الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / نيقولا هارتمان …. الوعي والوجود

نيقولا هارتمان …. الوعي والوجود

علي محمد اليوسف

تعريف اولي

يعتبر نيقولاي هارتمان (1882 – 1950) أبرز رواد الفلسفة المثالية الميتافيزيقية في النصف الاول من القرن العشرين, ويمتاز بنسق فلسفي منّظّم غير معّقد يحمل مدلولات واضحة تستهوي قارءه, فهو يعطي كل مفردة فلسفية معناها الحقيقي النافذ من غير ما حاجته الى نوع من التفلسف الغامض الذي يسحب القاريء الى مرحلة من التفكير المشتت الذي يفتقر قول شيء ذي جدوى يتواصل به مع المتلقي.,

يمتلك هارتمان مؤلفات عديدة في مباحث الفلسفة والميتافيزيقا. حيث أن مؤلفاته في الميتافيزيقا ذات طابع ممّيز يخرج عن التصنيف الفلسفي المتأرجح والمتذبذب بين تيارات فلسفية متعددة في الاقتباسات المتداخلة فيما بينها, ومن أشهر مؤلفاته (مشكلة الوجود الروحي ) عام 1933م, وقد تأثر بأرسطو كثيرا. وفي الوقت الذي يتجاوز هارتمان فلاسفة القرن التاسع عشر جميعا, فهو حارب الوضعية والمذهب الذاتي والنزعة الميكانيكية والمادية, كما نجده بنفس الوقت الذي أدان فيه فلسفة الحياة وفينامينالوجيا هوسرل, ينحاز الى (الواقعية المثالية) مقصّيا مثاليته عن الابتذال كما هي عند بيركلي مثلا, في أختراع هارتمان فلسفة مثالية واقعية تقترب كثيرا من المادية لكنه يبقى محسوبا رائدا في الفلسفة الميتافيزيقا  ومجمل طروحاته ومؤلفاته الفلسفية.(1)

هارتمان والواقعية الفلسفية

في أسلوب فلسفي ممّيز سهل ممتنع  ينفرد هارتمان عن فلاسفة الوجودية قوله ( أن جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم , بل بشيء ما)(2) . هذه العبارة التي تحاشى الانزلاق بها فلاسفة الوجودية الميتافيزيقيين وفلاسفة الفينامينالوجيا يتقدمهم هوسرل, أنهم جميعا كانوا يعتبرون التفكير ب(العدم) ممكنا في وعي وجود محايث له يسيرمعه ويلازمه نحو عدم حتمي لكليهما, فيكون أدراك العدم بالمحايثة الموضوعية لوجود مغاير له يوازيه في المسار المشترك لكليهما نحو الفناء.بل أن العدم في الوجودية يلازم الموجود في داخله وليس محايثا موضوعيا وجوديا له يسايره منفصلا عنه في التوازي معه.

من الضروري الاشارة الى هذا المفهوم للعدم عند هيدجر وسارتر أن العدم ليس موضوعا لوعي ذاتي مفكّر يدركه لكن يمكن للفكر التجريدي به أستدلاليا في معرفة غيره من الموجودات التي يمكن أدراكها والعدم لاوجود في الدلالة على موجود, ولايلتقي هذا بمفهوم هارتمان في أعتباره العدم هو لاوجود لا يمكن ادراكه ولا يمكن التفكير به,.كما يعتبر هيدجر العدم هو الذي يؤسس (النفي) وليس العكس ويعتبره وجودا (منطقيا), أي وجودا تحتاجه بعض مباحث الفلسفة ولا تستطيع تحديد معالمه وكينونته كموضوع يدرك .

 الوجودية تعتبر العدم لاوجود لموجود لكنه لاوجود حدسي أستدلالي غير موضوعي فهو داخل كل موجود ويعمل على أفنائه. الفرق الوجودي لمفهوم العدم في الوجودية هوأنه أمكانية أستدلالية حدسية في أمكانية الفكر التفكير بالعدم تجريديا وليس في أدراكه أو حدسه موضوعيا, أي بما هو غير مدرك كموضوع أو موجود يعيه الفكر , وليس كما ذهب له هارتمان بأن الوعي لا يمكنه التفكير بالعدم من حيث نفي أمكانية أدراكه حتى على المستوى الفهم الفكري التجريدي أو المعرفي, كما ذهبت له الوجودية في خلاصها من تحديدها ماهو العدم؟.

فالعدم عند أقطاب الوجودية هيدجر وسارتر هو لاوجود (منطقي) تختص به الفلسفة أكثر من أهتمام العلوم الطبيعية أو غيرها به. والعدم يلازم الوجود في داخله ويقوده نحو فنائه المحتوم في فناء موجوده الملازم له….وبحسب هيدجر أو سارتر لا فرق فالموجود (الانسان هناك) وجود محكوم بالحتمية العدمية له…بمعنى الموجود هناك لاموجود حقيقة طالما يدركه العدم في أفنائه.بهذا المعنى أو قريبا منه ذهب فلاسفة الاغريق القدماء أن الانسان يموت لحظة يولد. وكل مايأتي للحياة مآله الفناء وما لا يأتي الحياة لا يطاله موت وهذا ما عمدت الوجودية على أستنساخه بطبعات متعددة بالفكر الفلسفي ..

ويوضّح هارتمان بأسلوبه الفلسفي الرشيق قوله (أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا, فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حّلا لما هو غير قابل للحل, والميتافيزيقا تعني اللاعقلي, واللاعقلي غير ممكن المعرفة, ومع ذلك فأن كل موجود يمكن أدراكه ومعرفته من جانب ما) (3) .

بهذه العبارات يؤكد هارتمان الخطأ الذي نتداوله كبديهة أو معلومة فلسفية مسّلما بها أن مباحث الميتافيزيقيا الفلسفية والعلمية أيضا لا تستطيع معالجة الاشياء كموجودات غير متعينة في ما وراء الطبيعة, التي لا يدركها العقل, واللاعقلي غير ممكن معرفته, وهذا ما تقاسمته الميتافيزيقا مع جميع فلاسفة المثالية والمادية على السواء في أقرارهم هذه المقولة التي أستمدوها من اللاهوت تماشيا مع الايمان الديني قلبيا. وليجعلوا من مباحث الفلسفة مفهومات تتوازى مع الفكر الديني وتتحاشى التقاطع معه. ولم يكن التمييز واضحا بين نوعين من الميتافيزيقا, أولهما ميتافيزيقا تعنى بالموجود بما هو موجود في الحياة, والثانية تعنى بالمصيرالانساني أو الانطولوجي بما هو وجود – لاموجود في ما وراء الطبيعة الذي تكون مباحث الدين واللاهوت والغيبيات من ضمن أهتماماتها الاساس في هذا المنحى من الميتافيزيقا.

يقول هارتمان( أن العقل العارف – عقل المعرفة –  يتجه في الاتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيات)(4) هنا يعمد هارتمان في جعله المعرفة والماهية مدلولين لمعنى واحد. أمام هذه المقولة الفلسفية منذ كانط في القرن الثامن عشر تم التبشير الفلسفي بمسّلمة لم ينفع معها النقد الفلسفي لاقصائها, تلك هي أن العقل الذي يعي ويدرك أمتلاكه المعارف, يتوازى في عدم قدرة العقل أدراك ماهيات الاشياء في ذاتية وجودها الطبيعي في عالم الاشياء, فالماركسية برصانة أفكارها الفلسفية  لم تستطع أقصاء وتبديل هذا الفهم الخاطيء, في أعتبارها – أي الماركسية –  أنّ الموجود يدرك حسيّا بماهيته وجوهره معا.. .وأن الموجود وحدة واحدة من الادراك به, وأن ما نعتبره ظواهر لموجود هي جزء من محمولات ماهيته. ولا أهمية تبقى في البحث عن ماهيات لا تدركها الحواس ولا يعيها العقل كموضوع متعيّن كما يذهب له فلاسفة المثالية.الماهية أحيانا تكون نوعا من الميتافيزيقا في غموضها الدلالي الذي يصعب أدراكه حسّيا عقليا.

وأن قدرة العقل منذ فلسفة ديكارت أكدت وجوب أدراك الظواهرعلميا فقط وليس هناك معنى لمعرفة الماهيات بالفكر الفلسفي او المنطقي التجريدي, وأعتبرت الماهية كما يذهب هارتمان هي معرفة تخص مباحث العلوم الطبيعية , وبقيت هذه المسّلمة الفلسفية الزائفة الخاطئة سارية المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة , وفي الفينامينالوجيا …. رغم أن الفينومينالوجيا عاكست الوجودية والماركسية في أعتبارها الماهية سابقة على الوجود في الاهمية الانطولوجية معتبرة نفسها فلسفة ماهيات أولا لا فلسفة وجود. وبقيت كل من الوجودية والماركسية متمسّكتان بأن الوجود يسبق ماهية الشيء. وذهبت الماركسية أبعد من ذلك حين نادت أن لا وجود حقيقي لشيء يمكن أدراكه بماهيته بل تكفي معرفة وجوده الطبيعي في ظواهره المحسوسة كموجود  في عالم الاشياء .

وجوهر فهم هارتمان  للميتافيزيقا(أنها ليست علما بل هي مجموعة من الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها)(5) . هذه العبارة الفلسفية الرشيقة الموجزة يلخّص بها هارتمان جوهر الفلسفة منذ سقراط وقبله السفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد من حيث كانوا يعتبرون الميتافيزيقا هي الانطولوجيا وليس مباحث ماوراء الطبيعة, من حيث أن الفلسفة هي أندهاش متسائل في معنى الحياة والوجود, معبّرا عنه في سلسلة من التساؤلات المترابطة عبر تاريخ الفلسفة التي تكون الأجابة عنها لا تحمل حلولا بمقدار أنتاجها تساؤلات فلسفية جديدة منبثقة من عمق التساؤلات القديمة, وأن الفلسفة سلسلة من التساؤلات التي لا تعطي حلولا لها بقدر أستيلادها تساؤلات جديدة مستمرة على مر العصوروهكذا..فالفلسفة في جوهرها تساؤلات وليست أجوبة لها.

ميتافيزيقا الواقع والوعي

يعالج هارتمان مسائل الوجود الميتافيزيقي بأسلوب فينامينالوجي واقعي كما في منطلقاته الفلسفية التالية:

  1. الموضوع يقوم داخل الوعي فلا يمكن أن يكون هناك وجود (قائم بذاته) /هارتمان(6)
  2. 2.    التقابلية معناها ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات. /هارتمان(7)
  3. 3.    القيمة والمعنى في العالم لا يمكن تفسيرهما الا في وجود الذات, وأهمية القيمة والمعنى أنها توجب حضور ذات تدركها وتمنح القيمة والمعنى لموضوع. /هارتمان(8)
  4. العقل الذي يتعدى الوعي ويربطه الى الموجود بذاته مستقلا عنه , أي عن الوعي . /هارتمان(9)
  5. 5.    أن تعرف معناه هو أن تدرك الموجود بذاته, وعلاقة المعرفة هي علاقة بين الذات الحقيقية والموضوع بذاته. /هارتمان(10).

لمناقشة بعض هذه الآراء, نجد أهمية علاقة الذات بالموضوع من جهة وبالمعرفة من جهة أخرى عند هارتمان لا تخرج عن الفهم المادي الكلاسيكي الميكانيكي الذي ينّظّم تلك العلاقات, بفارق جوهري مهم أن هارتمان يربط الوعي بالمدرك المادي(الموضوع) في محاولة أعطاء (الوعي) دور (العقل) بعلاقته بالموضوع…. بخلاف الفهم أن الوعي يكتسب ماهيته من العقل لكنه لا يأخذ دور العقل في التفكير الوظيفي المرتبط بالدماغ والجهاز العصبي… الوعي عقل تجريدي والعقل جهاز عملي وظيفي ولنا توضيح لاحق لهذا.

من جهة أخرى أن هارتمان يخرج على كل من الوجودية والمادية وفينامينالوجيا هوسرل حول مفهوم (الوجود بذاته) في علاقته بالوعي. فهو بخلافهم جميعا يطرح أمكانية أدراك الوعي للموجود بذاته. وهو ما تنكره عليه كل من المادية الماركسية , والوجودية عند هيدجر وسارتر, التي أقتصرتا وحصرتا الفهم العقلي في ظاهرات الموجودات فقط وليس معرفة جواهرها الماهوية في الموجود بذاته. واعتبروا الموجود بذاته لا أهمية له.

 كما أن هارتمان أعطى في منتصف القرن العشرين  تمييزا فلسفيا واضحا لمبحث فلسفي هام أن المعرفة (مكتسبة) في الوعي الخارجي وليست (معطى) قبلي في الادراك العقلي…وليس كما يذهب له كانط وفلاسفة الحياة وبرجسون.

ولنا توضيح أكثرأن ليس من مهمة الوعي تخزين مدركاته المعرفية داخله كما يحاول هارتمان التلويح بذلك. العقل وحده له القدرة والقابلية على تخزين المعارف في الذاكرة التي هي وعي تراكمي خبراتي مدخّر بالتجربة والاكتساب المعرفي وبهذا المعنى فقط يمكننا اعتبار المعرفة معطى قبلي للعقل مكتسب في التجربة والخبرة التراكمية. وبذلك تصبح هذه المدخّرات معارف قبلية تساعد العقل في تفسيره مباحث الوجود والحياة… فالمعرفة كما ذهبنا له هي خبرة مكتسبة بالحياة وليست وعيا معطى فطريا بالولادة… والوعي تعبير عن تفكير العقل وليس الحلول محله في وظيفته المعرفية والادراكية. بموجز العبارة الوعي لا ينوب عن العقل مثلما لا تستطيع الحواس ذلك في الأنابة عنه أيضا. الوعي على خلاف الحواس في علاقته بالعقل, فالحواس أدراك مادي للاشياء تدخل في علاقة عضوية وظائفية مع العقل عبر الجهاز العصبي والخلايا الدماغية, بينما يكون الوعي الادراكي تفكير تجريدي لا يدخل في علاقة وظائفية مع العقل باستثناء أنه تعبير لما يمليه العقل من ردود أفعال عن الموجودات. ويكون الوعي تعبيرا مفاهيميا معرفيا مجردا مصدره العقل, بينما العقل ليس مصدره الوعي, والعقل جهاز وظيفي نظري وعملاني معّقد في التعامل مع معطيات ادراكات الاشياء في عالمها المادي وأعطاءه تفسيرات لها.

علاقة الوعي بالعقل تشبه علاقة الفكر باللغة من حيث التعالق الوظيفي المتبادل. فالوعي والعقل هما شيئان لمعنى واحد في المعرفة والادراك, كذلك الحال مع الفكر واللغة هما شيء لمعنى  واحد في التعبير , لكن يبقى الوعي هو غير العقل, كما تبقى اللغة هي غير الفكر. ويبقى التعالق بينهم جميعا, الوعي, الفكر , اللغة , العقل, علاقة متداخلة لا تستطيع الفلسفة المجردة فك الاشتباك بينهم ولا يمكن التفريط  او الاستغناء عن هذه العلاقات المتشابكة التي يتداخل بها الحسّي مع العقلي مع النظري ومع العملاني..

الوعي والمدرك الانطولوجي

هارتمان فيلسوف أعطى المثالية غطاءا معلنا ومنظورا تماما أخذه عن الفلسفة المادية والوجودية على السواء. بمعنى أنه ألبس مثاليته لبوسا ماديا واقعيا كما سنرى, لذا نجد من الصعوبة تفسير مفاهيمه الفلسفية على أنها تعتمد المنهج المثالي الواقعي في الفلسفة من غير التطرق الى مداخلاتها مع الفلسفات المادية والوجودية.

الفقرة الاولى السابقة التي أشرنا لها, لهارتمان في تعبيره أن الموضوع يقوم داخل الوعي, وأنه لا موضوع يمكن وجوده خارج أدراك الوعي له تصيب الفلسفة الوجودية والكانطية والفينامينالوجيا وحتى الماركسية في مقتل مثالي, , في مثالية واقعية, أقدم عليها هارتمان في محاولته أضفاء نوع من المادية على الوعي المثالي الواقعي. الوعي لايكون موضوعا ماديا مدركا لمواضيع مادية غير التي يشترك مع العقل في ادراكها والتعبير عنها, ولا يكتسب الوعي ماديته في وعيه لموضوعه المادي, فالوعي تعبير معرفي.

هنا نجد وهي وجهة نظر ليس الا أن التعبير اللغوي يرتبط بالوعي أنه لا وجود لموضوع خارج أدراك الوعي , وهي أشكالية لغوية في التعبير وليست مسألة فهم معرفي أو منطق فلسفي سنوضحه حسب فهمنا.

اذا ما تماشينا مع مقولة هارتمان أن الموضوع يقوم داخل الوعي(وهو خطأ في التعبيراللغوي ) وتكون صحيحة أن الوعي يدرك الاشياء, فالوعي أدراك تجريدي للموجودات وليس مستودعا موضوعيا لتخزينها….أي أن الموضوع داخل الوعي هو مدرك معرفي مجرد, يعجز التعبير عن نفسه ,  ويمكن قياس مادية الموضوعات بأحتواء الوعي المثالي غير المدرك موضوعيا لها, الوعي الذي يعجز حمل موضوعات أدراكه في ماهيته,  مهمته الاساسية هي نقل المدركات الحسّية وغير الحّسية للعقل فقط, ويكتفي الوعي توصيله موضوعات الأدراك للعقل وتعبيره المعرفي عنها باللغة , العقل لا يفكر بالوعي ولا بالحواس فقط وأنما بعمل الدماغ والجهاز العصبي , لكن الوعي لا يعمل خارج أرتباطه بالحواس و بالعقل. الوعي تعبيرتجريدي عقلي معكوس متمايز عن تعبير اللغة والفكر تجريدا عن الاشياء أيضا..

الصحيح الذي نراه هو بخلاف مقولة هارتمان أن العقل يدخل مواضيعه المدركة في ذاته أي في أحتوائها ومعالجتها, وهذا لا يشابه الوعي الذي يدخل مواضيعه في أدراكه العقلي لها, الوعي هو وسيلة تعبير أدراكي ينوب أحيانا عن الفكر واللغة في أدراكهما المواضيع خارجيا… الوعي يدرك الاشياء معرفيا وحسيّا متداخلا لكنه عاجز عن التعبير عن مدركاته في العالم الخارجي بلغة مجرد منها لا يمتلكها, ويحتفظ الوعي بمدركاته وتوصيلها للعقل داخل صمت العقل في الوعي والفكر واللغة…لأن التعبيرعن المدركات في عالم الاشياء الخارجي هو وظيفة (الفكر واللغة ) فقط وليس من مهام الوعي بها. الوعي ادراك عقلي متداخل لا يستطيع التعبير عن موضوعه بغير واسطة الفكر واللغة.

نجد من ألمهم تأكيدنا لأكثر من مرة خطأ عدد من الفلاسفة وفلاسفة الفينامينالوجيا أنهم ينصّبون من (الوعي) (عقلا) ثانيا في معالجة المدركات, وليس الوعي واسطة أدراك معرفي للعقل. الوعي جزء فاعل في فهم العقل لمدركاته ومواضيعه, بينما لا يكون العقل في معالجته تلك المدركات تابعا للوعي. وعي الشيء ليس التفكير به نيابة عن العقل,. وكما من الممكن أن تكون اللغة هي الفكر, ممكن ان يكون الوعي تعبيرا صامتا عن العقل. تعبير الوعي عن مدركات العقل خارجه لا يتوّسل غير الفكر واللغة.لأن الوعي والعقل يمتلكان لغة الصمت التفكيرية داخل العقل صوريا ولا يمتلكان قابلية الفكر واللغة التعبير عن الاشياء كموجودات في العالم الخارجي.

الوعي لاينوب عن العقل في الادراك بينما لا يستطيع العقل أستغنائه عن أعتماده الوعي وسيلة تواصلية به.الوعي أدراك تسبقه المحسوسات ومن قبلها الوجود, لكنه لا يتجاوز قدرات العقل في فهمه مواضيع الاشياء في الطبيعة. صحيح أن نقول الوعي هو حصيلة العقل في الادراك, لكنه ليس هو العقل في تخليقه الاشياء وتفسيرها, الواردة له وأعطاء ردود أفعاله عنها التي هي من عمل الدماغ المرتبط بالعقل أكثر من أرتباطه بالمدركات تجريديا في وعيها.

أن الوعي الذاتي يلعب دورا مزدوجا على أكثر من صعيد في تعالقه مع العقل من جهة , ومع المحسوسات والمدركات في الطبيعة من جهة اخرى, وأخيرا في علاقته كوعي بالفكر واللغة. كل هذه العلاقات الشائكة المتداخلة محورها الوجود المادي للاشياء في الطبيعة اولا.. والوعي المستمد من الحواس  لمواضيعه ادراكيا ثانيا.

لا يتسّع المجال معي الاستطراد أكثر في شرح تفاصيل هذه العلاقات المتداخلة مع بعضها بما يبعدنا عن أصل الموضوع في التعريف بالمنهج المثالي الميتافيزيقي الواقعي لهارتمان.لكن السطور القادمة ستشرح الكثير من هذه العلاقات المعقدة.

الوعي الانطولوجي

غياب الوعي بالشيء تصوريا أو ماديا تجريديا لا يعدم وجوده المستقل ماديا عن الذات في أدراك الوعي له أو في عدم أدراكه له. الوعي وسيلة العقل الادراكية والمعرفية في نقله صور الاشياء في تجريد لا مادي يماثل ولا ينوب عن مهمة الفكر واللغة في تجسير علاقة الموضوع بمدركه العقلي ,والموجود القائم بذاته لا يحدد وجوده المادي حينما لا يكون من محتويات الوعي بداخله كما يذهب هارتمان , فالموضوع أو الشيء يمتلك وجوده المادي المستقل في معطى الطبيعة له كموجود مستقل وليس في (الوعي) الادراكي  له وجودا في عالم الاشياء.

وجود الاشياء في الطبيعة باستقلالية يكون سابق لادراكها وعيا عقليا معرفيا وحتى حسّيا أيضا, سواء أدركها الوعي أم لم يدركها. يمكننا القول أن وعي الموجود هو أدراكه حسّيا ومعرفيا عقليا, لكن من الخطأ التصور أن ينوب الوعي عن العقل في فهمه وتفسيره وتخليقه للموجودات داخل الدماغ والجهاز العصبي.

الوعي أقرب الى الحواس في أدراكها الاشياء, وأبعد من الحواس في تداخلها بعمل العقل أكثر من نقلها المعطيات الادراكية الحسية الى العقل بوسيلة الوعي المجرد بالاشياء. الحواس ما يعيبها أنها ادراك خادع صادر عن الموجودات والاشياء في استقلاليتها بالعالم الخارجي, والوعي (ثقة) معرفية أن جاز التعبير لان مصدر الوعي هو العقل وليس معطيات الحس الخارجي للاشياء التي هي وظيفة الحواس.

بعبارة توضيحية أكثر فأن الوعي لا ينوب عن معطيات الحواس, ولا ينوب عن العقل في فهمه وتخليقه والتعبيرعن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي بعد أعادة تخليقه لها في الدماغ أولا….الوعي يمكنه التداخل الوظيفي مع الحواس في الادراك, لكنه يعجز عن المداخلة الوظيفية في عمل العقل في تخليقه التفسيري للاشياء المنقولة له الواصلة اليه.

وبهذا يمتاز الوعي بالتجريد التعبيري على أساس أنّه ادراك (مثالي) غير موضوعي ولا  هو مدرك موضوعي بعكس أدراكات الحواس والعقل التي تكون ادراكاتها (مادية). الوعي يدرك الذات والمواضيع والاشياء, لكن لا يستطيع أيّا من هذه الموجودات الانطولوجية أدراكها الوعي بأستثناء العقل فقط فهو القادرعلى ذلك كون الوعي نتاج العقل وليس العقل نتاج الوعي…الوعي يلتقي مع الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء في وجودها وفهمها تجريديا, ولا يلتقي مع الحواس في أدراكهما المادي للاشياء الا عبر العقل الذي يمنح المعرفة الحقيقية للوعي.

نوّد هنا توضيح الفرق بين علاقة الوعي بالعقل وعلاقة الفكر واللغة بالعقل في أدراك المواضيع والاشياء في الوجود.

الوعي بالشيء الموجود لا يسبق أنطولوجيته في عالم الاشياء باستقلال تام عن الوعي به بواسطة مدركات الحواس, وفضيلة ومهمة الوعي هو أدراكه لما تدركه الحواس والمخيّلة والذاكرة. في نقلها المواضيع المدركة حسّيا الى العقل وتنفيذ تعبيره عنها , يلي ذلك بعد تخليق المواضيع المدركة في العقل يكون وسيلة العقل في التعبير عن مواضيعه التي تم أدراكها في وجوب التعبير عنها يكون هو الفكر واللغة اللذان يكوّنان جوهر الوعي العقلي للاشياء … وهذا دوريقوم به الوعي في تعالقه مع العقل وفي تعالقه مع التعبير الفكري – اللغوي….وليس من مهام الوعي أدخال موضوعاته في ذاته الادراكية ولا قدرة له على ذلك لأن المواضيع ومعالجتها من أختصاص العقل وظيفيا حصرا وليس من مهام الوعي بها الذي يجانس عمل الحواس في عدم امتلاكهما قدرات العقل الاعجازية…..

الموضوع من مهام العقل في فهمه وتفسيره وليس من مهام الوعي الادراكي له الذي هو نتاج عقلي, الوعي لا يدرك الاشياء في الطبيعة ليحتفظ بها لنفسه بل يدركها بعد توصيلها للعقل ومنه ليمنحها تخليقها الجديد وتفسيرها والتعبير عنها بالفكر واللغة…والوعي تبقى مرجعية فاعليته هي العقل الذي لا يستطيع الوعي الأنابة عنه. وعي الاشياء تجريديا هي جزء من عمل العقل, كما تكون معطيات الحواس ماديا جزءا من عمل العقل ايضا. وبغير مرجعية العقل لا يبقى هناك أهمية تذكر لا للحواس ولا للوعي. ويبقى الوجود محتفظا بوجوده في الطبيعة فقط في غنى عن أدراك الحواس له والوعي الموضوعي له وتناول العقل تخليقه أذا لم يكن يمتلك أهتماما انسانيا وحاجة في معرفته.

كيف نفهم الانا ذاتا وموضوعا في وقت واحد؟

في تداخل الذات والموضوع في الوعي عند الانسان فأمر الادراك مختلف جدا وسيأتي توضيح هذا لاحقا, وعي الذات في أدراكها موضوعات وموجودات الاشياء في الطبيعة غير الانسان, أي في ذاتية الوعي غير المدركة والتي لا تدرك الا بموضوعها, فالوعي غير موجود من غير ملازمة موضوعه له لكن وجود المواضيع المستقل بالطبيعة لا يلزم عنه ملازمة الوعي لوجودها وأدراكها, واذا أستعرنا منهج الفينامينالوجيا فيكون الوعي قاصرا في أدراك الشيء بذاته في ماهيته, لأن الوعي الفينامينالوجي يدرك ظواهر الاشياء فقط رغم ادعاءات  الفينامينالوجيا أنها فلسفة ماهيات وليست فلسفة انطولوجيا كما تذهب له الوجودية أنها فلسفة وجود أمام الفينامينالوجيا فلسفة الماهيات.

أن محاولة هارتمان جعل الوعي وجودا ماديا يجانس بادراكه الموجودات المادية في الطبيعة هي محاولة عقيمة فالوعي ليس عقلا ثانيا. والوعي يبقى وعيا مثاليا تجريديا حتى في حال أدراكه المواضيع المادية التي لا تكسبه ماديتها هي بمقدار خلع الوعي مثاليته الصورية عليها في توصيلها كمدرك عقلي معرفي مجرد وبذا ينتهي دور الوعي. الوعي مخلوق العقل كفهم وفكرولغة ولا امكانية مستقلة  له في الحلول محل العقل في تخليقه الاشياء المدركة في الدماغ في عملية معقدة تكون نتيجتها الوعي .

الوعي الذاتي للاشياء يبقى وعيا مثاليا تجريديا غير مدرك موضوعيا مهمته نقل المدركات للعقل, والفكر واللغة هما اللذان يعطيان المدرك في الوعي عقليا ماديته أم مثاليته في تخارج معرفي بارتباطهما بالعقل, الوعي لا ينوب عن العقل في الادراك, كما أن الوعي لا ينوب عن الفكر واللغة في تعبير العقل عن الاشياء.

لماذا يبقى الوعي  تجريدا مثاليا في أدراكه موضوعاته المادية؟؟

من المهم التأكيد على أن الوعي يبقى مثاليا بمعنى التجريد سواء أدرك موضوعاته المادية أو موضوعاته المثالية على السواء لأن الوعي اولا واخيرا وسيلة العقل التجريدية في المعرفة والادراك… في ادراك الوجود تجريديا وليس عقلا مستقلا ثانيا نتعامل معه على وفق تطويعه الاستجابة لمفاهيم الفلسفة.

الوعي لا يكتسب الصفة المادية في أدراكه الموجودات المادية في الطبيعة,لأن كل وجود مادي يسبق الادراك به ويظل محتفظا بصفاته المادية التي هي صفات ظاهرية وصفات ماهوية لا يستطيع حتى العقل في حال أمكانية ادراكها التلاعب بها او تغييرها , وأنما يكتفي العقل من خلال أدراكه الموجودات أعطائها تفسيرا وفهما جديدا لها في وعي معرفي, والفكر الصادر عن العقل حول الاشياء التي أدركها العقل يبقى هو الآخر عاجزا عن تغيير الموجودات ألا بفعل صادر عن أرادة انسانية في وجوب تنفيذ توصيات العقل في وجوب وأهمية التغيير في الموضوع المدرك… ولايكون الفكر واللغة الا تعبيرا أجرائيا عما يريد العقل تنفيذه.

في مقولة هارتمان الذي يرى بها( أنه ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات) تعبير صائب ومقولة فلسفية واسعة الدلالة بالنسبة لموجودات الطبيعة جميعها ما عدا الانسان كونه ذاتا وموضوعا لأناه وموضوعا للانسان من نوعه فقط.

ولكن ليس بمعنى أن كل موضوع أو موجود في الطبيعة ملزم بادراك الذات له لأن في ذلك أستحالة وجودية, فالذات تدرك من الاشياء في الطبيعة ما يقع ضمن أهتماماتها بها واحتياجاتها لها فقط, وليست ملزمة في أدراك كل المواضيع في الطبيعة وعالم الموجودات في محيطها فهذا غير ممكن اطلاقا., فألى يومنا هذا يوجد ما لايمكننا حصره من موجودات ومواضيع في الطبيعة لا نهائية و لا تقع ضمن أهتمامات الانسان أدراكها او حاجته لها, لذا هي خارج الوعي بها كما لايحتاجها الانسان أدراكيا في حياته.

لكن مقولة هارتمان تمتلك كل الصواب أنه لا يمكن لموضوع أو شيء في الطبيعة لا تستطيع الذات الوصول اليه في أدراكها له…الاشياء وموجودات الطبيعة في لا نهائيتها هي مواضيع ادراك الذات لها في كل وقت ومكان, وليس من موجود لا يكون موضوعا مدركا لذات.

وميزة عبارة هارتمان في عدم وجود موضوع لا تدركه الذات. ميزتها الاكبر من حجمها أنها تنسف جميع آراء فلاسفة الميتافيزيقا والفينامينالوجيا باختلاف جوهري عن باقي المدركات لدى هوسرل , وتلتقي بماديتها مع الوجودية التي غالبا ما تمتح مفاهيمها الفلسفية من المادية الماركسية.

صحة وصواب مقولة هارتمان تماما كون الذات لا تكتسب قيمتها وحقيقتها الانطولوجية من غير وعي أدراكي يتوسطهما. أي وعي يتوسط الذات والموضوع بمعنى التداخل في كليهما وليس الانفصال عنهما.

أما في حالة وعي الذات لموضوعها الملازم لها الذي هو وجود الانسان , فهي أيضا مقولة صحيحة أمام مقولة كارل ياسبرز الوجودية الخاطئة قوله (الموجود ليس كائنا, أنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي) كون الانسان ذات وموضوع معا, وحجّة هارتمان الصائبة أنه يذهب في مقولته بالفقرة ثانيا التي أشرنا لها, تتلخص أن الانسان وعي ذاتي – موضوعي لوجود يدرك وعيه لذاتيته بنفس أدراكه وجوده كموضوع له / بمعنى الانسان يعي ذاته ويعي كينونته كموضوع مدرك من قبله معا.

وهي ميزة لا يتوفر عليها أي موجود في الطبيعة, فالانسان لا يمكننا التعامل معه أدراكيا بمنهج فينامينالوجي أي مظهر وجوهر, فهو ذات وموضوع يتبادلان الادراك في مجانسة بيولوجية واحدة في أناه كوجود مادي موّحد. والانسان الذي نتعامل معه كذات هو نفسه موضوع لمدركه الذاتي في وعيه لوجوده كموجود عاقل ومفكر.الانسان هو الموجود الوحيد الذي يدرك وجوده ذاتيا وموضوعيا, ويستطيع أدراك أناس عديدين غيره يكونون مواضيع مدركة له وبدوره يكون موضوعا مدركا لهم ..فموجودات الطبيعة الجامدة لا تبادل أدراك الانسان لها على العكس من الانسان الذي يعي أدراك الاخرين له من غير موجودات الطبيعة كالحيوان والنبات والاشياء الاخرى.

الوعي الانساني وعي ذاتي في أدراكه وجود الانسان كموضوع, ولا يستطيع الانسان كموضوع أن جاز لنا تجريده الافتراضي عن وعيه الذاتي أدراك وجوده المتعيّن بلا وعي ذاتي ملازم لوجوده. بمعنى أن الانسان في الوقت الذي يكون فيه وعيا لموضوعه, فهو بالناتج والمحصلة الاخيرة أنما هو وعي يمارس وعيه ل(أناه) ولموضوعه كوجود جسدي متعدد الابعاد يدركه ذاتيا , وهذا الادراك متجانس نوعيا بمشتركات وعيه من قبل أنسان من نوعه فقط. الانسان كونه يمتلك تمايزا فريدا ممثلا في وعي ذاته لأناه, ويستطيع أدراك ذاته له كموضوع أيضا. في حين لا يمتلك أيّا من كائنات الطبيعة وعيا ذاتيا يمكنه وعي وجوده الذاتي كي يعي وجوده كموضوع لذاته معا كما يفعل الانسان.

علي محمد اليوسف /الموصل

الهوامش

  1. أ.م. بوشنكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ ترجمة د. عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة 165/ ص 278
  2. نفس المصدر الصفحة ص 279
  3. نفس المصدر ص 279
  4. نفس المصدر ص 280
  5. نفس المصر السابق ص 281
  6. نفس المصدر السابق نفس الصفحة
  7. نفس المصدر السابق  نفس الصفحة
  8. نفس المصدر السابق نفس الصفحة
  9. نفس المصدر السابق نفس الصفحة
  10. نفس المصدر السابق نفس الصفحة

شاهد أيضاً

صدر حديثا كتاب: حرفة الفيلسوف

صدر حديثا كتاب: حرفة الفيلسوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *