الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / هل هناك أخلاق دولة؟*

هل هناك أخلاق دولة؟*

ترجمة نور الدين البودلالي

نور الدين البودلالي

بقلم: ديديي فاسان**

هل القيام بقراءة أخلاقية للسياسة ممكنة؟ لسببين رئيسيين كان الجواب على هذا السؤال صعبا لمدة طويلة. أولا لأن الاعتقاد الساري آنذاك أن الدولة كيان محايد، بل وبارد بشكل متوحش، تكمن وظيفتها في إقامة قانون وفرض احترامه من خلال ضمان نظام معين في المجتمع: إذ هذا تجسيدٌ، من ناحية، لنظرية روسو في العقد الاجتماعي و، من جهة أخرى، لمفهوم فيبر في احتكار العنف المشروع. و بهذا ستنفلت الدولة من سلطة القيم و، أكثر من ذلك، من المؤثرات affects. ثانيا، يتم التفكير في الأخلاق بشكل معياري، كما لو ان الطريقة التي نستوعبها بها هي متأثرة بالضرورة بما هي عليه، أي كأحكام المتعلقة بالخير والشر: إذ مادامت الأخلاق إجبارية، فكل الدراسات التي تجرى عليها ستكون هي الأخرى كذلك، أي أخلاقية بالضرورة. حينها ستكون كل مقاربة وصفية وتحليلية صارمة مستحيلة. وفي ظل هذه الشروط، سيكون تصور أخلاق للدولة يواجه عائقين: الابتعاد عن الموضوع والابتعاد عن المنهج.

تفعيل القيم والمؤثرات الأولية affects

البحوث التي أجريتُها منذ عقدين من الزمن في موضوع السياسات الاجتماعية والعقابية –التي تشترك، بالإضافة إلى ذلك، في كونها تتوجه بالأساس إلى نفس الفئات، الطبقات الشعبية، خاصة المهاجرة أو ذات الأصول المهاجرة، القاطنة بالأحياء الفقيرة- تستدعينا لإجراء قراءة مغايرة تماما. فالدولة، من جهة، ليست بيروقراطية محايدة ونزيهة([1]). إنها تتألف من مؤسسات وأفراد يفعِّلون قيما ومؤثرات، وليس فقط قوانين و إجراءات. ثم إن الأنثروبولوجيا الأخلاقية لم تعد، من جهة أخرى، ميالة أكثر لقول هذا خير وهذا شر، كما لم تعد الأنثروبولوجيا السياسية ميالة لتحديد الحزب الذي يجب التصويت عليه([2]). الأمر يتعلق بفهم الطريقة التي يتم بها شحن قيم ومؤثرات، مثلا، الطريقة التي يمكن بها، في حالة الشعوب المعنية، تبرير التعاطف والقمع، بل و حتى الدمج بينهما.

دعونا نوضح هاتين النقطتين من خلال قضية معروفة: قضية الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد([3]). لقد لجأت الدول الغربية – وكذلك وسائل الإعلام ومواطنو هذه الدول- إلى ثلاث مرجعيات أخلاقية. فبالنسبة للبعض، يجب أن تسود حرية التعبير بشكل مطلق ونفس الأمر بالنسبة للعلمانية، وبالتالي يجب نشر الرسوم. على العكس من ذلك يؤكد آخرون على احترام وعي و مشاعر المسلمين، معتبرين أنه من الواجب إبراز ما يمكن أن يسبب لهم الأذى. أما آخرون فيستبقون خطرَ تشويه سمعة الأقليات الدينية الذين يعيشون تمييزا و إثارةَ ردود فعل معادية للغرب بالبلاد الإسلامية. و دون التقليل من جانب الأحكام العنصرية أو الاعتبارات الاستراتيجية التي تكمن خلف هذه المواقف، نجد أنفسنا هنا أمام النظريات الثلاث الكبرى لفلسفة الأخلاق([4]). في الحالة الأولى، نحن أمام الأخلاق الكانطية للواجب التي تقوم على التزام قطعي ذي دلالة كونية؛ في الحالة الثانية، أمام أخلاق أرسطية عن الفضيلة التي تبوئ ممارسة الخير والتسامح مكانة الصدارة؛ وفي الحالة الثالثة، أمام أخلاق عواقبية، كما تم بلورتها مع مذهب بنثام النفعي، والتي يتم بمقتضاها الحكم على الفعل من خلال آثاره المتوقعة. لذلك يتم تحديد التوجهات السياسية من خلال خيارات أخلاقية يجب فك شفراتها و توضيحها لتجاوز المواقف المألوفة المستنكرة.

فهم الطريقة التي يتم بها إشاعة أخلاق الدولة بشكل ملموس هذا يعني دراسة عمل المؤسسات الخاصة: كجهاز الشرطة، والعدالة، ومؤسسة السجن. في هذا الإطار، اقترحتُ الربط بين مفهومين: الاقتصاد الأخلاقي و الذاتوية الأخلاقية.

يتوافق الاقتصاد الأخلاقي مع الإنتاج، والترويج والتخصيص أو، على العكس من ذلك، الطعن في القيم والمؤثرات المتعلقة بالقضايا المجتمعية –الانحراف، و الهجرة، و العقاب. هذا المفهوم، المأخوذ من المؤرخ إدوارد ب. طومسون، الذي يحصره في المبادئ والواجبات المنظمة للاقتصاد التقليدي، قد تم سحبه هنا على مجموع مجالات الأنشطة (يتم استيعاب «الاقتصاد» هنا بالمعنى التقليدي للتوزيع والتسويات) على أن يتم التخلص من بُعده المعياري («أخلاقي» لا يراد بها خيِّر، وإنما مكون من قيم ومؤثرات). الغاية من مفهوم أُعيدت صياغته على هذه الشاكلة تبيان الديناميات والصراعات الأخلاقية.

يمكننا بهذه الطريقة تحليل الاقتصاد الأخلاقي للجوء([5]). ففي سنوات السبعينات، أكثر من 90% من الباحثين عن اللجوء بفرنسا هروبا من الاضطهاد حصلوا على وضعية لاجئ. وقد حَظي المعارضون الشيليون الذين طردتهم ديكتاتورية الجنرال بنوشيه بصورة إيجابية مشفوعة بالإعجاب، بينما حظي بالتعاطف لاجئو القوارب الفارون من النظام الشيوعي الفيتنامي. أما في أوائل القرن 21، فقد انخفضت نسبة الموافقة على اللجوء إلى أقل من 10% ليس بسبب تدفق ملفات اللجوء، ولكن لتغيُّر المشاعر تجاههم، التي أصبح يسيطر عليها عدم الثقة والعداوة، سواء أكانوا من الشيشان ضحايا القمع الروسي أو صوماليين تعرضوا لعنف جماعة الشباب. من أجلهم خاضت المؤسسات الحكومية والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان صراعا من أجل تمثيلهم، الفريق الأول بغرض تبرئتهم من تهمة «لاجئين مزيفين»، والفريق الثاني لتوضيح «شطط» المعاملة التي يتعرضون لها. وعليه، فمفهوم الاقتصاد الأخلاقي يسمح بتحليل التطورات والنقاشات المتعلقة باللجوء: فهو يعطيها السياق والأجواء العامة. لكنه بالمقابل لا يتيح إمكانية تفسير القرارات الفردية التي يتخذها الضباط و القضاة.

الدولة هي ما يفعل بها الفاعلون

لتحقيق هذا الغرض سنولي اهتمامنا إلى الذاتوية الأخلاقية، مركزين على الأشغال الأخيرة لميشيل فوكو حول تكوين الأفراد الأخلاقيين. سنقوم بفحص الطريقة التي يختار بها الفاعلون كيفية تصرفهم بناء على تقييمهم العقلاني و، في نفس الآن، استجاباتهم الوجدانية إزاء وضعية معطاة. هذه الخيارات ليست في الواقع محددة فقط من خلال القانون والتعليمات التي يتم تلقيها، من خلال القواعد التنظيمية واستعمالاتها المهنية، بل ولا حتى من خلال القيم والمؤثرات السائدة في الاقتصاد الأخلاقي للقضايا التي تعالجها. لابد هنا من أخذ عنصرين بعين الاعتبار: السلطة التقديرية لفاعلين ميدانيا وكفاءتهم المعنوية في تفسير الوقائع، والحسم في معضلات واتخاذ قرارات. هذه المقاربة تقلب الطريقة التي نفكر بها الدولة عادة: إنها، باختصار، ما يفعله بها الفاعلون.

سنوضح هذا الأمر بمثال آخر: الشرطة مثلا([6]). فمن خلال تفاعلاتها مع جماهيرها، وخاصة شباب الأوساط الشعبية المنتمية للأقليات إثنوغرافية، يتحول سلوكها من وحشية متشددة وعنصرية معلنة إلى موقف لبق وتوفيقي. يمكن لهذه الاختلافات أن تحلل على صعيدين. أما الأول فيتوافق مع مجتمعهم الأخلاقي: فهي [الشرطة]، وبشكل حصري، تستبعد مسبقا فئات معينة من الأفراد استنادا، على الخصوص، على لون بشرتهم وأصولهم؛ وبشكل عام، فهي لا تقِيم مثل هذه الفروق. وأما الثاني فيتمثل في التزامهم [أفراد الشرطة] الأخلاقي تجاه مهنتهم: إذ تجيز، كحد أدنى، جميع التجاوزات؛ وهي، باعتبارها تحترم القانون، تفترض احترام الجميع للنصوص والقوانين. كل التوليفات وكل الانزلاقات بين هذه المحاور الأربعة هي ممكنة، و هذا يسمح بفهم الاختلافات الكبيرة الملاحظة بين أفراد جهاز الأمن.

بالجمع بين الاقتصاديات الأخلاقية والذاتويات الأخلاقية، يمكننا إذن الإمساك بأخلاق المؤسسات، كمجموعة قيم ومؤثرات مهيمنة لكنها في الغالب متصارعة حول مسائل اجتماعية و، في نفس الوقت، باعتبارها تنغرس في تمثلات وممارسات هؤلاء الفاعلين وفقا لمبادئهم الخاصة وحساسياتهم. وبالأخذ بعين الاعتبار للإكراهات والواجبات التي تثقل كاهل الأفراد و أيضا هامش الحرية الذي يتوفرون عليه خلال ممارستهم المهنية، تسمح لنا قراءة بعينها بأن نفكر الدولة من جديد خارج أطرها العقلانية الخاصة.       


من أرشيف الكاتب

مدرس الفلسفة فيلسوف؟

مقاربة فلسفية لمعنى القيم

أزمة القيم بين العدمية والتنمية البشرية، ترجمة نور الدين البودلالي

ترجمة: التداوي بالفلسفة – الجزء الأول *

ترجمة: هابرماس وموضوع النقاش – نمذجة معيارية للفرد / الجزء الثاني*

نيكولاي أوميلتشينكو: التداوي بالفلسفة الجزء الثاني*

تطور القيم وعلاقتها بالإنسان العاقل المتطور تكنولوجيا، ترجمة نور الدين البودلالي

أزمة القيم بين العدمية والتنمية البشرية، ترجمة نور الدين البودلالي

المدرسة الخصوصية ومسألة التكوين

الهوامش

Hors-série n° 22 sciences Humaines Mai-juin 2017, PP : 38640 -*

** أنثروبولوجي وسوسيولوجي، أستاذ بالمعهد الدراسات المتقدمة ببرينستون ومدير الدراسات ب EHESS

[1] – Didier Fassin, « Au coeur de l’État », in D. Fassin et al. (dir.), Juger, réprimer, accompagner. Essai sur la morale  de l’État, Seuil, 2013.

[2]– Didier Fassin, « La question morale en anthropologie », in D. Fassin et Samuel Lézé, La Question morale. Une anthologie critique, Puf, 2013. 

[3] – Didier Fassin, « Troubled waters. At the confluence of ethics and politics, in Michael Lambek, Veena Das, D. Fassin et Webb Keane, Four Lectures on Ethics. Anthropological perspectives, Hau Books, 2015.

[4] – Didier Fassin, « Towards a critical moral anthropology », in D. Fassin (dir.), A Companion to Moral Anthropology, Wiley-Blackwell, 2012.

[5] – Didier Fassin et Carolina Kobelinsky, « Comment on juge l’asile », Revue française de sociologie, vol. LIII, n° 4, octobre-décembre 2012.

[6] -Didier Fassin, La Force de l’ordre. Une anthropologie de la police des quartiers, Seuil, 2011

ملاحظاتكم على الترجمة مرحب بها إلى: fiqreduca@gmail.com

شاهد أيضاً

المعنى من التعلمات: من الرغبة إلى المرور الفعل*

Michel Develay بقلم: Michel Develay ترجمة: نور الدين البودلالي إن أنصتنا باهتمام كبير، كثيرا ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *