الرئيسية / منشورات / مجلات / وجه الجامعة…من وراء نقاب

وجه الجامعة…من وراء نقاب

فتحي المسكيني

هل ثمّة علاقة ضرورية بين العُري والحقيقة؟ أو على الأقلّ بين المعرفة والوجه ؟ ومن يغطّي وجهه هل يغطّي عقله أيضا ؟ أمّ أنّ الأمر يتعلق بمشكلة دفينة لا صلة لها بالثياب أصلا، إذ أنّها تمسّ تصوّرنا العميق لأنفسنا وهويّتنا، من ثمّ لعلاقتنا بالحقيقة بعامة ؟ 
يبدو لنا أنّ تسييس مسألة ارتداء النقاب في حرم الجامعة أو في قاعة الدرس أو في رواق الامتحان ليس مفتعلا في شيء، رغم أنّه يمكن أن يتمّ توظيفه بيسرٍ لأغراض هووية أخرى. علينا أن نسأل: ما الذي يدفع فتيات في مقتبل العمر إلى تغطية وجوههن والحرص على التعامل مع الآخر بعامة من وراء حجاب كثيف من العوازل والحواجز السوداء ؟ ما الذي يجعل جسد الأنثى خائفا من الرؤية إلى هذا الحدّ ؟ هل الأمر يتعلق فعلا بالحشمة والحياء والوقاية والحفاظ على الحرمة أم هو مرتبط بمنطقة أخرى غير منظورة من المشاكل الوجودية أو الأخلاقية المتعلقة بتصوّرنا لهويتنا نفسها ؟ 
كثر الجدل حول أدلّة الحجاب والنقاب في الكتاب والسنة، هل هي حقيقية أو متأوّلة أو منحولة. مع أو ضدّ. لا يهمّ كلها تأويلات على تأويلات. لكنّ السؤال الفلسفي الذي يصاحب مفهوم الحرية في كل ثقافة هو: هل أنّ تصوّرنا لأنفسنا هو مناسب لتطوير علاقة صحية وحيوية بأجسادنا أم لا ؟ هل معنى الهوية لدينا هو مفيد لنا، أي يساعدنا على طلب الحياة الحرة بدون حرج أو فشل ؟ 
ما نلاحظه هو هشاشة النقاش حول أنفسنا. ولأنّنا لم نخض إلى الآن جدالا واسع النطاق حول ما يناسب وما لا يناسب طلب الحياة الحرة بمجردها، فنحن لا نتوفر إلاّ على مفهوم فقير عن سياسة الجسد لدينا. لقد تمّ احتكار الجسد في نقاشات جنسية أو جندرية كانت بمثابة تعليق جانبي على مشكلة سياسية عميقة غير مطروحة بشكل مباشر، ألا وهي: هل لدينا سياسة هوية مناسبة لحريتنا ؟ هل نواجه أنفسنا بشكل مناسب لحقيقتنا ؟ لماذا صارت وجوهنا مشكلا فجأة ؟ وهل ثمّة ضرب من سياسة الوجه أخطر من تسييس الجامعة وتحويلها عن وجهتها ؟ 
حين تغطّي امرأة وجهها، ماذا يتبقى منها ؟ ألا تتحوّل إلى مارد أسود بلا ملامح ؟ “الإنسان” مشتق من “الأنس”، أي من ألفة الوجه وائتلاف الملامح بين الناظرين إلى بعضهم البعض. من لا وجه له هو صوت وكتلة وحركة. فحسب. أمّا ما خلا ذلك فهو إيهام بالإنسان من دون أيّ مساعدة أخلاقية إضافية كي نتعرف عليه. ولكن من يستطيع أن يكون من دون مساعدة الآخرين على التعرّف عليه ؟ ماذا يبقى من “الإنسانية”، أي من قوة الأنس التي تشكّل هويته ؟ في قلب الصحراء أو في جوف المحيط، لا يكون لنا “وجوه”، أي لا يحتاج “أحدٌ” إلى تشكيل مساحة “وجهيّة” مفيدة للتعرف عليه، أي لتأمين مساحة تواصلية حيوية، تنقله من رتبة “الحيوان” المتحرك في بيئته إلى رتبة “الحيّ” القادر على المؤانسة داخل دائرة بني جنسه. – الوجه اختراع أخلاقي وليس قناعا جلديا يمكننا أن نخفيه أو ننزعه. ولذلك فمن لا وجه له، لا هوية له. ومن ثمّ هو كتلة لحمية تتكلم، لكنّها لا تخاطبنا، بل تفرض علينا نوعا من العلاقة الصوتية الممتنعة عن الدخول في مشاركة “وجهية” معنا. والحال أنّ هذه المشاركة الوجهيّة هي شرط الإمكان الأخلاقي الحاسم للانتماء إلى دائرة الإنسانية. 
فما الذي يدفع شابّات في عنفوان الشباب إلى التخلّي الطوعي عن هذه المساحة “الوجهيّة” الرائعة، وتعويضها بحيّز عازل من القماش الآدمي المزيّف ؟ النقاب قماش آدمي مزيّف. وهو قماش آدمي في معنى أنّه هامش تشكيلي، يأخذ شكل الجسم ويعوّضه، بل ويدعونا في آخر المطاف إلى الاستغناء عنه، ومعاملته كما لو كان غائبا أو غريبا في بيته، علينا أن نذكره بخير دون أيّ إلحاح على رؤيته أو لمسه أو الدخول في تواصل حقيقي معه. النقاب يعطّل حواسّ التواصل ويحوّلها إلى تهمة. وذلك لأنّ الحواس لا عمل لها من دون وجه أو وجهيّة. ونحن نتحدّث عن الحواس جميعا وفي الجمع، عن قصد. لأنّ العين ليست حاسة عادية. بل هي مركّب من الحواس أو مركّب الحواس. إنّ عقولنا تعقل بعيوننا. وآذاننا تسمع بعيوننا. وأيدينا تلمس بعيوننا. وألسنتنا تتذوّق بعيوننا. ومن ثمّ فإنّ من لا نراه هو خارج نطاق حواسّنا، ولا يمكن تطوير أيّ تواصل “معرفي” معه. 
لذلك فمن تتنقّب هي “تتنكّر” عمدا، ومن ثمّ تخرج من دائرة الهوية المؤنسة إلى دائرة الآخرية المتوحشة. وعلينا أن نسأل مرة أخرى: ما الذي يدفع المعروف إلى التنكّر ؟ و “الهو” إلى أن يصبح “آخرًا” ؟ – إنّ ما يثير القلق هو أن يكون النزوع إلى التنقّب ناجما عن خوف أخلاقي قديم جدّا من مواجهة “النفس”، باعتبارها “حقيقة” علينا حمايتها، وليس مجرّد سلوك ديني مأمور به أو مندوب إليه. ثمّة خوف ما يصاحب كلّ ما هو مخفيّ أو ينبغي إخفاؤه. وذلك يعني أنّ المخيف يحمل عرياً ما أو عاراً ما أو رعباً ما علينا حماية أنفسنا منه أو على الأقلّ التصرّف وكأنّه غير حقيقي أو غير موجود. 
وماذا لو كان هذا العري أو العار أو الرعب هو جسدنا نفسه ؟ نعني: هو هويتنا نفسها ؟ كيف يمكننا أن نخفي هويتنا عندئذ ؟ في مقابل ماذا يمكن لشخص أن يتخلى عن وجهه ؟ وهل يمكن لأحد أن يضع نفسه أو هويته أو وجهه بين قوسين ؟ ما الذي يبرّر عنده أن يخرج من نطاق السؤال “من ؟” ويدخل تحت طائلة السؤال “ماذا؟”، ومع ذلك أن يواصل العلاقة الإنسانية معنا ؟ 
يبدو لنا أنّ النقاب والحجاب وكلّ أجهزة الإخفاء التقليدية هي كلها لا علاقة لها بالجماليات أو بالدين أو بالسياسة بحصر المعنى. إنّها على الأرجح ترتبط بتصور معيّن للهوية ومن ثمّ بتصوّر معيّن للحقيقة بعامة. – كلّ ما هو حقيقي هو شيء علينا حمايته وبالتالي إخفاؤه، وفي أخر المطاف معاملته بوصفه غائبا أو في حكم الغائب ؟
هذا الخاطر المريب قادنا إلى إقامة التساؤل التالي، بكل حرج: ألا يكون النقاب نوعا من “الغيرة” القصوى على “الهوية”، بلغ إلى حدّ حظر كلّي عن المرئيّ وليس عن الوجه فقط ؟ ثمّ لماذا تمّ التركيز على الوجه، والحال أنّ كلّ شبر من الجسد يحقّ له أن يطالب بأن يحظى بقدر محموم من المساواة ؟ – يبدو أنّ التنقّب يخفي نحوا معقّدا من التشبّه بالله أو رغبة كظيمة أو خجولة في التألّه أو التربّب على عادة الإله التوحيدي، نعني الميل إلى الاختفاء عن النظر البشري، والطمع في اعتلاء منصب القداسة، والحال أنّها محرّمة على الآدميين. 
هل يكون النقاب هو آخر تقنيات التألّه التي بقيت متاحة في ثقافتنا العميقة ؟ هل تصبو المتنقّبة في سرها إلى التحوّل إلى قدّيسة ؟ قدّيسة تقف بين عالمين، أحدهما مرئي والآخر غير مرئي، خوفا من شراهة الناظرين، وفي ثقافة تعتبر رؤية الله هي أكبر متع يوم القيامة ؟ 
كلّ من تتنقّب تمنع النظر البشري من الوصول إليها، وتتحول إلى كائن يُطلب فلا تدركه الأبصار. لكنّ هذا التصرّف الذي يبدو في ظاهره ضربا من السلوك التقوي، إنّما يخفي، دون أن يشعر، نحوا من المشاركة المريبة في الغيرة الإلهية على الذات، نعني إرادة الاحتجاب عن الأبصار، بوصفها حكرا مطلقا على الله. هل النقاب تقنية في الغيرة الإلهية لا تسمّي نفسها بشكل مناسب ؟ 
لا ريب أنّ النقاب ينطوي على أنحاء من التكبّر على الخلق ومن الخيلاء عليهم والعُجب بالنفس والاستسرار عن الناس وحسّ الاصطفاء والتعالي على رتبة البشرية. لكنّ “البشرية” ليست شيئا ممّا يحق لنا أن نضنّ به على الناس. إنّ البشرية من البِشر، فهي مأنوسة ومتاحة ومستبشرة وأليفة ومألوفة وبشوشة ومتهللة وليّنة الجانب، ..الخ، أو لا تكون. لكنّ النقاب يهدم كلّ ذلك، ويعوّضه بقاعة انتظار شكلية غير مضيافة، تصدّ القادم وتعزله وتحوّله فجأة إلى غريب أو متسلّل بشري غير مرغوب فيه. إنّ النقاب يهدم منصب البشرية ويعزل الكائن الإنساني عن “نفسه” العمومية بل وعن نفسه “الشخصية” (الشاخصة أمام أعين الناس)، فلا أحد هو يُعدّ “شخصا” إلاّ في عين غيره. ومن ثمّ يحوّله إلى شبح اجتماعي بلا أيّ توقيع شخصي.
وحين تمتلئ الجامعة بالمنقبات، هي تنقلب إلى جامعة أشباح أخلاقية متساوية، تنتهي إلى تشكيل قماش بشري ضخم، يتكلّم دوما في ضمير الغائب. لكنّ هذا التواضع الظاهري –تجانس القماش الآدمي بالسواد العازل عن الملامح البشرية- إنّما يخفي، دون قصد، ربما، إرادة التفضّل على الناس بزيّ خاص، والاعتزال الفجّ لفضيلة “الوجه” أو “الوجهيّة” الإنسانية باعتبارها قناعا غير مناسب للاستعمال في التواصل مع الغير. هل أجسادنا غير مناسبة لاستعمال إلى هذا الحدّ ؟ أليس في ذلك رهبنة خفية أو خجولة تنتهي إلى التضحية بالوجه البشري وإعفائه من الخدمة المدنية ؟ 
لكنّ “الوجه” أو “الوجهيّة” ليست منّة أخلاقية أو جمالية على الآخرين، بل هي عنوان التواضع البشري أمام الكائنات التي من جنسنا. الوجه هبة الإنس للإنس حتى يقبلوا بالخروج من الحيوانية وبالدخول في دائرة الإنسانية. بلا وجه يعود الحيوان البشري إلى الاشتغال على نحو مريب، وذلك بتنشيط طبقة بدائية من خوف الكينونة، هي تلك الحيوانية الخائفة والمخيفة التي تنزع بالطبع إلى التخفي وراء سجف الظلام والدياجير، خوفاً من الحيوانات المفترسة التي تهدّد لحمها بالنهش والرفس. وكل من يخفي وجهه هو من دون أن يدري، ربما، يتهم غيره بالتلصّص الجشع على هويته، ومن ثمّ يبعث على الخوف من إمكانية التعرّض إلى حيوان مفترس ربما كان مارّا في الأنحاء. فمن يريد أن يكون هذا الحيوان ؟

شاهد أيضاً

في نقد الحكم الأخلاقي – الرهان على الجسد / المقالة الثالثة

بقلم: ادريس شرود  “نحن لا نتوفر إلا على مفهوم فقير عن سياسة الجسد لدينا” فتحي …

تعليق واحد

  1. أسأل عن أي جامعة تتحدث؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *