الرئيسية / ترجمة / ترجمة: متمرد في تاريخ الفلسفة

ترجمة: متمرد في تاريخ الفلسفة

ترجمة يوسف اسحيردة

عنوان المقال الأصلي : un iconoclaste dans la philosophie
عنوان المقال مترجما : متمرد في تاريخ الفلسفة

في مدينة جونيف، تحتفظ مؤسسة مارثن بودمير (على اسم أحد الأشخاص المهووسين بجمع الكتب القديمة) بكنز ثمين لطبعة نادرة من كتاب “العالم إرادة وتمثلا “، معدة خصيصا لشوبنهاور، وفيها يلاحظ المرء وجود صفحات بيضاء بينية مخصصة للكتابة. مثل بينيلوب ( زوجة أوديسيوس في الاوديسا الشهيرة)، لم يتوقف آرثر، قط، عن تعديل كتابه. طبعا، شوبنهاور ليس من النوع الذي يعيد النظر في أفكاره، لذلك فقد أضاف إليه أكثر بكثير مما حذف منه. في هذا الكتاب، الذي ظهر أول مرة سنة 1819، نجد كل فلسفة شوبنهاور مجتمعة.

هل نجدها كلها فعلا؟ نعم، لأن كتابات الفيلسوف، السابقة كما اللاحقة، تجد بذورها في هذا الكتاب المفصلي. والطبعة الثانية لكتاب “العالم إرادة وتمثل” الصادرة سنة 1844؟ الكتاب يصدر هذه المرة في جزئين لا جزء واحد. لكن لا شيء ” يمس الجوهر، بل هي فقط لمسات على بعض التفاصيل الثانوية”، هذا ما قاله مؤلفه. الأمر الذي تنبأ به شوبنهاور منذ صدور الطبعة الأولى :” كل ما سيأتي مستقبلا، لا يعدو أن يكون تطويرا وتنويعا لهذا الفكر الفريد.” وهي نفسها الرسالة التي أراد إيصالها حين كتب في تمهيد نفس الطبعة: ” ما نعرضه هنا على القارئ، هو عبارة عن فكر فريد.” فريد، لكنه بوجهين…

من جهة، هناك العالم بكل موجوداته الفردية، والتي لا تشكل بالنسبة لشوبنهاور، سوى مجموعة من التمثلات العقلانية التي نسقطها على العالم. أي مجموعة من الأوهام والمظاهر. من جهة أخرى، هناك كنه العالم الحقيقي وجوهره : الإرادة اللاعقلانية، التي لا تملك سببا أو نتيجة، بداية أو نهاية، ماض أو مستقبل. المياه، النباتات، الحيوانات، الناس…كلهم بالنسبة لشوبنهاور، ليسوا سوى تعبيرا عن هذه الإرادة المنفلتة، والتي لا تعتمد في سيرها الحثيث على ميولاتنا، معارفنا أو عقولنا. الدماغ ليس سوى خادم مطيع لهذه الإرادة، فهو عاجر عن تغييرها، كل ما بوسعه فعله، هو خدمتها.

— فيلسوف مفصول—

قبل أن يتجاوز سن الثلاثين، كان شوبنهاور قد أنهى كتابه بالكامل. لكن صدوره شكل فشل دريعا للفيلسوف الشاب. لا المحيط الفلسفي، ولا بقية جمهور الناس، أظهروا اهتماما يذكر ب “العالم ارادة وتمثلا…”. رغم أن ألمانيا حينها، كانت تعتبر أرض الفلاسفة بامتياز. عددهم انفجر بعد إصلاح الجامعات التي تحولت إلى مراكز للبحث والاختراع. بقي على الفلاسفة مهمة تنظيم كل هذه المعارف. فيخته، شيلينغ وهيجل قاموا بتأسيس منظومات فلسفية مضبوطة كالساعة، حيث يجد داخلها كل من علم اللاهوت، الفن، الأخلاق والعلم مكانا مناسبا له. لكن المنافسة كانت شرسة بين كل هؤلاء. فقد كانوا يتبادلون التقييم والانتقادات، وخاصة يتجاهلون المحايدين مثل شوبنهاور. في سنة 1819، أراد آرثر أن يدخل، هو الآخر، إلى قصرهم بإلقاء درس في جامعة برلين. لكن، هل هي مفاجأة؟ لقد عمل شوبنهاور كل ما بوسعه حتى تفشل هذه التجربة. فشوبنهاور، وقبل أن يكون فيلسوفا منعزلا، كان فيلسوفا مفصولا.

لنتخيل أن كل هؤلاء الفلاسفة قد قرؤوا له. ماذا كانوا سيجدون؟ فيلسوفا كانطيا حتى النخاع. لا جديد تحت الشمس، ففيلسوف كونيغسبرغ، كان دائما هو ملهم فلاسفة ألمانية. لكن شوبنهاور لا يقرأ كانط كما يقرؤه خصومه. فشوبنهاور يعتقد بأنه الوحيد الذي فهم كانط وشرحه بشكل صحيح. ” لا أذكر أنه قد جمعني به ( كانط) أي حدث فلسفي معين. ولكنني أنسب نفسي إليه فورا “، هذا ما كتبه شوبنهاور في ” نقد الفلسفة الكانطية”، وهو عبارة عن ملحق لكتاب آرثر الأشهر “العالم إرادة وتمثلا..”

ماذا وجد شوبنهاور عند كانط؟ الجواب : ” أنه استطاع تفريق الظاهرة عن كنه الشيء أو “الشيء في ذاته.” بالنسبة لكاتب “نقد العقل الخالص” (1789)، الأشياء لا تبوح بسرها الحقيقي، فهي تظهر فقط كما يتصورها العقل، أي كظواهر phénomènes.” وبالتالي، ف “الشيء في ذاته” أمر عصي على الإدراك. بعد مراجعتها وتصحيحها من طرف شوبنهاور، تصبح هذه الظاهرة هي “التمثل”، و “الشيء في ذاته” هو “الإرادة”. لكن بالنسبة لفيخته، شلينغ وهيجل، ” الشيء في ذاته” ليس إلا خيالا فارغا، وشوبنهاور الذي يعتقد به، كان سيظهر لهم كرجعي متخلف.

على كل حال، فكتابات شوبنهاور لم تقرأ. وبعد أن نشر كتابه الأشهر، لم يبقى له شيء سوى الانكباب على تعديله وتقويمه. الأمر الذي شغله لسنوات. لهذا كان لزاما عليه البحث عن مواضيع جديدة، فكانت تقلبات حياته العائلية والشخصية، بمثابة النبع الذي بدأ ينهل منه. بهذه الطريقة، قام الخميائي بتحويل انتكاساته الحياتية إلى حقائق فلسفية. هذا ما يمكن تسميته بالفلسفة التجريبية…لكي يجذب الزبائن، قام هذا الرجل، الذي يملك تكوينا تجاريا في الأساس، بإتباع استرتيجية تسويقية جديدة : بدلا من التجريد الذي لا يلقى رواجا تجاريا، سيقوم بعرض ما هو ملموس وقريب من الناس. من هنا فكرة ديوان يضم مجموعة من الأقوال المأثورة، تحت عنوان “إضافات وإغفالات Parerga et paralipomena “. في الحقيقة، هو كتاب يعج بالتشاؤم، لدرجة يظهر أمامه سيوران كرجل سعيد. لكنه الكتاب الذي سيخلد اسم شوبنهاور في التاريخ.

تريدون مثالا على ذلك؟ لنأخذ موضوع الوحدة. فهو، في سنة 1819، أمر فتاك ومؤلم بالنسبة له. بعد ذلك، وبمرور الأيام، يتغير الأمر، فتصبح الوحدة، في نظره، ضرورة ملحة: ” اطمئنان القلب الحقيقي والعميق، وهدوء العقل المثالي…لا يتحققان إلا عندما نكون لوحدنا”. وإذا كانت الجامعة قد تجاهلته، فهو يعتبرها مجرد ” ملجأ للعبيد”. علاقته السيئة مع النساء؟ أمر عاد، فهذا ” الجنس القبيح” لا يصلح للفلسفة. حتى اكتئابه جعل منه موضعا فلسفيا، أليس هو القائل بأن “الحياة تتأرجح كالبندول بين الألم والملل”. سنة 1853، كتب البريطاني جون أوكسنفورد (1812-1877) مقالا حول شوبنهاور جعل له كعنوان : ” متمرد في الفلسفة الألمانيا…”.

في سن الخامسة والستون، الفيلسوف الذي كان يحلم بأن تشكل فلسفته العمود الفقري للعلوم، أصبح، بالنسبة لعامة الناس، رمزا لمحاربة الأوهام. شوبنهاور قام بإزالة الطابع السحري عن العالم. هل من أمل بعد كل هذا؟ لا شيء في نظر آرثر، سوى نفي هذه الإرادة المشئومة عن طريق إخماد رغباتنا وشهوتنا.

شوبنهاور هو أيضا شخص متيم بالديانات الأسيوية، لذلك فقد جعل أوربا تكتشف بعدا جديدا : قوة البراهمي، ألم الدارما، وسعادة النيرفانا. من هنا، ربما، فكرته حول “الشفقة ” اللامبالية، بما في ذلك نحو الحيوانات، كأساس للأخلاق. وذوقه اتجاه استيطيقا تدخل في نطاق الجمال، كل شيء يحرك فينا تأملا لامباليا.

ما يثير الإعجاب في شوبنهاور، هو أن فلسفته تجمع بين الروح والجسد، إنها متاحة وسهلة، نظرا لدقة كتابته وخلوها من المصطلحات الصعبة. كاره البشر هذا، الذي كان أول من نظر إلى العالم باعتباره عقلانيا ولاعقلانيا في نفس الوقت، وأول من قال بأن اللاوعي هو من يسيرنا، هذا “الشخص السيء” كان رائدا. هو من اكتشف لوحده أماكن ظلت لزمن مجهولة.

Le point – hors-série n°21

François Gauvin (ترجمة يوسف اسحيردة)

شاهد أيضاً

صدر حديثا: عبد الكبير الخطيبي بقلم عبد السلام بنعبد العالي

الدكتور عبد السلام بنعبد العالي يحتفي بعبد الكبير الخطيبي في كتاب مفرد فهرس الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *