الرئيسية / Non classé / في مفهوم ”الأصنام الذهنيّة” بين فرانسيس بيكون وداريوش شايغان

في مفهوم ”الأصنام الذهنيّة” بين فرانسيس بيكون وداريوش شايغان

الدكتورة خديجة زتيلـي – الجزائر

د. خديجة زتيلــي *

مقدّمة:


لم ينْتقص فرانسيس بيكون Francis Bacon (1561- 1626) من قيمة الفلاسفة القدماء ولا من وقارهم، ولكنّه في الوقت عينه لم يسْتسغ الكثير من أطروحاتهم الفكريّة، فقد كان الرجل يُخَطِّط لفتح طريق جديد في المعرفة ووضع ضوابط له، وعلى من يريد السير في هذا الطريق الذي يَصفهُ أن «يَتمرّس بدقّة الطبيعة التي تُبَيّنها الخبرة، عليه أخيرا أن يُصحّح، بتُؤدة ومهل، العادات الفاسدة والمتجذّرة للعقل، وعندئذٍ فقط فليستخدم (إذا شاء) حُكمه الخاصّ، وقد شَرَع في أن يكون سيّد نفسهِ» (1)، هذه العبارات الموجزة، عن مرامي بيكون من فلسفته ومنهجه الجديدين، جاءت في ختام تصديره لكتابه الأورجانون الجديد، الذي بشّر فيه بعهدٍ معرفيّ غير مسبوق، يَقْلب الكثير من المفاهيم رأسا على عقب. وبالفعل فقد كان هذا النصّ من النصوص الخالدة التي كُتبتْ لها الديمومة، والتي أسّستْ لعصر النهضة ولفتوحاته المعرفيّة والعلميّة ذات الأثر الكبير على العقل البشري، والتي استكملتْ لاحقاً مساراتها بفضل الجهود المكينة لديكارت ولايبنتز وسبينوزا ولوك وهيوم وكانط، وغيرهم من الفلاسفة المُحْدثين والمعاصِرين.

لا يهدف هذا المقال إلى مناقشة أفكار بيكون الفلسفيّة وتحليل المتون المهمّة لها بشكل تفصيلي، أو الكشف عن مُساهماته العلميّة التي نقلتْ البشريّة إلى عصر جديد تواقٍ إلى المواضيع الطريفة، ومُراهنٍ على قدرات الإنسان الجبّارة التي تجعلهُ مالكاً لمصيره وإرادته ومستقبلهِ، بل سوف يتمّ توظيف بعض جوانب فلسفة بيكون والإحاطة بها، كلّما اسْتدعتْ الضرورة المنهجيّة والمعرفيّة ذلك  في هذه السطور، بهدف الاتّصال بالسياقات التاريخية والعلميّة التي تسمحُ بفهم  أطروحات الفيلسوف الإيراني الفرنسي المعاصر داريوش شايغان Daryush Shayegan (1935-2018)، المتعلّقة بمفهومه للأصنام الذهنيّة،  وقد كان فرانسيس بيكون أوّل من تحدّث في هذا الموضوع في العصر الحديث في كتابه الأورجانون الجديد، وقام بحصر أوهام العقل وتِعدادها ثم دحْضها والتعبير عن موقفه السلبي منها. فكيف تعاطى شايغان مع أطروحات بيكون المتعلّقة بالأصنام الذهنيّة أو أوهام العقل كما يسميها، وهل استساغ مواقفه في هذه المسألة؟ وانطلاقا من سياقين حضاريين مختلفين يتعلّق الأوّل بالغرب الذي يُمثّله بيكون والثاني بالشرق الذي ينتمي إليه شايغان، ما هي طبيعة التصوّرات الناتجة عن تمثّل التُراث والتاريخ والحضارة وأقاليم الروح عند الرَجُلين؟ وهل تتطلّب الحداثة بالضرورة التنصّل من الذاكرة الأزليّة، أم أنّ ذلك ليس مُمْكناً في مُطلق الأحوال؟ وكيف ناقش شايغان في كتابه الأصنام الذهنيّة والذاكرة الأزليّة وفي نصوص أخرى هذه المسائل؟

ستستعيد السطور اللاحقة أوّلا مفاهيم بيكون حول أوهام العقل التي لا مندوحة عن التطرّق لها، قبل الانتقال للحديث عن شايغان وأطروحاته ذات الصلة بالقضيّة الأساسيّة التي تجري معالجتها في هذا المقال:

1- أوهام العقل عند فرانسيس بيكون


راهن بيكون على تجسيد مشروع علمي كبير وتنفيذ كتاب موسّع يُطلق عليه اسم الإحياء العظيم يكون في ستة أجزاء، ولكنّ هذا المشروع الواعد بالكثير من الآمال لم يتحقّق في مُجمله، ولم يتمّ تنفيذ إلاّ الكتاب الأوّل منه والموسوم بـــالنهوض بالعلم، ثمّ الكتاب الثاني الذي أطلق عليه بيكون الأورجاون الجديد، الذي تمّ نشره في عام 1620، وقد حظي بمكانة كبيرة في عصره وفي العصور اللاحقة فضلا عن ذلك. وإذا كان منطق أرسطو الذائع الصيت في العصور الوسطى عُدَّ آلة أو أداة البحث التي بإمكانها أن تعْصِم الذهن من الوقوع في الخطأ بواسطة منطق القياس، فإنّ أورجانون بيكون الجديد يأتي لمعارضة منطق أرسطو ومنهجه، ولتقديم آلة جديدة تُجنّب العقل أوهامَه وتخاريفه والأخطار المُحدِقة به، تلك التي تقف عائقا دون تجديد العلوم والمعارف، وما لم يتمّ تحصين النفس من تلك الأوهام، على حدّ تعبير بيكون، لا يمكن حصول التجديد. ويأتي استعراض أوهام العقل على النحو التالي:

أ- أوهام القبيلة


وهي التي «تنشأ إما عن اطراد جبلّة الروح البشريّة أو عن تحيّزاتها أو قصور ملكاتها أو حركتها الدائبة أو عن تأثير الانفعالات أو عن عجز الحواس أو عن شكْل انطباعاتها» (2). فالاحْتِكام إلى الحواس في تقدير المسائل، تجعلنا نضلّ الطريق ونخطئ الهدف ونشوّه الأشياء، وهي لوحدها لا يمكنها إعطاء معرفة صحيحة يمكن الوثوق بها، فكلّ حواس الإنسان بإمكانها إدراك جزء أو أجزاء من الحقيقة وحسب لا الحقيقة كلّها، كما يُمكنها أن تنتقي ما تراه حقيقة وفق ميولٍ شخصيّ لا صلة له بالموضوعيّة، في الوقت الذي تبقى فيه جوانب أخرى لا يطالها الإدراك الانساني. ولذلك عَدّ بيكون المعرفة الناتجة عن الحواس متحيّزة ومرسّخة ومعمّمة للعادات السيئة في المجتمع، وهي محْض أوهام أطلق عليها توصيف أوهام القبيلة.

ب – أوهام الكهف


وتلك الأوهام «تصْدر عن الطبيعة الخاصّة لعقل كلّ فرد وجسمه، وعن ثقافته أيضاً وعاداته وظروفه، ورغم أنّ هذه الفئة متنوّعة ومركّبة إلاّ أنّنا نتناول منها تلك الجوانب الأكبر خطرا وأشدّ إفسادا لصفاء الفهم» (3). والمقصود بكهف بيكون هنا هو طغيان الفردانيّة على الانسان وكأنّما يعيش في كهف هو من صًنعه، تؤطّره نُظم التربيّة والثقافة والعادات والموروثات والعلاقات الاجتماعيّة، وهذا التشبّث بالأشياء قديمها أو حديثها يجعل المرء يبتعد في كلّ مرّة عن الحقيقة المنشودة. فبدل سعيهِ إلى الحقيقة بواسطة التأمّل في الطبيعة واختبارها بخوض غمار تجارب تأخذ بعين الاعتبار سياقاتها الزمنية، نجده يلوذ إلى كهف أوهامهِ.

ج – أوهام السوق


وفي تقدير بيكون فإنّها «أكثر الأوهام إزعاجا، تلك الأوهام التي انسربتْ إلى الذهن من خلال تداعيات الألفاظ والأسماء، ذلك أنّ الناس يظنون أنّ عقلهم يتحكّم في الألفاظ، بينما الحقيقة أيضاً أنّ الألفاظ تعود وتَشنّ هجوماً مُضاداً على الفهم، وهذا ما جعل الفلسفة والعلوم مغالِطة وعقيمة، لأنّ الألفاظ تكوّنت في معظمها لكي تُلائم قدرة العامّة من الناس،،، وحالما أراد ذهنٌ أكثر حدّة أو ملاحظة أكثر تدقيقاً أن تُغيّر هذه الخطوط لتلائم التقسيمات الأصْوب للطبيعة فإنّ الألفاظ تعْترض الطريق وتُقاوم التعبير، ومن ثمّ تنتهي الحوارات الرفيعة والجليلة،،، إلى خلافات حول ألفاظ وأسماء » (4). وتتشكّل أوهام السوق وفقاً لهذا النصّ من اللّغة والألفاظ والأسماء المخبأة فيها ومن مضمون المصطلحات، فهل تُحدّد الألفاظ مدلولاتها بشكل صحيح وتصيب كبد الحقيقة، أم أنّ بين الدال والمدلول مسافة يصعبُ ردْمها؟ وهناك حسب بيكون نوعان من الأوهام تفرضهما اللّغة على الفهم: إما أنّنا نَعْثر على أسماء لأشياء لا وجود لها، وإمّا أسماء لأشياء موجودة ولكنها ليست محدّدة، لأنّه جرى تشكيلها على عجل ومن دون تدقيق في الأمر، وهذه الأخيرة هي الأوهام التي يَصْعب مُعالجتها أو اسْتِئْصالها، لأنّها متجذّرة في المجتمع، ولأنّها تشكّلتْ نتيجة تجْريدٍ مغلوطٍ، مثل لفظة صلب، رطب، ثقيل، خفيف وغيرها.

د – أوهام المسـرح

أمّا أوهام المسرح فهي «ليستْ فطريّة ولا هي تسْتَرِقُ إلى الذهن سرّا، وإنّما يتمّ إدخالها علناً وتقبّلها عن طريق النظريات الخُرافيّة والقواعد المغْلوطة للبُرهان» (5). فالتقدير المُفرط لنظريّات القُدامى واستعادتها في كلّ مرّة إنّما يُشبه إعادة تمثيل مسرحي وابتكار عوالم وهميّة وزائفة لها، وإنّ أوهام المسرح وأوهام اللاهوت والنظريات الخياليّة كلّها تنضوي تحت أوهام العقل التي انتقدها بيكون وأقرّ بعرقلتها لمسار التطوّر الإنساني. وفي أوهام المسرح نعثر على أنواع ثلاثة هي: جماعة الفلاسفة من السفسطائيين والتجريبيين وأصحاب الفلسفة النظريّة التي يُمثّلها أرسطو الذي «أفسد الفلسفة الطبيعيّة بمنطقه، وشيّد العالم بمقولاته» (6) في تصوّر بيكون. فلقد تولدتْ عن المدرسة التجريبيّة مُعتقدات مُشوّهة ومَمْسوخة كتلك التي انحدرتْ عن السفسطائيين، كما وأنّ مدرسة أفلاطون قامت بإدخال مذهب الشك إلى الفلسفة، جراء استيائها من السفسطائيين من أمثال بروتاجوراس وهيبياس وغيرهما، ولم يعد لدينا فلسفة في حالة خالصة بل «فلسفة طبيعيّة ومشوّهة ومُفسدة في فلسفة أرسطو بالمنطق، وفي فلسفة أفلاطون باللاهوت الطبيعي، وفي المدرسة الأفلاطونيّة الثانية- عند بروكلوس وغيره – بالرياضيات» (7). وكلّ من أوهام القبيلة وأوهام الكهف وأوهام السوق وأوهام المسرح، هي أوهام العقل وأصنامه التي يجب التخلّص منها وشجْبها وتحرير العقل منها في سبيل فتوحات علميّة جديدة. وتلك هي النتيجة التي ينتهي إليها بيكون في كتابه الأورجانون الجديد.

2- داريوش شايغان والموقف من أوهام العقل/ أصنام الذهن

هل يسْتدْعي التحديث بالضرورة مُعاداة الماضي ومُهاجمتهِ وفق مسعى بيكون ومبرّراته في كتابه المذكور، وهل بالإمكان أن تنساق جميع الثقافات والحضارات نحو هذا المصير، أم أنّ الخصوصيّات الثقافيّة لكلّ حضارة تقتضي عدم التعميم، وأنّ الفرق بين الشرق والغرب، بوصفيهما منظومتين فكريتين مُتباينتين، يفرض أيضاً منطقه في التعامل مع الماضي والحاضر. في هذا الشأن تُحاول فلسفة شايغان الإطاحة بفلسفة بيكون، فلا شكّ أن يقينيات هذا الأخير تُقلق شايغان الذي يعترف قائلاً: «التفكير الحديث يبدأ بمكافحة الذاكرة عند الإنسان. حينما هاجم ”فرانسيس بيكون” أصنام الذهن، وأدانها جميعا تحت شعار المعرفة التجريبيّة، فقد عبّر في الحقيقة على نزعة انبثقتْ في القرن الثالث عشر،،، أصنام ”فرانسيس بيكون” لها مُعادلاتها في التُراث بمعنى الأمانة الإسلاميّة، أي في الذاكرة الأزليّة للكنوز التي يَرِثُها الانسان عن أسلافهِ ويبقى وفيّا لها كعهد مقدّس» (8).

يُجادل شايغان حول هذه المسألة ويُعَدُّ النقد الحلقة الأقوى في نقاشاته، إذ يعتبر أنّ مكافحة الذاكرة الأزليّة من شأنه تعريض الإنسان لخطر تغيّر علاقته بالعالم، وأنّ ذلك سوف لن يساعد على تفعيل مشروع حوار الحضارات، لأنّه سينْسِفها كلّها ويُذيبها في حضارة عالميّة شاملة. وإذا تأملنا مليّا في الأصنام الذهنيّة أو أوهام العقل أو الذاكرة الأزليّة بمعنى آخر، فإنّ الملاحظة تُفضي إلى أنّه يتمّ مقاومتها بشدّة ومحاربتها دون هوادة خاصّة في التفكير الغربي الحديث وفق تحليل شايغان. فـــ «ما يسميه بيكون بأصنام الذهن ويَشْجِبه، هو في الفكر الشرقي أمانة تبقى مصونة في الذاكرة القوميّة، ويحاول مفكّرو الشرق الكبار تحرّي أساس الفكر في غمرة العلاقة بتلك الأمانة واستذكار الرسالة المضمرة فيها، ذلك أنّ الانقطاع عن مصدر الذاكرة القوميّة يمثّل انقطاعا عن الجذور، وبالتالي اغترابا يقذف صاحبه إلى هاوية العدميّة،،، حصيلة هذا السياق كما سنرى، لن تكون سوى اختزال الفكر إلى محض عملانية ”براكسيس”،،، إلى أصنام جديدة توزّع عالمنا المضطرب إلى آلاف الجبهات المتصارعة» (9)، تلك هي النتيجة التي يصل إليها شايغان في الموقف من الأصنام الذهنيّة أو الذاكرة الأزليّة . وإذا كانت هذه الأخيرة يطالها النقد السلبي عند بيكون، فإنّ المديح هو الذي يُكال لها عند شايغان، ذلك المديح الذي يُذكّر الناس بجوانبها الإيجابيّة، لأنّ التُراث الديني والعِرفاني وعوالم الروح عموما لا يمكن التملّص منها بالمرّة في الشرق، وكل مُحاولة من هذا القبيل سوف تبوء بالفشل.

3- الذاكرة الأزليّة مُتعالية على أجزاء الزمن الثلاث في تصوّر شايغان


في مقاربة مفهوم الذاكرة الأزليّة لدى شايغان، يعترفُ هذا الأخير بأنّها مُتعالية على أبعاد الزمن الثلاثة وهي مُستودع الكينونات، كما وأنّ لها رسائلها الروحيّة التي تبقى محفوظة في الوجدان والعقل الانساني، وأنّ «الاستعارات العرفانية والشاعريّة التي تبيّن مقام الانسان ودور التفكّر والتذكّر، ليست لها أية صلة بأصنام الذهن أو المعتقدات الملتبسة التي أقضّت مضجع بيكون، بل هي تشير إلى عالم لا يشبه عالم بيكون الأحادي الأبعاد» (10). ويتمحور اهتمام شايغان بشكل أساسي هنا حول تبيان الأبعاد الإيجابيّة لما يسميه بيكون أصنام الذهن، وأنّ الذاكرة القوميّة تحوي كنوزا لا يجب الاستهانة بها، وهي في نهاية المطاف من أشكال المعرفة الانسانيّة رغم كلّ النقد الذي يوجّه لها. وإذا كان بيكون قد أدان كلّ المعتقدات القديمة، فلأنه رأى في كل تقليد أضرارا ومساوئ تُعرقل التحديث، وهو الأمر الذي تملّص منه شايغان، فلا يصحُّ عنده محاربة كل أشكال المعرفة القديمة. ونجده يتحدث بنباهة عن المرجعيات الروحية الكامنة في الذاكرة الأزليّة قائلاً: «من الجليّ أنّ عظمة الإنسان تتمثّل في إرادته ”الفاوستيّة” الرامية إلى تكبيل الأمور بسلاسل سيطرتها، بل ربّما تمثّلت في التواضع الذي يترك الأمور لنظام نموّها وازدهارها الطبيعي اعتمادا على ذلك الوفاء الذي يحيي ويستعيد الرسالة الكامنة في الذاكرة الأزليّة دائما عبر التذكّر والتفكير الأصيل» (11). ووفقا لكلّ الذي قيل فعلى المرء الذي تعنيه أقاليم الروح تلك أن ينتبه إلى التحديّات المعاصرة، وإلى الأفكار السلبيّة التي من شأنها العبث بسلامه الداخلي.

4- تجربة الشرق الروحيّة ليست هي مشكلة الغرب


لقد تجرّأت الحداثة حسب شايغان على وضع قوالب لعالمنا الإدراكي، وتشكيل معايير تقويميّة، أصبحت بمثابة النظّارات التي بواسطتها ندرك العالم، وإنّ تلك «البنى اللاواعيّة لا تزيّف فحسب منظور رؤيتنا للحداثة، بل تُشوّه أيضا نظرتنا التي نملكها، لتراثنا الخاص. ذلك لأنّنا نعيد اليوم تناول القيّم التي يختزنها موروثنا الثقافي، من خلال المنظور التشويهي لهذا التغريب اللاواعي. بعبارة أخرى، إنّنا نرى صورتنا نحن، معكوسة على مرايا مكسورة» (12). إنّ الغرب لا يفهم تجربتنا الروحيّة ويستعصي عليه إدراكها أو تقدير مضمونها لأنه غير معني بها. وما تمّ تأكيده في كتاب الأصنام الذهنيّة والذاكرة الأزليّة، وفي أوهام الهويّة، يتأكّد أيضا في كتاب النفس المبتورة عندما يكتب شايغان في مقدّمته: إنّ «أولئك الذين يدفعون أكلاف هذه التجربة [الروحيّة] من وعيهم التاعس، أي نحن، هم وحدهم المؤهّلون لأن يبرزوها ويعملوا على تطهيرها» (13). وفي الختام هل يؤدي تطرّف التقنيّة للعودة بأصحابها إلى ذاكرتهم الأزليّة، أم أنّ ذلك من الاستحالة بمكان؟


هوامش المقال
(1) فرانسيس بيكون، الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة، تر: عادل مصطفى، (المملكة المتحدة: مؤسّسة هنداوي سي آي سي)، ص 12.
(2) المرجع نفسه، ص 26.
(3) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
(4) المرجع نفسه، ص 28.
(5) المرجع نفسه، ص 30.
(6) المرجع نفسه، ص 31.
(7) المرجع نفسه، ص 60.
(8) داريوش شايغان، الأصنام الذهنيّة والذاكرة الأزليّة، تر: حيدر نجف، (بيروت: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2007)، ص 25.
(9) المرجع نفسه، ص 32.
(10) المرجع نفسه، ص 50.
(11) المرجع نفسه، ص 52.
(12) داريوش شايغان، أوهام الهويّة، تر: محمّد علي مقلّد، (بيروت: دار الساقي، ط 1، 1993)، ص 127.
(13) داريوش شايغان، النفس المبتورة: هاجس الغرب في مجتمعاتنا، (بيروت: دار الساقي، ط 1، 1991)، ص 7.


  • أكاديميّة وكاتبة من الجزائر khadidjazetili@hotmail.fr

شاهد أيضاً

ذاكرة

فوزية العلوي يذكرني الغيم أمي والباب المفتوح نصف فتحة الريح ذاتها بعطرها المبلل وخفرها وهي …

2 تعليقان

  1. مقال رائع،منهجا،ومحتوى ،جدير بالقراءة والاهتمام .
    شكرا لك دكتورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *