الرئيسية / منتخبات / عامة / كانــــــــط والخبز العربي

كانــــــــط والخبز العربي

رحلة قصيرة في ثقافة صانع العقل الانواري

 بقلم بصري محمد  مفتش لتربية الوطنية (القنادسة ، الجزائر)

ذات مرة زرت أستاذا في صفه و بين تلامذته ،له من الكفاءة والتواضع الكبيرين ما جعله قدوة واحترام .كانت الزيارة في مدينة تنركوك “زاوية الدباغ” مدينة تيميمون العريقة بولاية ادرار الصحراوية . كان الزمن ربيعا. نوافذ الفصل مفتوحة على بساتين النخيل والجنان بالتعبير المحلي .تتسرب منها زخات الندى الممزوجة برائحة خبز عربي دافي… فأنفي لا يخطئ أبدا رائحة رماد ونار الجريد وجذوع وأعجاز النخيل. زاد الصورة سريالية “درس  ايمانويل كانط” نص العقل المجرد.كان المعلم متمكنًا من ادواته المعرفية ضابطًا للمفاهيم الألمانية مدركا لفكر ايمانويل كانط ،يميز بين العقل العملي والعقل النظري الخالص.استمتعت أيما إستمتاع باللوحة وانعطافاتها وتكشفها الوجودي. بعبق الخبز العربي الذي أزكى نفسي وبالحضور الكانطي وانطولوجيا المكان. لم يوقظني من لوعة الادراك الآني المكاني وجمالية المعنى ورمزية المشهد إلا الجرس وحركة التلاميذ الخفيفة. استنتجت بما لا يدع شكا ان الفلسفة كونية وعالمية الجدوى والكينونة. وديداكتيك الهدوء والصمت هو أُحجية ولغز الانتصار على بيداغوجيا الصخب.الضجيج والفرقعة لا تصنع نموذجا تعليميا ،بل ثورة الصمت هي عمق الديداكتيك حين يتحد المجرد الكانطي بالثبات العميق للبيداء والفضاء الساكن بالجزائر العميقة.كلما تحسست مداركي ولامست روائح الخبز العربي  الطازج البدوي النكهة، استدعت كانط وفلسفته. لان الفلسفة تتجاوز حدود المكان وفيحاء الزمان.

كانط

.كانط عمانويل Immanuel Kant (1724/1804) أيقونة حداثية فريدة .ومفكر نادر من طينة الانواريين الميتافيزيقيين الذين سطروا فلسفة عقلانية اجتاحت كل مساحات الحداثة.حتى باتت كل حداثة بدون كانط مشكوك في قيمها وفي لحظة تأسيسها.حجّية عمانويل كانط تتمثل في فرادة عقله وشجاعته الكوسمبوليتيقية وقدراته المفارقة في  استلهام التجربة الدهنية. هو نموذج للعفة الفلسفية والأخلاقية. ليس من الغريب  ان يؤسس أعتى المذاهب الاخلاقية التي تضع قدما في الواقع وأخرى في عوالم الميتافيزيقا.الشيء الذي جعل النقاد ومؤرخي الفلسفة       في حيرة وريبة تاريخانية من هذا الطود الشامخ في رحاب التاريخ  الفكري الفلسفي :  أين يصنف ايمانويل كانط؟ هل هو مفكر ديني يُوشح افكاره بتعاليم المسيحية الرعوية ؟ أم هو ميتافيزيقي يبشر باقانيم الكهنوت مدللا ومطوعا الفلسفة لصالح الدين؟ ام هو مفكر عقلاني صاحب ترسانة مفاهيمية عقلانية الغرض منها تقويض الظلامية القرنوسطية للانفتاح على عهد الانوار؟ .تحت مبدأ “تجرأ واستعمل عقلك؟؟ ..التأريخ الفعلي للتعليمية المدرسية والتي أخذت على عاتقها إقحام الدرس الفلسفي في العمومية بعدما كان محنطا وحبيسا  في تعاليم ومؤلفات باروخ سبينوزا Baruch Spinoza (1632/1677)”مقال في الاخلاق” او “رسالة في السياسة واللاهوت” او منغلقا في كتابات  وتعليمات  ماكسيميليان روبيسبيار الذي فجر الثورة الفرنسية  بعد عمليات تنزيل شبه منظمة وبيداغوجية  للنقاشات السياسية الحادة الى الشارع العمومي.او اجتهادات صناع الفكر التربوي الفلسفي ” المركيز كوندروسيه(1743 – 1794 ) الذي دشّن حقولا جديدة في صناعة الفكر المدرسي، مؤمنا بأن تحولا ما في العقل التنوري هو من مهام الفلسفة والنقد العلموي الذي نتج عن فترة الفراغ التاريخي والحضاري والقيمي بعد انتكاسات العقل القرنوسطي المستعبد دينيا ورعويا.

كانط

المجهود الديداكتيكي الفلسفي يرجع الى التطويع الاصيل للعقل الذي قام به كانط وهو ينقد وينتشل المنتوج الفلسفي التاريخي من سطوة المغامرة الهيغيلية.التي أحالت المراس الفلسفي إلى سرديات مؤرخنة لصالح الامبراطوريات الضخمة والحضارات العاتية.حيث لا حيلة و لا مكان للعوالم من الدرجة الثانية والثالثة في الفلسفة كفن ونقد وحياة. كانط الحالم بعالم قيمي يصارع الغريزة التي تهدد النوع البشري بالدمار الحيواني غير الانساني.أنسنة الثقافة البشرية تبدأ من استرجاع السؤال من الهامش الى المركزبدل تدمير حقول الفلسفة . إعادة تدريب النوع البشري بمعقولية مفاهيمية كي يسترد إنسانيته وهو يتفلسف.تقول عنه الكاتبة ماري لومونييه في كتابها الجميل “الفلاسفة والحب”انه عاش حالة عزوبية قهرية ليُخلص قلعة المبادئ من الحيوانية والعدوانية الجنسية.حتى باتت حياته الجنسية من اخطر المسائل الميتافيزيقة الغربية” بالمقابل كان يفضل “أن يموت على ان يكذب كذبة واحدة ” كما وصفه خادمه المخلص المطيع والوفي “واسيانسكي”. 1

كانط الذي همت نفسه للزواج وهو الرجل المنضبط كعقارب الساعة، لكنه بعد اختيار دقيق وطويل لفتاة بروسية، تتعالى عن الاخلاق البروكوستية، ملتزمة وجميلة وشقراء .وعدها بالزواج لكنه لم يواعدها كما  كان يفعل كتاب المقالات الفرنسيين وهم ينسجون خيوط مغامراتهم الجنسية الطائشة مع خادمات من الدرجة الثانية في سلم الارتقاء الطبقي. لم تكن خيبته كبيرة بعدما عاد المفكر الزاهد بعد اربع سنوات ليجد خطيبته  غادرت وتزوجت مند مدة ليست بالقصيرة. .سكونية ورتابة حياته وتزمت حركاته الاجتماعية وإنضباطيته الصارمة المتناهية و المثالية هي نتاج عقله المنظم المرتب. لا سفريات رغم قرب بلدته من بحر البلطيق، بيت عتيق ومكتب خشبي مزخرف بنقوش تمتد للعهد الفكتوري، عزوف عن المحافل الاجتماعية.هدوء مطبق هو شبيه  بصلاة إعتكافية دائمة في دير رهباني يتوق للطقوس الارامية الاولى. وثوقية كانط إنكشفت في أهم مفاصل حياته في منهجه في تبشيره بعهد وميثاق الفلسفة كفضاء لإيقاظ العقل من سباته الهيومي وانزوائيته الثورية الباسماركية.ابطال الثقافة المكتوبة الكانطية لم يكونوا كائنات مقدسة مفارقة جامحة تناقلها الروايات الاغريقية في تأريخها للالهة اليونانية. بل فقط مفاهيم مقننة ومحددة وفق مفاصل عقلانية.خلود النفس وفكرة الله والحرية هي الاشياء في ذاتها DIE SACHE او DAS GLische.تكمن وتتوارى في البارادوكس paradoxe  المتافيزيقي. لان المحاورات الاثينية الهلينية  الكلاسيكية حاولت تخليص الانسان من سجنه الابدي للتحليق به في اساطير “بيرسيوس” وهو يتوعد والده ” زيوس”الاله بقتله وتحويله الى صخرة كئيبة وإنهاء  حلمه بأن يتأبد وهو يعانق المطلقية. ايمانويل كانط فسح للعقل سطوته بتخليصه من عقده الطبيعية والأسطورية والارثودوكسية  الاولى. ليجعله اداة طيعة امام الممكن بالقوة في عوالم الميتافيزيقا.كانط الميتافزيقي.اقنع العقل الانساني بتقبله ان يختزل التفكير الغيبي التروسيتوندالي باحالته الى مسلماته البدائية. نحن نفكر بالميتافيزيقا ومن خلالها لكن مع استحالة اختراقها. فكل عقل مجرد مُكره على خوض غمار التجربة حيث هذه الامكانية تحدث من خلال تملصه من واجباته العقدية والدوغمائية.العقل الانواري الكانطي هو أعجوبة ميتولوجية وميتافيزيقية في آن واحد .هو تعويد للمفاهيم  الفلسفية ان تنتقل من الفضاء الغيبي الزمني  الى المكان التجريبي.لأننا لا نتصرف ازاء هذا العالم ونحن نصدر احكامنا الا بحضور الهي مكثف.كثافة الميتافيزيقا في العقل النظري ليست إلا رعاية الاله المسيحي البروستانتي للبشر الفانين والمقهورين.

كانط القديس والفيلسوف على شاكلة طوماس الاكويني. الذي تتسمى مدينة باليمن باسمه او بالأحرى الاصول الاثمولوجية للقب قد تعود لليمن من باب النكتة الغريبة حسب افادة المفكر التونسي فتحي المسكيني، هو ذاته الذي لم يسلم من حبائل النساء حسب إفادة لويس ريبيكا بريتز في اصداره سنة 1891 حول هاته الامكانية .2 … الذي اتهمه بالوقوع في شباك الاسر العاطفي لشابة روسية  تدعى “شارلوت جاكوبي”من خلال خطابات مسروقة تبادلها كانط المتردد  والخائف  غراميا مع هذه الحسناء. ويبدو ان شغفه السري بالمثقفات لو يتوقف عند هذا الحد فقد دأب على قراءة القصص والروايات الانجليزية مثل “تريستام شاندي للورانس ستيرن 3..  كانط لم يعطي ذاته حق التخلص من لحظات فضول قلبية افرزتها احاسيس ورغبة أيروسية عابرة.  

تبدو هذه الوقائع عجيبة في حق رجل مارس الزهد بغرائبية وطهرانية قاسية. 

تميل الاعتقادات انها ملفقة حول حياته جاءت من كاتب روسي شبه مغمور يريد ان يطل على العالم من فوق اكتاف كانط. هذا الاخير  الذي كان يتأفف وينزعج  من تحريك قوائم مكتبه المطل على حديقة خضراء كيف تتزحزح افكاره ومبادئه الصلبة مع حركة عابرة للشعر الاشقرالذي يغطي رأس شارلوت جاكوبي.

كانط أعجوبة وأقنوم عقلي يضاف الى روائع الثقافة الانسانية وهو يحتل مكانا ملكيا في العمل الفلسفي الكوني.اسعدتم مساء ايها المثقفون.

1_ ماري لومونييه و اود لانسولان  الحب من سقراط الى سيمون ديبوفوار”الفلاسفة والحب ” ص 106

2_ نفس المرجع ص 108

3-نفس المرجع 110.

إقرأ أيضا لنفس الكاتب:

شاهد أيضاً

نحو رَغَدُ الحياة ..!

بقلم  يونس عاشور إِمْنَحْنِي وقتًا.. أكتب أفكاري الزمنيّة.. لا تثقلني عبئًا.. فأشعاري اليوم باتَتْ منسيّة.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *