ما الحب؟

بقلم:  ذ  المهدي تجديد


تجمع معاجم اللغة العربية في تعريفها  للحب  على كونه -بصفة عامة- ميلا  عاطفيا للنفس مع العقل تجاه الآخر أي”المحبوب”، فإذا تجاوز العقل فهو العشق. وهو إحساس بالانجذاب لشخص ما. ويشير الحب أيضا إلى كيمياء خاصة متبادلة بين شخصين. ولهذه الكلمة مرادفات كثيرة  تعكس في ذات الوقت درجاته(الحب) و نذكر منها الغرام والهيام والصبابة والعشق، إلخ.

وقد تطرق الفيلسوف الكبير زكريا ابراهيم المهتم بقضايا فلسفية  مختلفة إلى صفات وتجليات هذا الميل حيث يقول في كتابة ”  مشكلة الحب ((1964″ : “والواقع أن من سمات الحب أنه يغض الطرف عن صفات المحبوب السطحية، لكي يتجه ببصره نحو النواة العميقة لشخصية هذا المحبوب وهذا هو السبب في أن المحبوب قد لا يفطن في مرحلة الإغراء إلى عيوب حبيبه”. يركز هنا زكريا ابراهيم على سلطة الحب التي تعمل على غض ” الطرف عن صفات المحبوب”السطحية” التي  قد تميزه. فماهي يا ترى مسببات هذا الميل الغريب والمتعارض في كينونته؟وكيف يؤدي حب المحبوب إلى تقبل  عيوبه وسلبياته؟  أهذا الحب هو شعور عابر أم شعور دائم؟  أهو شعور مالوف أم شعور عارض ؟ أهذا الشعور شعور طبيعي غريزي أم هو شعور”اكسسوار” زائد؟

مجموعة من التساؤلات تثيرها مقولة زكريا ابراهيم. إنها تساؤلات تعيش وتتمظهر من حين إلى آخر في كل إنسان بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.

الحب و عيوب المحب؟

تطرح مقولة زكريا ابراهيم مشكل الحب عندما يحل ضيفا في عوالم نفسية وعاطفية وعقلية شخص ما الذي يسمى آنذاك محبا بشكل معلن أو بشكل مستتر. فهو  بشكل متفق عليه شعور لا يمكن التحكم فيه في بادئ الأمر، انه  شعور جارف يطمس معالم العقل حيث لا ” يفطن” المحب بعيوب المحبوب على الأقل في المراحل الأولى من ضيافته . فوصفنا له بضيف يرجع إلى كونه قد يكون ضيفا مؤقتا أو دائم الإقامة في عقل وقلب المحب. فيكون مؤقتا زائلا بحدوث صدمة تلغي انجذاب المحب أو الحبيب  لمحبوبه كصدمات الخيانة وصدمات النفور عندما يقف الحبيب على تصرفات غريبة لمحبوبه والتي تتعارض مع طموحات الحبيب اتجاهه. ويكون دائم المقام عندما يقبل المحب محبوبه بكل ما فيه من سلبيات وايجابيات.فماهو مصدر الحب في نظرنا ؟ و ماهو منبعه ؟ وماهي محفزاته ؟

 يبدأ -عادة- الحب العاطفي بالإعجاب بشخص  ما و الذي قد يصبح محبوبا بعد ذلك. هذا الإعجاب قد يرتبط بعدما يتم اثارتة  بصفة داخلية أو خارجية أي بصفات خُلقية أو خَلقية أو كلاهما. لكن يتحول هذا الإعجاب بشكل تدريجي  إلى شيء نجمع على تسميته بالحب. كيف يتم ذلك ؟  إنه “التردد” الذي ينمي -في منظورنا الخاص- هذه الحالة إلى حالات العشق والهيام . نعني هنا  “بالتردد” تردد الحبيب على محبوبه بواسطة اللقاءات المتكررة التي تفرضها غالبا دراسة مشتركة، عمل مشترك أو طموح مشترك  كالزواج وبناء أسرة مثلا.

فماهي تجليات هذا الحب ؟

 يصبح الحبيب بهذا الوصف مقيدا بالآخر في مشاريعه وفي جميع تحركاته، فالحب عندما يصبح برنامجا يوميا يعمل دورا محفزا للحياة. يسهم إذن الحب في سعادة الحبيب “المحب” وهذه السعادة تتمظهر في سلوكه الإيجابي و في لباسه وفي تحركاته وفي مواعيده، خصوصا عندما يكون الحب حبا متبادلا بين الحبيب والمحبوب ، وهذا السلوك الإيجابي  الصادر من المحب يثير غالبا فضول السائل الذي لا يتردد للحظة في استفهام هذا الأخير: أمحب أنت ؟ أو يظهر عليك أنك محب !؟

حقيقة و جوهر الحب

وهنا نعرج على  مسالة “حقيقة الحب” وذلك بمحاولتنا الإجابة عن الأسئلة التالية : أنحب الشخص بعيوبه ؟ أ نحب الشخص قبل اكتشافنا لعيوبه ؟ أو بمجرد معرفتنا لها يسقط هذا الحب ؟

يرى باسكال في كتابه ” الأفكار” أننا لا نحب الشخص بل نحب صفاته  و مميزاته التي تظهر فيه حيث عندما تتلاشى هذه الصفات يضمحل هذا الحب  بل قد يختفي تماما.

 في حين يرى زكريا ابراهيم في كتابه”مشكلة الحب” أن الحب يعمل على إبراز “قيم عليا” تظهر في المحبوب  فيقول في ثنايا الكتاب :”لكن هل يكون معنى هذا أن المحب  هو الذي يسقط على المحبوب تلك القيمة التي يتصورها فيه أو ينسبها فيه ؟ أو بعبارة أخرى، هل يكون الحب نفسه هو الذي يبدع تلك القيم العليا التي يراها المحب في موضوع حبه ؟” فبهذه الأسئلة التي يسوقها زكريا ابراهيم والتي تبدو لنا استنكارية يكون جوابنا بالإيجاب.فعاطفة الحب قد تؤدي -ولو إلى حين- إلى طمس عيوب المحبوب، وتعمل على إسقاط قيم يتصورها المحب في موضوع حبه.

ويعمل  الحب في هذا  السياق على تغييب ولو بشكل جزئي المنطق والعقل، فالمحب في منأى عن اللجوء إليهما لأنه يريد خوض غمار الحب بكل مخرجاته من إحساس وتجارب إنسانية متنوعة، ويريد في نفس الوقت سبر أغواره بكل مطباته من صدود وعناد وهجر ونسيان ونقاش  .. .

نعرج الآن على منظور  Nicolas Grimaldi الذي يرى أننا لا نحب الآخر لذاته أو لميزاته .  يرى هذا الفيلسوف أن الحب قد يتجاوز هذين الطرحين . فهو يضرب لنا عدة أمثلة مفندة لذلك ومؤيدة لما يقترحه كالأستاذ أونرات Unrat في  رواية “داخل الملاك الأزرق” الذي كان متيما بمومس، ويضرب مثال آخر ب دوريغو Dorigo  في  رواية” حب” لكاتبه Dino Buzzati  الذي كان يحب أيضا فتاة مومس قبيحة والتي لا تستحقه. ولا ينسى وفي نفس السياق مثالا آخر من رواية ” بحثا عن الوقت الضائع” لكاتبه بروست  Proustفي شخص شخصية “سوان”  Swannالذي يحب بغيرة مرضية “اوديت”Odette. كل هذه الامثلة توضح لنا ان الحب لا يثار بميزة او بميزات  في المحبوب بل هناك قوة خارقة وخفية تعمل على نشأته و تطوره حيث قد يضرب عرض الحائط مبادئ المجتمع وعاداته وتقاليده.

فالمحب عند  grimaldi  لا يمكن أن يتجنب تجربة الحب، إنه مسألة حتمية ،  فالحب بالنسبة له فرصة للولادة من جديد ولتجاوز كآبة الحياة وروتينها اليومي. إنه فرصة لإيجاد الذات، فالمحب عند  grimaldi لا يحب الآخر لذاته بل يحب ذاته من خلال الآخر.

وبالتالي فإن الحب يقبل عدة تعاريف تختلف باختلاف الآراء وباختلاف المشارب الفكرية وباختلاف التجارب الشخصية أيضا.

وفي   الاخير يبقى الحب بالنسبة لنا تجربة إنسانية يتغير و يتأثر بعواطف وصفات  ايجابية أخرى قد تبقيه على الحياة والاستمرارية. ومن هذه الصفات نذكر منها : تقبل الاختلاف والتضحية والعقلانية وعدم الاندفاعية والوضوح، إلخ.

بيبليوغرافيا

        زكريا ابراهيم: مشكلة الحب،1984

Pascale :les Pensées ,Port ROYAL,1670

Proust :A la recherche du temps perdu, Gallimard,1913

Grimaldi : La Jalousie, étude sur l’imaginaire proustien, Acte Sud, 1993    

شاهد أيضاً

لماذا أكره بلدي؟!

إبراهيم صباحي أعيش بعيدا عن الأرض التي ولدت فيها، ودائما ما يواجهني آخرون بأسئلة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *