الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / الصورة الصحفية بين المصداقية والإقناع

الصورة الصحفية بين المصداقية والإقناع


عز الدين بوركة

(شاعر وباحث جمالي مغربي)

على ماذا تقوم الصورة الصحفية؟ وما الذي يميّزها عن غيرها من الصُّوَر: الصورة الفوتوغرافية، والفتوغرافية التشكيلية، والصورة الإشهارية…؟ وما مدى كونها صادقة فيما تقوم به من نقل للواقع؟ وأين تكمن خواصها عن باقي أنواع الصور الأخرى؟ وأين يتمثل مسعاها في التأثير ولإقناع؟

يُذكر عن سارتر قوله: الصورة الصحفية قد لا تعني لي شيئا على الإطلاق، وذلك يعني أنني أنظر لها دون أن تثير لدي أية “تساؤلات وجودية “. في حين أن الأشخاص الذين أرى صورهم هم بالتأكيد حاضرون في الصورة، ولكن بدون مكانة وجودية، تماماً مثل الفارس والموت، الماثلين في نقوش دورير Durer، ولكن بدون أن أعيرهما انتباهاً خاصاً. بالإضافة إلى ذلك تحدث حالات تتركه فيها الصورة في وضع من اللاَّمُبالاة، إلى درجة أنني، كما يقول، لا أتحقق حتى من كونها “صورة”. الصورة هي التآلف المُبهم للموضوع، والأشخاص في الصورة يتشكلون تماماً بصفتهم شخوصاً، ولكن فقط بسبب مشابهتهم للبشر، دون أي قصدية خاصة. يترددون بين مراسي الإدراك، ما بين العلامة والصورة، دون الدنو نهائياً من أيهما. إنها موحشة وباردة وبلا أي روح بهذا المعنى، إنها لا تثير أي تساؤلات وجودية، إنها لا تصنع الدهشة في عقل المشاهد، إنها تخبره فقط، وهي لا تمتلك ناصية التأويل بهذا المعنى الذي يذهب إليه ذلك الفيلسوف الوجودي.

إن الصورة الصحفية بهذا المعنى تجعلنا ندرك المشار إليه. لكن ما الإدراك هنا، إذن؟

تختلف تعريفات هذا المفهوم الشائك والمعقد، بين اعتباره العملية التي يقوم بها الفرد لاختيار وتنظيم وتفسير المعلومات التي تَحصّل عليها، لتحديد الصورة الشاملة لعالمه المحيط (فيليب كولتر). وكونه هو الفكرة العامة عما هو الشيء المقصود أو الطريقة التي نفهم بها ماهية هذه الأشياء. أو كونها هي العملية الاتصالية التي نستقبل بواسطتها المعلومات من خلال الحواس الإنسانية، نقبلها ونعطيها معنى (وليام ويلز). وذهب البعض لاعتبارها هي تلك العملية التي عبرها نصبح مُلِمِين بالأشياء. الأحداث عامة والناس على وجه الخصوص عن طريق حواسنا، الشم، التذوق، اللمس، السمع والبصر… (جوزيف دي فيتو). بهذا المعنى، فنحن، نقترب من وظيفة الصورة في استعمالاتها الصحفية. فالصورة الصحفية تجعلنا ندرك ما أدركه الصحفي المصوِّر وما يريدنا أن نراه من حقائق.

إننا إذن في مجابهة سؤال المصداقية إزاء هذا النوع التصويري، بل لقد أضافت الثورة المعلوماتية مع عصر الأنترنيت والصورة الافتراضية، نوعا من الريبة أمام تصديق الصورة المسماة صحفية، إذ إن التلاعب السهل بالصورة بواسطة الحاسوب وتقنياته المتطورة وبرامجه المبتكرة، وضع ضبابية كبيرة محيطة بأمر تصديق الصورة الصحفية، خاصة في العالم العنكبوتي.

تم استخدام الصورة أول مرة في الجرائد الورقية، كمكمل للنص المكتوب، باعتبارها إيضاحا له illustration، وتحديدا للفضاء أو الشخوص أو الأشياء التي يتحدث عنها. إنها نص مواز، إلا أنها ليست لغة، فهي غير قابلة للترجمة مثل النص اللغوي، كما أنها لا تتغير مهما نُقلت من لغة إلى أخرى رفقة النص، المقصود منها يظل واحدا.

لقد بتنا اليوم، لا نستطيع الحديث عن الصحافة الورقية، أو حتى الافتراضية دون وجود للصورة المرافقة للنص، الصورة الصحفية. لكن هل حينما أضع صورة فوتوغرافية، أو فتوغرافية تشكيلية، في نص باعتبارها مرافقا، تعتبر صورة صحفية؟

كم يبدو السؤال كبيرا وصعبا، لكني أزعم بقدر المستطاع، أنها تصير مكملة للنص وموضحة له، لكنها تظل محافظة على خواصها الفنية، ولو خارج الإطار الذي وضعت فيه أول مرة. فالصورة الفنية قد خَلقت سياقها مسبقا، وتركيباتها التي تمحو عنها أي تشابه مع الصحفية، من إشارة مباشرة، وجفاء وخلو من الإبداع.. إن المشاهد يدركها عند أول نظرة لما تحدثه في نفسه من تغيرات سيكولوجية.

 تهتم الصورة الصحفية، عكس الصور الفنية بعامل الراهن والآني  actuel، عامل الحدث. وتسعى بقدر المستطاع أن تكون صادقة فيما تعرضه، مبتعدة عن الانحياز. في الوقت الذي يجب أن تكون فيه ملائمة لسياسة التحرير.

عند هذه النقطة يحق لنا التساؤل، هل سنظل نتحدث عن “عدم الانحياز”؟.

إن ما يحدد ضرورة توظيف الصورة الصحفية، هو النص المحرر، إذ لابد أن تكون ملائمة لمحتواه، وشارحة له. إنها تضيف معانٍ لا تقدر الكلمات على وصفها أو إظهارها…

تسعى الصورة الصحفية، مهما كان مُتلاعَباً بها، أن تكون واقعية (صادقة في نسخها للواقع)، إنها بهذا تبحث عن أن تشير إلى الواقع باعتبارها هي الواقع. إنها بهذا تستدعي المتلقي للتصديق والاستيعاب. استيعاب ما تريده أن يدركه، فهي تخلق سردا ثابتا في الحاضر، ما يجعلها “غير زمنية”، فإنها لا تبحث عن المستقبل… المستقبل يرعبها، لأنه يعني التغيّر والتغيير. فالمحتوى في الصورة الصحفية في زمن الحاضر دائما.

لا ترمز الصورة الصحفية لشيء، ولا تستعمل تقنية التشفير. وإن استغلت أي أسلوب من أساليب الصورة الفنية، من إعادة توضيب الفضاء والإضاءة وغيرها، فهي تتلاعب بالأصل لصنع مصداقية شيء جديد يرجى منه أن يصير هو الأصل.

تعطي تقنية الكادراج (التأطير)، الصورة عموما، القدرة على التقاط المظهر الذي تريده، وتريد الإشارة إليه، وتريد المشاهد أن يراه، ما يجعلها تتلاعب بنفسيته. بهذا فالصورة الصحفية حينما تعمد إلى هذه التقنية، فإنما تريد إظهار حقيقة واحدة، حقيقة إيمان المتلقي بها، الإيمان هنا يحضر كمفهوم سيكولوجي، إنه التصديق بكامل الحواس. فحينما يتم التقاط صورة لشيء مثلا، فإنما يتم تصويره من جانب معين، جانب واحد بالتحديد، الجانب الذي تريد المتلقي رؤيته فقط.

كأننا هنا، نتحامل على الصورة الصحفية، وندعي أنها تتسم باللاَّمصداقية؟

لقد لعبت الصورة الفوتوغرافية دورها الرئيسي في تغيير الرأي العالمي، نحو ما هو إنساني، نذكر هنا صورة تلك الطفلة في فيتنام، وهي تركض عارية مصابة بحروق في كامل جسدها، أو صورة ذلك الطفل الياباني الذي يجري مذعورا من القنبلة النووية في أحداث نكازاكي… الصورة الصحفية هنا تَشُنّ إدانة كبيرة في الوجه “القبيح”، وتظهر الجانب الإنساني في المتلقي، تجاه أحداث المدمرة للإنسانية.

لكن ألا يمكن اعتبار أن الصحافة ولدت أول مرة صورا؟… أليست تلك الصور على جدار الكهوف، ما قبل التاريخ، هي صور توثيقية، صور إخبارية، تخبر بما تمت رؤيته، وما تم عيشه، وما تم فعله (اصطياده)، إنها عملية صحفية إذن !، كأني أقول إن “عصر الصورة” بدأ قديما مع إنسان الكهوف، أما ما نعيشه اليوم، فهو “عصر الشاشة”، الصورة المتحركة، أو الصورة الزمنية.

لقد تزامنت الصورة مع البدايات الصحفية المتقدمة، وتم توظيف الفنانين (الرسامين) في وقت لم تخرج فيه الصورة الفوتوغرافية بعد إلى حالة الوجود. كان الفنانون يقومون بالتصوير اليدوي، وذلك عبر إرسالهم إلى مكان الحدث، أو استعانتهم، بما يصفه الصحفي لهم، أو في نصه المُحَرَّر. أما الصورة التخطيطية فيتم حفرها على الخشب قبل طبعها على الورق. ويا لها من عملية طويلة وبطيئة !. هذه الطريقة التي يعتقد بعض المؤرخين أنها تعود لسنة 1836 وينسبونها إلى الصحافة الإنجليزية.

إن تدخل اليد الفنية في رسم وتخطيط الصور للخبر الصحفي، جعل منها تنزاح نحو الفنية، وسننتظر إلى حدود العقد الثالث من القرن الماضي، ليظهر تيار جديد، يدعو إلى الاهتمام بالقيم الإخبارية وبالخبر. ما جعل الاهتمام ينحو نحو الموضوعات التسجيلية وإهمال الجمالية، وباتت كل التقنيات الجمالية تأتي في المرحلة الثانية، إن لم نقل الثانوية… فما يجب الاهتمام به إذن، هو تلك القيم الإخبارية (الصحفية الصرفة)، وظيفة الصحافة الأولى. إنه انزياح يبتغي إعطاء الصورة الصحفية أكثر مصداقية ممكنة.

لكن هذا لا يمنعنا عن القول بأن الصورة الصحفية لا معنى لها بعيدا عن النص المرفق، إنها تحتاج للغة والكلام  parole، لإعطائها دلالة، ولكي يصير لها غاية. عكس الصورة الفنية التي تعد مستقلة بذاتها، إنها شيء في ذاته ولذاته، إنها موجودة بمعزل عن اللغة، إنها تقول ما تريد بطرق متعددة، بينما الصورة الصحفية لا تقول سوى ما نريدها أن تقوله… إنها تابعة للنص، كأني بها أمام جدلية العبد والسيد، حيث لا يصير للصورة الصحفية وجود إلا إذا اعترف بها النص.

إن الصورة الصحافية متاحة للجميع، تكشف عن نفسها بسهولة، عارية من أي سنن  codes، يمكن أن “يقرأها” أي شخص مهما كانت ثقافته، إنها بسيطة، و”ساذجة”. إنها “لغة” عالمية يفهمها الكل والجميع. وإنها تبلغ عن محتوى النص بسرعة، تخبرنا عما يريد النص أن يقوله. إنها تريد أن تقنعنا بما استطاعته من قوة، بما يخبر به النص. إنها الخطاب المرئي للنص، لأنه يحتوي على ما ليس مرئيا، ما يصعب إدراكه إلا بالعين المُجرَّدة.

إن الصورة الصحفية إذن، تسعى إلى الإقناع، مستعينة بخطابها المرئي. فهي توظّف أسالبها الحجاجية، المستمدة من زاوية ما يريد المرسل تحقيقه في “ذهنية” المتلقي”. فتلعب على أوتاره الفكرية والعاطفية، وحتى السلوكية. تشترك إذن، في خواص من خواص الصورة الإشهارية، من حيث المسعى لإحداث “سلطة” على المتلقي /المستهلك، فتدفعه إلى ردّ فعل معين “سلوك”، فالأولى تسعى إلى التعاطف والانفعال والتصديق، بينما الثانية الشِّراء والاقتناء. إنهما، إذن، يشتركان في أهم خاصية وهي السعي لـ”التأثير في مواقف المتلقي”.

شاهد أيضاً

في النقد والإصلاح الديني(2)

حسن العلوي نشير في بداية هذه الحلقة من سلسلة النقد، إلى أن الحاجة إلى الإصلاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *