن لم نقل إنه يوجد بين الفيلسوفين “الجابري ” و “سبونفيل ” تقارب آخر، وقواسم مشتركة أخرى غير الكتابة الارتجالية، ذلك أنهما من الفلاسفة المدرسين الجامعيين المعلمين ، الذين تركوا بصماتهم الجلية على المسارات الفكرية لطلبتهم، وأنهما كانا في طليعة المثقفين الذين عرفوا بالمثقفين العضويين العصيين على الاستدماج والاحتواء، كما أنهما من الفلاسفة الذين خبروا ومارسوا السياسة في أحزاب اليسار، إضافة إلى كونهما يعتبران من القارئين الجيدين للفكر الماركسي ولغيره من الفكر الحداثي وما بعد الحداثي، ومن الموظفين المتمكنين من تشغيل أدوات هذا الفكر في بناء مشروعاتهم الفلسفية ، ثم لكونهما كانا من المتأثرين بفلاسفة دون سواهم، كما هو أمر ” محمد عابد الجابري ” مع الفيلسوف  ” ابن رشد ” خاصة، وكذا مع الفيلسوف ” ابن باجة “، كما هو شأن “سبونفيل” مع الفلاسفة خاصة “اسبينوزا ” و “مونطين” و “باسكال “، هذا فضلا عن كونهما ينتميان إلى جيل من الفلاسفة الباحثين العصاميين، الذي أسهموا في طرح أسئلة كبرى على الذات والآخر، والمجتمع والسياسة، والعقل والعلم، والحياة والعيش، والتربية والتعليم وغيرها  من الأسئلة.

    وبيانا لنمط الكتابة الخاصة عند الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري ” نعرض لكتابته  هذه من خلال نص لم ينشره في كتاب أو مجلة أو جريدة، وإنما اختار نشره في موقعه الإلكتروني على الإنترنيت (www.aljabiriabid.net) تحت عنوان ” تأمل في حرية التأمل ” بعد أن حرص  على تبرير هذا الاختيار، وهو تبرير يحمل دلالات، همنا أن نقف عندها لنكشف عنها، لكن  بعد إثبات نص هذه الكتابة :  كتب ” محمد عابد الجابري ” في موقعه الإلكتروني على الإنترنيت يقول : » كان مشروع التأملات قائما في ذهني (…) ، وبقي حاضرا في ذهني إلى اليوم، ومع ذلك فلم يخطر ببالي قط أن أجعل هذه التأملات تندرج بصورة أو بأخرى في المقالات التي عملت على نشرها، ولعل السبب في ذلك شعوري بأن إطار تلك المقالات يختلف عن إطار التأملات، على الأقل من جهة واحدة، ولكن أساسية، ذلك أنه عندما أكتب في جريدة أو مجلة، أو عندما أنهمك في تأليف كتاب ، فإن الإطار الذي أفكر داخله وأعمل ضمن حدوده، إطار محدود بحدود متعددة، منها الحدود التي تتحرك فيها الجريدة أو المجلة أو الكتاب، ومنها ما يتصل بالصنعة، ومنها ما يفرضه الحجم المخصص أو المقبول، ومنها ما تفرضه الرقابة الذاتية، أو الحدود المقررة سياسيا وفكريا …

  هذا من جهة، ومن جهة أخرى كنت أشعر وما زلت أن مجال التأملات ، يجب أن يكون مجالا حرا متحررا مثلا من قيود المنهجية والصنعة مثل تسلسل الأفكار ووحدة الموضوع …، ومتحررا كذلك من اعتبار مسؤولية الناشر ، جريدة كانت أو مجلة أو دار كتب… ، ومتحررا أيضا مما يمكن التحرر منه من القيود والاعتبارات الراجعة إلى الرقابة الذاتية …، والتحرر من ذلك كله ، لا يمكنه أن يتحقق إلا في مجال الإنترنيت.

 من أجل هذا ، قررت أن أخص منبري على الأنترنيت بهذه التأملات، أكتبها باسترخاء، وفي حرية من القيود الخارجية . أما عن القيود الداخلية التي تفرضها الرقابة الذاتية أو الميولات الشخصية الفكرية والسياسية ، فأعد القارئ بأنني سأجتهد في التقليل من تأثيرها وتوجيهها، أما التحرر منها كلية ، فشيء غير ممكن الآن على الأقل. وقد يصبح ذلك ممكنا عندما يصير من المألوف اليومي أن يمشي الناس في الشارع، ويدرسوا في المدرسة والجامعة، ويعملوا في المعمل، ويلعبوا كرة القدم … عراة كما يكونون في الحمام متفردين أو مع زوجاتهم، علما بأن هناك من يحرص على ستر العورة حتى في هاتين الحالتين.

    لقد قيل في تعريف الإنسان إنه ” حيوان عاقل” ومع ذلك فهو يتصرف في كثير من الأحيان، إن لم يكن في معظمها بدون استشارة العقل، وقيل في تعريفه أيضا إنه ” حيوان مدني “، ومع ذلك فأكثر تصرفات الناس عبر التاريخ كانت، وما تزال، بعيدة من أن توصف بأنها تصرفات مدنية. ويخيل إلي أني قرأت يوما تعريفا للإنسان يقول : ” الإنسان حيوان يستر عورته “.

     ومع أن هذا التعريف قد بدا لي، أول مرة، وكأنه جامع مانع لا استثناء فيه، فقد وجدت نفسي مع ذلك أتساءل : أليست هناك مسابح تكتظ بالعراة من كل خرقة ؟ ألا يصادف المرء أحيانا في شوارع بعض البلدان الأوربية أناسا يمشون عراة حفاة ؟ ثم أليست الحيوانات كلها – تقريبا – مستورة العورة، كلا أو بعضا، بشكل أو بآخر، الريش في الطيور ، الذنب في البهائم ، تجاعيد الجسم في الزواحف…؟ حيوان واحد يمشي عاريا، هو ذلك الصنف من القردة الذي لا ذنب له !

ولعله أقرب خلقة من الإنسان . وإن صح أن ” أصل الإنسان قرد كما يقول الداروينيون، فإن ظاهرة ” العري ” في الإنسان قد تشخص معنى عبارة ” الرجوع إلى الأصل  ؟

     ومهما يكن، فالرجوع بالشيء إلى أصله معناه تجريده من جميع الانحرافات والشوائب التي     لحقته … معناه تعريته !

       وإذن، فإن هذه التأملات التي نريدها أن تكون حرة، تطمح إلى النظر إلى الموضوعات التي تتناولها عارية كما هي في أصل خلقتها … في ابتداء نشأتها …. ! ومع ذلك لا بد من الاعتراف بأن الناظر لا يستطيع ” النظر ” إذا تعرى من كل ما أضيف إلى ” اصل ” خلقته وابتداء نشأته ! النظر يتطلب دائما نظارات ! «.

       بالفعل، إن ما يهمنا في هذا النص للفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري ” هو أنه رغم تأكيده حين كتابة ما سماه بالتأملات، ورغم تأكيده كذلك بأنه خلال تأملاته لن يتقيد بقواعد معينة في الكتابة ، إلا أنه وضع قاعدة منهجية لهذه الكتابة حددها في التحرر من القيود الخارجية أولا، ومن القيود الداخلية ثانيا، ويقصد بهذه الأخيرة التحرر من الرقابة الذاتية والميولات الشخصية الفكرية والسياسية، مؤكدا أنه لا سبيل إلى التحرر منها كليا في الوقت الراهن ، طالما وان الناس غير قادرين لحد  الآن أن يتصرفوا في حياتهم اليومية ومواقفهم المختلفة عراة كما لو كانوا منفردين، ومن الأكيد أن الدراسات الأنثروبولوجية والإنتاجات الفنية قد اشتغلت – وباهتمام – بموضوع العري الإنساني، وإن الإنسان العاري شكل منذ القديم موضوعا للإبداعات الفنية، غير أنه  رغم اهتمام الفلسفة في تاريخها الطويل بالإنسان، إلا أنها لم تتناول موضوع ” عري الإنسان ”  إلا بكيفية عرضية بخلاف الكتابات المعاصرة التي يصنف بعضها ضمن كتابات فلاسفة العري ككتابات اهتمت بموضوع الجسد العاري في أبعاده الفلسفية والجمالية، والتي تعكس موقف هذه الكتابات من الجسد العاري، ومن الحياة والإنسان.

   غير أن ذلك، لا يعني أن مفهوم العري الذي استعمله الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري ” يدخل ضمن مفهوم أولئك الفلاسفة المعاصرين، بل إن مفهوم ” العري ” و ” التعري ” قد استعمله الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري ” بالمعنى المجازي للكلمة للدلالة على التحرر من كل الأفكار المسبقة والميولات الذاتية، وهو ما يشبه الكوجيتو الديكارتي ، الذي يمسح الطاولة من كل أفكار مسبقة لدى الشخص ، الذي يريد تحصيل معرفة عن موضوع ما، كما أنه لا يبتعد عن مفهوم الفيلسوف التجريبي ” فرنسيين بيكون ” المتعلق بالتحرر من الأوهام الأربعة (الكهف والقبيلة والسوق والمسرح)، ونفس الأمر نجده لدى عالم الاجتماع ” إميل دوركايم ” الذي وضع من بين قواعد المنهج السوسيولوجي التحرر من الأفكار المسبقة، كما نجد ذلك أيضا لدى ” ليفي ستروس” في تأكيده بأن من أساسيات المنهج البنيوي الأنثروبولوجي “الشك الانثروبولوجي”، ويقتضي الوعي أولا بأن ندرس ظواهر مختلفة عن التي ألفناها، وأنه يجب التحرر حين الشروع في دراستها من كل ما لدينا عنها من أفكار مسبقة.

     واضح أن المضمون المنهجي للنص الذي كتبه الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري  في موقعه الإلكتروني على الإنترنيت، لا يختلف في العمق عن المضامين الفلسفية التي صدر عنها في كتابات مؤلفاته، وربما يكون الفرق في أسلوب الكتابة، حيث وظف المثال، واعتمد مجموعة من الصور المجازية في ذلك، وفي مقدمتها صورة ” العري ” التي ارتقت عنده إلى مستوى المفهوم، ويقصد به : الوضع الأمثل للمفكر المتأمل ، وقد تحرر من كل القيود الخارجية والداخلية.

    والأكيد أن أسلوبا كهذا الذي قدم به الفيلسوف ” محمد عابد الجابري ” تأملاته في الإنترنيت يمكن أن تكون له وظيفته البيداغوجية التوضيحية، وهي خاصية ميزت مجموعة كتاباته، وقد يكون هذا الاختيار، اختيار نشر تأملاته عبر الأنترنيت، واعتماد أسلوب المجاز في صياغتها، اختيارا يبرره توجه هذه التأملات إلى تحقيق التواصل الاجتماعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

    ومن الجدير بالإشارة هنا، الإقرار بأن كبار الفلاسفة رغم ارتقائهم إلى مستويات عليا من التجريد في صياغتهم لمذاهبهم الفكرية ، قد اعتمدوا مثل هذه الوسائل كمثال ” الكهف ” للفيلسوف اليوناني ” افلاطون ” ، وكمثال ” البذرة ” للفيلسوف الألماني ” هيجل ” ، وكمثال ” النظرة ” للفيلسوف ” سارتر ” ، وكمثال ” جسم بلا أعضاء ” للفيلسوف ” دولوز ” وغيرها من الأمثلة.

    إن تأملات الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري ” المشار إليها ، تلخص في نتائجها مجموعة النتائج التي يستخلصها القارئ لكتاباته المشكلة لمشروعه الفكري، لمحاولة فهم الأسس الاجتماعية والإبستيمولوجية للفكر العربي التراثي.

   الظاهر إذن، أن ما كتبه الفيلسوف المرحوم ” محمد عابد الجابري ” من تأملات في موقعه الإلكتروني على الإنترنيت كان يريد من خلاله التعبير عن كتابة تبغي التحرر من كل رقابة خارجية كانت أم داخلية ذاتية، وبعبارة أخرى كتابة مباشرة فورية دون سابق إعداد أو تحضير أو احتراس، ولا تتغيا أطروحة فلسفية تفرض مفاهيم وتجريدات ، بل كتابة تحاول نسيان ماضيها الفلسفي ، كما مارسه الفلاسفة في أطروحاتهم وبصرامة قواعد مناهجهم، إنها تحديدا كتابة بتفكير فيما هو أقرب إلى النفس، تفكير يتيح نوعا من الحرية الكاملة في ممارسة الكتابة كارتجالات وبكيفية ارتجالية.

شاهد أيضاً

المعرفة البيضاء

هايل علي المذابي هايل علي المذابي في سبيل فهم أفضل لما ينطوي عليه هذا المفهوم …

تعليق واحد

  1. المصطفى المعطاوي

    كنت أتوقع مقالا يسبر أغوار الارتجالية في المشروع الفكري للمرحوم. فثمة مؤلفات للدكتور يمكن الرجوع إليها لإبراز هذا النمط من الكتابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *