الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / رمضان… شهر للتذكير بالحرية الدينية

رمضان… شهر للتذكير بالحرية الدينية

عبد الرحيم رجراحي

كلما حل شهر رمضان، إلا وتبدأ معه كثرة الجدال عن الصيام والقيام، وعن تبادل الاتهامات بين الممسكين عن الطعام وبين المتذمرين من حرمانهم من الأكل والشرب في واضحة النهار؛ بين من يريدون تطبيق شريعة الفقهاء وبين من يعترضون على أية وساطة بينهم وبين من يتربع عرش سبع سماوات؛ بين من يسعون لتغيير ما يرونه منكرا بألسنتهم بل بأيديهم خارج القانون وبين من يحذرون من أن يتحول من يزعمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى حفار قبر سلطة الدولة وهيبتها؛ بين من ينادون بالأوامر الإلهية وبين من يذكرون بحكمة القوانين الوضعية. والحال أن هذه الجدالات الحامية الوطيس التي يندلع لهيبها ويتطاير شرارها ويتردد صداها كلما أهل شهر رمضان ليست إلا نقاشات جزئية لإشكال عام هو إشكال الحرية الدينية، وهو ما سيكون موضوع مقالنا، لا لنقول فيه الكلمة الفصل، فهذا مما لا يسمح به المقام، وإنما لكي نذكر ببعض المبادئ الأساسية التي يؤدي نسيانها أو تجاهلها إلى حروب مدمرة لا تبقي ولا تذر.

اعلم أن الحرية الدينية ضرب من ضروب الحريات التي يتحقق بفضلها التعايش بين الناس، وتنشب بانعدامها الحروب بينهم؛ لذلك فهي حرية لا غنى للمجتمعات البشرية عنها للعيش في سلام ووئام، ولا سيما أن الواقع، القديم أو الحديث، يشهد على أن انعدامها يكرس التعصب والعداء وما يستتبعهما من عنف وحرب مدمرين؛ ولعل هذا ما يفسر اهتمام المفكرين، قديما أو حديثا، في الغرب أو في الشرق، بمسألة الحرية الدينية، والنضال من أجل تحقيقها، ضدا على كافة أشكال التعصب الديني والسياسي والعرقي والاجتماعي وهلم جرا. فما هي حسنات الحرية الدينية؟ وما عوائق تحقيقها؟ وكيف يمكن التأسيس للحرية الدينية على مستوى النظر من جهة والعمل من جهة أخرى؟

إن الحرية الدينية من شأنها أن تؤسس لثقافة التعايش والاختلاف؛ ذلك أنها تقوم على أسٍّ مفاده أن الأصل بين الناس هو الاختلاف وليس الاتفاق؛ يترتب على هذا المبدأ أن الإنسان من حقه أن يمارس ما شاء من الطقوس الدينية، دون إكراه ولا إجبار، وهو ما يتناسب مع مبدأ وارد في القرآن مقتضاه “لا إكراه في الدين”، ما دام الإنسان لم يتعد على حقوق الآخرين؛ الأمر الذي يعني أن الحرية الدينية للإنسان تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر، قياسا على تحديد جون بول سارتر لمفهوم الحرية بصفة عامة، بل إن الحرية، هاهنا، تعني، من جملة ما تعنيه كذلك، احترام الحدود، أي حدود الذات تجاه الآخر.

يترتب على منظورنا هذا للحرية الدينية أن تكون هذه مدخلا من مداخل تحقيق التعايش، بما هو اعتراف بالآخر المختلف عني، وصيانة حقوقه بالقدر الذي لا أرضى لنفسي أن يسلبني أحد حقوقي، بما فيها الحق في الحرية الدينية، ما دام هذا الحق حق ذاتي يخصني؛ إذ أنا وحدي، وليس آخر سواي يعلم بما من شأنه أن يحقق طمأنينة نفسي من معتقدات وطقوس، وهو ما عبر عنه فولتير في مؤلفه حول التسامح بالقول: “قد أختلف معك، ولكني على استعداد لكي أموت دفاعا عن حقك في الاختلاف”؛ فالاختلاف الديني إذاً لا يفسد للود قضية، ولا سيما أنه سنة كونية، بل هو إرادة إلهية كما ورد في القرآن؛ إذ لو شاء الله لجعلنا نعتقد في إله واحد، ونسلك الطقوس نفسها لتوسله وحمده وشكره على نعمه، غير أنه أجاز الاختلاف، فطفق كل ذي عقل يختار لنفسه شرعة ومنهاجا، وهذه لعمري حكمة لا يدركها إلا من أعمى التعصب بصيرته.

لكن تجدر الإشارة إلى أن البعض يزعمون أنهم يدينون بالدين الأصح على الاطلاق، ويحملهم هذا الزعم على إكراه الآخرين بالاعتقاد في معتقدهم واقتفاء أثرهم، ولاسيما أن المنطق الذي يحكم زعمهم هذا منطق ثنائي القيم، منطق يكرس ثنائية ميتافيزيقية مفادها أنهم مؤمنون وما عداهم كفار؛ وهو المنطق نفسه الذي يسوغون به لأنفسهم التشنيع والتعريض بأغيارهم، والحال أن منطق التمييز والإقصاء والإبعاد هذا يتعارض مع مبدأين دينيين أصيلين وردا في القرآن كذلك: يقر الأول بحرية الاختيار بين الايمان والكفر؛ ويوسع الثاني من هذا الاختيار ليشمل مختلف سبل العبادة والتدين، بدعوى أن الله هو العليم بمن هو أهدى سبيلا، ولا أحد يملك سلطة الفصل في معتقدات الناس الدينية، اللهم إن أراد أن يستغل اسم الله، لقضاء مآرب شخصية ما أنزل الله بها من سلطان؛ الأمر الذي يحدوه للتعصب للرأي الواحد، وإغلاق باب التحاور، والمصادرة على المطلوب، والمبالغة في تقدير نظرية المؤامرة، وإساءة الظن بالآخر، مع سابق العلم أن الأصل في الدين هو إحسان الظن.

يتم صيانة الحرية الدينية إذاً بالنهوض بعملين: الأول نظري، والثاني عملي؛ فأما الأول فيتمثل في التأصيل للحرية بصفة عامة، والحرية الدينية بصفة خاصة، لبيان مدى كونها ضمانة من ضمانات التعايش والاختلاف، وحسن تدبيرهما بما يتناسب مع الحقوق الإنسانية الكونية، وما يقتضيه واجب الاعتراف بالآخر الذي بقدر ما يشبهني، بقدر ما يختلف عني. غير أن هذا الجانب النظري على الرغم من أهميته، فإنه لا محيد له عن جانب عملي لا يقل عنه أهمية، ويتمثل في جعل هذه الخلاصات النظرية ملزمة على مستوى الواقع، من خلال ترسيمها في القوانين التي تنظم علاقة الفرد بالمجتمع، وتضمن لكل ذي حق حقه.

يتحصل، بناء على ما سبق، أن الحرية الدينية شرط من شروط التأسيس لمجتمعات متعايشة، تؤمن بالاختلاف، وتحسن تدبيره، وتنتفض ضد كل من سولت له نفسه التحديق به، من أجل فرض الرأي الواحد، وإذكاء نار الفتنة بين الناس، لقضاء مصالح شخصية ترهب بني البشر، وتحول دون طمأنينتهم وسكينتهم، وحرية معتقداتهم وتدينهم؛ لذلك حري بنا النضال على تحصينها من كافة أشكال الإكراه المحدقة بها، وهو نضال يزاوج بين النظر والعمل، لكي لا يبقى القول في الحرية الدينية، مجرد شعار للاستهلاك السياسوي أو لحاجة في نفس يعقوب، بل قولا تظهر نتائجه العملية على مستوى الواقع المعاش.

أرشيف الكاتب

ندوة سوق السبت واقع وافاق تدريس الفلسفة بالمغرب

5 أبريل 2019 تغطيةرشيد العلويكتبمتابعات 0

تحت عنوان” واقع وافاق تدريس الفلسفة بالمغرب” نظم نادي التربية على المواطنة وحقوق الإنسان بثانوية علال بن عبد الله التأهيلية( مديرية الفقيه بن صالح” بشراكة مع جمعية آباء و أمهات وأولياء التلاميذ بالمؤسسة، نشاطا تربويا، بدار الشباب علال بن عبد الله _ سوق السبت- يوم السبت 23 مارس 2019، ابتداء …أكمل القراءة »

مدارس البيليا تحتفل باليوم العالمي للفلسفة

5 ديسمبر 2018 تغطيةمجلات 0

عبد الرحيم رجراحي           خلدت مجموعة مدارس إيلبيليا بالدار البيضاء اليوم العالمي للفلسفة الذي يتزامن مع يوم الخميس الثالث  من شهر نوفمبر من كل عام، وذلك بتنظيم ندوة في موضوع الفلسفة والعلم، وهي ندوة شارك فيها الأستاذان   أحمد المرابط وعبد العزيز الراشدي،   والتلميذة سلمى بن يحيى التي تدرس بالمؤسسة …أكمل القراءة »

سياسات الرغبة

27 أكتوبر 2018 مساهماتمفاهيمنصوص 0

  بقلم عبد الرحيم رجراحي   يتحدد الإنسان باعتباره كائنا راغبا؛ ذلك أنه لا يكتفي بتلبية حاجاته التي تمليها الضرورة الطبيعية، بل يدِّبر هذه الحاجات وفق سياسات للرغبة، تحدد نمط حياته، وخطة عيشه، وعلل فعله؛ وهو الأمر الذي يجعل رغباته ليست منفعلة فحسب، وإنما فاعلة كذلك، من حيث هي مصدر …أكمل القراءة »

في ثقافة الاعتراف تعليق على كتاب سفر في ذاكرة فنان لعزيز المجذوب

17 سبتمبر 2018 تغطيةعامةمتابعات 0

بقلم عبد الرحيم رجراحي إن الاعتراف بالفضل فضيلة، ولعل من سمات الاعتراف تأليف كتاب عن فنان كانت ذكراه قاب قوسين أو أدنى من الضياع. يقول الجاحظ في كتاب الحيوان: “فقد صَحَّ أن الكتب أبلغ في تقييد المآثر، من البنيان والشعر”. وقد أبلى عزيز المجذوب البلاء الحسن وهو يُقَيِّدُ آثار مسيرة …أكمل القراءة »

الشأن العام بين الدين والسياسة: قراءة في كتاب الدين وخطاب الحداثة لرشيد العلوي

8 سبتمبر 2018 رشيد العلويكتبمساهماتمفاهيم 1

بقلم عبد الرحيم رجراحي   لعل ما يلفت الانتباه في التقديم الذي أعده سعيد ناشيد للكتاب هو اعتباره أن “هذا الكتاب مدخل نظري ونضالي إلى أخلاق المدينة، أخلاق الفضاء العمومي، أخلاق الحداثة السياسية”.[1] وسنسعى في مقالنا إلى الكشف عن هذه الأخلاق التي هي من جنس الشأن العمومي، والتي من فرط …أكمل القراءة »

الفلسفة بصيغة المؤنث أم المؤنث بصيغة الفلسفة؟

10 أغسطس 2018 بصغة المؤنثكتب 1

  عبد الرحيم رجراحي لتحميل الكتاب وقراءته أنقر هنا كتاب الفلسفة بصيغة المؤنث – العلوي رشيد نهدف من هذا المقال إلى تسليط الضوء على كتاب “الفلسفة بصيغة المؤنث”[1] لرشيد العلوي، لكن ليس على سبيل تلخيصه أو تقديمه، وهو ما نهضت به الباحثة خديجة زنتيلي في مقال لها[2]،  وإنما من أجل …أكمل القراءة »

استئناف النَّظَر في الفلسفة الرُّشدية قراءة في كتاب رشيد العلوي[1]

18 يونيو 2018 رشيد العلويفلاسفةكتب 2

بقلم عبد الرحيم رجراحي   قد يتساءل سائل، ما الهدف من إنجاز قراءة في كتاب يبحث في مشكلة فلسفية؟ ويردف ثان، ما الحاجة للنظر في مشكلة فلسفية تعود لفلسفة العصور الوسطى ونحن أبناء القرن الواحد والعشرين؟ ويتعجب ثالث، هل لازال لابن رشد راهنيته وهو الذي قضى نحبه منذ قرون خلت؟! …أكمل القراءة »

تفكير في حركة 20 فبراير

12 يونيو 2018 عامة 0

 عبد الرحيم رجراحي يُمَثِّلُ يوم 20 فبراير من سنة 2011 حدثا تاريخيا في المغرب، تَمَّ من خلاله التأسيس لحركة اجتماعية ذات مطالب سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهو ما تشهد عليه الشعارات التي رفعت في المسيرات الاحتجاجية التي خرجت في مختلف ربوع المغرب، والتي ترتَّب عن قوة تنظيمها، وتنوع تياراتها، وتضحيات …أكمل القراءة »

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

9 سبتمبر 2017 عامةمقالات 0

عبد الرحيم رجراحي – باحث مغربي يعد كتاب مشروع السلام الدائم[1] امتدادا للمشروع النقدي لإيمانويل كانط، بعد أن ألف نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وفيه ينتقد الحروب التي شهدها العالم، والتي ما فتئت أسبابها في تزايد، أمام الحظ على الخيانة، وانتهاك شروط السلام، والتجسس على الدول، …أكمل القراءة »

الأخرويات الإسلامية من الدين إلى الأدب: قراءة في رواية الأربعينية لخوان غويتيصولو[1]

8 سبتمبر 2017 عامةمساهماتنصوص 0

عبد الرحيم رجراحي يعد خوان غويتيصولو (1931…) أنموذجا للأدب الإسباني المعاصر، خاصة في جنس الرواية؛ ذلك أن دراسة أعماله الأدبية والنقدية تكشف للناظر عن فَرادة في الإبداع وجدة في النظر لا عهد بهما للأدب القديم والحديث على حد سواء؛ وهو أمر طبيعي إذا ما أخدنا في الاعتبار أن الرجل كان …أكمل القراءة »صفحة 1 من 212»

شاهد أيضاً

العروي: نحو مفهوم مغاير للوحي

نورالدين الولاد بقلم: نورالدين الولاد ELOUALAD Noureddine، حاصل على الإجازة في الفلسفة بالرباط، ويتابع دراسته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *