الرئيسية / منتخبات / عامة / سلافوي جيجك ونكتة الرجل المجنون

سلافوي جيجك ونكتة الرجل المجنون


نصير فليح


المرح والطرافة في الأدب والفن والفكر عموماً أمر معروف في تاريخ الثقافة البشرية وحاضرها، وله تجسدات كثيرة في كل هذه الجوانب. لكن أن يتم استخدام المرح والطرافة، بشكل النكات مثلا، لتوضيح افكار نظرية وفلسفية، فأمر ليس بالمعتاد كثيرا، وقد يظنه البعض يتعارض مع رصانة الفكر. ولكنه ليس كذلك أبداً، الا لمن وطّن نفسه على إقران الفكر الجاد والرصين بالتجهم او النمطية وهالة “الوقار الوهمي”، او لمن يفتقد اصلا هو نفسه الى حس المرح، هذه الموهبة لدى الانسان، التي تنظر اليها بعض المجتمعات بتقدير عال، بينما في مجتمعاتنا (ذات الاهتمام والتركيز على المظاهر اكثر من الجواهر بشكل عام) غالبا ما تتعارض مع صورة المكانة العالية والوقار المتكلف.
………….
الرجل الذي يخاف الدجاجة:
…………..
سلافوي جيجك من المفكرين والفلاسفة الذين يقدمون لنا مثالا على ذلك. فكتاباته التي لا تتردد في استحضار ما هو يومي وواقعي للتعبير عن فكره، تستخدم النكات والطرافة بشكل كبير لتوضيح افكار عميقة. وهل يمكن التعبير عن فكرة عميقة بحادثة او نكتة من طُرف الواقع او من نسج الخيال؟ نعم، بالتاكيد، كما نعتقد، اذا كانت ملائمة ومعبرة ودقيقة، واذا كان الشخص او الكاتب يملك حسا بالمرح طبيعيا وموفقا، لا استعراضا لذلك او اقحاما مملا له.
في تحليلاته لعصر ما بعد الحداثة، والتفكك السيكولوجي للانسان فيه، يستخدم سلافوي جيجك مصدرا من مصادر فكره الرئيسية، اي جاك لاكان، ومفهومه عن “الاخر الكبير” The Big Other. وبدلاً من ان نبدأ بتوضيح هذا المفهوم من خلال تعاريفه، فلنبدأ من النكتة التي يستخدمها جيجك:


رجل مختل عقليا يعتقد انه “حبة ذرة” ويخاف ان تأكله الدجاجة. فيأتي الى الطبيب بحثا عن المساعدة، فيخبره الطبيب انه انسان وليس “حبة ذرة”، وبالتالي فان الدجاجة لا يمكن ان تأكله. فيطمئن قلبه ويشكر الطبيب ويذهب، وبعد قليل يعود راكضا للطبيب ليخبره انه رأى دجاجة فعاد مهرولا. فيذكّره الطبيب انه انسان وليس حبة ذرة، فيرد المريض، نعم فهمت ذلك وعرفته، ولكن هل تعرف الدجاجة ذلك ايضا؟
والحق اني عندما قرأت هذه النكتة تذكرت اني سمعت نسخة عراقية منها قبل عقود من الزمان، ولكنها كانت بصيغة رجل يخشى ان تأكله القطة، وما عدا ذلك فانها نفس التفاصيل.
ان معرفة حيثيات موضوع ما، اي كون الرجل انساناً وليس حبة ذرة، وبالتالي فان الدجاجة (او القطة) لا يمكن ان تأكله، امر يفترض انه كاف ونهائي لحسم الموضوع. ولكن هناك جانب في النفس البشرية، لا يصادق على “المعرفة” المتوفرة في حيثيات موضوع معين، الا مع احساس ضمني بمصادقة خارجية عليه ايضا، أي “الآخر الكبير” وهو في هذه الطرفة الدجاجة. مفهوم “الاخر الكبير” اللاكاني يشير الى القواعد او القوانين او الاعراف او الاجماع الواسع النطاق على امر ما من قبل المجتمع، وكيفية تأثير كل ذلك في الجانب اللاواعي في سيكولوجية الانسان.
وجيجك يشير الى ان هذا “الآخر الكبير” أمحى او تراجع كثيرا في عصر ومجتمعات ما بعد الحداثة، وبالتالي بات الانسان فيها حرا الى حد كبير في الاختيار في جوانب حياته وممارساته المختلفة. ولكن، كما يقول جيجك، اننا حصلنا على أكثر مما راهنا عليه، بمعنى غياب هذا الناظم السيكولوجي مما يؤدي الى حالة من الهشاشة النفسية والشعور بالضياع الذي يتجلى في السعي المحموم وراء المزيد من المتعة التي لا يمكن اشباعها اشباعا نهائيا تاماً.
…………….
مجتمعنا و”الآخر الكبير”:
………………
مجتمعاتنا تختلف كثيرا بالطبع عن مجتمعات ما بعد الحداثة. لكن في ما يخص مفهوم “الآخر الكبير” يمكن بدورنا ان نلاحظ في حياتنا الكثير من الامثلة على ذلك. مثل ممارسة الناس لافعال معينة لانها تتماهى مع الاعراف والتقاليد لا العقل ولا الحيثيات المعرفية المتعلقة بالموضوع المعني. وحتى محاولة بعض الافراد او الشرائح لتخطي هذا الشعور بالاجماع الضمني، اي السعي الى تقييم امر ما على اساس الحيثيات الفعلية المرتبطة به، تواجَه لا من الخارج فقط، بل من داخلهم هم انفسهم عقبات “الآخر الكبير” التي عليهم تخطيها. وكل ذلك مرتبط بشبكة واسعة من المواضيع بالطبع، من ابرزها قوة العادات والاعراف الاجتماعية، والسيكولوجية الجمعية، وتأثيرات “المكانة الاجتماعية” social status في مجتمعاتنا ونفوسنا.
ولنأخذ مثالا من وسطنا الثقافي، حيث موضوع المكانة status الثقافية، وقوتها الرمزية، مثال واضح على هذا. فالكثير من الاسماء الثقافية مثلا نالت مكانتها المميزة بفعل عدة عوامل لا علاقة لها بحيثيات الموضوع، اي المنجز الثقافي ونوعيته. وانما ترسخت هذه المكانة بفعل عوامل أخرى، حتى اصبحت أمرا واقعا يشعر به الاشخاص كما لو كان امرا حقيقيا مفروغا منه. وهذه العوامل الاخرى مثل اقتران المكانة الثقافية بالمنصب، او الترويج الاعلامي، او القدم الزمني، او العلاقات الشخصية على سبيل المثال، التي صنعت اسماء ومكانات من هذا النوع، حتى لو كانت معروفة للمتعامل معها، اي انه يعرف انها بلا منجز حقيقي ثقافي او ابداعي او معرفي، فان التاثير السيكولوجي شيء آخر. وهكذا، مثلا، نجد ان اشخاصا قد يعرفون ان (س) من الناس اهم شعريا او سرديا او فكريا او فنيا من (ص) على اساس حيثيات عمله ومنجزه وفكره نفسه. ولكن ما ان يحضر (ص) من الناس حتى نجد الكثيرين يتركون مجلس (س) ويهرولون الى مجلس (ص) كما يهرول الرجل الذي تخاف ان تأكله الدجاجة. بل ويمسون صاغرين منصتين من الدرجة الأولى حتى لو ان ما يسمعونه ليس ذي اهمية. فالمسالة لم تعد معرفية، بل سيكولوجية تتلبس لبوس المعرفة.
بالطبع للموضوع جوانب اخرى، مثل المنافع الشخصية او “البروتوكولات الاجتماعية” في مجتمع معين. وهناك عوامل او عناصر دعم، مما يسميه (بورديو) الرأسمال الرمزي، الثقافي والاجتماعي، و”المجال” المعني للشريحة المحددة التي يتحرك فيها عمل او شخص او منجز ما ضمنه. ويكاد يكون من المتعذر الفضل التام بين المنجز من جهة، وشيفرات التداول المحددة في مجال اجتماعي او ثقافي محدد من جهة أخرى. لكن بالطبع فرق كبير بين ان لا يشعر الانسان ان لديه صورة واضحة او كافية او دقيقة عن موضوع معين وعن نفسه وعن الآخر، على سبيل المثال، وبين “الآخر الكبير” عندما يتحول الى محرك للسيكولوجية الجمعية على نطاق واسع وعميق.

شاهد أيضاً

وجه الجامعة…من وراء نقاب

فتحي المسكيني هل ثمّة علاقة ضرورية بين العُري والحقيقة؟ أو على الأقلّ بين المعرفة والوجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *