الرئيسية / منتخبات / تغطية / الحَراك الشعبي الجزائري وسؤال الأخلاق

الحَراك الشعبي الجزائري وسؤال الأخلاق

ملخص بقلم: نعيمة حاج عبد الرحمان

نظمت الجمعيّة الجزائريّة للدراسات الفلسفيّة – مكتب العاصمة – بالتعاون مع بلديّة الجزائر الوسطى، أوّل أمس السبت 20 أفريل 2019، ندوة فكريّة شارك فيها كلّ من الأستاذة بحّوش فوزية والأستاذة حمّوش تونسية والأستاذ جمال الدين بغورة من قسم الفلسفة جامعة الجزائر 2.
من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى قيام الحراك الشعبي في الجزائر هو غياب الأخلاق وقد تمثل ذلك : عدم التداول على السلطة، تفشّي الفساد، وسيادة طبقة الأوليغارشيا، “الحُقْرَة” والتي كانت سببا رئيسا في “الحَرْقَة” وغيرها من السلوكات… وقد فرفض الحراك الشعبي، حينما اندلع، التعامل مع بعض مواد الدستور الجزائري المشوّه من طرف الطبقة الحاكمة وفعّل ذات الحراك المادّة 2019 والتي مفادها “يتنحّاو قاع”. وبالرغم من وصف قائد الأركان بعض مطالب الشعب بالتعجيزيّة وهو يقصد بذلك هذه المادّة بالضبط فإنّ المتمعّن فيها يجدها منطقيّة بل ضرورية لبناء جمهوريّة جديدة تقوم على أسس متينة. فـ”قاع” من المادّة “يتنحّاو قاع”، يُقصَدُ بها المفسدين الذين يشكّلون طبقة الأوليقارشيا، أي الطبقة الحاكمة والمتمثلة في عدد محدود من الأفراد والتي تمارس الحكم في سبيل مصالحها الخاصّة ؛ يُقصَدُ بها خونة الوطن وغير المخلصين له. مادّة “يتنحّاو قاع” شرط ضروري لقيام “نظام” عادل، منصف، حر. (حرية القضاء مثلا)، يكون الساهرون عليه أوفياء للوطن أوّلا وأخيرا بتفضيلهم للمصلحة العامّة على مصالحهم الخاصّة. إنّ عبارات العدل والإنصاف والوفاء للوطن وتفضيل المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة هي صفات أخلاقيّة تندرج ضمن ما يُسمَّى بـ الأدب. فما المقصود بالأخلاق ؟ وما المقصود بالأدب ؟ 
يطلق لفظ “الأخلاق” على جميع الأفعال الصادرة عن النفس محمودة كانت أم مذمومة”. وإذا أُطلق هذا اللفظ “على الأفعال المحمودة فقط دلَّ على الأدب”، لأنّ لفظة الأدب تُطلق “على المحمود من الخصال”. فعبارة “أدب القاضي” مثلا، تعني “ما ينبغي للقاضي أن يفعله”، ما ينبغي أن يكون عليه من خصال حميدة. نجد هذا المعنى لكلمة “أدب” في كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع ومؤلّف أدب الدنيا والدين للماوردي (ج. صليبا، المعجم الفلسفي، ج.1، ص. 49).


أفرز الحراك الشعبي سلوكات فرديّة وجماعيّة في غاية الرقيّ والتحضّر والوعي والجمال. وجسّد الناس في سلوكاتهم “الأدب” كما أشرنا إليه. والسؤال الذي طرحناه جميعُنا، خاصّة في الجُمعات الأولى من الحراك، وهي جُمعات الدّهشة والسعادة هو كالآتي: أين كان هذا الشعب ؟ من أين خرج هذا الشعب؟ تساءلنا عن ماهية أي حقيقة الشعب الجزائري، تساءلنا عن شعب الجُمُعات… وكأنّنا أمام شعبين مختلفين : 1/ شعب ما قبل 22 فبراير، أشخاصه عَبوسين، لا يحتكمون إلى أبسط أخلاقيات المعاملة والسلوكك؛ 2/ وشعب آخر مختلف تماما، شعب 22 فبراير وما بعد هذا التاريخ، وهو شعب متحضّر، وهي العبارة التي تكرّرت في كلّ الخطابات والقنوات التلفزيونيّة وعلى لسان الصحفيين الجزائريين منهم والأجانب. فشاهدنا في الواقع والشاشات والفيديوهات جزائريين يتهادَوْن الورود، يَفضَحون من يشوّش على قضيّتهم، ينظفون الأماكن العموميّة التي يتظاهرون فيها، يتقاسمون المأكل والمشرب والمركب…إلخ.
فهل هؤلاء هم نحن فعلا ؟ هل حرّرنا الحَراك ؟ هل الحريّة، حرية التظاهر، التظاهر الذي كان ممنوعا من طرف السلطة، جعلتنا نتصالح مع ذواتنا، حرّرتنا من رذائلنا فجعلتنا نرتدي رداء الجمال والأخلاق والفضائل ؟ هل التغيير من النقيض إلى النقيض تحقّق بهذه السرعة ؟ أم هي مجرّد صورة مُغالِطة نريد أن نُصَدِّرها إلى الخارج ؟ مجرد صورة نَكْذِبُ من خلالها على بعضنا البعض؟ هل فعلا نحن “خاوة خاوة” ؟ هل فعلا الجزائر التي نريد إعادة بنائها هي جزائرُنا جميعُنا ؟ هل فعلا أسقط جزائريُّ الحَراك أقنعة الجهويّة ؟ هل المرحلة القادمة ستكون فعلا مرحلة بناء الديمقراطيّة ؟ أم الواقع يقول غير ذلك؟ لأنّ الكواليس أسمعتنا لغة مغايرة. في الكواليس، نسمع كلاما آخر على سبيل المثال : “نُنهي الحَراك ونَتْلَهّاوَلْهُمْ”، وذلك حينما يتعلّق الأمر بشخص أو بفئة من المجتمع لا يتفق معها أي يختلف معها أيديولوجيا أو دينيا أو لغويّا…
بداية، تناولت الكلمة الأستاذة بحوش فوزية المتخصّصة في الفكر الثوري والثورات السياسية بمداخلة موسومة أخلاقيات الفضاء العام ضبطت من خلالها مفهوم الفضاء العام وكيفية استغلاله متسائلة عن الإنزلاقات التي يمكن أن يقع فيها الشعب فتزيحه عن الوجهة الصحيحة لأهدافه النبيلة منتهية باقتراح مجموعة حلول لتجاوز تلك الانزلاقات للوصول إلى وعي تام بالفضاء العمومي.
بعدها، ألقت الأستاذة حمّوش تونسية المتخصّصة في الفلسفة الإسلاميّة مداخلة عنوانها الافرازات الأخلاقية للحراك الشعبي الجزائري أثارت من خلالها العشرية السوداء التي مرّ بها المجتمع الجزائري والتي استنزفت قواه الاقتصاديّة والاجتماعيّة لِتتبعها عشريتين من الحكم الفاسد الدكتاتوري لتقضي على ما تبقى من عزته وكرامته ومختلف تطلّعاته ؛ ثمّ فكّكت الثورة على الأوضاع التي فعّلها حراك 22 فبراير والذي غيّره وبعث فيه روح النضال من جديد متوقفة عند مَشهَدِيّته وخصوصياته وخصاله وقيمه…
ثمّ، وبمداخلة عنوانها ضرورة الارتقاء من التعايش السلمي إلى التدافع الابداعي، تساءل الأستاذ جمال الدين بغورة، المتخصص في الإبستمولوجيا ومناهج العلوم عن كيف وصلنا إلى هذا الانسداد بين السلطة والشعب ؟ وأين كانت هذه الفضائل والخصال التي ظهرت الآن مع هذا الحراك ؟ وقارب المتحدّث هذه الأسئلة من خلال الوقوف، أوّلا، عند مفهوم الإعتراف ومجموعة مفاهيم أخرى تتعلّق به كمفهوم الإغتراب والإستلاب والتشيؤ ؛ ومن خلال اقتراح، ثانيا، مجموعة حلول مستندا في ذلك إلى فكرة استعادة الوطن والإختلاف والتعارف والتعايش السلمي والتدافع الإبداعي. 
الملفت للنظر أنّ تدخّلات الحضور وتفاعلهم مع الموضوع لم تكن كالعادة مجموعة أسئلة تُطرح على المحاضرين. أبدا، بل بتعقيبات جادة. يوم السبت 20 أفريل حاضر الجمهور كذلك. فكلّ من تدخّل من الجمهور قدم محاضرة لا تختلف في قيمتها عن ما قدَمه المتدخلون الرئيسيون، وكم كان جمهور الحَراك مفكّرا ومبدعا ورائعا !
موضوع ندوة السبت القادم 27 أفريل 2019 على الساعة الثانية زوالا هو المرأة والحراك الشعبي. فكونوا في الموعد. إلى الملتقى



شاهد أيضاً

الحب الخالد الذي صنع “ألف ليلة وليلة الغربية؟

قراءة في السيرة الروائي العالمي أونريه دي بلزاك هايل علي المذابي بقلم: هايل علي المذابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *