الرئيسية / ترجمة / المعنى من التعلمات: من الرغبة إلى المرور الفعل*

المعنى من التعلمات: من الرغبة إلى المرور الفعل*



Michel Develay

بقلم: Michel Develay

ترجمة: نور الدين البودلالي

إن أنصتنا باهتمام كبير، كثيرا ما سنسمع الحديث يدور حول «معنى» المدرسة:

– [يقول] (التلميذ): «فيما يفيد درْس الرياضيات؟ إنجاز للمعادلات.. هذا لا معنى له؛ ذاك أمر لن نفعله أبدا خارج المدرسة.»

– [يقول] (المدرس عن تلميذ): «هذا التلميذ كله حس سليم.»

– [يقول] (موجّهٌ عن تلميذ يقلق باله إلى ذلك الحين): «أخيرا بدأ فرنسوا يتحرك. أعتقد أنه بدأ يحس أن ما يقوم به له معنى.»

– [يقول] (أستاذ استأنف دراسته الجامعية): «لدي إحساس أنه مع الدراسة الجامعية التي عدت إليها بدأت حياتي المهنية وحياتي ككل تأخذ معنى.»

– [يقول] ( ولي أمر بخصوص ولده): «لدي انطباع أن المدرسة ليست لها بالنسبة له أي معنى، على العكس تماما حين يكون مع رُفقائه.»

كلما تحدثنا عن المعنى بخصوص المدرسة، ذكرنا أن التلاميذ الذين يجدون فيها معنى ينجحون والذين يفتقدونه فيها غالبا ما يرسبون، أو على الأقل يعانون فيها من صعوبة. ألا نقول أن العيش يستوجب اعطاء معنى للحياة؟ وعليه وجب أن نعطي معنى للمدرسة كي يتحقق لنا النجاح فيها، تماما كما أنه من الضروري أن نعطي معنى لحياتنا لننجح فيها.

لذا، يمكننا القول، في تحليل أولي، أن التلميذ الفاشل هو تلميذ لايزال يبحث عن معنى، وأن التلميذ الناجح تلميذ وجد أن للمدرسة معنى. إلا أن الفشل مرتبط أيضا بنوعية المعارف التي كوَّن عنها التلاميذ معان كثيرة وباتوا غير قادرين عن الابتعاد عنها.

 Iبعض خصائص المعنى

لاوجود لمعنى في حد ذاته

لاوجود لوضعيات لها معنى وأخرى ليس لها معنى. بالنسبة لبعض الراشدين، القيام ببعض الأنشطة النضالية هي غير ذات معنى أو لم يعد لها تماما أي معنى اليوم. بالنسبة للبعض الآخر، القيام بذات الأنشطة له وسيبقى له معنى على الدوام. قراءة نص عن المعنى هو بالنسبة للبعض لا معنى له على عكس البعض الآخر… إن المعنى، وكما نرى، أمر شخصي نبنيه أو لا نبنيه خلال وضعية ما.

بالنسبة للمدرسة، المعنى في حد ذاته لا وجود له في إطار الوضعيات التي يعيشها التلميذ. فالمعنى أمر يعمل التلميذ على بنائه، وليس شيئا يستهلكه. وعليه لا يمكن القول مسبقا أن التربية البدنية أو الموسيقى لها معنى أقل أو أكثر من الرياضيات.

المعنى مستعار من مجال القصدية

لإيجاد معنى ضمن وضعية ما، لابد أن تطابق هذه –الوضعية- بشكل وثيق مقاصدي، غاياتي و أهدافي.

دعونا نؤكد هذا القول باقتراح أن المعنى لا يختزل هنا إلى ما نقصده وأنه يكمن في العلاقة التي يقيمها الفرد بين نشاط يحياه والقصد أو الغاية التي يميل إليها.

من الخطأ القول أن وضعيةً قد تحتمل معنى أو لا تحتمله. فلا معنى للمدرسة بالنسبة للتلميذ إلا في حالة ما إذا تطابقت الوضعيات المعاشة مع هدفه في الحياة.   

وعليه، فستكون الرياضيات ذات معنى بالنسبة لتلميذٍ ما لكون نجاحه في هذه المادة يساعده على إشباع حاجته المتجددة للإحساس بالتقدير العالي داخل الوسط الذي يعيش فيه. إذ إن الرياضيات تُقيّم أناه. مما يعطي للرياضيات معنى بالنسبة لتلميذ آخر يبحث، هو الآخر، أن يكون مفيدا للآخرين. و ستمكنه الرياضيات، بالفعل، من تصور نفسه في المستقبل وقد أصبح تقنيا في المضخات الشمسية التي يحلم نفسه يثبتها للساكنة الإفريقية.

يمكن للأهداف  viséesأن تكون واعية أو غير واعية

للمعنى إذن علاقة بالهدف. فإذا كانت هناك أهداف واعية، فهناك أيضا أهداف غير واعية؛ علاوة على أن أفعالنا تحددها دوافعنا، وتخيلاتنا. وهكذا سيجد بيير، مثلا، معنى في درس الفيزياء لأنه يحلم في أن يكون مهندسا و لأنه فهم أهمية هذا المجال المعرفي في دراسته. أما بول فيجد معنى في درس الفيزياء، ليس لأنه يطمح أن يصبح مهندسا –فهو يرغب في أن يكون من رجال القانون- ولكن لأن هذا المجال يشمل على تخصص يجبر على الحكم والتمييز بين الصواب والخطأ، الأمر الذي يوليه كثيرا من الاهتمام.

بيير و بول بلغا بطريقة واعية المعنى، كل بسبيله الخاص. أما صموئيل فقد وجد معنى في درس الفيزياء، دون أن يعرف كيف، بل وحتى دون أن يفكر فيه، وذلك فقط لأن جده الميت قد كان يُصلِح كل شيء يفسد وهو يجده، إلى حد ما، حاضرا في كل هذه التعلمات الخاصة بالفيزياء بحيث يتصور نفسه مصلحا لكل ما يفسد في المختبر.

ضرورة بناء وإعادة بناء المعنى

لا يوجد المعنى دفعة واحدة وإلى الأبد. يُبنى المعنى من كل مكونات التلميذ، من تمثلاته لوضعية ما، من تخيلاته، ومن ثقافته أيضا. وقد كتب فرويد قائلا: «يمكننا استبدال كلمة معنى بكلمة ميل أو توجه. فالميل هو ما يوجه الكائن الحي نحو نهاية ما.»

علينا أن نتذكر دوما أن المعنى كامن في قدرة التلميذ على ربط ما يقوم به في المدرسة مع ما هو عليه حقا أو ما يطمح أن يكونه. فالمعنى كامن في العلاقة بين الفعل الذي أحققه وما أطمح في تحقيقه من خلال الفعل.

 II مساعدة التلاميذ على امتلاك معنى في المدرسة

يسمح علم النفس بفهم السبب الذي يدفع الفرد بفعل شيء ما أو عدم فعله، أن يتصرف أو يقوم بردة فعل، أن يتعلّم أو يرفض التعلم. ومن المفيد للمتعلم أن يعرف الشروحات التي يقدمها له علماء النفس. على أنه بإمكانه عدم الاقتناع بهذه المعطيات. ومهمة المدرس إنشاء وضعيات تعليمية قادرة على أن تصبح وضعيات تعلُّمية للتلميذ. فعليه أن يساعد التلميذ على بناء معنى للمدرسة      

«ما الفائدة من الذهاب إلى المدرسة؟»، «ما الفائدة من دراسة الرياضيات أو الفلسفة؟»، «ما الفائدة من… ؟» أسئلة غالبا ما يطرحها تلاميذ الثانويات والاعداديات المستجوبين من قبل علماء الاجتماع. هذه الأسئلة تحيل بطبيعة الحال على بحث معمق عن دور المدرسة في التحول الاجتماعي للتلاميذ. كيف يمكنهم الاستمرار في الاعتقاد أن المدرسة تفيد في تحقيق شيء ما  مستقبلا، مادامت البطالة تمس حتى التلاميذ النجباء المتخرجين من المدارس العليا؟

إلا أن هذه الأسئلة التي يطرحها تلاميذ الاعدادي والثانوي تهم أيضا هنا والآن الساعات الدراسية المخصصة لهم. إذ ما السبيل لجعل الحصص الدراسية المتعلقة بالرياضيات الخاصة بالمعادلة y=ax، وبالتربية البدنية الخاصة بدرس الرقص، وبالبيولوجية حول التنفس الاصطناعي تكتسي معنى بالنسبة للتلاميذ؟  

على المستوى البيداغوجي يمكن للتعليم أن يساعد التلميذ على بناء معنى إذا ما ساعده على الوعي بإمكانية استعمال المعرفة المُدرّسة خارج المدرسة ، وأن ينخرط في عملية التعلم ويعي الطريقة التي اكتسب بها هذه المعرفة، وأن يعي وعيه بذاته، أن يفكر فكرَه. نشير إلى أن هذه القدرة على القيام بهذا الأمر يدخل في نطاق عملية النقل [المعرفي].

مساعدة المتعلم على الوعي بالاستعمال الممكن للمعرفة المُدرّسة

حين يطرح التلاميذ السؤال عن «الفائدة من تعلم الرياضيات، أو التاريخ، أو بقية المواد الأخرى؟»، فإنهم يطرحون على أنفسهم سؤالا حول العلاقة بين الاستثمار الذي يرونه ضروريا للاندماج مع هذه التعلمات وما يمكنهم جنيه منها من فوائد. لديهم مقاربة اقتصادية عن المدرسة، بل يمكننا القول ميركانتية. يمكننا حقا أن نأسف لذلك، مادام كل مدرس يرغب أن يعيش جميع التلاميذ علاقة بالمعرفة غير موعى بها بالتمام. لكن، في خانة الاستعمال البَعدي، لابد من معرفة مكمن الخلل؟ وفي جميع الحالات، من الأفضل بالتأكيد أن نقدم لهؤلاء التلاميذ إجابة مقنعة.

كيف نرد عليهم؟ بطريقتين:  نظهر لهم، أولا، نبين لهم الاستخدام الاجتماعي الذي يمكن أن يؤدي إلى إنتاج معرفة تدريسية من خلال ممارسات اجتماعية مرجعية، وبدفعهم، ثانيا، إلى التفكير في الاستخدام الشخصي الممكن القيام به للمعرفة المدرسية باعتبارها مشروع مدرسي ومشروع مهني.

  •   يُبنى المعنى في بعده الاجتماعي عندما يتمكن التلميذ من إيجاد علاقة وظيفية للمعلومات المُدرﱠسة. ويكون للتعلم بذلك علاقة بالممارسات الاجتماعية المرجعية([i]).

يمكن لهذه التطبيقات المرجعية أن تتجسد على صورة مشكلات، أو مهام، أو مواقف أو أدوار اجتماعية تسمح المعرفة بفهمها. فمفاهيم الفيزياء، أو البيولوجيا أو اللغات الحية تدير علاقات وطيدة مع وضعيات اجتماعية تظهر ضروريتها بالنسبة إليها. أحيانا ينسى المتعلم استخدام المقررات المدرسية لكونها تبدو له بديهية. بيد أن غايات المدرسة تتمثل أيضا في ال«ما بعد» المدرسة أو «جنبة» المدرسة. غالبا ما ننسى أن التعلم هو في خدمة الممارسة؛ إذ أن المعارف المدرسية لا تكمن غاياتها فقط في المرور إلى القسم الموالي، ولكن المساعدة على فهم العالم.

  •  يؤَسس كل مشروع على منطق التفاعل بين فرد وما يواجهه من وضعيات سيعمل على تغييرها. لا وجود لمشروع إلا بوجود مستقبل قابل للبلورة. في هذا الاتجاه يتطلب كل تعلم رؤيا شاملة لاستعماله المدرسي الممكن ويؤدي إلى الوعي بما يسمح به من استعمال. ومن الطرق الممكنة لإعطاء معنى للتعلمات، مساعدة التلميذ على التفكير في الاشباع الذي سيسمح به النجاح إبّان تعلمه، بالنظر إلى مشروعه المدرسي ومشروعه المهني. والأكيد أن العمل مع التلاميذ على تحقيق مشروعهم الشخصي، هو من الشروط الأساسية لالتزامهم المدرسي. فالمسألة تنحصر، إذن، في جعلهم يحسون بالمسؤولية حتى يتمكنوا من تحقيق أصغر فارق ممكن بين تطلعاتهم والاستثمار الضروري لإشباعها.

في هذا الاتجاه، على المدرسة أن تعمل أكثر وفق نظام التعاقد منه على نضام المشروع. فالتعاقد يؤدي إلى التزامٍ مسؤول بين المدرس والتلميذ حول ما سيقوم به الأول لمساعدة الثاني على تعلم هذا المفهوم، أو تملك هذه المنهجية، و أيضا الالتزام الذي يتعهد به الثاني للوصول  إلى تحقيق هذه الغايات.

إن المشروع المدرسي و، أكثر من ذلك، التعاقد المدرسي يشكلان شرطا من الشروط الأساسية لإبراز وعي المتعلم بما يدرسه واقترانه بنجاحه الآني أو الذي سيأتي في المدى البعيد. فالمشروع يتطلب بدءا استكشاف الخيارات الممكنة، فبلورة اختيارٍ محدد، ثم نُعَيّن ما نختاره ونقدر عليه، وما نحققه في الأخير، أي نمر مما نرغب فيه وصولا إلى الفعل. والنتيجة: «أن كل مشروع إنما يؤدي إلى اكتشاف ما، فإلى التنظيم، ثم إلى الاختيار، انتهاءً بالتصرف([ii])» 

إن المشروع المهني يدفع الفرد إلى تحديد مسار تكوينه الخاص وفق منطق مهني يضع له كل من غاي بونفالوا وبرناديت كورتوا أربع خاصيات يتم اتباعها إلى النهاية: أصالته (خطوة تطوعية تتطلب التزام الفرد)، فاعليته (فالمشروع يقود إلى المخاطرة، واستثمار والقيام بجهود)، الفعالية (على المشروع أن يحقق لصاحبه إشباعا)، متعدد الأبعاد (إذ يتعلق بالبعد المعرفي، لكن أيضا بالعلاقات الفردية والشخصية).   

       

مساعدة المتعلم على الوعي بفكره الخاص، والوعي بلحظة وعيه

المعنى يتجلى من خلال العلاقة بين هامش الربح المتوقع من الناحية المهنية والشخصية أو من ناحية الممارسة الاجتماعية، من جهة، والفعل الاستثماري الضروري لتحقيقه، من جهة أخرى. ولذلك يتم تجسيده على المدى البعيد، وهذا تَيَسّر لنا ملاحظته للتو. غير أن المعنى يكمن أيضا في العلاقة التي تنشأ بين المهمة المدرسية التي يجب إنجازها والفائدة التي يمكن الحصول عليها على المدى القريب إذا تمت بنجاح.

هذا المعنى الذي يتأتى من العلاقة القصيرة المدى بين الفرد (التلميذ) والموضوع (المهمة)، مكن من وضع ثلاث افتراضات للفعل البيداغوجي.

  •    بالنسبة لبعض البيداغوجيين المعنى رهين بالفرد. فالتلميذ هو الذي عليه أن يستثمر طاقاته في الوضعيات المقترحة عليه، كيفما كانت هذه الوضعيات؛ إننا إزاء بيداغوجية الجهد، بيداغوجية الإرادة. هذه الإرادة التي يمكن اعتبارها كإحدى فضائل التفاهم، والتي هي «عسكري العقل» سيتم تطبيقها بمدرسة ذات ملامح صارمة، تواتي فقط العمل المجرد الذي يقبله كل تعلم([iii]).
  • ·         بالنسبة لبيداغوجيين آخرين، يكمن المعنى في الموضوع الذي تدفع المدرسة التلميذ إلى التواجه معه. وعليه يكون من المناسب أن نقترح عليه أنشطة ترفيهية ستعمل على إثارة تعلمات؛ وهذا يمثل تيار المدرسة الجديدة، التابعة لمركزية بيداغوجية خاصة.
  • ·         نهاية، إن التعلم، بالنسبة لبيداغوجيين آخرين، لا يكمن لا في القيود التي تؤدي إلى إثارة الانتباه، ولا في استمرار الحاجيات التي تعتبر طبيعية من الضروري الحفاظ عليها. إن التعلم يكمن في القدرة، التي يوفرها المدرس للتلميذ، على التحليل المتواصل للعلاقة التي تربطه، باعتباره فردا، بالمواضيع المقترحة عليه. فالتعلم لا يرتبط، بحسب هذا التصور، لا في وضعية الإكراه، ولا في وضعية الحرية، لكنها تنتج عن تبين العلاقة التي تربط الفرد بالموضوعات التي يواجهه بها المدرس.

التعلم، بالنسبة لبيداغوجيات الإرادة، هو الاستماع [التلقي]. والتعلم، بالنسبة للبيداغوجيات المستوحاة من المدرسة الجديدة، هي الفعل. ونحن نقاسم الرأي القائل أن التعلم هو أن أفعل وألاحظ نفسي أقوم بذلك النشاط (الفعل).

المعنى إذن هو بين قطبين، بين الخطاطة التي نضعها والنتيجة التي نتوصل إليها. فالوعي مرتبط بشكل وثيق بالوعي بالذات. إنه يكمن في الوعي بالوعي بالذات. إذ الوعي هو أن يفكّر الفردِ فكره، إنه الوعي القصدي.

إن الأنشطة الميتا-معرفية (البادئة méta  تدل على «جانب») وظيفتها مساعدة التلاميذ على التنحي جانبا، على التموضع خارج أنشطتهم الادراكية لاكتشاف توجهاتهم الثقافية. بمساعدتهم على تحليل العمليات الميتا-انتباه، و الميتا-ذاكرة، و الميتا-استراتيجية التي تؤدي جميعها إلى إنجاز مهمةٍ معطاةٍ، تسمح لهم هذه الأنشطة الميتا-معرفية على التعرف وتفكيك المشكلات التي طرحت عليهم لحلها ضمن المهام المدرسية. عمليات التفكيك التي تتلوها عملية التركيب ضمن المهام الجديدة، هي في الأصل عمليات لنقل الإدراكات خلال عملية التعلم. إن مقابلة التفسير entretien d’explicitation التي يقول بها بيير فيرميرش([iv]) تشكل تقنية عملية جد متطورة للمساعدة على الاستبطان والتعبير الشفاهي، الضروريان لكل نشاط ميتا-معرفي. فهذا الكاتب «يقوم بتوجيه الفرد في عملية التعبير الشفاهي الدقيق على ما يأتي به من تصرفات، أي لأفعاله المادية والعقلية». لذا فهو يؤكد، أثناء إجراء المقابلة، على البعد الوصفي الواجب عليه اتخاذه (حيث يستفسر التلميذ بسؤال كيف وليس لماذا)، وعلى أهمية جعل التلاميذ يعبرون عن الزمان، وعن المكان ومسببات أفعالهم.

إن الأنشطة الميتا-معرفية تسمح للمتعلم بإدراك استراتيجياته عند القيام بمهمة معينة، حتى عند التوقف سنهً عن العل المدرسي. إلا أنه من الضروري تعزيز هذا الوعي على المدى الطويل، الأمر الذي لا يتحقق إلا في حالة معرفة التلميذ للعناصر المشكلة للبرامج الواجب عليه تتبعها.

إن الإعلان عن المعارف المشكلة للبرامج الدراسية لابد أن يتم خلال بداية السنة من طرف المدرس حتى يتعرّف التلاميذ على النقط التي سيثرونها خلال السنة. تطبيق خطاطة عمل بالمدرسة الابتدائية، الموزعة توزيعا أسبوعيا، والمهارات المرجعية، المحصورة لحد الساعة فقط على الاعداديات، من المفروض أن تشكلا أوات ضرورية لتنظيم عمل المتعلم. فالنظام المدرسي يُؤسس بأكمله على الثقة التي يبنيها التلميذ تجاه المدرس، الذي نادرا جدا ما يمنحه بعض المؤشرات عن الكفاءات التي يجب اكتسابها. ومن المؤكد أن بطاقاتٍ تقييميةٍ من شأنها أن تساعد التلميذ على تبين ما اكتسبه، أو ما هو في طريق التمكن منه، بالمقارنة مع ما تبقى له أن يكتسبه، و ستكون –البطاقات- مفيدة له، خاصة إذا كنا على علم بالمؤشرات الشحيحة التي تحيل عليها الكتب المدرسية. وكما هو متوقع، سيتم دمج الفائدة المنتظرة من الأنشطة الميتا-معرفية مع بيداغوجيةٍ للتعاقد بين المدرس والتلميذ حتى يصبح كل منهما مسؤولا أمام الآخر من خلال تدقيق ما سيتم إنجازه.

من خلال ما عرضناه من أفكار ظهرت مرارا فكرة المشروع. لقد حددنا مشروعنا في المرور من خطاطة إلى أخرى. لكننا نتمنى اقتراح، أكثر من المشروع، الحديثِ والفعل وفق شروط التعاقد، كما قلنا منذ قليل. فالتعاقد يجعل الطرفين المنخرطين مسؤولين أمام التغييرات. ويبدو لي أنه من المفيد أكثر الحديث عن التعاقد المؤسساتي، والتعاقد المدرسي، والتعاقد بالأهداف عوض الحديث عن مشروع المؤسسة، والمشروع المدرسي. فالمشروع يسمح بالتفكير في اليوتبيا [المأمول فيه]، بينما التعاقد يسمح بالتفكير في الانخراط المتبادل للمشاركة في الفعل.

 III بناء المعنى

لا مراء أننا الآن  إزاء رؤية بنائية وتفاعلية للتعلمات.

إن العالم الخارجي –من الناحية المفاهيمية- لاوجود له، بصرف النظر عن تصور الفرد لذاته. صحيح أن تلك الشجرة موجودة على الجانب الآخر من النافذة ، وأن الضوء الذي يشع من مصباح مكتبي سابق في الوجود عن رؤياي. لكنهما يشكلان وحدتين، هما معطيات للرؤية، لن يكون لهما حقا وجود بعدُ، لن يحتلا مكانا في وجودي إلا عندما أستوعبهما، إلا عندما يصبحا جزءا مني، إن على المستوى الفكري أو العاطفي. 

بناء عليه، يبني الفرد بنياته الفكرية، وهو بالتالي يبني ذاته بمعرفة العالم عبر التعلم، وبناء معنى لهذا العالم.

فالتعلم هو ذاك الفعل الذي ننشئ من خلاله الفرد والذي من خلاله يتمكن هذا الأخير تملك أجزاء من الواقع، وهي العملية التي يمكن تحليلها على مستويين.

  • المستوى الأول فردي، يدمج معطياتٍ معرفية و انفعالية.
  • المستوى الثاني، اجتماعي، يعمل على فهم كيفية اندماج الثقافات التي تمثل الذات والموضوع باعتبارهما وحدتين حاضرتين على المستوى الاجتماعي، والتاريخي، والثقافي. و عليه، «لا يمكن أن تعطي أفضل التفسيرات السببية معنى معقولا للوضع الإنساني دون أن يتم تفسيره على ضوء العالم الرمزي للثقافة الإنسانية([v])». لذا، لفهم كيفية تمكن الطفل من القراءة، والكتابة، والحساب، و، في اللاحق، اكتشاف طبيعة المجتمع أو ما يميز الخط عن الاتجاه، من الضروري الأخذ بعين الاعتبار المستويين التاليين: المستوى المعرفي والوجداني من جهة، والمستوى الاجتماعي من جهة أخرى . 

الجدير بالإشارة أن التعلم ليس عملية جامدة. إنه عملية نشطة، بل إنه تفاعلي. و من  أجل أن يتحقق التعلم، من المستحسن تبني مشروع تعلمي. فحين نقول للتلميذ أنه من المستحسن أن يفتح جيدا عينيه وأذنيه داخل القسم فقد يفهم خاطئا  أن الوضعية الصحيحة عند التعلم هي وضعية الجمود. هذا غير صحيح إطلاقا. إن التعلم يفترض وجود مشروع. وكما قال هوسرل، ثمة مشروع عندما «تؤدي الخطاطة إلى الرسم»، اي حينما يرتبط الهدف بالمسار الذي يساعد على مقاربته. فكل تعلم، يراهن على تحصّلِ معرفة، هو بالفعل خطاطة و ورسم، نية وفعل، نتاج وعملية. فكل تعلم يتموْقع إذن ضمن تصور مشروعي. بيد أن التعلم هو إضافة إلى ذلك بناءٌ للمعنى أكثر منه تحقيق لمشروع: إذ يكون هناك تعلم حين يكون لمشروع التعلم معنى؛ أي حينما ينشئ المشروع مجموعة علامات، ومجموعة قيم تسمح للفرد بتنظيم عا


 هوامش ومراجع

*.- Pédagogie collégiale , Mai 1994, Vol. 7 n° 4, P :23-26. Extrait d’une conférence prononcée au cégep Marie-Victorin, le 21 octobre 1993, dans le cadre des grandes conférences de l’AQPC

[i]- تم تعريف وتوضيح هذه العبارة بشكل موسع في: MARTINAND, J.-L., Connaître et transformer la matière, Berne, Peter Lang, 1986

[ii] – PELLETIER, D., « Le projet ou l’élaboration cognitive du besoin » dans Projet-formation-action, Revue éducation permanente, 1986.

[iii] – يمكن الرجوع إلى  ALAIN, Propos sur l’éducation, Paris, P.U.F., 1948

[iv] – يمكن الإحالة من بين كثير من المراجع إلى مقالات ب. فيرميرش، مثل المقال المنشور ضمن دفاتير بومون شهر أبريل من عام 1991، تحت عنوان: المقابلة التفسيرية. 

[v] – BRUNER, J., … car la culture donne forme à l’esprit, Paris, ESHEL, 1991, p. 147

ملاحظاتكم بشأن الترجمة مرحب بها على: fiqreduca@gmail.com

Michel Develay

شاهد أيضاً

في نقد الحكم الأخلاقي – الرهان على الجسد / المقالة الثالثة

بقلم: ادريس شرود  “نحن لا نتوفر إلا على مفهوم فقير عن سياسة الجسد لدينا” فتحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *