الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / ماكس شيلر…العقل والمعرفة

ماكس شيلر…العقل والمعرفة


علي محمد اليوسف

(الانسان هو المكان الوحيد الذي يتجمّع فيه الأله) ماكس شيلر

تعريف

ماكس شيلر (1874 – 1928) أحد فلاسفة الحياة في بداية نشأته, وفي مرحلة لاحقة أشتغل على فلسفة فينومينالوجيا هوسرل محاولا تطويرها بمفهومه الفلسفي الخاص به.وفي سنوات شبابه وقع شلر تحت تأثير أستاذه (أيكن) أحد فلاسفة الحياة الذي كان أهتمامه منصّبا حول حياة العقل, بأختلاف عن فلاسفة الحياة مؤكدا على مركزية العقل ومحوريته في الفهم المعرفي والوجود الذي ينكرونه عليه فلاسفة الحياة. كما تأثر شيلر لاحقا بكل من نيتشة ودلتاي وبرجسون, ما جعل (ترولتش) ينعته ب (نيتشة الكاثوليكي) فقد كان شيلر أحد المتأثرين بالقديس أوغسطين أيضا. وبحسب المعنيين بتاريخ الفلسفة الاوربية الحديثة في القرن العشرين, فهم يرونه يستحق الاهتمام الخاص به لأنه أهتم بقوة وحماسة على كينونة الشخص والعودة الى الانسان والاهتمام بقضاياه.(1)

وما يهمنا في هذه المداخلة السريعة هو التعريف بمفهوم شيلر عن العقل والمعرفة بمسح أجتزائي مقتضب غير مخّل, من حيث أن شيلر لديه أهتمامات فلسفية عديدة ,يحتاج كل مبحث منها الى دراسات مستفيضة معمّقة, فمثلا هو أهتم بعلم الرياضيات وله كتاب فيه, وأهتم بالمنطق ايضا, وبمثالية كانط وكتب فيها , وكتب في الاخلاق, والفينامينالوجيا, وكذا في موضوعة الحب , وفي المعرفة , والبنية الماهوية لكل ماهو موجود منتقدا كانط فهمه الادراك العقلي للوجود, في وجوب معرفة (ما) الاشياء قبل تساؤلنا كيف نعرف الاشياء كما ذهب له كانط وفلاسفة الحياة.

شلر والعقل

قبل دخولنا معترك بعض أفكار شلر لا بد لنا من عرض فيه تحقير فلاسفة الحياة للعقل فقد ورد على لسان كلاجز:( أن العقل يقوم بعمل قاتل في حق الحياة وأن العقل خصم للنفس وخصم للطبيعة وخصم للاخلاص ولكل ماله قيمة, لذا علينا رفض العقل وأن نعود الى تصور العالم على ما كان عليه عند البلاجيين, أي الى الحياة المتحررة من العقل تماما التي تتمتع بالروح البدائية بغير وعي منها)(2)

ينتقد ماكس شيلر كانط في منهجه الاستقرائي في المعرفة قوله :(أن ميدان القبليات- البديهية لا علاقة لها على أي نحو مع ما هو صوري,كما كان يرى كانط. فهناك – والقول لشيلر- ما هو مادي, وهي مضمونات مستقلة عن الخبرة وعن الاستقراء, ويرفض شيلر بشدة متكافئة كلا من الاتجاهين التصوري, والاتجاه الاسمي الوصفي) (3), هذا التوصيف لايمّثل سوى أتجاه مثالي واحد هو قابلية العقل التجريدية في التعبير عن الوجود بالفكر واللغة, ولا يمثل أية آلية جديدة غيرها في تعبير العقل عن مدركاته وعن المعرفة أيضا.

وأن مثالية شيلر هنا هي نسخة متقدمة عن مثالية كانط, والاثنتان تدوران في حلقة مثالية دائرية واحدة في فهم الوجود والمعرفة. كونهما يفترضان وجود مدركات قبلية بديهية معطاة للعقل. وهذا مايرفضه جون لوك صاحب الوضعية المنطقية التجريبية الجديدة وفلاسفة آخرين تماما معتبرا أن الخبرات القبلية العقلية أن وجدت فهي تكون مكتسبة بالتجربة العملية والخبرة المتراكمة, وليس بالمعطى الفطري الجيني الوراثي لها, والخبرات العقلية لا يكون مصدرها سوى التجارب الحياتية و العلمية, وبغير ذلك فلا وجود حقيقي لها.

فهي أي الخبرات القبلية مكتسبة وليست خبرات جينية بيولوجية موروثة تولد مع الانسان مزوّدا بها. وفي عبارة جون لوك الشهيرة أن الانسان يولد طفلا وعقله صفحة بيضاء , هو رد مباشر شبه يقيني في دحض الخبرات القبلية عند الانسان.

ومن الجدير ذكره أن من بين المنادين بالخبرات القبلية ديكارت وهيوم وجون ديوي وغيرهم من فلاسفة الخبرات القبلية الموجودة في عقل الانسان بالفطرة كمعطى تتشارك به بيولوجيا الجينات الوراثية مع هبة الخالق لها بالفطرة  للانسان..

كما أن التفريق بين ما هو مدرك تصوري مثالي وما هو أسمي وضعي وعلاقة العقل بهما مسألة محسومة تماما في صالح العقل وليس في صالح التجزيءلادراكات لا تحصى فهي تكون جميعا مصدرها الادراك العقلي الواحد, وليس معنى هذا أن العقل يدرك المعطيات المادية والمعرفية والانطباعلت النفسية, والحب, والعواطف والاخلاق والجمال والقيم وغيرها بآلية أدراكية واحدة يقوم بها العقل…وأنما تقوم بهذا التنوع الكثيرجدا من المدركات الواردة بشكل حزم لا نهائية ترد العقل وتستقبلها وتعالجها مليارات الخلايا العصبية الموزعة في القشرة الدماغية, وفي تخصصات غاية في التعقيد والتنظيم والاعجاز التنفيذي لمخرجات العقل في جدلها التخليقي مع العالم الخارجي ومع موضوعات الذاكرة أيضا.أي الموضوعات التي تستحدثها الذاكرة التخييلية وتضعها أمام العقل للنظر بها وأعطائه ردود الافعال عنها.

ثم أن حصيلة أدراك الواقع المادي, هي ذاتها حصيلة العقل الذي يخلق التصورات لفكرية العملية المادية لها , والتصورات المثالية التجريدية الصورية.فكلتا الفعاليتين هما أدراك عقلي واحد في تخليقه وتعبيره عن المدركات والوجود كوحدة واحدة يقوم العقل بالبت في أمر أصدار الايعازات الانعكاسية الجوابية الارادية منها وغير الارادية المتنوعة العديدة بشأنها…ولا مجال في الفرز والتفريق لوظائف العقل الادراكية من خلال تجزئتها الى مادية أو مثالية تجريدية أو غيرهما في أكتساب المعرفة. لأن مثل هذا التجزيء في وظائف العقل يقودنا الى ما لا يمكن حصره من أنواع الادراكات التي يستلمها دماغ الانسان من الطبيعة والمحيط والاجابة عنها خلال ساعات فكيف يكون الحال مع الايام والاسابيع والشهور والسنين الخ.؟؟

ماكس شيلر

ويرى شيلر:(أن الذي يمّيز العقل الانساني تمييزا قاطعا هو نشاط الافكار التصورية, أي ملكة فصل الماهية عن الوجود, وبالتالي فأن العقل موضوعي, وأمكانية يحددها شكل او هيئة الاشياء ذاتها) (4)

أن عبارة شيلرهذه التي مررنا عليها,هي أن العقل يتميز تمييزا قاطعا في نشاط الافكار التصورية صحيحة لكنها لا تقوم على فصل الماهية عن الوجود بل لأن قدرة العقل تقف عند حدود معرفته ظواهر الوجود التي يمكن التعبير عنها تصوريا باللغة,أي في تعبير العقل عن مدركات الظواهر بالفكر التجريدي واللغة, وما لا يمكن التعبير عنه بالفكر واللغة الصورية غير موجود, بمعنى غير مدرك عقليا لأن العقل عاجز عن أدراك ماهيات الاشياء ولا متاح للعقل التعبير عنها بنشاط صوري كما في التعبير عن الاشياء في ظواهرها.,لذا يكون العقل في حّل من أمر فصل الماهية عن الوجود للاشياء.وليس كل الاشياء في العالم الخارجي تمتلك ماهيات هي غيرها المدركة في صفاتها وظواهرها الخارجية.

وهي مسألة غاية في الدقة وصواب التعبيرفي توصيف ظواهر الاشياء التي يتعذر على العقل التعبير عن ماهياتها, من حيث أن وسيلة العقل في أدراك الاشياء في الطبيعة وعالم الموضوعات الخارجية المستقلة منها في وجودها الطبيعي, أو الموضوعات التي تبتدعها الذاكرة المخّيلة العقلية في الذهن والتفكير العقلي الصامت ومعالجتها, أنما تكون غاية العقل من ذلك ليس الاقتصار على فهم الظواهر وتفسيرها أو تحليلها فقط, بل أن فاعلية ونشاط الافكار الصورية أي التعبير بالفكر واللغة عن مواضيع الادراك العقلي, أنما هي في حقيقتها تخليق العقل للاشياء المدركة ومحاولة تغييرها نحو الافضل, وبما يخدم حياة الانسان وليس الاكتفاء بمعرفتها تجريدا سلبيا.

ولو نحن أقتصرنا على أدراك العقل للاشياء من أجل معرفتها وتفسيرها فقط وليس من أجل خدمة حياة الانسان نحو الافضل لكنا الى يومنا هذا نعيش في عصور الكهوف البدائية.

أن أدراك الاشياء في الطبيعة هو قوة مادية يمتلكها الانسان من أجل سد حاجاته وليس من أجل التعبير المجرد عنها كمدركات لا أهمية لها في حياته.كما أن الافكار التصورية للعقل, أنما هي أنعكاس جدلي حيوي غير ميكانيكي في تعالق المادة والفكر على مستوى الادراك العقلي للاشياء وأدامة حيوية تطورها.

والافكار التصورية في التعبير عن الوجود, أنما هي تمثل مرحلة ثانية تلي مرحلة الادراك العقلي للاشياء من حيث أهمية أجراء عملية تحليلها وتخليقها في الذهن أولا… فالعقل يدرك مواضيع الوجود المادي والخيالي معا في كل تنوعاتهما واختلافاتهما كحزم لا تحصى من الادراكات التي ترد العقل عن طريق الحواس والذاكرة, بعدها يقوم العقل  بتخليق دينامي حيوي لها قبل التعبير عن مواضيع الادراك بالفكر واللغة التجريدية الصورية داخل وخارج العقل في مجمل موضوعات الادراك وتنوعاتها وتوقيتاتها الزمنية في وصولها كمعطيات ادراكية للعقل… وبهذا يكون العقل (موضوعيا) كما يصفه شلر وليس ذاتيا فقط, بمعنى أنه مادي فاعل ومؤثر بالوجود وليس مدركا هامشيا محايدا ذاتيا في تدبيره حياة الانسان…

والعقل في الوقت الذي يعي نفسه أو ذاته, هو عقل موضوعي في مهمته أدراك عالم الاشياء الخارجي أيضا. والعقل يدرك وجود الاشياء ومحاولة أعطائه الفهم التحليلي والتفسيري لها بالفكرالجدلي ,قبل أهتمام العقل التعبير عنها صوريا تجريديا باللغة. أما الشيء الذي نجده يستحق فعلا الاهتمام الجاد والكبير به ومناقشته هو أعتبار شيلر أن العقل يمتلك (ملكة) فطرية يستطيع تمييزه بها نوعية الشيء المدرك من حيث امكانية العقل فصل ماهيته عن مظاهره وظواهره الخارجية.وبذلك يسبغ شلر على العقل أمكانية ليست من اعمال العقل ولا يمارسها وعاجز عنها ولا هي من اختصاصه القيام بها ونعني بها قيام العقل فصل الماهية عن الوجود كما يرغب شلر.

كما نجد أن تخطئة كانط في أصراره عدم امكانية العقل فصل ماهيات الاشياء عن ظواهرها الخارجية المدركة,أن تكون مصادرة رأيه بهذا المعنى والتعبير الفلسفي الاجتهادي المقبول, هو في مصادرته دونما أعطائنا شيلر بديلا فلسفيا مقنعا في كيفية أمكانية العقل فصل الماهية عن الوجود وكيف؟

بالحقيقة أن وجود الاشياء والمواضيع المستقلة في الطبيعة, وتمايز ماهياتها عن ظواهرها أو ظاهرياتها , هو في تعبير الوجود عن ذاتيته المستقلة بالطبيعة (ذاتها) كماهية غير مدركة وظواهر متعالقة بها قابلة هي وحدها أدراك العقل لها…,والعقل في أدراكه الشيء يدركه كوحدة واحدة من المكونات الظاهرية والماهيات المغلقة غير البائنة ادراكيا, ولا يستطيع العقل فصل معرفة ماهية الشيء عن ظواهره الخارجية لا في أدراكه ولا في أعادة تخليقه بالذهن له. ,فماهية الاشياء وعدم أدراكها حدسا عقليا أو تجريبيا أنما هي من خصائص الطبيعة غير العاقلة وليس من مهامها البيولوجية وظائفيا, فالطبيعة في اشيائها لاتعي ذاتها ولا تعي موجودات الاشياء المكوّنة لها التي هي الاخرى كما العقل لا تستطيع فرز ظواهر الاشياء عن ماهياتها بالادراك المباشرلها من قبل الانسان فقط.

فالطبيعة هي موضوعات أدراكية للعقل لكنها لا تمتلك أدراكا ذاتيا ولا موضوعيا جدليا متخارجا كما هو عند الانسان بعلاقته بالطبيعة… وليس من مهمة العقل المدرك للطبيعة والاشياء في ظواهرها البادية للمعطيات الادراكية الحسّية فقط التعبير عما يعجز عن أدراكه وهو ماهيات الاشياء وكيفياتها…الماهيات ألعصيّة على ألادراك العقلي وليست ظواهر الاشياء…

فالعقل يعجز فصل الماهية عن الوجود مثلما تعجز الطبيعة فعل ذلك أيضا, لكن بفارق جوهري كبير هو أن العقل يدرك عجزه كونه يعي ذاته والموضوع معا, بينما الطبيعة لا تدرك هذا العجز لعدم توافر الادراكين الذاتي والموضوعي عندها ناهيك عن أنعدام امتلاك الطبيعة خاصيتي الفكر واللغة اللتين يتمايز بهما الانسان عن الطبيعة في التعبير عن أدراك الاشياء ذاتيا وموضوعيا معا..

والحقيقة أن الادراك العقلي المادي للاشياء لا يدرك ماهياتها منعزلة كما لا يدرك ظواهراها ألبادية منعزلة عن أرتباطها الوثيق بجواهرها الكامنة فيها, ولا ينفصل العقل عن أدراكه الاشياء في ظواهرها من حيث أن المدرك الظاهري للشيء هوغير مدرك في ماهيته, ليس بالمعنى(الكيفي) النوعي للادراك,بل بالقياس الكمّي الذي لا تنفصل فيه ملازمة ظواهر الاشياء المدركة عقليا بكيفياتها غير المنكشفة لادراك العقل, كما هو الحال مع الظواهرالمتعالقة مع كيفياتها الماهوية في غالبية موجودات الطبيعية.

بتعبير آخر فأن الماهيات تتعالق في تبعيتها أدراك العقل لظواهرها, أي أن ظواهر الشيء المدرك تبقى في ملازمتها ماهيتها غير المدركة وترافقها معها, العقل وأن كان يدرك ظواهر الاشياء فهذا لا يعني مكنة وقدرة العقل التمييز الادراكي بين الظواهر والماهية في أدراك الوجود.

لكن تبقى محدودية ألادراك العقلي في عدم معرفة ألماهيات, وفي قدرته تفسير ظواهر الاشياء فقط ليست حيادية عقلية بل في تداخل وتفاعل تخليقي متجانس ومنظّم للظواهر وليس الماهيات التي تكون ثابتة في حال ملازمتها ثبات ظواهرها, العقل لا يعرف (ماهية) الشيء المدرك في ظواهره, كي يتمكن فصل الماهية عن ظواهرها كما يرغب شيلر.

وليس في قدرة العقل الادراكي القيام بمهمة الفصل تلك, لذا عمدت الفلسفتان المادية والمثالية في أعتبارهما أدراك الاشياء في ظواهرها المادية الوجودية المستقلة , هو أدراك كاف للعقل في معرفة الاشياء من حيث هي موجودات الطبيعة…وأن مجموع الصفات والظواهر للشيء هي ماهيته غير المنظورة للحواس ولا المدركة للعقل, وكل تغيير في الظواهر والصفات الخارجية المدركة للاشياء, أنما يستتبعها تغيرات جوهرية في حقيقة الاشياء كيفيا ماهويا رغم ألزعم القائل أن الماهيات جواهر ثابتة لا يمكن تغييرها.

فالتغيير في صفات الشيء يقود حتما الى تغيير بعض ماهياته الثابتة أو جّلها التي هي في حقيقتها غير ثابتة وانما تعيش حركة تضاد حركي جدلي بداخلها ,وتعيش  ديالكتيك متخارج مع صفاتها.أضافة الى أن ماهية الشيء هي في مجموع صفاتها وظواهرها المدركة حسيا وعقليا , ومعرفتها في خواصها هذه يعني معرفة ماهيتها.

الماهية البيولوجية والماهية الرياضية

ونجد هنا أهمية التفريق مابين معرفة ماهية الشيء رياضيا علميا عنها في معرفته البيولوجية الطبيعية عقليا, أن الادراك في كلتا الحالتين واحدا في الاحتكام النهائي لمرجعية العقل, أذ لا يمكن أدراك أو معرفة ماهية شيء بغير العقل. لكن أدراك ماهية الشيء رياضيا, أي معرفة حقيقتة الرياضية أنما تتم باعتماد رموز المعادلات الحسابية المختبرية التجريدية,وهو ما لا يتوفر عليه العقل أدراكه ماهيات الاشياء في وجودها البايولوجي الحي في الطبيعة التي تفترض معرفة ماهيتها حدسا أدراكيا مباشرا من العقل القاصر معرفتها حسيّا , ولا يحتاج العقل مرموزات المعادلات الرياضية كما في الفيزياء والكيمياء والهندسة وغيرها من علوم الطبيعة, بل يحتاج أفكار اللغة في التعبير عن معرفة كيفيات الاشياء البيولوجية في حال أمكانية كشفها ومعرفتها.

كما تذهب فينامينالوجيا هوسرل أنها تلتقي بالعلوم الرياضية في معرفة الماهية لكن بطريقة الحدس العقلي, اذ حسب زعمهم أن الفينامينالوجيا هي مثل علوم الرياضيت لا تعالج وقائع عابرة, أي لا تعالج موجودات الاشياء في الطبيعة, وانما تهتم بماهياتها فقط, ولكن بأسلوب غير منطق الرياضيات في المعادلات, بل في أسلوب الحدس العقلي للماهيات والتجربة.

من الواضح أن خطأ الفينامينالوجيا زعمها أنها تلتقي مع علوم الرياضيات في معرفة ماهيات وحقائق الاشياء غير ممكنة, فالمنهج المنطقي الرياضي الذي يعتمد معادلات تجريدية في الوصول الى حقائق وماهيات المواضيع, لا تتوفرعليها الفلسفة الفينامينالوجية في أعتمادها الاستدلال الحدسي العقلي غير اليقيني الثابت في الوصول الى ماهيات الاشياء في حال أفتراض وجودها الثابت…ولا يمكن معرفة الماهيات في حدسها عقليا ظاهريا, لأنه في حالة افتراض التسليم بهذه الامكانية الفينامينالوجية في الحدس العقلي, فأن هذا الحدس يستلزم خبرة أدراكية قبلية موجودة في العقل عن الشيء المراد معرفة ماهيته حدسيا.ثم والأهم من هذا أن المواضيع المراد معرفة ماهياتها رياضيا مختلفة جدا عن مواضيع معرفة ماهيات الاشياء البيولوجية الحية في الطبيعة فينامينالوجيا.

أذا ما أخذنا بالاعتبار أن ماهيات الاشياء البايولوجية في الطبيعة هي في حالة من الاحتجاب الكامن خلف ظواهرها, ولا يمكن للعقل أدراكها أو معرفتها بالمباشر الحسي أو الحدسي. نجد ومن هنا نقول أن الشيء الذي يعجز العقل عن أدراكه ماهويا لا يمكن التعبير عن ماهيته بأي نوع من التعبير الذي يمكننا فهمه.

أن عبقرية العقل وأعجازه تتمثل في أن أدراكه الاشياء ليس فقط لفهمها, بل في وجوب القيام بمهمة تفسير الادراكات بهدفية قصدية تغييرية للاشياء في ظواهرها فقط أي في تخليقها وتجديدها وتغييرها وليس في خلقها.

, أما أن يتداخل ما هو ظاهري مدرك عقليا للشيء في جدل متخارج مع ماهو ماهوي كيفي غير مدرك لنفس الشيء, فلا يكون هذا من مهمة العقل وأنما من مهمة الطبيعة المحكومة بالجدل وبالحركة الدائمية والتغييرالمستمر في الزمان والمكان….تغييرات الاشياء في الطبيعة أنما يحكمها قانون الطبيعة في الديالكتيك الذي يعمل باستقلالية تامة عن أدراك أو تدّخل عقل الانسان بها ولا تستجيب لرغائب الانسان…الانسان منذ وجوده في الطبيعة يشكل جزءا متمايزا عنها فهو يقوم فقط بمعرفة ظواهر الاشياء فيها ولا يتدخل بقوانين الطبيعة سوى فقط التي يجري اكتشافها من قبله, أما القوانين الطبيعية التي لم يكتشفها الانسان لحد الآن فلا سيطرة له عليها ولا معرفة له بها ولا تداخل معها لا بالحواس ولا بالعقل…لذا تكون قوانين الانسان المخترعة عقليا تسري على الطبيعة في الظواهر المكتشفة منها فقط ولا تسري على قوانين الطبيعة غير المكتشفة للانسان من ضمنها قانون كيف يدرك العقل الانساني الوجود في كيفيته وجوهره.

كانط وشيلر والمعرفة العقلية

أن فصل الادراك الماهوي للشيء عن وجوده الظاهري المادي المستقل في الطبيعة ,كان أشار له كانط في أن العقل عاجز عن معرفة ماهيات الاشياء, في نفس وقت وآنية أدراكه المادي لها في ظواهرها فقط. والعقل لا يمكنه التمييز بين الشيء في ماهيته والشيء في ظاهرياته في ادراكه الخارجي للاشياء. وكما ذكرنا سابقا أن العقل يدرك الاشياء في وحدة وجودية واحدة هي الماهية والوجود, ويتعامل مع ظواهرها تخليقيا جدليا, ولا يخلق وجودها المستقل من جديد, فالافكار لا تخلق الوجود بل الوجود هو مصدر خلق الافكار.

ويبقى أدراك الماهويات عقليا مرتهن بمدى تعالقها مع أدراك العقل لظواهرها, والتخليق العقلي لا يمس كيفيات أو ماهويات تلك الاشياء لأنه لا يدركها, لذا نؤكد أن كل تغيير يطال الاشياء في ظواهرها لا يحتّم بالضرورة تغييرا ملازما في كيفياتها وماهياتها الثابتة, بنفس وقت لا ينفي أمكانية حصول تغيير في كيفية ما عند تغيير العقل ظواهر ذلك المدرك أو غيره…أذ ربما يحصل نوع من التبادل الجدلي التغييري في الشيء المدرك ظواهريا مع ماهيته التي تكون في حكم الثبات بالنسبة لأدراك العقل لها في وجودها الطبيعي المستقل,لكن بعد تدّخل العقل معالجة ظواهرها ربما يستتبع هذا تغيير في كيفياتها غير المكشوفة للعقل.

من  جهة أخرى نجد شيلر في معرض أدانته لكانط في منهج الاستقراء المعرفي, وأتهامه له بالخلط ما بين العقلي والقبلي, وهو خلاف ما سعى له كانط أنه أراد تأكيد تداخل العقلي والقبلي بما لا يمكن العقل الفصل بينهما, فكل ما هو عقلي يصبح قبلي في المراكمة من الخبرات, عليه يكون العقل قسمة مشتركة بين المفهومين في أدراك المعرفة, كما لا يوجد خبرات قبلية ولا ماهيات يختزنها العقل كمعطى ألهي أو هبة طبيعية في العقل. وأنما كل الخبرات تصبح بديهيات وحقائق عقلية بالتراكم المعرفي التجريبي,التي مصدرها الوجود, ويعجز العقل تخليقه الوجود وأن يجعل من الخبرات القبلية غير الموجودة في حقيقتها بديهيات مسّلم الأخذ بها.

قوانين الطبيعة وقوانين العقل

يذهب ماكس شيلر الى أنه ( لا يوجد عقل يفرض قوانينه على الطبيعة, واننا لا نستطيع أن نثبت الا ما يعتمد على الاتفاق والاصطلاح, أما القوانين فلا أحد يستطيع فرضها) (5) لم يوضح لنا ماكس شيلر لماذا لا يستطيع العقل فرض قوانينه على الطبيعة التي نحاولها في توضيحنا التالي , على حد فهمنا لعبارات شيلر الغامضة خاصة قوله ما يعتمد على الاتفاق والاصطلاح وما المقصود منهما:

  • أن العقل الانساني محدود جدا في فهمه لا متناهي قوانين الطبيعة وقدراتها الفائقة التي تحكم الوجود الانساني بما لا يعرفه الانسان عنها الا في القليل منها, والقول بأن الانسان سيد الطبيعة مصطلح غائم غير صحيح بالنسبة للطبيعة وقوانينها, لكنه ربما يرضي غرور الانسان في محاولته وطموحه السيطرة على الطبيعة في أكتشافه قوانينها الثابتة كاملة…الطبيعة هي مرضعة الانسان والحيوان والنبات وجميع الموجودات في تأمين بقائها وأدامة حياتها في توفير الغذاء لها, وأن كانت لا تعي ذاتها لكنها لا تسّلم قيادها بيد الانسان, لأن ذلك خارج عن أرادتها الصماء الثابتة أيضا…والطبيعة تعرف بقوانينها التي تحكم الوجود الطبيعي بضمنه الوجود البشري, وليس فقط بالاشياء المادية الظاهرة والبائنة لادراك الحواس والعقل المباشرمن كائنات حية وغير حية تشاركه الطبيعة.  

الانسان بقدر أحساسه الكبير جدا أنّه لا يستطيع الاستغناء عن الطبيعة, ألا أن الطبيعة لا تدرك حاجة الانسان لها ولا تستجيب هي لرغائبه أكثر مما تجود به هي على الانسان والحيوان والنبات من أسباب البقاء والحياة بلا ادراك منها.

  • أن الطبيعة هي مصدر خلق قوانين العقل وليس العكس. بمعنى عجز العقل أن يكون مصدرا مهيمنا باختراعه قوانين تمكنه من هيمنته على الطبيعة,فالوجود الطبيعي للاشياء هو الذي يخلق قوانين العقل, وبقوانين الطبيعة القبلية الثابتة التي تمتلكها الموجودات والتي يفتقد العقل أمتلاكها أو بعضها هي التي تحكم الوجود.

وقوانين الطبيعة قبلية متعالية على الوجود والانسان في غموضها وعدم قابلية العقل البشري أدراكها أو أكتشافها كاملة الا في بعضها, وليس بمقدور العقل أختراع قوانينه ذاتيا, قوانين يحكم بها الطبيعة ألا في أضيق نطاق ومجال هو ما يخص الطبيعة في ظواهرها وبعض القوانين المكتشفة من قبل الانسان عنها…لذا يتعذّر على الطبيعة أستقبالها قوانين العقل التي يخترعها التي تكون هي مصدرها الحقيقي وليس العقل.القوانين الطبيعية المكتشفة منها وغير المكتشفة, هي التي تحكم الوجود, وقوانين الانسان المخترعة لا تحكم الطبيعة ولا الوجود بقدر تاثيرها الضئيل في تسخيرها الطبيعة لصالح بقاء الانسان وادامة حياته على الارض ومعه جميع الكائنات الحية.

  • قوانين الطبيعة لا تستمد مشروعية قبولها من وعي الانسان بها أو حاجته لها, ولا تعمل أو تعي تلبية رغائب الانسان منها, ويمكن لموجودات الطبيعة أن تتقبل قوانين العقل التي تتداخل في ظواهر الاشياء فقط وليس بماهياتها التي يعجز العقل ادراكها.كما أن أختراع العقل لبعض قوانينه, فهو لا يمتلك بها أمكانية أبطال فاعلية قوانين الطبيعة الثابتة أو تحكمّه بها..
  • أن القانون المستمد عقليا من أدراك الطبيعة لا يتعامل بحيادية التعبير عن تلك الادراكات بلغة التصورات المثالية التجريدية في حيادية زائفة تنسب للعقل, بل أن العقل يتداخل بالفكر والتجربة العلمية في تخليق مدركاته المادية والمثالية على السواء ليس من أجل معرفتها وتفسيرها المجرد, بل من أجل تطويعها لخدمة الوجود الانساني… أن ملكة العقل الادراكية النقدية تتداخل حتما في تعديل واكتشاف العلل السببية السلبية التي تعمل بالضد من تسهيل حياة الانسان وصعوباتها, والا فلا معنى أن يدرك العقل الانساني الطبيعة واكتشاف قوانينها الثابتة الفاعلة من أجل فهمها وليس من أجل تسخيرها في خدمة الحياة والوجود الانساني.

لذا فأن الطبيعة في الوقت الذي تكون أرهاصا أوليا للعقل في أدراكه الموجودات واكتشافه بعض قوانين الطبيعة, فهي عاجزة غير مكترثة عن أستقبال رغبة العقل الانساني فرض قوانينه المخترعة على الطبيعة ذاتها. وأن ملكة العقل الاعجازية تكمن في أكتشافه قوانين الطبيعة الثابتة التي تعمل بمعزل عن أرادة الانسان, بنفس وقت أن العقل يخلق قوانينه الجدلية الخلاقة التي يتبادلها في التأثير والتأثر بالطبيعة من جانب أحادي فقط هو الانسان.

الطبيعة في الوقت الذي تحكم الوجود الانساني بقوانين ثابتة مستقلة عن وعي وادراك ورغبة الانسان, رغم كل هذا فالطبيعة لا تعي استقبالها القوانين الانسانية المخترعة في تطويعها لرغائب الانسان وحتى العبث بها.

  الباحث علي محمد اليوسف/الموصل

الهوامش:

1.أ.م.بوشنكي, الفلسفة المعاصرة في اوربا, سلسلة عالم المعرفة, ترجمة د. عزت قرني ص 192-193

2.نفس المصدر ص 196

3. نفس المصدر ص 197

4. المصدر نفسه ص 198

5. المصر نفسه ص 199

شاهد أيضاً

قضية فلسفية قريبا من المتن بعيدا عن الهامش

علي محمد اليوسف  أين نحن من الفلسفة اليوم؟ هذه وجهة نظر لا أتوخى أن يشاركني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *