الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / جويس منصور.. شاعرة النيل السريالية

جويس منصور.. شاعرة النيل السريالية

عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي)

الحلم المصري السريالي:

جويس منصور “شاعرة النيل السريالية”، أو “الحلم المصري الجميل”، هكذا يحبذ البعض نعتها، وُلدت هذه الشاعرة المصرية سنة 1928 بإنجلترا، لتنتقل رفقة عائلتها في سن مبكر إلى القاهرة على حدود النيل، هناك ستتعرف على أسس الشعر ومساراته الملتوية والمتشعبة.

انحدرت جويس منصور من عائلة ثرية، جدها سوري الأصل انتقل إلى انجلترا وتوجه إلى مصر حيث كوّن ثروة كبرى، ما جعلها تعيش نوعا من البذخ والصرامة في الحياة، عبرت عن ذلك في سيرتها الذاتية بقولها أن تلك الحياة “عقدة سيئة بين الحب والموت”، وهذا ما سيجد صداه في كتاباتها الشعرية. أما الشعر فقد ظل يعني لها “طردا للأرواح الشريرة”، ما سيجعلها تتجه إلى البحث داخل ما يسمى بـ”السحر الأسود” والذي نجد له صدى في قصائد عدة. في هذا الصدد يشير جان جاك لوتي، المؤرخ الفرنسي للحركة السُريالية، إلى أنّ علوم السحر والتنجيم والتصوّف اليهودي تبدو مألوفة لدى هذه الشاعرة في قصائدها…

تعدّ منصور من الشعراء السرياليين الرئيسيين والبارزين داخل هذه الحركة الشعرية، التي انطلقت من فرنسا لتتجاوز القارة الأوروبية وحدودها. فقد عقدت منصور روابط صداقة متينة مع الشاعر الفرنسي ومنظّر السريالية الأول أندري بروتون، صاحب البيان السريالي، إذ كانت صديقته المخلصة ومن المقربين إليه، ما جعلها تحتل مكانة رفيعة رفقة شعراء آخرين داخل دائرة هذا الشعر المتمرد، والذي يجعل من الحلم منطلقا له.

احتفلت هذه الشاعرة في مجمل قصائدها بالموت والعبث والسخرية السوداء في ملمح شعري إيروتيكي، متخذة من الجسد –جسدها بالتحديد- أرضا للتعبير والطرح. ما سيجعلها تثير دهشة القراء بقدرتها، بكل جرأة، على اجتراح عوالم شعرية كانت تبدو مستعصية ومن المستحيل الولوج إليها. عوالم تجمع بين الدم والعرق والموت والحب، بين الألم والشبقية، في كشف شفاف ومغر لمعالم الجسد وفتنه. فنجدها تقول في إحدى قصائدها: “وَإِنْ متّ فَسَأعُودُ لأزنيَ في العَالَمِ”.

هذه الجرأة والشجاعة على الإبحار في بحور الظلمات الصعبة والمسكونة بكائنات مخيفة، بحور سريالية وعميقة، جعلت منها واحدة من كبار الشعراء المنتمين لهذا التيار الشعري، وعلامة بارزة في شعر القرن الماضي، وأيضا واحدة من الأكثر إيمانا بمبادئهم في تدمير المحرمات والقواعد والمنطق والمتعارف عليه. ما سيدفع أندري بروتون، سنة 1961،  إلى التصريح لها يوما قائلا: “الشّعر السُريالي هو أنتِ”

شعرية السهل الممتنع:

تكاد تخلو نصوص جويس منصور من أي تكلف لغوي وعضلات مجازية زائدة، أو معجمية نابعة من النائمات في المعاجم، إذ أن قصائدها هادئة وبسيطة وسائلة، ما يمنحها عمقا غريبا ناتجا عن ما يمكن وصفه بـ”السهل الممتنع”. ويبدو هذا جليا في نصوص كثيرا لديها، إذ نقرأ لها قصيدة “فوق رأسي الفراغ” نموذجا:

“فوق رأسي الفراغ

في فمي الدّوَام

وأنت فوق ظهري

القطُ على السطح

يقرض عيناً وديعةً

عينَ حاجٍ يبحث عن ربّه”.

لا تكلّف جويس منصور نفسها عناء الكتابة بمفردات وتعابير عصية ومستعصية على القارئ، لتعبير عن “أحلامها السريالية”. فهي، كما تقول ماري لور ميسير Marie-Laure Missir، “تكتب لغةً فجَّةً ومباشرة بدون التواطؤ مع ما هو سقيم، يساعدها على ذلك حسُّها الفكاهي الطبيعي، الأسود غالبًا”. لا تشويش في نصوص منصور؛ إنها قصائد صافية وبراقة، تتحدث فيها الشاعرة عن رؤاها السريالية وعن جسدها بكل فضح وكشف وعدم ستر، لا تهاب تعريته أمام العامة، ما يجعل القارئ يشعر ويحس بما تحس به ويرى ما تراه ويتذوق ما تأكل ويتلمس نعومة جسدها ويتحسس ثناياه… إنها لغة الجسد التي تقول هي عنها أنها “اخترعتها”.

بنت جويس منصور عالمها الشعري بين الأدغال الموحشة والمظلمة للإيروتيكي والأحلام السريالية واللغة العذبة والمتدفقة بلا ضجيج، لتفتح للقراء عوالم جسدها والليل وهلوسات الرغبة “لأن رغباتنا بالأمس هي أحلامنا غداً”، كما تقول الشاعرة.

لقد ساهم في امتلاك منصور لغة بسيطة وعذبة، كونها انتقلت من الكتابة باللغة الانجليزية- التي بدأت بها كتابة قصائدها الحادة والعنيفة- إلى اللغة الفرنسية، والتي ستكتفي بها -حتى آخر بيتٍ- لغةً لنصوصها الشعرية. فالانتقال من لغة إلى أخرى في الكتابة، واستخدام لغة جديدة للتعبير الشعري يجعل الكلمات أقل حدة وعنفا بادئ الأمر. وهذا ما سيلقي بظلاله على مجمل كتاباتها بالفرنسية، وما ستنهجه أسلوبا شعريا. وقد كان لكل من زوجها الثاني سمير منصور الذي دفعها وشجعها للكتابة بالفرنسية، والشاعر المصري جورج حنين، هذا الأخير الذي قادها إلى نشر نصوصها، فكان له فضل بروزها للعالم، الدور الهام لخروجها بقوة من انعزاليتها. فقد سحرت نصوص جويس كثيرا جورج، والأمر بدا واضحا في مقال له حول شعرها، والذي كتبه سنة 1954 بمجلة “البورصة المصرية”. وكان تعرّفُها على شعراء سرياليين غربيين ومراسلتها لهم، أمثال أندري بروتون وأندري بيار وجورج هونيي، دافعا لها إلى المواصلة في الكتابة الشعرية بروح سريالية ستتخذ فيما بعد أبعادا ومراحلَ عدة، تتعلق كل مرحلة بموضع معين: الألم، الجسد، الموت… توحدها “السخرية السوداء”، ذلك الملمح الذي طبع جل نصوصها.

السيدة السريالية:

وجدت جويس منصور في السريالية شرعنة لكتابة نصوصها، فقد سبق وتعرفت على هذه المدرسة الشعرية قُبيْل وصولها إلى باريس؛ فعيش منصور داخل محيط اجتماعي كان يفرض عليها الالتزام بقوانينه وضغوطه وأعرافه، ما كان يمنعها من قول ما ترغب فيه بحرية كاملة. إلا أنها وجد في السريالية ضالتها، لتعبر عن أفكارها وذاتها بلغة شعرية خاصة. فكما تقول ميسير فـ”السريالية هي حركة أو ديناميكية تطال استكشافاتها ميادين عديدة: الفنون الحديثة والبدائية، الإثنولوجيا، الباطنية، الإيروسية، الصدفة، الحلم… وستلتزم جويس بعمق ونشاط هذه السُبُل”. لكن “لا يمكن اصطناع السريالية. الشاعر السريالي هو سريالي بالطبع”. فقد سمحت السريالية لجويس منصور بأن تتعرف على ذاتها، وأن تكون على ما هي عليه، بلا تردد ولا خوف، فهي لم تصطنع لنفسها هوية أخرى أو شخصية موازية. ويتجلى هذا الأمر في أغلب قصائدها، عبر ضمير المتكلم “أنا je” الذي لا تتردد الشاعرة في استعمالها للتعبير عن أحلامها وذاتها ورغباتها وجسدها:

“أنا عارية

والمَنـُونُ تغرّد

عارية تحت شعري المنتشر

وعيناك الـشهوانيتان

المحاطتان بطلي المِـينا

تكتـشفاني!

(…)!”

نِسْوِية ولكن !:

يعتبر البعض جويس منصور شاعرة مساندة للنسوية Féminisme، وإن لم تكن ناشطة حركية. إنها تعتقد أنه من السذاجة أن نحكم على الفنان من نوعه، إذ نجدها تقول في سيرتها الذاتية، أنه “حينما يعمد الفنان للإبداع، فهو رجل وامرأة”، فعملية الإبداع إذن لا تعرف تمييزا بين الجنسين. ترى منصور في تعدد مهام المرأة قوتها، فهي زوجة وابنة وفنانة في الآن نفسه، فقد سعت دائما إلى تجاوز الرؤى التي يبصر من خلالها المجتمع للمرأة، فتجد ذلك مليا في ديوانها “صرخات”:

“تريد بطني غذاءً لك

تريد شعري لكي تشبع

تريد كِـليتايَ نهدايَ رأسي المحلوقة

تريدني أن أموت ببطء ببطء

أن أهمس بكلمات طفلٍ وأنا أموت”

لقد تمتعت منصور بجمال غريب، جعل الكثيرين ينجذبون إليها، بل تم خلق قصص كثيرة عن علاقتها بشعراء آخرين، وذلك نتاج لسوء فهم لنصوصها الجريئة التي تحتفل بجسدها الأنثوي: باللحم والعرق والدم وثغرات الجسد… فقد “كانت نسوية قبل وقتها”، وهذا ما طبع كتابتاها إلى آخر يوم في حياتها.

نصوص بلا حدود:

قال عنها الشاعر الفرنسي آلان بوسكي: “ستجعلنا جويس منصور نقضي لياليَ بيضاء في الرطوبة. آه! لا ينبغي تركها حتى في مستودع الأموات: بإمكانها إيقاظ الجثث”. رحلت جويس منصور بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان، الذي أضعف جسدها كثيرا، وذلك بباريس في 27 من أغسطس/ غشت 1986، تاركة إرثا شعريا كبيرا خلفها، بصم على تميزها داخل حلقة الشعراء السرياليين، وقد سبق وعلق بروتون على نصوصها قائلا بأنها أجمل ما قرأ في حياته، وكتب لها: “أحب سيدتي عبق الأوركيد السوداء الفواحة من قصائدك”.

كتبت جويس منصور نصوصا متحررة من قيود اللغة والشكل، بل إنها كتبت قصائد متعددة التيمات متحررة من عقدة العناوين، فقلما نجد لها قصيدة معنونة. وصب اشتغال منصور على نصوصها داخل بناء جدلي بين المرئي والمكتوب، العين واليد، لهذا نعثر داخلها على خلط مبهر بين الفنون البصرية والشعر، فقد تأثرت بفن الكولاج التشكيلي، لهذا يمكننا أن نصف نصوصها بأنها نوع من “الكولاج الشعري”، حيث تتآلف الصور المنفصلة فيما بينها داخل فضاء بصري واحد لتوَلّد مشهدا جديدا ومدهش وصادم. وهذا الأمر ناتج عن تأثرها بالتيارات الفنية التي ظهرت قبل الحرب العالمية وبعدها، خاصة السريالية والدادئية والتكعيبية… والتي جعلت من الكولاج مبدأ من مبادئها البصرية.

في ديوانيها “صرخات” و”تمزقات” نجد المقاطع الشعرية، وقد كتبت بسلاسة وتدفق لا يحده أية متاريس لعلامات ترقيم وأي مطبات نقطٍ. تختفي النقط في نصوصها تاركة للبياض كامل الحضور، كأن القصائد لا بداية لها ولا نهاية، تتدلى بلا حبل من شرفة السماء وتسقط بلا مانع في الهاوية. واتخذ جويس منصور من الكتابة الخالية من أدوات الربط أسلوبا لها، خاصة في دواوينها الأخيرة، فنجدها تضع الكلمات جنبا إلا جنب بلا أن يكون بينها رابط، ما يشبه تقنية الدادئيين في الصاق تلك المِزَق التي يجمعونها بعد تمزيق مجموعة من الصور والصفحات عامدين إلى الصاقها مع بعضها البعض، وذلك  من أجل خلق مشهد حلمي مبـهم. فجويس منصور تقطع الكلمات من موقعها السالف وتضعها بمحاذاة بعضها البعض لتترك للقارئ اختيار ربطها فيما بينها. الأمر الذي يُدخل القارئ في صُلب العملية الإبداعية والشعرية.

“السفن تمر دون صخب

على الماء الموحل المتورد تحت الشمس

المتورد من دم أبقار ما عادت تشكو

المتورد من دم أطفال ربما غرقوا غرقاً شريراً

المتورد ربما من دمك الملطخ

السفن تنساب دون صخب

على الماء الراكد الراكد ذي التيار البطيء

وجسدك ينساب أيضاً مسحوباً نحو البحر بعيداً

مهشَّماً بالعصيّ وممصوصاً من الوحل

مسحوباً نحو النسيان”

لقد طبعت إذن جويس منصور جيل السرياليين الأوائل بملمح أنثوي ونسوي متمرد على كل الأعراف الاجتماعية والأخلاقية… بعدما كانت بداياتها الشعرية الأولى بالانجليزية عامرة بالشتائم ذات اليمين وذات الشمال، لتتحول فيما بعد إلى الانتصار للجسد، الذي كشفت عنه بكامل جرأة وعري، وبلغة عذبة وسائلة وسلسة، في رقص ذي طقوس إيروتيكية ينحو لاستبصار دواخل الشاعر وذاتيتها وعوالمها الجوانية، تاركة لحركية اللغة الحرية المطلقة لتخفف عن آلمها التي لا تطاق ولتتخلص منها، لهذا “غنت” جويس منصور عن الألم والحب واليأس في قصائدها، إلا أنها انتصر للحياة إذ نجدها تقول في حوار لها (سنة 1965)، “وإن لم آتِ [للحياة]، كنت لأبعثَ لكم بشبيهي”. إنه شبيهها في الشعر.

من أرشيف الكاتب:

إشكالية الصفح عند دريدا: تحقيقا للمستحيل

5 مارس 2019 فلاسفةكتبمقالات 0

بعد سنوات من صدوره باللغة الفرنسية، صدر مؤخرا كتاب “الصفح…”[i] للفيلسوف الراحل الفرنسي جاك دريدا Jacques Derrida، مترجما إلى العربية عن دار المتوسط بإيطاليا (2018)، وقد عرّبه كل من المترجمين عبد الرحيم نور الدين ومصطفى العارف.أكمل القراءة »

دريدا، الصفح.. والجرح الفلسطيني العضال

13 يناير 2019 ترجمةكتب 0

يفكّك دريدا في هذا النص أطروحات الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكليفيتش، الذي طرح في كتابيه “الصفح” و”ما لا يتقادم” إشكالية الصفح بحدّة يتعصّب فيها للانتقام، على خلفية فظائع المحرقة النازية، ما جعله يرى الوعي الألماني كلّه مذنبًا وشقيًّا. من جهتها فالفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، وإن لا ترى في الصفحة امكانية ارتقائه إلى حد محو كل الجرائم التي تمس الإنسانية، لأنه لا يقابلها قانونيا، إلا أنها لا ترفضه كحل لا مناص منه للقضاء على شرور العالم، إلا أن التفاهة، تفاهة الشر بالتحديد، حينما يتم محاكمة شعب كامل أو شخص بعينه بتهمة جرائم ارتكبها نظام استولى على الحكم في فترة معينة،أكمل القراءة »

ميشيل سير وعصر “الأصبع الصغير”

11 ديسمبر 2018 مجلاتنصوص 0

عزالدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) عتبة للعالم الجديد: لقد تغير العالم إلى أن بات لزاما على شباب اليوم إعادة ابتكار كل شيء ! بالنسبة لميشيل سير (1930) Michel Serres قد وُلد “إنسان جديد”، الإنسان الذي لقبه بـ”الأصبع الصغير”، وذلك لقدرته على إرسال رسائل سريعة والتواصل والتفاعل بأصبع واحد. فقد عرفت …أكمل القراءة »

شرعنة العنف وتفاهة الشر  عند حنة أرندت

18 نوفمبر 2018 بصغة المؤنثمجلات 0

عزالدين بوركة  (كاتب وباحث مغربي) رغم رفضها للَقب “فيلسوفة”، بحجة أنها تشتغل في التنظير السياسي، فحنة أرندت تعد من أبرز المفكرين وعلماء الاجتماع السياسي في القرن العشرين، الذين أعادوا الرؤية في الفكر الغربي وأزمة الحداثة، شأنها في ذلك شأن ميشيل فوكو وجاك دريدا ومارتين هيدغر وهابرماس… الذين تأثروا بمطارق نيتشه …

شاهد أيضاً

عبد الله القصيمي يحاكم الإنسان العربي والإله

عز الدين بوركة (شاعر وباحث مغربي) يقول فريدريك نيتشه على لسان زارا بطل كتابه “هكذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *