الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / الثقافة بين الأكاديمي والرسمي والسلطوي

الثقافة بين الأكاديمي والرسمي والسلطوي

بقلم بصري محمد

مفتش التربية الوطنية (فلسفة) – الجزائر

     ليس من السهل ان يتغلب المبدأ المثالي على  الواقع. لا يوجد ما يسمى حلولا وسطى أو منطقة وسطى، الثقافة الحقة والوظيفية ان تبقى مصمما واثقا متشبتا بمفاهيم الحياة، محترما لقيم الانسانية مناضلا عازفا عن كل ما يخل بتوازنك الثقافي والعلمي …ان الانتماء لا يصح إلا لقلعة المبادئ والمفاهيم بعدما تهاوت كل القلاع وتصدعت جذران النفاق الايديولوجي ، فالسلطة والمال والرفاه واكتناز الفضة والذهب لا يصنع مجدا ..لقد امضى “انتونيو غرامشي “ثلث عمره في السجن، مقتنعا بأفكاره مدافعا عن أرائه في الاصلاح والثورة والسياسة كتب خلالها اكثر من ثلاثة ألاف صفحة، مدونا أروع الدفاتر رغم إصابته ومرضه المزمن، لم يهتز أو يتوارى. جمع بين الميكيافيلية و الهيغيلة والنبرة الثورية القاسية والصلبة ليعترف  ويسجل أمام فلسفة التاريخ انه لا مكان إلا للمثقف العضوي الذي يؤمن ان التغيير حتمية وليست هبة ..

قبله باع الروائي العملاق كل ثروته وماله ألضخم. انه الكونت “نيكولاي تولستوي” ابن سليلة الامبراطورية الروسية الاميرة “ماريا فولكونسي” والمربية  “الكونتيسة اكسندرا  اوستن ” بعد يتمه المبكر وفقدانه جل أقاربه انخرط في الجامعة لكن سرعان ما أصابه الضجر من التقاليد الاكاديمية والحياة العلمية الموجهة والملفقة لينزوي بكتبه زاهدا فقيرا، يقرأ بشغف و إندفاع غريزي عارم وزع ثروته على المعوزين  وأنضم الى عالم التشرد فالثقافة والأدب الواقعي لا يوجد في دهاليز الجامعات ورفوف  المكتبات المزخرفة ولا في تصنُع الالفاظ واستمالة المعنى وتفجير وتطويع المصطلحات .عندما تقرأ له رواية ” الحرب والسلام ” تؤمن بان قضية الانسان اسمى القضايا وان جوهر الحياة وهبة الله ان ندرك سيدة الملكات  اي ان نكون إنسانويين ..لم يترك الرجل قصورا او اطيانا ولا  بنوكا، بل أورثنا هموم ألكلمات لم يترك اسماءا  وتشريفات ومكرمات فخرية أو شهادات تثبت انتماءه لعالم الفكر بل كتابات وروايات لم يستطع انفاق طباعتها لقلة حيلته وماله بعدما القى بها في بطون الفقراء ….

القائمة لا تنتهي رفض سارتر جائزة نوبل للآداب اكتوبر سنة  1964.  حين اتصلت به صحفية سويدية من فرنس اكسبريس وهو يرتشف قهوة الظهيرة في مقهى باريسي عتيق اجاب بحدس الفيلسوف المتمرد الساخر من الرسميات “مدام لن اقبل بهذه الجائزة واحتفظ بأسبابي وأكمل  قهوته ….لن اخوض في فضاء سارتر وترحاله الفلسفي بين الثورة والإلحاد والوجودية والنضال من اجل الحرية والإنسانية ومظاهرات 1968 و 1969 لأن الرجل كان يحضر لاشتباك كبير مع السلطة كان يجسد حريته بروح برومتيوسية وهي تترفع عن آفة شراء الذمم  وتراهن على مستقبل مشرق لفلسفة الرفض .الرفض هو التجلي الازلي لليومي والممكن.

ناضل سارتر ضد حركة القمع البوليسي للطلبة وسجل التاريخ المعاصر وقوفه الشهم مع المجاهدين في ثورة التحرير الجزائرية والتي كانت في حد ذاتها خيانة عظمى في حق الجمهورية الفرنسية الخامسة، لكن دعوني أقول أن حركة الثقافة والتثاقف التي أشعلها الادباء والفلاسفة وعلّبها الاكادميون وسدنة المعبد وكهنة آمون اغتصابا. فالحقيقة عندما تتجلى في ثوبها الاكاديمي المعولم ووالعلموي تسبح في وديان السلطة والرسمية والتوظيف الاداري ، مع أن نضال سقراط المحنك كان ضد تلك الطغمة السوفسطائية التي كانت  تتفيأ بضلال العرش الاثيني وتصدّر الاباطيل وفق الهوى السياسي للحاكم المبجل والمللك المقدس الاقنوم الوحيد …….

 الحكاية  النضالية الشريفة تتجدد مع ايقونة الثورات وصانع الحلم الشعبوي محرك امال الكادحين والبرولتاريا الارستقراطي الاصل الارجنتيني المولد،  نبي الكادحين ارنستو تشيغيفارا الابن العاق للأسرة الثرية، صديق الفقراء، ملهم التوتر الطبقي . ترك الجامعة والطب وتفرغ للمد الاشتراكي وثورة العمال العالمية، ليتم اغتياله في اصقاع وأدغال بوليفيا من طرف المخابرات المركزية الامريكية لينتصر المال والبترول والامبريالية على الثورة والمثل ….قتل غيلة صاحب القول الشهير”الثوار يملؤون العالم ضجيجا حتى لاينام العالم بثقله على اجساد الفقراء” أُعيد دفن رفاته سنة 1997 في مدينة سانا كلارك مع مرتبة الشرف العسكري بعدما كان مصنفا الى وقت قريب في ادبيات النفاق الاكاديمي والرسمي زعيم عصابة.لم يعد الثوار من يقود العالم ولا المثقفون لأنهم لا يملكون عضوية وتشريف رسمي بل اصبحوا مضطهدين في ألتاريخ ادارت لهم الدوائر الرسمية ظهرها، لكن تلقفته الذاكرة الجماعية للشعوب ..الثوار لا يضيعون في متاهات الدجل والسقم الفكري، فمفارقة التأسيس هي من تضع لهم مكارم البدايات، إنهم يعيدون إنتاج ذواتهم في كل فترات الوجود، هم حراس الدزاين وجينالوجيا البدء والتدشين. هم هنا وفي الهنالك في الماضي في الذاكرة وفي بطون الكتب وأرحام التاريخ ….ان التاريخ عذراء داومت الانجاب مع احتفاظها بعذريتها .ان سقراط يسكننا وتسكننا احلام واوهام نيتشه وصلابة ابن المقفع وهو يقطع ويصلب مغمظ العينين. إن الثقافة فن وضريبة وحراك وثورة ورفض للجاهز المبتذل وكفر بالرسمي المؤدلج انها صراع اللامنتمي وهو يعانق احضان المنتمي .الثقافة الصحيحة القاعدية بالتوصيف الغرامشي ليست اكتساب عدد ثقيل من الالفاظ المتفجرة والألغام الاصطلاحية وليست طنينا معرفيا يفزع ويؤلم الاذن اليسرى بوابة الدماغ ان القافة هي الانسان والانسة بعيدا عن تحاريف التزلف السلطوي والاكاديمي …اسعدتم مساءا ايها المثقفون.

شاهد أيضاً

من السلطة الحيوية إلى الأمن الإنساني: التفكير في دور الدولة في عصر “الحداثة” ومع بعدها

بقلم: ادريس شرود تقديم     ترافق صعود الرأسمالية مع ميلاد الدولة الحديثة  وتطور عقلانية سياسية جديدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *