الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / الدرس الفلسفي ومتعة المفهوم

الدرس الفلسفي ومتعة المفهوم

عبد الكريم رحموني


عبد الكريم رحموني

 ظلت الرؤية البيداغوجية وإستراتيجية تقديم الدرس الفلسفي الممتع ردحا من الزمن تنطلق من رؤية جزئية أحدية متعالية ضيقة، أو ربما تعاملت مع الدرس الفلسفي من خارجه بناء على معطيات نفسية مزاجية وقوالب اجتماعية جاهزة، وتكوين جامعي لا يرقى إلى مستوى إعداد ذلك الطالب “مشروع الأستاذ المبدع “ المتحكم في تقنيات تسيير الصف وتقديم درسا فلسفيا ممتعا، على طريقة صاحب كتاب “ماهي الفلسفة” جيل دولوز(1925- 1995 ) الذي يعتقد أن “الفلسفة هي فن تشكيل وإبداع وصنع المفاهيم، إذ أن المفاهيم لم تكن مفردات للحقيقة، بقدر ما تصير أدوات أو مفاتيح تتعامل مع أجواء الحقيقة.[1]
فهل يستطيع الأستاذ أن يدرك المفهوم؟ 
وهل بإمكانه أن يبدع ستيطيقا تواصل مع ذلك التلميذ من خلال متعة المفهوم في بيداغوجيا الدرس الفلسفي؟

إستراتيجية غرس المفهوم( آليات التبليغ وترشيد التواصل)
لبلوغ ذلك لا بد من:

   وضع إستراتيجية محكمة تكون بمثابة الترجمة العملية لرؤية ترشيد آليات التبليغ بوضع منظومة من الأدوات التواصلية و الطرائق التي تحقق انتقال المفاهيم والمصطلحات الفلسفية بغية جعل التلميذ ينظر إلى “إن الفلسفة بتدقيق كبير هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم كمفردات ذاتها أولا”. [2]
لعل هذه النظرة يمكن التقاطها لدى بعض الأساتذة المبدعين في حجرة القسم، عند لحظة الإبداع الفلسفي. فقد جاء التعبير عن لحظة هذا الإبداع على لسان نتشه(1844-1900):”الفلاسفة لا ينبغي أن يرضوا بقبول المفاهيم التي نعطيها لهم وذلك بتنظيفها وتلميعها بل عليهم أن يبدؤوا بصناعتها وخلقها ووضعها وإقناع الناس بها بضرورة العودة إليها”.
ضرورة إقناع التلميذ بامتلاك المفاهيم والعودة إليها بين الفينة والفينة حتى يتألق وميضها في ساحة الفكر فينفث ألوان من الحكمة الفلسفية.

           لعل هذا ما جعل الاهتمام بالمفهوم يتزايد في حقل بيداغوجيا التدريس في مادة الفلسفة،بيداغوجيا أهمية امتلاك المفاهيم الفلسفية وغرسها واستنباتها في ذهن التلميذ الدارس للفلسفة لا تخويفه منها ولا يتأتى ذلك إلا بتجاوز سلبيات “الأنا المتعالية”؛  “أنا” الشاعر المتنبي القائل في مطلع قصدته تحت عنوان “واحر قلباه”:

  أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبي              وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ.

وفي غياب التجاوز السلبي تبقى كل المحاولات المطروحة في هذا المجال باهتة، متعثرة، لا تقوى على ترجمة متعة المفهوم أثناء الدرس الفلسفي. 

الأستاذ المبدع واستنطاق المفهوم:

         لا أحد يجادل اليوم بأن بعض الأساتذة المبدعين في درسهم يولون الأهمية القصوى للمصطلحات الفلسفية واستنطاق المفهوم ومعرفة كنهه وسبر أغواره. أنه الأداة المساعدة على استنطاق الفلسفة وإدراك ماهيتها، ماهية إعداد التربة الصالحة للدرس الفلسفي المؤثر في التلميذ.
بيد أن القدرة على إبداع الدرس الممتع تكمن في قدرة الأستاذ المحب للحكمة الفلسفية على إعادة توليد المصطلح والمفهوم ولا يبقى هذا الأخير أسير أستاذ أجوف لا يفرق بين الميتودولوجيا والابستومولوجيا، بين الفوبيا والفيلولوجيا، الفيزيقا والميتافزيقا، النومين والفينومين ، السوسيولوجيا والسيكولوجيا.

إشكالية تأصيل المفهوم في الدراسات الأكاديمية:


    بقي أن نشير في نهاية هذه الرؤية البيداغوجية إلى الدرس الفلسفي المفعم بمتعة المفهوم لأسباب خاصة ترتبط بحدود الدرس وعلاقته بمتعة المفهوم نوجزها كالأتي:
     – إشكالية التأصيل للمفهوم في الدراسات الأكاديمية بالجامعات الجزائرية قاطبة لا تسلط الأضواء الكاشفة على وجه من وجوه هذه الإشكالية الكبرى التي تواجه الطالب “مشروع الأستاذ المبدع” مستقبلا.
       – إن وجد ذلك التأصيل للمفهوم عبر تاريخ الفكر الفلسفي فالأستاذ المحاضر باهت، متعثر لا يقوى على تقديم بيداغوجيا المفاهيم التي قال بها جيل دلوز”في حين يبتكر الفيلسوف المفهوم و يتفكره[3]“. 

الأستاذ رحموني عبد الكريم.

ثانوية أبي الحسن الأشعري …القنادسة  بشار  الجزائر

عبد الكريم رحموني

قائمة المراجع:

جيل دولوز- فليكس غتاري: ما هي الفلسفة ، ترجمة: مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي ، طبعة 1997 ، بيروت لبنان.

                                   


 جيل دولوز- فليكس غتاري: ما هي الفلسفة ، ترجمة: مطاع صفدي ، ص 6[1]

[2]  ما هي الفلسفة، ص 7

[3]  ما هي الفلسفة، ص 28.

شاهد أيضاً

من التاريخ السياقي إلى التاريخ كحاضر أبدي

في نَعتهِ للفلسفة بوصفها ''نزعة تاريخيّة مُطلقة'' تمحْور اهتمام الفيلسوف الإيطالي المعاصر بندتو كروتشهBenedetto Croce على شرح عبارة ''فلسفة التاريخ'' في سياقاتها الزمنيّة التي وردتْ فيها، ليتولّى لاحقاً إضفاء مدلولات جديدة عليها تتنكّر لمضامينها القديمة كتلك التي جاءت في كتب فولتير Voltaire، لتنتهي تحليلاته في نهاية المطاف إلى وضع مُعادلة بين الفلسفة والتاريخ، مُلغيا بذلك كلّ ثُنائية ممكنة بشأن موضوعين يُفترضُ أنّهما يختلفان في المضمون وكذلك في المنهج، وقد انتهتْ تحليلات كروتشه إلى تأسيس فلسفة وتاريخ جديدين تنتصر فيها إرادة الإنسان في الواقع بعيداً عن كل تعال أو مفارقة. يَسْتجلـي هذا المقال الخطاب التاريخي عند كروتشه بوصفه الحاضر الأبديّ كما يحلو لصاحبه أن يطلق عليه، فالقاموس الجديد للمصطلحات يجعل الاهتمام ينتقل من ''التاريخ السياقي'' إلى ''التاريخ كحاضر أبدي''، الأمر الذي يَسْقُط معه التحقيب التاريخي المعتاد الذي يُقسّم الزمان إلى الماضي والحاضر والمستقبل، فكيف يتمثّل كروتشه قضيّة ''المعاصرة التاريخيّة'' وما هي مسوّغات القول عنده؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *