الرئيسية / أنشطة ومواعيد / ندوة: “المرأة والحَراك الشعبي في الجزائر”

ندوة: “المرأة والحَراك الشعبي في الجزائر”

بقلم الدكتورة نعيمة حاج عبد الرحمان

نظمت الجمعيّة الجزائريّة للدراسات الفلسفيّة – مكتب العاصمة – بالتعاون مع بلديّة الجزائر الوسطى، اليوم السبت 27 أفريل 2019، ندوة فكريّة شاركت فيها كلّ من الأستاذة نورة شملال والأستاذة فايزة بغياني والأستاذة حبيبة محمدي والأستاذة خديجة زتيلي والأستاذة كهينة بورجي (فرنسا).
بدأ الحراك الشعبي الجزائري فعليّا يوم الجمعة 22 فبراير. وبعد انتهاء الجمعة الموالية، جمعة الأوّل مارس، بدأ الجميع وبدون استثناء، وحتّى بعض المتطرّفين دينيا، يراهن على الجمعة الثالثة التي صادفت اليوم العالمي للمرأة، ويراهن تحديدا على خروج المرأة وبقوّة في هذا اليوم.
الغريب في الأمر، أنّ الرجل الذي طالبها بالخروج، أو أقول أَذِنَ لها بالخروج، هو نفسه الرجل الذي عنّفها في أقلّ من سنة، وأنا أقصد هنا قضيّة الشابة ريما التي خرجت للرّكض فاتُهِمَت بالفُجور، قضية أثارت جدلا كبيرا في وطننا، جعلت من موضوع “حرية المرأة”يطفو على السطح من جديد. يومها انقسم الجزائريّون إلى رافض ومؤيّد. الملفت للنظر أنّ الفئة الرافضة، اعتبرت أنّ ممارسة الركض، الرياضة في شهر رمضان مساس بخصوصية المجتمع الجزائري. هذا الموقف هو أيضا موقف بعض نساء هذا الوطن. موقف يتسم بالبلادة وبالغباء يطالب المرأة بالإنمّحاء والتخفي والصمت…يجبرها على الذل، يهينها ويجرّدها من حريّتها.


لِنقولها بكل وضوح : نحن الجزائريات نعاني من العنف الجسدي واللفظي والنظراتي. نحن النساء الجزائريّات لا نمارس حريتنا كاملة خاصّة عندما نخرج من منازلِنا في جزائرِنا. وهنا أستحضر ثنائية الداخل/الخارج في مسرحية الأيادي القذرة لجون بول سارتر. فعلا الداخل، داخل المنزل هو رمز للحياة ؛ بينما الخارج، خارج المنزل، هو رمز الموت، وهذا في أحسن الأحوال أي في حالة النساء المتحرّرات والتي تمارس كلّ حريتهنّ في منازلهن. أمّا بالنسبة الى اللواتي جُرِّدن من نعمة الحرية فالموت يُطاردُهُنّ في الداخل كما في بالخارج. لِنقولها صراحة: المرأة الجزائريّة امرأة معنّفة كما تَشهد على ذلك رواية تشرّفت برحيلك للزميلة والصديقة فيروز رشام والتي أحيّيها وأنحني أمامها وأمام نضالها، والتي تصف بل تفضح كم هذا الرجل، الرجل الجزائري، كم هو ظالم ؛ والتي تفضح أيضا كم هذه المرأة، المرأة الجزائريّة، مظلومة ولكن أيضا راضية بهذا الظلم، مستكينة، غائبة ومغيّبة…كم هي نصف مواطنة، نصف إنسان…، مواطنة وإنسانة من الدرجة الثانية. وعليه أستنتج : صحيح أنّ المجتمع الجزائري هو مجتمع ذكوري ولكن هو أيضا مجتمع أنثوي، عقل الأنثى فيه مستقيل ومعطّل ومتحجّر.
من الجمل التي رُدّدت بكثرة في هذا الحَراك، أتوقف عند جملتين تخدُمان هذه الندوة : 1/ “الشعب الجزائري كلّه توحّد وخرج إلى الشارع”، أتساءل : هل فعلا توحّد هذا الشعب ؟ هل توحّد رجاله ونساؤه ؟ لا أعتقد… ؛ 2/ “الحَراك حرّر كلّ الناس”، حرّر الإنسان الجزائري من خوفه، حرّر كلّ القطاعات : الصحافة، القضاة، الأحزاب السياسية… هل حرّر الحَراك المرأة ؟ هل حرّر الحَراك الرجل ؟ أجاب البعض : “نؤجّل الموضوعات الإجتماعية والفرديّة إلى ما بعد تحقيق أهدافنا السياسية. لا يوجد حرية سياسية ثمّ حريّة اجتماعية ثم حريّة ثقافية. أن تكون حرّاً هو أن تكون حرّا بالكامل أو لا تكون. 
فهل الحَراك هو حركةٌ، سيرٌ في شوارع الوطن فقط ؟ أم هو قبلا حركةٌ وسيرٌ ينبغي أن يتمّ في العقول والأذهان والنفوس ؟ هل الحَراك سيحرّرنا، يحرّر عقولنا جميعا ؟ هل الحراك هو حراك يستثني، يخصّ هذا دون ذاك ؛ المرأة ، الرجل أم هو حَراك يخصّ الإنسان الجزائري بصفة عامّة ؟

فتحت الندوة الأستاذة نورة شملال، جامعة الجزائر 2، متخصّصة في الفلسفة الغربية المعاصرة، بمداخلة عنوانها الحراك وأمل تأسيس جزائر الحريات والمواطنة تساءلت فيها عن “مشكلة المرأة في هذا الظرف التاريخي، فأثارت فكرة تأسيس المواطنة الحقة التي لا تكون إلَا في إطار نظام سياسي يضمن الحقوق والحريات بالتساوي بين الجزائريين (الرجال و النساء) في ظل الدولة المدنية الحديثة المواكبة لتحديات عصر العولمة. ومنه تساءلت هل بإمكان الحراك أن يتجاوز المعوقات الاديولوجية والدينية و السياسية والثقافية وكل الصراعات نحو تجسيد مسألة الحقوق والمواطنة (ركزت على المرأة التي ظلمتها النصوص القانونية في النظام الحالي وأسباب هذا الاجحاف). وفي الأخير أشارت إلى ضرورة تجاوز بعض الأنانيات والتعصب نحو تجسيد الصورة الحضارية والإنسانية في مجتمع جزائر المستقبل.”
تلتها الأستاذة فايزة بغياني، جامعة الجزائر 2، متخصّصة هي الأخرى في الفلسفة الغربيّة المعاصرة، بمداخلة موسومة الأنثوي والثورة الناعمة. “لا تزال قضية الأنثوي، تقول الأستاذة بغياني، تشكل أرضية خصبة للكتابة والتفكير، لذلك أردنا أن نكتب عن المرأة الجزائرية ضمن أفق كوني، وعيا منّا بأهمية دورها في الحراك بل الثورة الناعمة، وهذا ليس بالأمر الجديد فللمرأة الجزائرية روح ثورية، دوما كانت سباقة إلى نيل حريتها والتمرد على وضع إنساني بلا كرامة، فالتاريخ قد خلَد أسماء محاربات باسلات، إنهن بطلات ثورة التحرير: حسيبة بن بوعلي ولالة فاطمة نسومر وجميلة بوحيرد…الخ ، نساء سرن جنبا إلى جنب مع مجاهدي ثورة التحرير، طرحوا أسئلة المصير، ولعبن دورا مهما في إحداث تغيير عميق في المشهد الاجتماعي السياسي العام، خصوصية المرأة الجزائرية أنها لم تجعل الدفاع عن حقوقها أمام الرجل قضيتها الأولى بل جعلت الدفاع عن الحرية والوطن قضيتها الأساسية للخروج من سنين الوصاية والقصور، فهي لم تبحث عن من ينوب عنها بل خرجت إلى الشارع سعيدة فقد صارت لها قضية تحيى لأجلها، لذلك تمردت على السلطة وقوانينها الفاسدة، فقد تضامنت مع الرجل طيلة أيام الثورة الناعمة على نحو واع من أجل حقوقهما، لتفكيك صنم السلطة الذي يهيمن عليه خطاب اللاقانون واللاعدالة واللامساواة. لعل إصلاح الوطن سيضمن إصلاح الهوية الأنثوية وترميم شروخها قدر المستطاع، لإصلاح واقعنا من اجل غد أفضل لنتمكن من العيش سويا بسلام.”


بعدها، أخذت الكلمة الشاعرة وأستاذة الفلسفة حبيبة محمدي، جامعة الجزائر 2، المتخصّصة في فلسفة الفن والجمال، فقدمت مداخلة عنوانها مقاربة لمفهوم الثورة فلسفيا وتجلياتها في الحراك الشعبي من منظور أنثوي، انطلقت فيها من المسلّمة الآتية : “الثورة تبدأ من الفكرة وتحاول تجسيدها في التجربة التاريخية”، متسائلة : “فأين يقف الحراك الشعبي إذا ؟ بين الفكرة والواقع ؟ أم بين التمرد والثورة ؟” ولإيمانها بوجوب تفعيل دور المرأة الجزائرية في الحراك الشعبي كما حصل في حرب التحرير ضد الاستعمار. بالتأكيد تنعكس كل المفاهيم الفلسفية حول الثورة على دور المرأة في المجتمع، ليس لأنها أنثى تعامل بوصفها مجرد مواطنة من الدرجة الثانية، كما لا يمكن تبني المطالبة بالحرية والديمقراطية في مجتمع نصفه مستعبد. وأخيرا قضية المرأة هي قضية الرجل الثوري لأنها بالنهاية قضية الإنسان ضد قوى الاستيلاب والظلم والقهر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.. قضية الإنسان الذي ينشد حريته في مجتمع ديمقراطي.”
ثمّ جاء دور الكاتبة الجزائريّة وأستاذة الفلسفة خديجة زتيلي، جامعة الجزائر 2، المتخصّصة في فلسفة التاريخ والفلسفة السياسية، بمداخلة موسومة من تأنيث المكان إلى أنسنته : نحو دولة مدنيّة ديمقراطيّة، جاء فيها ما يلي : ” إنّ أبلغ رسائل الشارع الجزائري التي لفتتْ الانتباه إليها، كان الدور البارز للمرأة في هذا الحراك الشعبي، فإلى عهد قريب ظلّ الشارع ذكوريّا، لكنه تأنّث في حراك الجزائر الشعبي وتملّص من مفاهيم التراتبيّة الهرميّة، والمركز والهامش والذكر والأنثى، ليغدو المشهد أكثر إنسانيّة بفعل المساواة في الفعل بين الجنسين، تلك الميزة التي أطّرتْ الميادين والساحات والقرى والمدن والأحياء والأزقة. إنّ قيام دولة مدنيّة -وهي من أهم مطالب الحراك الشعبي في الجزائر- لا يمكنها أن تستكمل أركانها ما لم تُشرك النساء بشكل فعلي في الحياة السياسية والاجتماعيّة والقانونية وفي مراكز صنع القرار، لأنّ قضية المرأة هي جزء لا يستهان به من عمليّة التحديث والعصرنة، ولن تكتسب أية دولة مستقبلية مشروعيتها ما لم يتحقق هذا الشرط.”


وأخيرا، جاء دور الصحفية وأستاذة الفلسفة بفرنسا كهينة بورجي التي أنهت الندوة بالحديث عن المرأة ما بعد الحراك (LA FEMME AU-DELA DU HIRAK ) والتي جاء فيها ما يلي :
« Par ce titre je souhaite soulever la question de la continuité du mouvement de la femme, mais bien plus il s’agit de la question de la concrétisation du mouvement de la femme qui a certes débuté dans et par le Hirak mais qui doit aller au-delà du Hirak. 
Comment transformer ce sentiment instantané, qui est une espèce de ferveur qui nous laisse entrevoir des possibilités infinies, en une reconstruction réfléchie de la société algérienne ? Comment faire en sorte qu’il ne s’agisse pas juste d’un mouvement passager et que celui-ci puisse déboucher sur une véritable refonte de la société algérienne ? 
On parle de révolution et je pense qu’il s’agit effectivement d’une révolution, il s’agit de déconstruire pour mieux reconstruire le modèle de société, et ce nouvel ordre, que je qualifie de sociologique, que l’on souhaite ne pourra pas se faire sans repenser le statut de la femme algérienne. 
Mais comment peut-on traduire cette forte mobilisation des femmes en une perspective réelle de changement ? »
تفاعل الجمهور كثيرا مع مضمون المداخلات بأسئلة وتعقيبات واقتراحات وقراءات أثْرت موضوع الندوة. 
الحراك الشعبي ودولة المواطنة هو عنوان ندوة السبت القادم 4 ماي 2019 على الساعة الثانية زوالا. فكونوا في الموعد.
نعيمة حاج عبد الرحمان

شاهد أيضاً

في الفكر السياسي للفيلسوفة حنة ارندت

بقلم الباحثة: جنات حرات تتميز الظروف الدولية الراهنة باشتداد الصراع السياسي، سواء على المستوى الفكر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *