الرئيسية / منتخبات / عامة / الحرية المستحيلة: لماذا لا يكون الفقراء أحرارًا؟

الحرية المستحيلة: لماذا لا يكون الفقراء أحرارًا؟

محمد علواني

الحياة حفلة تنكرية وجميعنا ممثلون؛ جميعنا نمثل أننا نحن ما نفعل، في حين أننا، في أغلب الأحوال، لسنا كذلك على الإطلاق؛ فالاختيار أساس الحرية وجملة ما اخترته (أنت كما أنا) منسوبًا إلى ما لم تختره لا يُذكر ولا يُرفع له رأس. فأنت تحمل اسمًا لم تختره، وتعبد إلهًا قد تكون غير قانع به، وتعتنق دينًا ورثته دون أن يكون لك في اختياره دخل ولا يد.

العبودية إرث والحرية كسب. خمس دقائق أو أقل بعد ولادتك تكون فيها حرًا، وبعد هذه الخمس دقائق التي تنزل فيها من رحم أمك باكيًا، ولا أدري حقيقة ما يبكيك، أءنت تبكي بغضًا في الحياة التي أتيت إليها؟ أم تبكي لأنك تعلم صعوبة المعركة التي لابد أن تخوض غمارها لتظفر بحريتك وتنتصر لنفسك؟ لا أدري في الحقيقة ما يبكيك، لكن لا غرابة فحياتنا بكاء متواصل. أقول بعد هذه الخمس دقائق يبدأ أبواك والمجتمع في توريثك العبودية، فيخلعون عليك مُثُل ضعفهم وخمولهم وتخلفهم عن معركة الوجود.

لطالما كان بودي أن نعيش الحياة بالعكس فنموت أطفالًا ونولد شيوخًا، حتى لا يختار لنا أحد ولا يفكر بالنيابة عنا أحد. لكني لست الله كي أفعل ذلك!

أنت رجل فقير تسكن في مكان لا تحبه، وتأكل طعامًا مرغمًا لا تشتهيه نفسك، وتبتسم في وجوه أناس لطالما تمنيت في سرك أن لو تخطفتهم السماء أو ابتلعتهم الأرض. كل هذا أنت مجبر عليه. ومعلوم بطبيعة الحال أن الفقر يتناسب عكسيًا مع الحرية، فكلما زاد فقرك تقلصت حدود حريتك والعكس صحيح.

ورفاقنا الماركسيون لم ينكروا هذا، فقد قالوا لنا في لوحة تعاليمهم أن “وجود الإنسان يحدد وعيه” وهذا هو وجودك وذاك هو وعيك. فماذا أنت فاعل إذن في ظل مثل هذه الشروط البالية لوجودك المتردي الراسف في الأغلال؟

في الحقيقة، أنت أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: أما أن تثور “سياسيًا” على شروط وجودك هذه، وتجأر في وجه جلاديك، فتنتزع منهم السوط الذي لطالما أوجعوك به ضربًا لتلهب به ظهورهم وجلودهم. وهذا أمر عسير، إذ أنه يتطلب تحشيدًا وتعبئة وقبل ذلك توعية، وهي عملية، كما تعلم ويعلم رفاقنا الماركسيون، تستلزم وقتًا طويلًا وربما قرونًا حتى نصل إلى لحظة الإنفجار الناجمة بدورها عن لحظة الاوتعاء الثوري. فتهدر الجماهير المقهورة والتي لا مستقبل لها في وجوه جلاديها، وتقوم ثورة العبيد في التاريخ، ولنستمح السيد “نيتشه” عذرًا هنا، فقد استخدمنا هذا التعبير على غير هواه.

وعملية كهذه ستكون مصحوبة بالدماء، فالقوى البروليتارية الناشئة والغاضبة لن ترحم  أيًا من جلاديها أو سجانيها على الإطلاق، بل ستأصل شأفتهم، وتبيدهم عن بكرة أبيهم. والحق أنه لا غرو في هذا _ ولتقبل مني هذه _ فشجرة الحرية تُروى بالدماء، كما أن انتقام المظلوم من ظالمه واحد من أعدل قواعد الطبيعة.

والحل الثاني الذي يمكنك القيام به في ظل شروط وجودك البالية هذه أن ترفض واقعك فيما تظل راضخًا لقيمه ملتزمًا بمعاييره، فتنسحب إلى داخلك وتغترب، فتكون منتزعًا من ذاتك. وكل فعل تأتيه في الحياة العادية وكل سلوك تسلكه سيكون عليك وبالًا، لأنك لست مقتنعًا به إنما تأتيه لأنه مفروض عليك. والأمثلة على هذا لا تعد ولا تحصى. ألا فليعلم المتعاملين معي جميعهم أني ممثل؛ أني لست أنا، هكذا يتكلم المغترب عن ذاته.

ستكون نهبًا للتناقض، وفريسة دائمة لتأنيب الضمير ووخزاته؛ فأنت دائمًا مشدود إلى طرفين؛ ما تقول وما تفعل. فأنت تفعل غير ما تقول، وتقول غير ما تفعل.  لست أعيب هذه الحالة فيك أو ألومك عليها، فأول مراحل الحرية الحقة أن تدرك أنك لست حرًا، فلابد في النهاية من الاختيار، إما أن تختار ما تقول أو تختار ما تفعل، بيد أنك ستعاني الويلات والآلام الجسام طالما لم تحسم خيارك بعد. ما تختاره ليس مهمًا إنما المهم هو الخيار نفسه، فعل الاختيار في حد ذاته. فإذا اخترت أن تكون عربيدًا أو قديسًا هذا لا دخل لنا به طالما أنك أنت وحدك الذي ستتحمل التبعات، تبعات ذاك الاختيار. إذن نحن لا نلومك على اختيارك ممكنٍ من الممكنات إنما نلومك فقط إذا لم تختر أيًا من هذه الممكنات.

الحرية، إذن، هي حرية الإختيار وليست حرية الإرادة، فقد تكون الإرادة حرة لكن الاختيار معطل وجبان. فأنت تريد أن تكون حرًا وكذلك كل من لم يفقد إنسانيته بعد أو لم يقنع نفسه بفضائل العبودية ومآثرها، لكنك غير قادر على أن تختار ذلك وتعمل وفقًا له، غير قادر على نهج سبيل الحرية الواقعي.

فلكي تكون حرًا لابد أن تكون قويًا ذا سلطة ومنعة، وهؤلاء الرجال الذي مكنتهم ظروف عيشهم وشروط وجودهم من أن يكونوا أحرارًا، وأن يحيوا على هواهم ووفق ما يقولون، أولئك الذين عاشوا كما يفعلون. هؤلاء الرجال كانت خسائرهم قليلة. اعتبر مثلًا بـ ” كيركيجارد ” الذي لم يخسر سوى خطيبته التي قرر أن يضحي بها ويختار التبتل وحياة التأمل.

أما المعوز_ ذاك الذي مثله مثل الوردة النابتة في الوحل تحديدًا_ ستكون حريته مفعمة بالنكبات والطعنات، فهو عندما يقرر أن يكون حرًا فإنه يقرر أيضًا جملة خسائره: أصدقائه الذين سيتخلون عنه بعد أن يعرفوا فيه شخصًا جديدًا ناقمًا عليهم رافضًا لقيمهم كافرًا بدينهم وآلهتهم، وعائلته التي ستتبرء منه، بيته الذي سيُطرد منه، بل وحياته التي قد يخسرها في سبيل حريته. فمعظم سلوكنا الواعي في الحياة لا يعدو كونه نضال من أجل التحرر، وقد نظفر بالحرية في خاتمة المطاف وقد لا. المهم سلوك الطريق إلى الهدف وليس الحصول عليه.

لا تكن ساذجًا وتطلب مني أن “أعيش على هواي” أو “أكون نفسي” دعني أقرر هذا بنفسي واختاره دون وصاية منك أو إيعاز، فمقتضى نشداني للحرية والعيش وفق أقاييسي الخاصة أن أكابد العذابات والولايات والالآم العظام، وربما الموت، فإذا عشت وفق ما أقول وتلكمت وفق ما أفعل بناءًا على إيعاز منك فقد ألومك وقت وقوع الخطر ودفع ضريبة الحرية.

عليك، إذن، يا رفيقي الناشد للحرية، أن تتعلم فن الخسارة، فترتب ما يمكن التخلي عنه من الأعلى للأدنى أو الأدني للأعلى، لتدرك ما الذي يمكنك التخلي عنه قبل الآخر. وربما تصل في النهاية إلى مرحلة لا يكون لديك فيها ما تخسره، وهي مرحلة عدم مطلق أو حرية مطلقة،  والذي يحدد ذلك هو سلوكك الفعلي والواقعي. فإذا أقدمت على المخاطر بقلب جسور واقتنصت حريتك من مخالب الأسد فأنت حر حرية مطلقة، فالخوف أكبر عائق في طريق الحرية، ومثلك لم يعد لديه ما يخسره ليخاف عليه، لذا فهو جسور مقدام.

وإذا اقتنعت بحالة الخواء التي وصلت إليها ولم تحاول أن تعوض خسائرك بمكاسب ومغانم فهي مرحلة السلب المطلق. فإنسان كهذا منزوع الفتيل خامل وتاعس وجبان. لا يرى أن ثمة فائدة من تحريك إحدى يديه ليحك ظهره أو يغسل طرف ثوبه.

ستكون خسائر هذا الرجل المعوز الذي أعلن عن تحرره وعن عيشه على هواه ووفق ما يفعل أكبر بكثير من خسائر “توني مونتانا”)[1]( مثلًا، الذي أعلن مرة وعلى الملأ أنه شرير _ الشر هنا ضرب من الإخلاق طالما أنه خيار شخصي _ ليس هذا فحسب، بل طلب من الجميع أن يحيوا الرجل الشرير ويرفعوا له قبعاتهم. لم يخسر “مونتانا” هنا شيئًا ولم يدخل لا في عراكات ولا غيره. شروط وجوده وسلطته وأمواله سمحت له بذلك. أما غيره من الفقراء والمهمشين فلا يستطيعون فعل هذا ولا نصيفه.

 ولا عيب في كوننا نلعب أدورًا على خشبة مسرح المجتمع ونحن لا نؤمن بها طالما أن الظروف لم تتح لنا لنكون أحرارًا، لكن من المحتم العمل على خلق الظروف التي يمكن أن نعيش في ظلها أحرارًا، وأن ندرك جزمًا أن مرحلة التمثيل هذه على خشبة المسرح مؤقتة، وأن نجعلها قصيرة قدر الجهد والإمكان. الحرية مستحيلة، إذن، مع التقاعس والخمول، ومكسوبة بالعمل والنضال من أجلها وربما الموت في سبيلها، فلحظة حرية يمكنها أن تمحو شعور حياة كاملة من العبودية.

بقلم: محمد علواني


[1] توني مونتانا شخصية مثلها آل باتشينو في فيلم Scarface(1983)  وهو من إخراج Brian De Palma

شاهد أيضاً

عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله

عز الدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) يقول فريدريك نيتشه على لسان زارا بطل كتابه “هكذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *